بسـم الله وله الحـمد
الحمد لله إيماناً به ، وتصديقاً بكتابه وإطاعة لأمره ، واتباعاً
لكلمته ، وصلاته وسلامه على خيرته من خلقه ، محمد والمنتجبين من عترته
.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله ، وغيبة وليّنا ،
وكثرة عدونا ، وقلة عددنا ، وشدة الفتن بنا ، وتظاهر الزمان علينا ،
فصل على محمد وآل محمد ، وأعنا على ذلك بفتح منك تعجّله ، وبضر تكشفه ،
ونصر تعزه ، وسلطان حق تظهره ، ورحمة منك تجللناها ، وعافية منك
تلبسناها ، برحمتك يا أرحم الراحمين .
السلام عليكم أيها الإخوة الأجلاء والأبناء النجباء ورحمة الله وبركاته
:
اقترح عليّ بعض الأعزاء أن يكون حديثي هذا معكم حول
الوحدة الاجتماعية
وما رسمه الإسلام لها من حدود ، وما هيأ لها من ركائز وأصول ، وما أعده
لتحقيقها من أحكام وحقوق وواجبات ، عسى أن نستكمل حياتنا ووجودنا في
جني ثمارها الزكية ، ونيل آثارها العظيمة في استقامة مجتمعنا المسلم ،
وعزته ومنعته ، ونبلغ ما أعده الله لهذا المجتمع من درجات عليا في
المجتمعات الإنسانية المختلفة ..
وقد قدرت لهذا الأخ الكريم اقتراحه هذا ، مما دعاني إلى تلبيته ، لما
للوحدة من أهمية كبرى في الحياة الإنسانية -بشكل عام-، وفي حياة
المسلمين –بشكل خاص- كمجتمع وكأمة ، وفي حياتهم كأفراد أيضاً ، وما لها
من أهمية في رفعة شأنهم بين المجتمعات الإنسانية ، ولا سيما في هذا
الوقت الحساس ، الذي اشتدت فيه حمى الصراع بين الحق والباطل في شتى
الأصعدة والمجالات ، وطبيعي أن تكون الوحدة الاجتماعية هي أولى الضحايا
في هذا الصراع .
وهذا ما يجب علينا الالتفات إليه ومواجهته ، لأنها الحقيقة التي يجب أن
نأخذها بالحسبان بكل ما فيها من حدة ومرارة ، وأن نعدّ لها العدة
المناسبة ، وإن استوجبت منا شيئاً من المعاناة والتضحية .
بل ويجب علينا أن ندرك –في الوقت نفسه- أن مواجهتنا للحقائق ، وإعدادنا
لها ، ليس من أجل بقائنا كأفراد وكمجتمعات لها طابع الإسلام وسمته فحسب
، فهذه المسؤولية مما لا يمتاز بها المسلمون عمن سواهم من الناس ، إذ
أن كل شعب من الشعوب ، وكل أمة من الأمم ، تتحمل مسؤولية اسمها وطابعها
الاجتماعي الذي تعرف به ، وإنما مواجهتنا وإعدادنا من أجل مسؤوليات
كبرى أخذناها على عاتقنا أمام الله وأمام دينه الحنيف وشرعته المقدسة
حينما التزمناها مستمسكاً واتخذناها نهجاً .
نعم ، فنحن قد أخذنا على عاتقنا إقامة الحجة الإلهية في البشرية ،
وتعهدنا حمل مشعل الهدى الإلهي فيها ، لنسلمه للأجيال اللاحقة ، بيّن
البرهان صافي النور كما أعده الله ، عزيزاً كما شرعه ، منيعاً كما
أراده .
( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ..) .
ومن أهم هذه الحقائق التي يجب أن نستذكرها هنا ، ونعد لها العدة
المناسبة ، ونوجه إليها كل ما نملكه من طاقات وإمكانات : عامل الصراع
الذي ذكرته ، إذ يجب أن ندرك أننا أول من يستهدفهم ذلك الصراع المبدئي
بين الحق والباطل ، ونحن أول من اتفقت كلمة أتباع الباطل كافة على
التصدي لهم من البشر ، واستئصال شأفتهم ، بل واستئصالهم كليا من الوجود
حين يجدون إلى ذلك سبيلاً ، فالمثل الأخلاقية ، وحقوق الإنسان ، وغيرها
من الشعارات البراقة لا دور لها في العلاقة مع المسلمين –كما يشهد به
الواقع القائم- .
فنحن مستهدفون في إسلامنا بكل ما يحويه الإسلام من حقيقة ..
مستهدفون في فكرنا ، وفي مثلنا ، وفي قيمنا ، وفي أخلاقنا ، وفي
مناهجنا ، وفي كل آفاق حياتنا العامة والخاصة ..
ومن هذه الآفاق -بالطبع- وحدتنا الاجتماعية .
ولأن العدو يدرك أن هذه الوحدة من الأسس الأولى لمنعتنا وعزتنا ، و أحد
المنابع الرئيسة لقوتنا في التصدي للعوادي و الصمود أمامها ، فمن
الطبيعي –حينئذ- أن تصبح من أهدافه الأولى في الحرب معنا ، لأن نجاحه
في القضاء عليها يعني قدرته على فتح أبواب المجتمع المسلم أمامه لينال
منه ما يشاء ، وإخضاع جميع مقدراته لكي يتلاعب بها كما يريد دون وازع ،
ويحقق فيها ما يرغب دون محاسب .
ولهذه الأهمية فقد أولى الإسلام لهذه الوحدة الاجتماعية فيما بين
أبنائه اهتمامه الكبير ، فقد قال (تعالى) :
( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ .(1)) .
( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ .(2)) .
أما الأحاديث الواردة في هذا المضمون فهي أكثر من أن تحصى ، ويكفينا أن
نقرأ منها ما اشتهر عن الرسول الأكرم (ص) إذ قال : (
مثل المؤمنين في
توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمّى ) .
وعن شعيب العقرقوفي قال : سمعت أبا عبد الله (الإمام الصادق) (ع) يقول
لأصحابه : (اتقوا الله وكونوا إخوة بررة متحابين في الله ، متواصلين
متراحمين ، تزاوروا وتلاقوا ، وتذاكروا أمرنا وأحيوه (1)) .
ومن هنا فقد شّرع الإسلام لهذه الوحدة الاجتماعية من الأصول والحدود
والمناهج ما يستقيم والغايات الكبرى التي يطمح إليها في مجتمعه
الإسلامي الرفيع .
وجعل الإسلام هذه الوحدة واحداً من أعمق الأبعاد في أي حقيقة قدمها
للإنسان ، وركناً في أي منهج شرعه ، وفي أي حكم سنه ، في أي من الأصعدة
الإنسانية المختلفة ، وإن كان بعيداً في ظاهره عن الصعيد الاجتماعي ،
وحينئذ فمن الضروري أن تصبح هذه الوحدة أحد الأبعاد العميقة –كذلك- في
استمساك المسلم بدينه ، وفهمه لحدوده ، واتّباعه لنهجه ، لتصبح -من ثم-
أحد الأبعاد العميقة في مسؤولياته الكبرى في الحياة ، وهو يسعى إلى
امتثال أمر الله ونهيه ، واتباع دلائل حجته ، وإقامة أحكامه ، سواء في
صعيد علاقاته الخاصة بذاته ، أم في صعيد علاقاته العامة بالمجتمع ، أم
في غير ذلك من العلاقات التي تحكم أصعدة الحياة وجوانبها المختلفة ..
نعم ، حتى في علاقاته المبدئية الأولى ببارئه العظيم ، وإيمانه به
(تعالى) ، وبنبيه الكريم (ص) ، وتولّيه للعترة المنتجبين من آله (صلوات
الله وسلامه عليهم أجمعين) ، فإن تلك الوحدة الاجتماعية لها مدخلية
تامة في بلورة هذه العلاقات ، وتحديد ملامحها ، وهاهو الرسول الكريم
(ص) نفسه يقول :
(أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض
(2)) .
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال : (ما عبد الله بشيء أفضل
من أداء حق المؤمن (3)) .
ولنعلم -أيها الأحبة- أن ملاحظة الوحدة الاجتماعية من هذا المنطلق
–بالذات-، ورؤية دورها في الكيان الإسلامي العام ، هو الذي يضعنا في
الطريق القويم ، حين نسعى إلى الفهم السليم للحقائق والمناهج والأحكام
الإسلامية التي تعنى بمنهجة الحياة الإنسانية كلها ، ونطمح إلى الإدراك
الواضح لما تقوم عليه هذه المناهج من أصول عامة يعتمدها الإسلام في
بناء هذه الحياة ، لا في خصوص ما يتعلق بالمجتمع منها فحسب ، وإنما في
جميع ما يطرحه الإسلام منها ، سواء في صعيد الفرد ، أم في صعيد المجتمع
، أم فيما هو أوسع من ذلك .
كما أن إدراكنا لمسؤولياتنا من هذا المنطلق –بالذات-، وتعاملنا مع تلك
الحقائق والمناهج من خلاله ، هو الذي يضعنا على بصيرة تامة في الوفاء
بهذه المسؤوليات كما ينبغي لنا، وكما يؤمل منا كمسلمين أقمنا وجوهنا
لله (تعالى) ، وكمؤمنين عقدنا ضمائرنا وعقولنا على التصديق برسله
ورسالاته ، واتباع كلماته .
* * *
قلت إن الوحدة الاجتماعية هي أحد الأبعاد العميقة في أي حقيقة يقدّمها
الإسلام للإنسان وفي أي شأن من شؤون الإنسان وردت هذه الحقيقة، لأن
الحياة الإنسانية – كما نعلم- متداخلة الأبعاد، حيوية التكامل
والانتظام، بحيث لا يمكن تجريد بعض جوانبها عن بعض، أو فصل جانب من
جوانبها عن غيره، ويخطئ من يحاول أن يستوعب فكرة حقيقيّة عن الإنسان
وشؤونه لو اقتطعه عن بعض جوانبه، مهما حاول التعمّق في دراسة الجوانب
الأخرى، وهذا ما منيت به المدارس الفلسفية والنفسية والاجتماعية
والتربوية القائمة، إذ أن أياً منها لم يبلغ الحقيقة في أي من جهوده،
ولن يؤمل منه الوصول إلى الواقع في يوم من الأيام في الوقت الذي يعتمد
هذا الاقتطاع والتجزئة لكيان الإنسان وحياته، فالجسم الحي إنما هو وحدة
حيوية قائمة وإن تعددت أجهزته وأعضاؤه إلا أنه تستحيل فيه الحياة مع
التجزئة والانفصال وعدم التكامل فيما بين تلك الأجهزة والأعضاء.
أما الإسلام - وهو دين الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها - فمن
الطبيعي أن يلحظ في كل منهج من مناهجه، وفي كل أصل من أصوله، وكل حكم
من أحكامه ذلك الاستيعاب والتكامل اللذين بنيت عليها فطرة الإنسان
ووجوده وحياته، ولا ريب أن هذين العنصرين يعتبران من الأصول الإعجازية
في الإسلام، حيث لا يستطيع أن يبلغهما جهد بشري بنفسه -- مهما بلغ -
دون مدد رباني خاص.
وفي المقابل فإن هذين العنصرين يجب أن يكونا ركنين أساسيين في فهم
المسلم لرسالته في الحياة، وفي التزامه بدينه واستجابته لأحكامه. وإلا
قصر عن الوفاء بمسؤولياته وابتعد عن تحقيق غاياته..
وهكذا كانت الوحدة الاجتماعية – والتي هي موضوع حديثنا هنا – جزءاً من
عبادة الإنسان لبارئه، ومظهراً من مظاهر طاعته لأمر الله ورسوله، وركنا
من أركان تولّيه للمصطفين من أنبيائه ورسله، وأوصيائهم المنتجبين(ع)،
كما أن التقصير في إقامة هذه الوحدة خلل في صميم تلك العبادة وهذه
الطاعة والتولّي..
وهي حقيقة لابد لنا من الإيمان بها والتسليم لحدودها بعد ما لاحظناه من
ذلك الاستيعاب والتكامل في الحياة الإنسانية نفسها - من جهة - وفي
النظرية الإسلامية العمة حول هذه الحياة - من جهة أخرى -.
ولكن السؤال الأكبر والمهم هنا هو : هل يمكننا أن نلتزم بهذه الحقيقة
في الميدان العملي من حياتنا، فنجعل من هذه الوحدة الاجتماعية
الإسلامية ركناً أسـاسياً في مجريات هذه الحياة ؟.
أعتقد أن هذا السؤال سيبقى بلا جواب، ولكن يجب علينا أن نعلم في الوقت
نفسه مبلغ جنايتنا على أنفسنـا وعلى بلدانا، وعلى الأجيال اللاحقة التي
ستعقبنا في هذه البلدان المباركة.
أيها الأخوة :
أما الأصول التي شرعها الإسلام لتحقيق هذه الوحدة الاجتماعية بين
أبنائه، فنقف نحن الآن عند أصلين مهمين بيّنهما القرآن، وأكدتهما نصوص
العصمة.
أحدهما : الأخوة المؤمنة : (
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )..
ثانيهما : ولاية الإيمان : (
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاء بَعْضٍ )..
ولا ريب أننا قد ألفنا هذين الأصلين حيث وترددا في مسامعنا كثيراً خلال
أيام حياتنا، ولكن السؤال هو إلى أي حد بلغ فهمنا لكل منهما، وإلى أي
حد كان اتباعنا تبعنا لحدودهما التي شرعها الإسلام لهما ؟..هذا ما
ينبغي لنا الوقوف عليه هنا، ولو بنحو مجمل سريع..
وفي البدء، لابد من الالتفات إلى أن كلاً من مفهوم الأخوة تلك، وهذه
الولاية ؟ مفهوم إسلامي، لا يمكن معرفته أو الوقوف على حدوده
ومستلزماته وآثاره إلا من خلال الدلائل الإسلامية خاصة، لأن الالتزام
–كما نعلم- إنما هو شأن الملتزم نفسه، والاعتبار إنما يتحدد بما يريده
المعتبر وحده دون من سواه.
أما مفهوم الأخوة المؤمنة، الوارد في الآية السابقة من سورة الحجرات،
وخلافاً لما يتصوّره البعض من الناس ومنهم بعض المفسرين، من أنه تعبير
مجازي اعتمد الاستعمال القرآني فيه التشبيه، من أجل توطيد العلاقة ما
بين المؤمنين، وكأنه يقول إن ما بين كل مؤمن وآخر من القرب والتلاحم
وقوة الصلة ما يشبه ما بين الأخوين لأب واحد وأم واحدة.
أقول : فمفهوم الأخوة المؤمنة وخلافاً لهذا التصور القاصر، إنما هو
اعتبار إسلامي خاص، وحّد من حدود الله (تعالى) في المجتمع المؤمن
وموضوع لأحكام إسلامية كثيرة، وبعد إسلامي دخيل في النظرية الإسلامية
العامة لبناء المجتمع، ويجب على المؤمن الحق أن يلحظها من هذا المنطلق
بالذات، ويتمثل حدودها ويستجيب لمستلزماتها، كما يتمثل لأي حكم إسلامي
آخر ويستجيب لأي أمر أو نهي يرد في التشريع الإلهي..ولا يجوز تجاوزه أو
مجانبته، إلا حيث يخرج الإنسان عن حدود الله، وأمره أو نهيه.
ولهذا، فكما أن للأخوة النسبية في الإسلام حدودها وشرائطها وأحكامها
التي تجب مراعاتها في أبواب النكاح، وصلة الرحم، والنفقات وشبهها..
وكما أن للأخوة الرضاعية حدودها وشرائطها وأحكامها أيضاً في أبواب
النكاح، وجواز النظر بين الجنسين المختلفين وغير ذلك..
كذلك للأخوة الإيمانية أحكامها كذلك في الحقوق والواجبات التي يجب أن
يقام عليها المجتمع المؤمن، ويمكننا أن نقرأ هنا بعض ما ورد في هذه
الأحكام لاستذكارها، ومعرفة مدى أهمية هذه الأخوة في دين الله.
فعن أبي عبدالله الصادق"ع" قال :
(( إن من حق المؤمن على المؤمن المودة له في صدره والمواساة له في
ماله، والخلف له في أهله، والنصرة له على من ظلمه وإن كان نافلة في
المسلمين، وكان غائباً أخذ له نصيبه، وإذا مات الزيارة له في قبره، وأن
لا يظلمه وأن لا يغشه، وأن لا يخونه وأن لا يخذله، وأن لا يكذبه، وأن
لا يقول له أف، وإذا قال له أف فليس بينهما ولاية، وإذا قال أنت عدوي
فقد كفر أحدهما، وإذا أتهمه إنماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في
الماء )).
وعن أبي عبدالله"ع" في جواب المعلى بن خنيس عن حق المؤمن قال :
(( سبعون حقاً لا أخبرك إلا بسبعة فإني عليك مشفق أخشى أن لا تحتمل قلت
بلـى – إن شاء الله - فقال :
لا تشبع ويجوع، ولا تكتسي ويعرى، وتكون دليله، وقميصه الذي يلبسه،
ولسانه الذي يتكلم به، وتحب له ما تحب لنفسك، وإن كانت لك جارية بعثتها
لتمهد فراشه، وتسعى في حوائجه بالليل والنهار، فإذا فعلت ذلك وصلت
ولايتك بولايتنا وولايتنا بولاية الله )).
وعن أبان بن تغلب، قال : كنت أطوف مع أبي عبدالله"ع"، فعرض لي رجل من
أصحابنا كان سألني الذهاب معه في حاجته، فأشار إلي،ّ فرآه أبو
عبدالله"ع"، فقال : يا أبان، إياك يريد هذا ؟.
قلت : نعم. قال : هو مثل ما أنت عليه ؟. قلت : نعم.
قال : فاذهب إليه واقطع الطواف. قلت : وإن كان طواف الفريضة ؟ قال :
نعم.
قال أبان فذهبت معه. ثم دخلت عليه فسألته عن حق المؤمن. فقال : دعه لا
ترده. فلم أزل أردّ عليه، قال : يا أبان تقاسمه شطر مالك. ثم نظر إليّ
فرأى ما دخلني، فقال يا أبان أما تعلم أن الله قد ذكر المؤثرين على
أنفسهم ؟. قلت: بلى. قال: إذا أنت قاسمته فلم تؤثره، وإنما تؤثره إذا
أعطيته من النصف الآخر.
أيها الأخوة :
أما ولاية الإيمان التي أشارت إليها الآية السابقة من سورة التوبة إذ
قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)، وربط بها الحديث الثاني
السابق بقول الأمام الصادق"ع" للمعلى بن خنيس (بعد أن ذكر له بعض حقوق
المؤمن على أخيه المؤمن: فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايتنا وولايتنا
بولاية الله).
أقول : أما هذه الولاية فهي كذلك مفهوم إسلامي، له حدوده وأحكامه
الشرعية، ويجب على المؤمنين عامة الالتزام به والاستجابة لأحكامه،
فالولاية تعني – كما يقول السيد الطباطبائي"قدس سره" في الميزان- ذلك
القرب الخاص الذي يلزمه أن يكون للولي ممن وليه ما ليس لغيره إلا
بواسطته، فكل ما كان من التصرف في شؤون من وليه مما يجوز أن يخلفه فيه
فإنما يخلفه الولي لا غيره، كولي الميت، فإن التركة التي كان للميت أن
يتصرف فيها بالملك فإن لوارثة الولي أن يتصرف فيه بولاية الوراثة -
وهكذا -..
بمعنى أن الولاية تعني ذلك القرب المباشر الذي لا تدخّل فيه لشيء آخر
ما بين الوليين، وهكذا فحيث تجعل الآية المباركة مثل هذه الولاية ما
بين المؤمنين، يعنى أنها تجعل لكل مؤمن دوراً مباشراً في حياة كل مؤمن
وسلطنه في التصرف، لا تسمح لأي طرف آخر غير ذوي الإيمان التدخل فيه،
ومن هنا فهي قد علقت هذه الولاية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله، قال"تعالى" :
((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ
إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) -التوبة71-.
وهكذا يضمن الإسلام بهذه الولاية :
أن يعي كل من المؤمنين أن استقامة المجتمع وانتظامه في مسيرة حياته
كلها إنما هي بعد من أبعاد مسؤوليته الإلهية التي لا يجوز التفريط
فيها، أو التهاون في أمرها، وبأي حال من الأحوال.
أن يعي كل من المؤمنين أن أساس علاقته بالأفراد الآخرين من حملة
الإيمان إنما هي مبنيّة على هذا العنوان وحده، وعلى أساس من كلمة الحق
والمعروف ونفوذهما في المجتمع وعلى إتباع أمر الله ونهيه، وهذا يعني
ضرورة قيام الضمير الاجتماعي العام، الذي يجعل لكلمة الله (تعالى)
وهداه دورهما الأكبر في حياة المجتمع، (يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر).
أن لا يترك أي أحد مجالاً للشيطان أو لأحد من أتباع الشيطان للتدخل
في حياة المجتمع المؤمن أو في شأن من شؤونه، فلا تعصب إلا للحق ولا
استجابة إلا لكلمته، ولا تقدير إلا للناطق بها والصادع بأمرها
ونهيها،.ولا أتباع إلا للعامل بدلائلها، مهما سمت الأسماء وبرقت
الألقاب إذ الحق وحده هو ضالة المؤمن.
أما مفهوم الأخوة الإيمانية فيضمن به الإسلام :
شد الأواصر العاطفية ما بين المؤمنين، إذ أن للعاطفة دورها الرائد في
توحيد المسيرة وتناسق الخطوات الاجتماعية، وخصوصاً حين تبني هذه
العواطف على الحق، وعلى اتّباع نهجه.
إقامة العدل الاجتماعي العام في المجتمع، إذ لا تقدم في الموازين
الإلهية إلا لمن كان أطوع لله وأتقى له (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
فلا طبقة اجتماعية أسمى من طبقة، ولا قومية أعلى من قومية، ولا تفاوت
لأي اعتبارات أخرى دون التقوى واستقامة الحق.
شمول الأحكام الإسلامية العامة لجميع الأفراد دون أدنى استثناء، إذ
الكل لآدم وآدم من تراب - كما في الحديث -، وإنا أرسلناك كافة للناس
بشيراً ونذيراً – كما في التعبير القرآني-.
وأخيراً فإن الإسلام بهذه الأخوة الإيمانية ضمن تنقية المجتمع المسلم
من الشوائب التي من شأنها أن تهدم المجتمعات المتماسكة حين يطبّق
المؤمنون تعاليمه وأحكامه حق التطبيق: قال"تعالى"
1. ((وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى
الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ
اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ
وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)).
2. ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ)).
3. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ
وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا
تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ
الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)).
4. ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)).
5. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم
مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)). صدق الله
العلي العظيم.
أيها الأحبة :
هذه هي الوحدة الاجتماعية في الإسلام، وهذه بعض أصولها، وهذه بعض
حدودها وأحكامها، وهي كما نراها دخيلة حتى في إيماننا بالله (تعالى)
قبل أن تكون دخيلة في تقويم حياتنا الفردية والاجتماعية، وطاعتنا لأمره
ونهيه وعبادتنا إياه، كما هي دخيلة في طاعتنا لرسوله وتولّينا لأوليائه
المعصومين"ع".وكل هذا واضح كل الوضوح ولا اعتقد أن أحداً من المؤمنين
يرتاب في شيء منه، ولكنني أعود مرة أخرى إلى السؤال الذي انطلقنا منه
في ببداية الحديث :
هل يمكننا أن نلتزم بهذه الحقيقة في ميداننا العملي، كما أدركناها
بوعينا والتزمناها في إيماننا وعقيدتنا ؟.
ارجوا أن لا يكون جوابنا عن هذا السؤال هو السلب، فتكون من الخاسرين..
اللهم ما عرّفتنا به من الحق فحمّلناه، وما قصرنا عنه فبلّغناه، اللهم
المم به شعثنا، وأشعب به صدعنا، وكثّر به قلتنا، وأعز به ذلتنا، إنك
أنت أرحم الراحمين، وصلى الله على خيرتك من خلقك، محمد وآله المطهرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محاضرة ألقيت في قرية بوري (مأتم الطويلة) /البحريـن
تاريخ 24 /جمادى الأولى/ 1422هـ
كرزكان ـ ضياء الدين زين الدين |