موقع آية الله العظمى الشيح محمد أمين زين الدين قدس سره
 
رحيل العلامة زين الدين .. لحظة من الذاكرة عدد القراءات : 785
الأستاذ خالد توفيق

عندما اطلعت للمرة الأولى على كتاب (إلى الطليعة المؤمنة ) راحت نفسي تتطلع إلى مؤلفه فيما ينطوي عليه من روح شبابية متوثبة وقلم متفتح, وصرت أتساءل :

هل المؤلف شاب ألف روح الشباب وعايش همومهم وانغمر في قضاياهم فراحت نفسه تنساب بهذا القلم السيال والعاطفة المتأججة ؟ فأجابني من أخبرني أن مؤلف ( إلى الطليعة المؤمنة ) العلامة محمد أمين زين الدين يربو على الستين , ولا تكاد تعثر في كريمته – إذا رأيته – على شعرة واحدة سوداء تساءلت – ثانية - : وهل يتكلم لغة الشباب وينزل إلى مسايرتهم لضرورات التربية وممارسة العمل الدعوي ؟ رد العارفون: كلا بل هذه سجيته, وما تلمسه في قلمه وبقية كتبه مثل:

( الأخلاق عند الإمام الصادق (ع) ), ( العفاف بين السلب والإيجاب), ( من أشعة القرآن ), ( الإسلام, ينابيعه, مناهجه, غاياته ) وغيرها, هي لا يريم عنه ولم يتكلفه بالاكتساب.

وكيف لي أن أتأكد من ذلك ؟ رد العارفون: جرب بنفسك أن تلتقي به ولو للحظات, وعندئذ سيكون لديك الدليل الشافي.

توكلت على الله وذهبت إلى حيث قيل لي أنه يتواجد – صباحاً – في حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بمدينة النجف الأشرف. لمحته من بعيد وقد اطمأنت نفسي إلى أنني عرفته لتطابق ما سمعت عنه مع ما رأيته منه.فسعيت أن لا أبادئه بتحية وإنما أمكث أراقب حركاته ولحظاته لأمتحن ما يحكى عن قابلياته الاستثنائية في جذب الشباب, وجرهم إليه باللحظات واللفتات وبسحر شخصيته المهيبة التي يجللها شيب أبيض يسدل ظلاله على شعر رأسه وكريمته ثم بلسانه الذرب وأخلاقه الرفيعة.

صرت أمر من أمامه دون أن أبادره بالتحية, ونظراته تحيطني من كل جانب, بحيث كنت أحس بلهبها وأنا أبتعد عنه خطوات.

ظل يتابعني بوجهٍ مشرق وبابتسامةٍ تفتر عن ثغرين كريمين, تزيده مهابة, وكأنه عرف ما أبيته بداخلي وإصراري على أن يكون هو صاحب المبادرة.

اقتربت منه مرات يمدني عناد الشباب بطاقة في الإصرار على موقفي, إلى أن انهار كل شيء في لحظة واحدة عندما رأيت نفسي أمامه وأنكب على يديه مسلماً عليه. وعندئذ التهمني بكلمات الترحيب التي يؤازرها محياً طلق.

فأنساني عنادي, وذابت الكلمات فلم أعد أعرف ما أجيب به على أسئلته وهي تنهال علي بالترحيب وبالسؤال عن أحوالي وأوضاعي وكأني صديق له قديم, تجمعنا أواصر المودة بأونق أربطتها, بل وكأنه زميل لي أنا الشاب الذي لم أتجاوز العشرين بعد, وهو العالم الفذ والمرجع الديني والمربي الكبير والمفكر محمد أمين زين الدين.

حصل ذلك قبل عشرين عاماً من الآن وربما أكثر, ثم دار الزمن بعجلته دورات, تغير فيه الكثير من الأشياء, إلا أخلاقية زين الدين وأسلوبه الأخاذ في الكتابة, ونمط عشرته الآسر مع الناس وبالأخص مع الشباب.

غفلت عنه وعن كتاباته وعن نهجه التربوي وأسلوبه الفذ في تبويب المسائل الفقهية والإطلاع بأعباء المرجعية مع أن لديه الكثير مما يفوق ما لدى بعض أسماء الضجة التي اشتهرت دون أن تملك ما يرفعها لتلك الشهرة.

والعجيب أن هذه الغفلة دامت برغم توافر المؤشرات التي يمكن أن تعيد الإنسان إلى ذاكرته ففي مبادرة ممتازة عملت منظمة الإعلام الإسلامي على طبع بعض كتبه ونشرها قبل سنوات, ثم بادر الناشرون الآخرون إلى طبع جميع أو معظم كتبه بما فيها رسالته الفقهية في الفتوى التي تحمل عنوان ( كلمة التقوى ) وتعد مشروعاً أساسياً من مشاريع التيسير الفقهي التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

ثم حصل ما أعادني إلى صميم تلك اللحظة وإلى عالم العلامة محمد أمين زين الدين, عندما دق صوت الهاتف قبل أيام وصديق يقول: ستقام الفاتحة غداً على روح المرحوم الشيخ محمد أمين زين الدين الذي توفي في النجف الأشرف أواخر صفر, بالتزامن مع ذكرى وفاة النبي الأعظم.

من هو محمد أمين زين الدين ؟ لكي لا يضاعف الظلم على هذا الرجل الفذ سأكتفي بنص آخذه من المرحوم الشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب موسوعة ( الذريعة ) فيه ما يزيد على ذهول الإنسان, وهو يرى الشيخ الطهراني يترجم لزين الدين قبل عقود من الآن بكلمات تطوي حقائق كبيرة عن علمية هذا الرجل وبراعته ومكانته, بحيث استطاع أن يفرض نفسه على صاحب الذريعة, الذي لم يرى وداً من الترجمة له, برغم أن الشواهد تدل على أن الترجمة تعود إلى عقود مديدة مضت وربما إلى خمسين سنة سلفت يوم لم يكن زين الدين قد تجاوز الأربعين مثلاً.

يكتب الشيخ آغا بزرك الطهراني في ( نقباء البشر ) إن الشيخ محمد أمين زين الدين ولد عام 1333هـ ( 1914م ) ثم يقول في ترجمته:

(( عالم أديب أخذ أوليات العلوم وبعض المقدمات في قريته, ثم هاجر إلى النجف لتكميل دراسته سنة 1351هـ, فحضر بحث العلامة الشهير الشيخ ضياء الدين العراقي سبع سنين, وكتب تما تقريراته بالأصول, وأخذ الفقه إلى الحجة الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمباني, كما أخذ الحكمة عنه وعن حسين البادكوبي, وهو اليوم من الفضلاء المبرزين في حلقات دروس أعلام العصر وممن يشار إليه في الكتابة والنظم والتقوى وحسن السيرة وله تصانيف جيدة نافعة )) ( نقباء البشر, ج1, ص179 ).

كما تلحظ له ترجمة منشورة في معجم رجال الفكر والأدب في النجف (ج2, ص651 ) للأميني, وترجم له أيضاً علي الخاقاني في شعراء الغري ( ج7, ص294 ).

وممن مر على سيرته كذلك مواطنه الكاتب البحراني سالم النويدري في كتابه (أعلام الثقافة الإسلامية في البحرين "14" قرآناً).

مما يشهد الإنسان إلى عالم العلامة الراحل محمد أمين زين الدين هو غيرته الشديدة للدين وحماسه الكبير في نصرة أهل البيت عليهم السلام. والشواهد كثيرة تأبى الحصر وإذا كان لا بد من مثال فيمكن أن نحيل إلى كتابه الذي أصدره سنة 1951م رد فيه على أراجيف د.أحمد أمين في كتابه ( المهدي والمهدوية ) حمل عنوان: ( مع الدكتور أمين في حديث المهدي والمهدوية ).

وكذلك نقوضاته على أحمد أمين وغيره في كتاب (( الأخلاق عند الإمام الصادق (ع) )) الذي أعادت منظمة الإعلام الإسلامي طبعة وكان مما قدمت له..
( وقد قام يبحث هذا الموضوع أستاذنا الجليل العلامة زين الدين وهو ممن تأصلت فيه المناقبية الإسلامية وربى عليها جيلاً من الواعين) .

وعلى ذكر التربية, تذكر مصادر الترجمة إن من بين, تذكر مصادر الترجمة أن من بين تلامذة زين الدين المرحوم السيد مصطفى جمال الدين, والسيد محمد بحر العلوم، والشيخ عبد الهادي الفضلي ( في الأخلاق ) والشيخ محمد مهدي الآصفي ( في الأخلاق أيضاً ).

ومن علائم غيرته كنت أود أن ألبث لحظات مع الرسالة التي كان بعث بها إلى الشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف المصري بمناسبة الاعتراف بالمذهب الجعفري مذهباً رسمياً ومبادرة وزارة الأوقاف لنشر كتاب ( المختصر النافع ) للمحقق الحلي.بيد أن ضيق الحيز وعجلتنا من الأمر, لم يتركا لنا الفرصة الوافية للمكوث في عالم العلامة زين الدين أكثر ، بانتظار فرصة أخرى بإذن الله .

الأستاذ / خالد توفيق
عن أسبوعية كيهان العربي الدولية
العدد / 3869


موقع زين الدين » المشاهدات لـ (مقالة) : 33163 البريد الإلكتروني الإصدار 1.7 © 2002 - 2010 م
 
ï»؟