موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
وَالِدِيْ كَمَا عَرِفْتُه عدد القراءات : 674
سماحة الشيخ ضياء الدين

الحمد لله الذي لا يحصي مدحته القائلون, ولا يجزي بآلائه الشاكرون والعابدون والصلاة والسلام على خيرته من خلقه, وهداته في بريته, محمد والمنتجبين من عترته.
السلام عليك يا مولاي يا صاحب الزمان وعلى آبائك الطاهرين وعزاء إليكم بأحد فقهائكم الأتقياء, كنتم أوليائه وكان شرعكم نهجه, وإقامة مذهبكم غايته, حتى التقاكم وأنتم هدفه في الدنيا والآخرة.
السلام عليكم أيها الأخوة الأحبة والمؤمنون, المحتفلون بذكرى أبٍ لكم كان عزيزاً عليه ما عنتم, حريصاً على استقامتكم في إتباع نهجه الحق ناذراً لله نفسه في حمل مشعل الهدى بينكم وإقامة الإصلاح في مجتمعكم وفي ذات أنفسكم.
بذكرى أبٍ كانت آلامكم وخزاتٍ عميقة في قلبه حتى لقي ربه, وكان تحقيق الصالح من آمالكم أقصى مناه, وخالص دعائه إلى الله أناء الليل وأطراف النهار.
وعزاء إليكم بهذا المصاب الجلل الذي نشترك فيه جميعاً, فلم يكن مثل الشيخ محمد أمين مختصاً بأسرته وأقربائه في النسب أبداً فذلك النور الذي كان يحمله سماحته قدس سره أجل من تحده زاوية اجتماعية معينة وذلك القلب الطاهر فيه أكبر من أن يختص به أحد دون مدى رسالته التي تحمّلها في حياته, وتلك الروح الزاكية أوسع من أن تستأثر بها فئة دون حدود مسؤوليته التي أخذها على نفسه مع الله.
نعم – أيها الأحبة – فقدنا الشيخ زين الدين أباً باراً يتسم بكل ما تعنيه الأبوة من رحمة وحنان وحب عميق, وفقدنا مربياً له كل ما يحمله المربي العظيم من طاقات تمكنه من الارتفاع لمن يربيه إلى ما يريده من الكمال.
وفقدنا حمىً نلجأ إليه في الشدائد وحصناً منيعاً نركن إليه في شبهات الفكر ومزالق الحياة.
فقدنا الشيخ زين الدين فقدنا به وضوحاً في معالم الحق قلّ أن نجده عند غيره.
وفقدنا به استقامة في سبيل الهدى لم تنحرف بها الأيام رغم ما فيها من سرور أو مكاره.
وفقدنا به ثباتاً على الحق لم تزغ به شدائد الحياة أو مغرياتها.
وفقدنا به رؤية صادقة للمستقبل أيدتها الأيام في معظم توقعاتها فكان المثل الأسمى لكلمة العصمة الخالدة: ( المؤمن ينظر بنور الله ).
أيها الأحبة: لا أضنكم تشكون في صدقي وأنا أقول لكم أنني ومن خلال عشرتي الطويلة معه لم أره محابياً لأحد من الناس على حساب أحد ولم أشاهده مجاملاً لأحد من الناس على حساب الحق, أو على حساب رسالته ومسؤوليته في الحياة.
عندما كان قدس سره يقول الكلمة, أو يصدر الأمر والنهي في بعض الأحيان بشكل نعتقده, حتى نحن, أنه عفوي ثم ما إن تمر الأيام إلا وتثبت أن ما صدر منه كان عين الصواب ولو بعد زمن طويل, وأنه عين الحكمة, وكأنه كان يستبق الزمن في رسم ما يحدث.
كنت أمر – وبحكم دراستي الدينية ودخولي في معترك النزاع الفكري والديني من جهة وبحكم المسؤوليات العظمى التي يقتضيها عملي في خدمته خلال السنوات الأخيرة من حياته قدس سره – كنت أمر بمزالق في الفكر حتى لا أكاد أجد لقدمي مستقراً.. وأسرع إليه لاستجلاء حقائق الأمور, أو الاستلهام المناسب من المواقف.. ثم – ومن خلال كلمات قلائل منه أو إشارات سريعة – يتضح لي كل شيء وتستبين لدي السبل.
وكانت تمر بي – وبحكم الظروف الصعبة في الحياة, وملامستي القريبة لمشاكل الناس وآلمهم – كانت تمر بي ضوائق حرجة حتى أشعر أن الدنيا أطبقت على صدري فلا متنفس ولا مخرج.. ولكن ما إن ألتقيه وأستمع إلى كلماته المطمئنة بذكر الله أو دعاء مخلص إليه تعالى إلا وتنفرج أمامي آفاق الحياة, بل وقد يجعلني استعذب مرارة تلك الضوائق وكأنها من ألذ ما يأمله الإنسان السعادة والهناء.
أيها الأخوة: افتقدنا الشيخ الأمين علماً من أعلام رسالة الله في هذا العصر, وحجة من حجج الحق في هذا القرن, وفقيهاً ورعاً من فقهاء أهل البيت عليهم السلام حمل مشعل الهدى في حياته وسبق به وذاد عن حياض شريعته فوفِّق في جهاده.
أقول: افتقدنا الشيخ الأمين، ولا أقول: ما ت، فمثل هذا العلم الخالد أسمى من الموت.
لم يمت زين الدين وإن فارقت روحه الزكية جثمانه الطاهر, ووسدناه بأيدينا في ملحودة قبره الذي سيضمه إلى يوم يبعث.
لم تمت من الشيخ زين الدين تلك الروح التي أوقفها على خدمة مذهب أهل البيت عليهم السلام, فامتزجت في ولائها وجهادها وجهودها برسالة هذا المذهب وكلمته العليا في هذا العصر, ودلائل حجته أمام البصائر, وستبقى مادام هناك أثر أو مؤلف لهذا العلم يقرأ في المكتبة الإسلامية على مر العصور.
لم يمت من الشيخ زين الدين ذلك الخلق الرفيع الذي تجسد فيه ورع الصالحين, وهدى أهل البيت عليهم السلام, والشجاعة في قول كلمة الحق كأظهر وأروع ما يبرز فيه التجسد وكان خير مثل يمكن أن يقتدي به في هذه العقود الأخيرة كل من عرف هذا الرجل الأمين.
لم يمت من الشيخ زين الدين ذلك القلب الكبير الطيب الذي نهل حب الله تعالى من معين أهل البيت عليهم السلام فملأ بهذا الحب قلوب من اتصل به بنسب أو بسبب, ورام أن يقبّس منه مبتغاه.
لقد كان من وصايا سماحته قدس سره إلينا والتي كان يؤكدها علينا في كل مناسبة فهي دعوته إيانا في التدبر والتأمل الوافي للقرآن الكريم, وفي كلمات الرسول صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام وخصوصاً ما ورد منها في كتاب تحف العقول عن آل الرسول ودعوته الدائبة لنا أن تصبح تلك الكلمات والوصايا حقائق في ذواتنا وملامح واضحة في سلوكنا وعلامات مضيئة في حياتنا.
أما آخر دعاء كان المرحوم سماحة الشيخ الوالد يردده حتى حينما كان ينتبه بين حين وآخر من غيبوبته التي سبقت وفاته: ( اللهم بلغني سؤلي أنا ومن يعنيني أمره حتى لا نحتاج إلى رحمة أحد من المخلوقين ) ختاماً أكرر عزائي إلى مولاي صاحب العصر وآبائه الطاهرين ولكم أنتم أيها الأحبة مع جزيل شكري وامتناني لكم بما قدمتموه لنا من مواساة خففت علينا هذا المصاب الأليم, ودعائي إلى الله العلي القدير أن يسد الثلمة التي خلفها فقد هذا الفقيه العظيم بعلماءٍ أتقياء عاملين يواصلون حمل المسؤولية في رفع راية الحق, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ضياء الدين زين الدين
النجف الأشرف


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33154 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟