الفصل الأول : الكيان الحوزوي لرجل الدين
تمهيد : ما الكيان الحوزوي لرجل الدين ؟
في بدء هذه الزاوية ، لا بد لنا من التنبيه على أننا نعني بالكيان الحوزوي لطالب
العلم الديني : اخذ الحوزة العلمية ، وما يعنيه هذا الصرح من خصائص ذات طبيعة خاصة
متميزة ، حقيقة ثابتة في وجود هذا الطالب ، وفي أعماق شخصيته ، لينطلق هو –وعلى
أساس من هذه الحقيقة بالذات- في بنائه لكل أفق من آفاق حياته ، وفي كل علاقة من
علاقاته ، وفي كل موقف من مواقفه ، كما يعتمدها –في الوقت نفسه- رصيداً دائماً
لتصوراته وسلوكه ، ومنبعا لأقواله وأفعاله كافة ..
ففي هذه الحقيقة -وحدها- يجب أن ينصهر كل بعد من أبعاد شخصيته ، وكل مقوم من
مقوماتها ، كما تتجلى في كل سمة من سماتها الثابتة ، وكل موقف من مواقفها ، سواء
على الصعيد الفردي الخاص أم على الصعيد الاجتماعي العام .
بمعنى أن تكون هذه الحقيقة الفريدة ، هي الصبغة الثابتة في كل ركن من أركان شخصيته
، وكل أفق من آفاق وجوده ، وكل مظهر من مظاهر حياته ، وكل علاقة من علاقاتها
الذاتية والاجتماعية ، بل والكونية أيضا .
فلا البيئة ، ولا القبيلة ، ولا القومية ، ولا البلد ، ولا غير ذلك مما يدخل في
اعتبار الناس ، له أدنى اعتبار ، أو دور ، في كيان الطالب الحوزوي ، إلا من خلال
تلك الحقيقة وحدها .
فهو رجل تمحّض لدين الله (تعالى) -وكفى-، واخلص ذاته لكلمته فحسب ، وجرد حياته
ووجوده لمفاهيمه ، وتبليغ أحكامه وحدها ..
وهو -بذلك الإخلاص ، وهذا التجرد وحدهما- ينال سمة المخلص -بالفتح- لله (تعالى) ،
وبه يبلغ ما أعدّه الله (تعالى) لمخلصيه من الدرجات العلى .
وأنا أقر بأن الوصول إلى هذه الدرجة العليا يعتبر من أصعب الصعاب ، والواقع الفعلي
القائم لطلبة الحوزة مما يؤيد هذه الصعوبة ، إذ لا تكاد تتجلى تلك الحقائق -بحق-
إلا في نخبة قليلة منهم ، محضوا وجودهم لها ..
ولكن مع هذا لابد من طرحها ، ولابد من أخذها بالاعتبار بخطوطها الحدية ، وحدودها
الواضحة ، لأنها من موازين الحق الثابتة، التي يجب أن يقاس بها كل حال ، وكل موقف ،
ليعلم مدى استقامته مع ذلك الحق ، ومع الواقع الذي يعتمده في الوجود ، ومع كلمة
الإسلام دينه القويم .
ومع أنني أجل اخوتي وابنائي الأعزاء -من طلبة الحوزات العلمية- عن ان يحتاجوا الى
مثل هذه الكلمات السريعة في التعرف على ملامح ذلك الكيان العتيد لطالب العلم ،
وحامل لوائه ..
ولا سيما وأنهم على اطلاع مستمر على معالم حجة الله (تعالى) في آيات كتابه العـزيز
، والنصوص الواردة عن اهل البيت المطهرين (ع) ، والتي تواترت كلها على بيان حدود
ذلك الكيان ، وتجلية آفاقـه .
كما أنهم غير بعيدين عما أوضحه مخلصو رجال الإسلام في هذا السبيل أيضا ، في مصادر
كثيرة أعدوها لهذا الغرض ، وهي ميسورة لمن أراد الاطلاع .
إلا أنني -واستكمالاً لمنهجية هذه الرسالة- أشير الى ركنين مهمـين ، متكاملين في
الآثار والنتائج ، ولهما دورهما الكبير في أي مسؤولية إلهية تنتظر الطالب الحوزوي
في حياته ، وفي أي مهمة تسند إلى رجل الدين ضمن موقعه الفكري والاجتماعي ، وراء
بنائه لكيانه الذاتي ، كطالب حوزوي ، ورجل دين مستقيم .
وهذان الركنان هما :
العلاقة بالله (تعالى)
الركن الأول : علقته الكبرى بمبدأ تكوينه ، وبارئ وجوده (تعالى) ، ورابطته الوثقى
برسالته العظمى في الحياة .
وفي هذه العلاقة نؤكد على عنصرين ، لابد من أخذهما في بلورة كيان رجل الدين ،
وتحديد مسؤوليته العظمى ، ولا سيما في هذه المرحلة الدقيقة من حياة الأمة .
الإسلام المطلق لله
العنصر الأول : انشداده الوثيق إلى ذلك المبدأ ، وانقياده له ، الى درجة الإسلام
الكامل ، واتباعه لأحكامه في كل جنبة من جنبات وجوده ، وفي كل شأن من شؤونه ، وكل
حالة من حالاته ، ليتبلور هذا الانشداد -من ثم- تقوى مطلقة لله (تعالى) ، وإيماناً
راسخا بحجته ، وخضوعا شاملا لكلمته ، وانقيادا تاما لأمره ونهيه ..
فلا يحب المؤمن الا بالله ، ولا يبغض الا له ، ولا يرجو غيره ، ولا يثق الا به ،
ولا يستقيم الا مع هداه ، ولا يستكين الا لبصائره ..
فلا (أنا) تتدخّـل في حياة رجل الدين ، ولا هوى يحيد بشيء من نظرته للأمور ، ولا
اعتبار يبعده عن رسالته ، أو يقصر به دون الوفاء بمسؤوليته ..
بل لابد لرجل الدين من ان يبني (أناه) ذاتها ، ويقيم هواه ، وينشئ اعتباره ، على
حدٍّ دقيق من نهج الله –سبحانه-، وبصائر هداه، وبينات حجته الواضحة ، لتنعكس جميع
هذه الأمور على كل فكرة من فِكَره ، وعلى كل كلمة من كلماته ، وكل موقف من مواقفه ،
وكل فعل من أفعاله .
ومع ان هذا الإسلام هو الدرجة التي يريدها الله -سبحانه- للإنسان ، وهو ينتسب لهذا
الدين العظيم .. لان دين الله هو الحق ، وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ ..
.. ولان (ان الدين عند الله الإسلام ) ، ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه
وهو في الآخرة من الخاسرين) .
.. ولأنه فطرة ( الله التي فطر الناس عليها ) ، و (لا تبديل لخلق الله ذلك الدين
القيم) ..
الا ان احتساب الحوزوي نفسه على هذا الدين ، والتزامه برفع رايته في الحياة ،
وتعهده بحمل مشعل هداه في البشرية ، والذود عن حياضه في الوجود ، كل هذا مما جعل
الضرورة -التي قدمناها- هي الأساس لوجوده نفسه ، ورصيد هويته ذاتها في هذه الحياة ،
ومنشأ اعتباره في المجتمع ، وأي خروج منه عن هذا الإسلام -وبهذه الدرجة المطلقة-
يعني انهيار جزء من ذلك الأساس ، وافتقاده لمقوّم من مقومات ذلك الرصيد ، بمقدار
يطّرد ومدى هذا الخروج ..
هذا إضافة الى ما يعنيه هذا التقصير –في نفسه- من بعد عن عين الله –سبحانه-،
وانحراف عن قويم سبيله ..
ومن الواضح ان الارتباط بالله (تعالى) -وبهذه الدرجة المطلقة من الإسلام إليه-، لا
يمكن ان يتأتى للإنسان بدون اليقين الثابت ، والصدق المطلق مع الله (تعالى) ، ومع
الذات ، والمصابرة المستمرة على السير في طريق الله -سبحانه-، منذ اعمق أعماق السر
، وحتى أعلى درجات العلن ، والمضي مع حجه الله في العقيدة والسلوك ، دون أدنى تفاوت
، أو استثناء .
ومعروف ان لآيات الكتاب العزيز ، وبصائر أهل البيت ( ع ) ، وجهود الأفذاذ من علماء
الأخلاق والعرفان والشريعة ، دلائلها الواضحة في هذا السبيل .
الأوليات الإسلامية
العنصر الثاني : الإيمان بثوابت أولية ، أرادها الله (تعالى) لكلمتـه العليا ،
وشرطها لحملتها المخلصين ، وتعهّد لهم بالعون والمدد ، حين يخلصون له في تأديتهم
لمسؤولياتهم الكبرى في الحياة .
وهذا الاتجاه وان لم يعدُ كونه جانباً من جوانب العنصر السابق ، وبعداً من أبعاده ،
إلا أن أهميته تتأتى من خلال تأكيده على خصائص ضرورية في بلورة شخصية المؤمن ، ومن
المدد اللامتناهي لمعين القوة الذي تعهدته العناية الربانية له –من جهة- .
كما تتأتى من عظم المسؤولية الكبرى التي التزمها العامل في سبيل الله (عز وجل) –من
جهة ثانية- .
وأيضا تتأتى من الآثار الكبرى التي تفرزها في وضوح النتائج ، أو الغايات الكبرى ،
التي يجب ان يسعى إليها المؤمن في حياته -من جهة ثالثة-.
فالله (تعالى) ، هو القوي العزيز ، القادر القاهر ، الرقيب الحسيب ، احكم الحاكمين
، المحيط ، العليم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ، ولا في السماء ، وكل هذه
الصفات –وأشباهها من صفات الجمال والجلال- مما حكم به العقل ، ونطقت به الفطرة
الإنسانية ، كما أكده الكتاب العزيز في آياته المباركة .
فمن الطبيعي حينئذ ان تكون كلمة الله –سبحانه- هي العليا ..
وان يكون دينه هو الحق الذي لا ريب فيه ، وان الله (تعالى) سيظهره على الدين كله
ولو كره المشركون ..
وان تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ..
وان يكون المؤمنون هم الأعلين ، وأن يكونوا هم المفلحين ، وهم الفائزين ، وهم
المهتدين الى الصراط المستقيم ..
ولهذا فان الله (تعالى) لم يجعل للكافرين على المؤمنين من سبيل ..
ولهذا –كذلك- فقد حرم –سبحانه- على المؤمنين ان يتولّوا غير سبيل المؤمنين ، وان
يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين .
وانه (تعالى) -ولتحقيق هذه الغايات الإلهية الكبرى- أوجب الجهاد على المؤمنين ،
وحتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله .
وأوجب عليهم تهيئة كل الوسائل الموضوعية لنيل القوة ، من اجل تحقيق الانتصار على
أعداء الله واعدائهم ، وإرهاب من تسوّل نفسه للتعرض الى أمنهم وكرامتهم .
كما أوجب عليهم الاعتصام بحبل الله ، وحرم عليهم التفرق ، لينالوا ما أعده الله لهم
من الكرامة والفضل .
ولهذا فهو لا يرضى من المؤمنين -حتى في حالات ضعفهم-، الا ان يكونوا أقوى من
أعدائهم ولو بدرجة الضعفين ، وإلا فهو لا يرضى منهم -في الحالات الاعتيادية
المطلوبة- إلا ان تكون قوتهم عشرة أضعاف قوة عدوهم .
ومع هذا –أيضاً-، فقد تعهد الله القادر القاهر ، القوي العزيز ، ان يغلب هو ورسله ،
كما تعهد بالنصر لدينه ولرسله وللمؤمنين ، وان يثبّت الذين آمنوا بالقول الثابت في
الحياة الدنيا وفي الآخرة .
ومع كل هذا ، فان على المؤمن أن يعلم ان الله -سبحانه- اعزّ وأجلّ من ان يحتاج الى
أحد من الناس في شيء من إعلاء كلمته ، او إظهار دينه ، او إتمام نوره ، او اقامة
برهانه ، فالله هو الغني ، وكل ما في الوجود مفقتر اليه ، فلو شاء لجعل الناس امة
واحدة ، ولو شاء لانتصر من أعدائه وأعداء رسله .
(وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ) .
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)
.
(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) .
ولكنه الامتحان ، ولكنه الابتلاء ، ولكنها الدرجات العلى التي أعدها للمخلصين
الصادقين في انقيادهم إليه .
( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
. ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين ..) .
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) .
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) .
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا
مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا
الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .
واخيرا ، فـ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ
وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ) .
وهذه هي مسؤولية المؤمنين في كل عصر ، وهذه هي مسؤولية رجل العلم –خاصة- في كل زمان
، حين تعهّد قيادة ركب المؤمنين للقيام بتلك المسؤولية ، إذن فلا بد ان يكون جماع
هذه الحقائق -بمجملها- عناصر رئيسية في كيانه الذاتي ، كطليعة لأنصار الله ، وقائد
لحماة دينه ، كما تكون -بكل ما فيها من عطاء ثر- أساسا لفاعليته ، ورصيدا لمواقفه
في الحياة .
مستلزمات القيادة
الإسلامية
الركن الثاني : بناء الطالب الحوزوي لكيانه الشخصي على أساس من مستلزمات القيادة
الإسلامية للمجتمع المؤمن ، الذي تحمّل مسؤولية الأخذ بزمامه في طريق الله -سبحانه-
.
وتتضح هذه المستلزمات من خلال نظرة متأملة في أطراف المعنى المقصود لهذه المهمة
التي أشرنا إليها ..
فهي قيادة ، وهي إسلامية ، وهي لمجتمع مؤمن ، وهي في طريق الله (تعالى) ..
ولا ريب ان لكل واحد من هذه الآفاق أصوله الكبرى ، التي لا يمكن ان نستوعبها في
حديث سريع كهذا الذي نحن فيه .
نعم ، لابد لنا من التنبيه على بعض القضايا المهمة ، التي يمكن لكل منا ان ينفذ
منها الى متابعة حاجته الخاصة فيها ، ضمن المصادر التي يمكنه الاستعانة بها ،
للوصول الى بغيته التي يطمح إلى الوصول إليها .
ومن تلك القضايا : ما أشرنا إليه في الفقرات السابقة من ضرورات أولية ، يجب أن يؤخذ
كل منها بالحسبان في أي عمل إسلامي مخلص ، وفي أي موقف رشيد ، وفعال في الذود عن
حياض الإسلام ، وإقامة حجته ، ومن تلك القضايا أيضا :
الدين عند الله الإسلام
القضية الأولى : من بدائه الإسلام الأولى : انه دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره
، وانه الحق الذي لا ريب فيه ، كما أن ما سواه من الأديان هو الباطل الذي لا ريب
فيه .. وانه نور الله (تعالى) ، وبصائره ، وبرهانه ، وشفاؤه لما في الصدور .
وكل هذه الحقائق –وأشباهها- تعني أن الله قد جعل للإسلام –وحده- قيادة البشرية في
طريق الخير والصلاح ، والرشد في الدنيا والآخرة ، فبدونه لا يمكن لأحد من الناس أن
ينال كماله واستقامة حياته ، ورضى الله (تعالى) عنه في الحياة الدنيا والآخرة ..
كما تعني كذلك أن الله (تعالى) قد أناط مهمات هذه القيادة العليا ، والشاملة
بالمؤمنين ، والمخلصين من أبناء الإسلام ، وحملة كلمته ، الذائدين عن رسالته .. فهم
–وحدهم- المؤهلون لأداء هذه المسؤولية الكبرى ، بالمنظار الإسلامي .
وفي المقابل ، لا بد لكل منهم أن يستوعب هذه الحقيقة ، في كل صعيد من أصعدة حياته ،
الفكرية منها والسلوكية ، كل حسب طاقته، وكل حسب موقعه ..
ولا بد لكل منهم أن يهيئ من نفسه جميع الطاقات التي أعدّها الله (تعالى) فيه ،
والقوى التي أمده الله بها ، ليستطيع الوفاء بمسؤوليته الكبرى تلك ، دون أدنى تفاوت
أو قصور .
(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ) .
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
.
وحين اختار الطالب الحوزوي أن يتقدم هذا الركب المنتجب ، ويكون واحداً من الشهداء
عليه ، فمن الضروري أن يرتفع إلى مستوى هذا الدور العظيم ، فيتعمق في إدراكه إلى ما
وراء تلك الأسس ، من جذور وحقائق ، ويسمو إلى ما فوق تلك المؤهلات العامة من
إعدادات وحقائق ، تمكّنه من أداء تلك المهمة بكفاءة وجدارة ، دون أن يقصر به وهن ،
أو يحيد بنظرته هوى .
ومن الحقائق الإسلامية التي يجب أن يستوعبها الطالب الحوزوي في هذا المجال :
الأصول النظرية الإسلامية
1 - ما وراء الأصول الاعتقادية والمناهج الخلقية والسلوكية ، والمسائل الشرعية
-التي اعتاد طلاب الحوزات العلمية دراستها ، والتعمق في مداركها وفروعها- من أسس
فكرية تعتمد عليها النظريات الإسلامية في صياغتها لتلك المناهج ، والمسائل ،
والأحكام التي شرّعها الإسلام لقيادة الحياة الإنسانية في شتى المجالات ، وفي
تعامله مع الإنسان ، هذا الكائن الفريد ليصنعه ، ومنذ اعمق أعماق فطرته ، وأوليات
عقله ، وركائز نفسه وعواطفه ومشاعره ، وحتى آخر صورة من صور سلوكه ، وعلاقاته
الذاتية والاجتماعية ، وليضعه في الطريق القويم الذي أراده الله –سبحانه- له ،
حينما أنشأ خلقه ، ودبّر أمره ، وليضمن له سعادته وكماله ، في الحياة الدنيا وفي
الآخرة.
ومن هذه الأسس المهمة ، التي لها دورها في مهمة رجل الدين :
تلك الرؤية الكونية الأولى ، التي امتاز بها الإسلام ، والتي تضع هذا الدين العظيم
، وجميع ما فيه من حقائق اعتقادية ، أو سلوكية أو أخلاقية.. وغيرها ، ضمن موقعها
المناسب من مسيرة الكون ، وقوانينه العامة ، ومن الدلائل الكبرى لهذه المسيرة في
الحكمة الإلهية العليا ، وغاياتها السامية في الإنشاء والتقدير والتدبير ، من خلال
ما ذكرته آيات الكتاب العزيز ، ونصوص أهل البيت (ع) ، وهي غنية في هذا المجال .
وضرورة وعي رجل الدين لهذه الحقائق وأمثالها ، مما لا تخفى على متدبّر ، ولا سيما
في مثل هذه المرحلة الدقيقة من صراع الحق مع الباطل ، ومع هذا الثقل الذي ألقي على
كاهل رجل الدين فيها .
فهذه الحقائق -في جوهرها- تعتبر كالقاعدة الإستراتيجية -كما في التعبير المتعارف
هذه الأيام- للإسلام في وجوده وبقائه ، وفي صراعه مع الباطل ، وعلى أي صعيد من
أصعدة الحياة الإنسانية التي يقودها الإسلام .
وعلى هذه القاعدة تعتمد كل قاعدة فرعية أخرى له في جزيئات تلك الحياة ، ولهذا كان
من المحال على أي عامل إسلامي أن يدخل حلبة الصراع بكفاءة ، ويحقق النجاح الذي يطمح
إليه في قيادته لأزمّة الأمور ، ما لم يكن له نوع من التصوّر لهذه الحقائق -ولو في
إطارها الإجمالي العام-.
فهو -بوعيه لها- يستطيع التعرّف على موقعه المناسب في أي تحرك يقوم به ، ويتمكن من
الوقوف على المجالات التي يستطيع التقدم فيها أو التأخر ، كما أنه من خلالها يصبح
أكثر خبرة في المناورة مع الآخرين ، مع التحفظ على جميع الثوابت الإسلامية الأولية
، التي يطمح إلى خدمتها ، ويفي بمسؤوليته إزاءها .
ولهذا تزداد ضرورة استيضاح تلك الحقائق ، وفهم أبعاد كل منها، وإدراك دقائقها ، مع
ازدياد حدّة الصراع ، وسعة جوانبه ، فكلما ازدادت هذه الحدة ، واتسعت دائرتها ،
ازدادت أهمية ذلك الاستيضاح لمن يدخل حلبة الصراع .
كما تطّرد هذه الأهمية -من جهة ثانية- مع تقدم الموقع الذي يحتـله العامل في البناء
أو الصراع ، وحساسية دوره في إدارة أي منهمـا ..
ولهذا فحيث لا يكتفى من المرجعية العليا إلا بالوضوح التفصيلي التام لتلك الحقائق
الأولية ، لأنها -بحكم مسؤوليتها- تحتلّ الموقع المتقدم ، والأرفع الذي يتحمّل مهمة
القيادة العليا في الذود عن حياض الإسلام ، -بعد موقع الإمامة- .
أقول : فحيث لا يكتفى من المرجعية إلا بالوضوح التفصيلي ، قد يكتفى بالتصور
الإجمالي لتلك الحقائق في مواقع أدنى من المرجعية، بل وقد يكتفى من المؤمنين
الانضواء تحت لواء المرجعية في فهمها لتلك الحقائق ، وإدارتها في الحفاظ على علوّ
كلمة الله -سبحانه-، وسموها في الحياة الإنسانية ، كما اكتفي منهم بذلك في الانقياد
لأحكام شريعة الله ، والانتهاج في سبيله ، حيث ألزمتهم هذه الشريعة بتقليد الفقهاء
المأمونين في تلك الأحكام ، إذ (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) ، و (لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) .
وهذا المنهج التصاعدي في الوقوف على تلك الحقائق المبدئية ، هو الذي يوضح المدى
المطلوب للطالب الحوزوي في فهمه إياها ..
بمعنى أن هذا المدى يطّرد مع ارتفاع مستوى كفاءة الطالب ، وتقدم دوره في قيادة
المجتمع ، ومع المسؤولية التي يتحمّلها في الذود عن حياض الإسلام في مجال ما من
مجالات العمل الإسلامي ، سواء الثقافية منها ، أم الأخلاقية ، أم السياسية ، أم
الفلسفية ، أم الفقهية ، أم غير ذلك .
متطلبات الدور الإسلامي
2- الوعي الكامل لجميع متطلبات الدور الذي أراده الله لدينه العظيم ، ومستلزمات
الموقع الذي رسمه له بين الأديان والمذاهب المطروحة في الساحة الإنسانية .
وقد أشرنا إلى ذلك الدور وهذا الموقع في العنصر الثاني من الركن الأول -فيما سبق-،
حيث قدمنا هناك : أن هذا الموقع هو الأرفع بين تلك الأديان والمذاهب ..
فقد شاء الله –سبحانه- لهذا الدين أن يكون هو الأوحد للبشرية، فـ(إِنَّ الدِّينَ
عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ) .
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .
فلا غرو –حينئذ- أن يمتاز بما يعجز عنه غيره من الأديان والمذاهـب .
فهو ينتهل من المعين اللامتناهي من العلم الإلهي ، والحكمة الربانية ، وهذا أول
جوانب القصور التي مني بها غيره من المذاهب والأديان ، حيث لا يرقى أي منها لنيل
هذه الدرجة ، فهو لا يطمع لانتهال شيء من هذا المعين ، لأنه إنتاج بشري محدود .
ومعلوم أن البشرية مهما مضت في سلّم العلوم ، وتقدّمت في مضمار الحضارة ، لا يمكنها
أن تتجاوز حدودها المعروفة في مجال العلم والمعرفة ، كما لا يمكنها أن تتجاوز
الطاقات الإنسانية الأخرى ، التي تحكمها الظروف والمناسبات .
ولهذا كان الإسلام هو الحق الذي لا ريب فيه أبداً ، (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ
إِلَّا الضَّلالُ) .
وهو النور الذي أبى الله إلا أن يتمّه ..
وهو برهان الله الذي لا يدحض ، وهو بصائره ، وشفاؤه لما في الصدور .
و-باختصار- هو مجمع الكمالات التي شاءت العناية الربانية أن تهيئها للإنسان ،
وترحمه بها في هذه الحياة الدنيا .
ومن خلال كل هذه النواحي –ومثيلاتها- يتبلور ذلك الدور الذي أراده الله لدينه
القويم في وجود الإنسان ، وفي سعادته الأبدية ، في داريه الدنيا والآخرة -على حد
سواء- .
ومن الطبيعي أن تكون هذه النواحي هي المعين ، الذي تنتهل منه كل فكرة من فِكَر
الإسلام ، وكل منهج من مناهجه ، وكل حكم من أحكامه ، وكل حقيقة من حقائقه ، لتصبح
كل فكرة من فِكَره –من ثم-، وكل منهج من مناهجه ، وكل حكم من أحكامه ، وكل حقيقة من
حقائقه ، أفقاً من آفاق تلك العظمة ، ومظهراً من مظاهر ذلك السمو ، اللذين جعلهما
الله -تعالى- لدينه القويم ..
بمعنى أن كل واحد من هذه الأمور ليس إلا بعضاً من متطلبات ذلك الموقع ، ومستلزمات
ذلك الدور ، الذي رسمته العناية الربانية لهذا الدين العظيم .
ولهذا فمن غير الممكن أبداً أن يفي أحد من أبناء الإسلام ، وحماته المخلصين ، بشيء
من مسؤولياته الكبرى -حق الوفاء-، ما لم يستوعب -في تصوّره وفي سلوكه- جميع تلك
الفِكَر والمناهج ، ويلتزم تلك الأحكام والحقائق كأصول ذاتية في أعماق كيانه الشخصي
، وفي بناء علاقاته المختلفة ..
.. علاقاته مع بارئه (تعالى) ، ومع آفاق ذاته ، ومع المجتمع الذي يعيش فيه ، بل ومع
ما هو أوسع دائرة من المجتمع ، مما يكتنف وجوده وحياته من مظاهر التكوين ، وشؤون
الحياة ، وما وراءها .
سعة الملاحظة الإسلامية
وهذه الناحية تشير إلى حقيقة مهمة ، يجب ان يأخذها رجل الدين والطالب الحوزوي
بالحسبان ، وهذه الحقيقة هي :
ضرورة أن لا يقف رجل الدين ، أو طالب الحوزة -في إدراكه وفهمه للأحكام الشرعية ،
والمفاهيم الإسلامية ، التي يدرسها في الحوزة-، عند حدودها العلمية ، التي يتطلبها
المنهج العلمي في الدراسة والتحقيق ..
فمعروف أن للذهن البشري –وبسبب قصوره في استيعاب الحقائق- سبله الخاصة للوصول الى
فهمها ، وقد تفرض عليه هذه السبل تجزئة الحقيقة الواحدة ، وتحديدها ضمن أطر خاصة ،
يختلف كل منها عن غيره باختلاف زاوية الملاحظة لتلك الحقيقة ، وهذا هو السبب في
تعدد العلوم التي تتناول حتى الأشياء الواحدة ..
فالخلية الحية يراها علم الحياة من زاوية تختلف عن الزاوية التي يراها منها علم
الكيمياء ، وهما يختلفان في -زاويتيهما- عن علم الفيزياء .. وهكذا .
ومع هذا فإن سمة الواقعية -في فهم الذهن للأمور- إنما تبرز مع تكامل جميع الملاحظات
والزوايا ، واستيعابه لشتات الحقائق التي يعنى بها ، دون استبعاد زاوية من زواياها
، أو الغض عن حالة من الحالات التي تظهر فيها .
وهذا يعني ضرورة ان يرتفع رجل العلم ، أو طالب الحوزة ، في فهمه للأحكام الشرعية ،
والحقائق الإسلامية التي يدرسها ، إلى المدى المتكامل الذي أراده القرآن ونصوص
الحكمة المطهرة لها ، وحيث وضعتها تلك الحجج الإلهية ضمن ذلك الموقع ، وذلك الدور
الذي قدّمناه .
وعليه ان يعلم انه ما لم يتّخذ هذا المنهج في ملاحظته لتلك الحقائق ، لا يمكن ان
ينال في فهمه لها سمة الواقعية ، كما لا يمكنه ان يستثمر ما يتصل بها من حيوية
وتكامل وسمو ، مما يعني –بالتالي- قصوره عن ان يستوعب أياً من منابع القوة والمنعة
الذاتية ، التي أمد بها هذا الدين العظيم ، وإن تعمق في نظرته للأمور ، وبرع في
تحقيق مداركها .
مزايا في شخصية القائد
القضية الثانية : قلنا : ان اختيار الطالب الحوزوي للانتماء الى هذا السلك المشرف ،
يعني انه قد اختار تحمّل المسؤولية الكبرى في تقدم الركب الإسلامي في طريق الله
(سبحانه) ، وقيادته للمجتمع الذي يعيش فيه ، نحو الأهداف الإلهية الكبرى .
كما يعني أنه قد اختار الخضوع للشرائط المتنامية لهذه القيادة ، وكذلك الخضوع
لاطراد هذه الشرائط وتأكدها مع أي مستوى من المستويات يبلغه في طلبه للعلم ، والتزم
المصابرة والتربية الذاتية المستمرة ، التي يقتضيها منه هذا الطريق القويم .
إذ من الطبيعي أن يستتبع هذا الاختيار جميع ما يتصور له من ضرورات أولية ، لابد له
من استيفائها .
ومن الطبيعي كذلك أن يلتزمها رجل الدين كأسس لشخصيته ، وركائز حتى للأعماق الأولى
من كيانه ، كرجل دين ، وكقائد يتقدم ركب المؤمنين في طريق الحق ، وهو موقع لا يتأتى
لأحد من الناس إلا من خلال استيفائه لشرائطه الكبرى ، وتحفظه على دقتها ،
واستقامتها المطلقة فيه .
وقد أشرنا -فيما سبق- الى ضرورات هذا الطريق ، وما تقتضيه في شخصية المؤمن فلا نعيد
.
كما لا نقف طويلاً عند الأسس النفسية والسلوكية ، التي يقتضيها منصب القيادة في
شخصية القائد -أي قائد ، وفي أي صعيد من الأصعدة ، العسكرية منها ، أو السياسية ،
أو الاجتماعية ، أو التربوية تتصور-، فإن لهذه الأسس –وكما هو معلوم- مصادرها
المتخصصة في العلوم الإنسانية التي تبحث في هذه الناحية ، كعلم النفس ، والتربية ،
وعلم الاجتماع .. وغيرها ..
نعم ، لابد من الإشارة إلى أن من المعروف لدى العقلاء -كافة- أن أحدا لا يصبح قائدا
دون وجود مزايا خاصة ، تؤهّله للتقدم على الآخرين في سبيل القضية التي يحملها ،
وتمكّنه من الهيمنة على إرادات شريحة من المجتمع تتبع خطواته في ذلك السبيل ، وتوحد
توجهاتها معه نحو الأهداف التي يقصدها ، إذ بدون هذه المزايا لا يفترق القائد عن
غيره في صفـة ، مما يعني عدم اعتراف الآخرين له بالتقدم ، و –من ثم- لا يذعنون له
بالقيادة .
ولعل من ابرز هذه المزايا التي ينبغي التنبيه عليها ، ولو بهذه السرعة التي نحن
فيها :
التقدم على الآخرين
المزية الأولى : التقدم على الآخرين في طريق القضية التي يسعى إليها ، والبروز في
المؤهلات التي تحتاجها ..
ففي الطريق -ذي الصبغة العلمية أو الفكرية- لابد أن يكون القائد اكثر علماً ، وأوسع
فكراً لتنتهي -عند علمه- علوم اتباعه ، وتقف -أمام توقد فكره- جميع تصوراتهم ، في
ذلك الاختصاص الذي ينتظمون فيه ..
وفي المجالات التي تقتضي القوة الجسدية أو المادية ، لابد أن يكون القائد أقوى
جسداً ، واكثر عدة ، واكبر قدرة على التصرف فيها ، ليستطيع إخضاع قوى الآخرين ، وما
يملكونه من عدة ، وتهيئتها في سبيل الغاية التي يريد بلوغها بهم .
ومجالات الأخلاق ، وتنظيم السلوك العملي في مختلف جوانب الحياة الأخرى ، لا تعدو
هذه القاعدة أيضا ..
إذ القائد -في جميع الحالات– يجب أن يتقدم غيره في الطريق الذي يسلكه بمريديه كقدوة
لهم ، وكمثل أعلى في استقامته ، وانتظامه مع الأهداف التي يرفعها معهم في مسيرتهم
المشتركة .
وهكذا بالنسبة للمجالات الأخرى ، فهي جميعها لا تخرج عن هذا الإطار ، كما لا تخرج
عن ضروراته .
أما حين تستوعب هذه المسيرة نواحي عدة من النواحي السابقة –كما هو الملاحظ في
الرسالة الإسلامية ، حيث أن لهذه الرسالة كلمتها الفاصلة في جميع جوانب الحياة-،
فمن الطبيعي أن تتسع الضرورات التي يجب أن تستوعبها القيادة حينئذ ، لتشمل جميع
العناصر التي تحتاجها تلك الجوانب ، وإلا قصر قادة تلك المسيرة عن الوفاء بمهماتهم
فيها –كما هو واضح- .
وهنا يستبين عظم مسؤولية رجل الدين الإسلامي ، وهو يختار القيام بهذا الدور الكبير
.. الكبير لا في مسيرة الحياة الإسلامية فحسب ، وإنما في الحياة الإنسانية كلها
كذلك . لما قدّمنا ذكره في بيان موقع الإسلام ذاته بين المذاهب والأديان التي تملا
الساحة الإنسانية ، حين أرادت له العناية الإلهية أن يكون هو المنهج الوحيد لتكامل
الإنسان ، ورفعته في الحياة .
وهذا يعني ضرورة أن يرتفع رجل الدين إلى المستوى الذي يتطلبه هذا الموقع من
المؤهلات والإعدادات العلمية والنفسية والسلوكية وغيرها .
وهنا لابد لنا من أن نشير إلى أن لقيادة الركب الإسلامي جانبين مهمين ، لابد لرجل
الدين من أن يأخذهما معاً باعتـباره وهو يعد نفسه لقيادة الركب الإسلامي في طريق
الله –سبحانه- :
الثوابت الإسلامية الأولية
أحدهما : جانب الثوابت الإسلامية العامة ، التي لا مناص لأي مسلم من الالتزام بها ،
سواء في مجال العقيدة ، أم في مجال الأخلاق ، أم في مجال السلوك .
واستيعاب رجل الدين لهذه الثوابت ، وتقدمه على غيره فيها ، مما لا مناص منه ، فهذا
الاستيعاب والتقدم هما الركيزة الأولى لتأهله لاستلام منصبه –كرجل دين–، في أي أفق
من الآفاق الإسلامية اختار التخصص فيه ، والى أي مستوى وصل في تحصيله العلمي
والثقافي ،
لأن هذا الجانب –وكما أشرنا– يعتبر الأساس الذي يعتمد عليه بناء شخصيته ، كمسلم ،
وكرجل دين ، تحمّل -من مسؤولية رفع راية الإسلام- ما لم يتحمّله غيره من شرائح
المجتمع .
وهذا الجانب هو السبب في قصور كثير من المفكرين ، الذين برزوا في تحقيق الفِكَر
والمفاهيم الإسلامية ، ولكنهم اقتصروا في تحقيقهم –هذا- على الجانب العلمي أو
الفكري البحت ، دون أن يستكملوا -في ذواتهم- تلك الثوابت الإسلامية الأولى ،
ويستوعبوها كأسس أولية لبناء شخصياتهم ، واتخاذ مواقفهم في الحياة .
فمثل هؤلاء المفكرين لا يحتسبون على القادة الإسلاميين حتى في مجال اختصاصهم ، بل
وان برعوا -في تحقيقهم لتلك الأفكار والمناهج والنظريات الإسلامية- بما يفوق على
جهد المحققين الإسلاميين في نتاجهم دقة واستيعاباً.
الجوانب التخصصية
العميقة
ثانيهما : جانب القضايا ، والنظريات ، والمناهج ، والغايات الإسلامية ، التي تحتاج
بلورتها الى نوع من الدقة والتخصص ، وعمق في النظر ، وسعة في دائرة العلم لمن يدخل
أجواءها .
ومن الطبيعي ان يختار رجل الدين -في هذه الجوانب- بعضاً منها ليتخصص فيه ، ويستكمل
-في بنائه لذات نفسه ، وفي سعة علمه- ما يحتاجه –هذا الجانب الذي تخصص فيه- من أصول
وأوليات تعينه على التبصر والتحقيق .
فالقدرة الإنسانية –كما نعلم- أعجز من ان تستوعب جميع نواحي الإسلام ، وتحيط
بجوانبه كافة -دون مدد رباني خاص– ، لما هو معلوم من أن الإسلام دين الحياة ، وهو
رسالة الله (تعالى) للبشرية كافة ، ولهذا فقد صيغ هداه ، وشرعت مناهجه ، ورسمت
حقائقه لتستوعب ما في تلك الحياة من آفاق اختيارية ، فلله (تعالى) في كل واقعة حكم
–كما في تعبير بعض الروايات- .
ومما ينصح به الطالب الحوزوي -في هذا الجانب-: ضرورة ان يختار -ومنذ بدايات تكوينه
العلمي والثقافي ، وبواكير تربيته الفكرية- ما يتناسب وتوجّهاته الذهنية والنفسية
من جوانب الإسلام تلك ، ليستكمل أولياته ، ومبادئه العلمية والثقافية ، التي لا بد
له منها ..
ولكن هذا الاختيار والتخصص –وكما قلنا– إنما يردان وراء تلك الثوابت العامة ، التي
أشرنا إليها في الجانب السابق ، ووراء الأصول العلمية والثقافية الأولية ، التي لا
بد للطالب من أن يستكمل حاجته منها ، في أي اختصاص من الاختصاصات الإسلامية
المعروفة يختاره .
الثبات في طريق الحق
المزية الثانية : ثبات الخطى في طريق الحق ، والاطمئنان النفسي الكامل لكلمته ،
ورباطة الجأش حتى نيل الغايات الرفيعة التي تتطلبها إقامة أمره ، ويستوجبها الدفاع
عن حظيرة الإسلام دينه القويم ، ورفع راية الهدى في البشرية ، وبشكل يؤهل رجل الدين
للدخول إلى حلبات الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي –بل والعسكري أيضاً إذا استوجب
الأمر ذلك-، دون وهن ، أو ضعف ، حيث يلزمه به الأمر الإلهي ، وحيث تقتضي منه الحجة
الربانية ، كل حسب ما اختاره لنفسه من اختصاص ، وكل حسب ما تفرض عليه المرحلة التي
يعيشها ، وحسب ما يقتضيه منه الصراع الذي يخوضه من ضرورات .. وهكذا .
ولأن ثبات الخطى -هذا- يعتبر من الشرائط الأساسية المسلمة لمنصب القيادة لدى
العقلاء كافة ، حيث لا تخفى أهميته لهذه القيادة على أحد ، ولا يناقش في ضرورته لمن
يحتل منصب القيادة أحد –هذا من جهة أولى- .
.. وللأهمية الكبرى لهذا الثبات في إقامة الهدى الإلهي ، وفي الوفاء بدور الإسلام ،
وأداء رسالته الكبرى في قيادة الحياة الإنسانية -من جهة أخرى- .
.. ولموقع المسلمين كشهداء على البشرية -من جهة ثالثة- .
.. وللحدية المطلقة في استقامة سبيل الإسلام ، وانتهاجه لطريق الحق المطلق -من جهة
رابعة- .
.. ولحدّة الصراع الأبدي بين الحق والباطل –من جهة خامسة-.
.. ولدقة مسارب الشيطان في الإنسان ، وتأثيرها الكبير على جميع مستوياته النفسية ،
والاجتماعية ، والحضارية ، وغيرها -من جهة سادسة- .
.. لكل هذه الأمور –ولغيرها مما لم نذكره- نرى أن القرآن ، ومصادر الحجة الإلهية
–كلها-، قد أكدت –وبمختلف الألسن والصور والمناهج- على هذه الناحية ، واعتبرت
الثبات على الحق ، والانتظام في سبيله ، والصبر على الشدائد حتى تحقيق الغايات
الكبرى فيه ..
.. اعتبرت هذه الأمور من أسس الإيمان بالإسلام ذاته ، بل اعتبرتها رأس هذا الإيمان
–كما في تعبير بعض الروايات–، ولا اعتقد أننا بحاجة إلى اقتباس شيء مما ورد في هذا
المجال من النصوص ، فهي اكثر ، وأوضح من أن تخفى على أحد .
ومع أن القاعدة -التي أشرنا إليها فيما سبق– تقتضي أن يكون رجل الدين هو المثل
الأعلى للمؤمنين في هذا الثبات ، وتلك الطمأنينة النفسية ، إذ يفترض أن يكون أبعد
ما يكون عن الوهن ، وعن الضعف وآثاره ، وهو يؤدي مهماته الكبرى في أي من المجالات
التي اختار التخصص فيها .. فهو واجهة الصراع مع الشيطان ، ومع نزغاته وأتباعه ، في
مختلف الأصعدة المادية ، والاجتماعية ، والأهواء المختلفة .
أقول : ومع أن هذه القاعدة تقتضي أن يكون رجل الدين هو المثل الأعلى في هذا المجال
، إلا أن المؤسف أن يشاهد غير هذا في الواقع المعاش ، والمشهود ، لدى البعض من رجال
الدين ، وطلبة الحوزات العلمية ، إذ ما أسرع ما تبدو على هؤلاء بوادر الوهن ،
والانهيار ، بل والشطط مع الأهواء ، حتى مع بدايات صراعهم الذاتي مع الشيطان
ومغرياته ، أو في بدايات دخولهم إلى حلبات الصراع مع الظواهر الاجتماعية المنحرفة ،
أو جهادهم لأعداء الإسلام من حماة الكفر والضلال .
ويتضاعف الأسف مع ملاحظة هذه الموهنات ، وهي تتكاثر مع اشتداد الصراع ، ومع اتساع
دائرته ، حيث يتطلّب الأمر مزيداً من الثبات على الحق ، والمصابرة على اتباع كلمته
، والاستظلال بكلمة الله –سبحانه–، والاستقامة مع حجته ، حتى بلوغ الغايات الكبرى
لحكمة الله في واقع الإنسان ، دون ان يترك أي مجال للباطل ، ينفذ منه الى أعماق
النفس ، أو حياة الأمة ، ودون أن يحقق شيئاً من غاياته في هدم ثوابتها ، وتوهين
ارتباطها بمصدر كمالها الأعلى –سبحانه وتعالى- .
ومع أنني لا أبرّئ نفسي في هذا المجال ، كما أنني لا اشكك في إخلاص أي من اخوة
الطريق ، وحرصهم على استيعاب أصول هذا الثبات ، والطمأنينة في سبيل الحق ، ورباطة
الجأش أمام عوامل الصراع .. فأنا اقل من ان ادّعي ذلك ، الا ان الحقيقة لا بد من
الاعتراف بها –ولو ضمن إطارها الكلي العام-، ولا بد من الإقرار بآثارها ونتائجها ،
فمعروف ان العلاج إنما يبدأ من تشخيص الداء ، والوقوف على أعراضه المَرَضية ..
وهكذا الأمر هنا ، فالإقرار بهذه الحقيقة ، مما لابد لنا منه قبل أن نسعى إلى
التعرف على أسبابها الشخصية والاجتماعية ، التي بذرتها في الكيان النفسي لرجل الدين
، أو نحاول الوقوف على علاجها المطلوب ، سواء بانتهاله من معين الحجة الإلهية ، أم
مما بلغته الخبرة الإنسانية في دراساتها النفسية والاجتماعية ..
.. هذا كله قبل ان يمضي كل منا في تربيته الذاتية المتواصلة ، وفي بنائه لكيانه
الشخصي على أساس من الالتزام بالهدى الرباني ، والاستعانة بالقدوات الصالحة من رجال
الإسلام المخلصين ، الذين ملؤوا التاريخ الإنساني إشراقا واستقامة ..
.. وكذلك قبل مواصلة التمرين على أداء المهمات الكبرى ، في سبيل تحقيق الغايات
الإسلامية العليا ، تحت ظلال أساتذة أكفاء ، حتى نيل الدرجة التي تؤهله للاستقلال
بالمسؤولية ، والقيام بما يجب عليه حق القيام .
كل هذا مع الوثوق بعون الله –سبحانه– وبمدده الدائم ، ورعايته الدائبة لمخلصي
السالكين في سبيله ، والناصرين لكلمته ، فهذا هو وعده الذي لا يخلف ، وعهده الذي لا
ينقض ، وتعالى الله أن يخلف وعده ، أو ينقض عهده .
(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الـْآخِرَةِ) .
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُـحْسِنِينَ) .
عدم الانفصال عن
الواقع المعاش
المزية الثالثة : استيعاب رجل الدين لضرورات العصر الذي يعيش فيه ، ومواكبته
للمبادئ والأصول الفكرية التي تعتمد عليها ظواهره ، ومجريات أحداثه ، واقتحامها من
خلال الرؤية الإسلامية قبل محاولته لتطبيق ما يمكنه تطبيقه من المناهج والأحكام
الإسلامية فيها ، أو علاج ما يستطيع علاجه من أمراضها ..
فهاهنا ثلاثة جوانب متداخلة ، لا بد من تكاملها جميعا للخروج بنتيجة واحدة سليمة ،
وهذه الجوانب هي :
استيعاب ضرورات العصر
أولاً : استيعاب رجل الدين لضرورات العصر الذي يعيش
فيه ، وما تتطلبه هذه الضرورات من مواقف .
وهذا الاستيعاب يعتبر من أحكام منصب القيادة ، في أي جانب من جوانب الحياة .
وهكذا فإن اقتحام قائد بركبه في طريق من الطرق ، يفرض عليه أن يكون على دراية تامة
بجزئيات هذا الطريق ومتطلباته ، وإلا لم يأمن العواقب ، لا بالنسبة له ، ولا لمن
يمضي معه ، ويستهدي بدلالته في المسير .
كذلك ، فان قائدا عسكرياً يدخل في إحدى المعارك ، يلزمه –وحتى قبل دخوله في تلك
المعركة-، أن يتعرّف على كل جزئية من جزئيات عدوه الذي يقاتله ، وكل مجرى من مجريات
المعركة التي سيخوضها معه ، وإلا لم يضمن لنفسه أيا من النتائج التي يستهدفها ، وان
امتلك جيشاً قوياً ، وعدة يمكن أن تمكّنه من تحقيق النصر –لو هيأ المستلزمات الأخرى
التي أشرنا إليها- .
وهكذا الأمر بالنسبة إلى القيادة الإسلامية ، فان محاولاتها في بناء المجتمع المؤمن
، وصراعها مع الأهواء الشيطانية ، والمذاهب التي تنبع منها ، وذودها عن حياض الأصول
والفروع التي تحمّلت مسؤوليتها.. كل هذا مما يفرض عليها التعرف على جميع الضرورات
التي تحتاجها في القيام بهذه المسؤولية .
ومن أوليات هذه الضرورات : الوقوف على جميع القضايا التي يحتاجها العمل في ظرفه
ومتطلباته ، وهذا غير ممكن مع الانفصال عن الواقع المعاش ..
على أن الابتعاد عن الواقع –في مورد العمل- قد ينتهي بالعامل إلى النكوص نحو الخلف
، أو التهافت في الخطوات ، مما سيفوّت الكثير من النتائج التي لابد منها لتحقيق
النجاح المطلوب ، على أقل التقادير .
عمق النظر إلى الواقع
ثانيا : التعمق -في نظرة القيادة الإسلامية- إلى
مبادئ الحوادث، وإلى الأصول الفكرية والمذهبية التي تنطلق منها .
وهذا التعمق مما تفرضه طبيعة البناء الديني ذاته ، وإنشاء الكيان الشخصي والاجتماعي
للإنسان ، وفق الأصول والمبادئ الإسلامية العليا –من جهة– .
كما تفرضه –من جهة ثانية- طبيعة الصراع القائم بين الأشياء -بشكل عام- ، والصراع
المذهبي بين الحق والباطل -بشكل خاص-، ولأسباب لا تخفى على المتأمل ، وذلك :
* * *
أ – لأن كلاً من البناء الديني لكيان الإنسان ، وصراع الحق مع الباطل عامان ،
شاملان لظواهر الحياة ، ولأصولها المذهبية كافة ..
وكما يجب أن يكون لظواهر الحياة حصتها المناسبة من سبل البناء الديني ، ونصيبها من
مستلزمات الصراع ، كذلك يجب أن يكون لأصولها الفكرية والمذهبية –التي تعتمدها-
حصتها المناسبة من تلك السبل وهذه المستلزمات أيضاً .
ولهذا فإن الوقوف في ذلك البناء ، أو في ملاحظة الصراع عند حدود ظواهر الحياة وحدها
، يعتبر تقصيراً غير مبرر في المسؤولية الإلهية الكبرى ، كما أنه تجزئة لأمر واحد ،
واقتطاع قد يضيّع أي جهد يبذل في الإصلاح الاجتماعي ، أو في الصراع مع عوامل الكفر
والضلال .
بل ، ويمكن القول بأن أي جهد يبذل في مجال الظواهر وحدها ، دون أخذ أصولها
بالاعتبار ، لا يؤدي إلى نتيجة حتى في هذا المجال وشواهد هذه المقولة أكثر من أن
تحتاج إلى توثيق .
* * *
ب - لأن بريق الظواهر –وخصوصاً مع دور الإعلام والدعاية ، وما يستتبع ذلك من لمعان
قد يأخذ بالأبصار–، مما يخفي عن البصائر طبيعة الأصول والمبادئ التي تعتمدها تلك
الظواهر ، ويزيغ بها عن الملاحظة المتدبرة ، في وقت يجب أن تكون تلك الطبيعة
–وحدها- هي مورد التعامل السليم مع الأمور ، والانتظام الرشيد مع الحقائق ، من أجل
الوصول إلى النتائج الواقعية المنشودة –كما أشرنا من قبل-.
* * *
ج – لان الوقوف عند خصوص الظواهر من مجريات الحياة ، دون التعمّق الى الحقائق التي
تعتمد عليها ، قد يفقد البصيرة الإنسانية موازينها السليمة ، التي –بواسطتها- تتعرف
عادة على مواقع الصواب أو الخطأ في المسير ، ويبعدها عن إدراك مواطن السلامة
والانحراف في الخطى ، كما يفقدها الحكم الصائب في جميع القضايا التي تستتبعها .
* * *
د – لأن الانشغال بظواهر الامور ، دون أخذ مكامن الحقائق فيها بالاعتبار ، مما يشتت
انتباه الإنسان ، ويربك قابليته على الفهم السليم ، والتمييز الصائب للأمور ،
ومنهجة المسير في متابعة القضايا التي ينبغي له الاهتمام بها للوصول إلى افضل
النتائج .. الى غير ذلك .
وواضح ان كل واحدة من هذه النواحي تشكل –في حقيقتها- مفتاحاً من مفاتيح القصور في
التعامل مع الواقع ، وخصوصاً بالنسبة إلى من اختار لنفسه منصب القيادة ..
ممارسة الحياة من خلال الرؤية
الإسلامية
ثالثاً : اقتحام الحياة ومجرياتها كافة من خلال
الرؤية الإسلامية ، وما يستتبع هذه الرؤية من مناهج وأحكام شرعها الله (سبحانه) في
دينه القويم ، والعمل بأحكامه في أي سلوك يأتيه الإنسان .
والالتزام المطلق بهذا الأساس –بالذات- يعتبر هو اللباب في مسؤولية كل مسلم ، قبل
ان يكون رجل دين ، وقبل أن يتحمّل مسؤولية الذود عن حياض شريعة الله واعلاء كلمته
..
فالمسلم -ومع غض النظر عن أي وظيفة تسند إليه- يعلم -حق العلم- ان الإسلام إلى الله
هو عنوان وجوده وحياته ، وان عبوديته لله (تعالى) هي المظهر الأسمى لكماله ، وخضوعه
لاحكام شريعته ، هو مبدأ استقامته ، وسعادته في الدنيا والآخرة ..
والمسلم يعلم -حق العلم كذلك- ان الله –سبحانه- قد أنزل هذا الدين العظيم ، وما
يحويه من حقائق وأحكام من اجل ان يلتزمه الإنسان ، ويمضي عليه في الحياة ، ليحقق
لنفسه ذلك العنوان ، وينال ذلك الكمال ، ويحقق تلك الاستقامة ، وإلا قصر عن تحقيق
أي من غاياته ، في الحياة الدنيا ، أو في الآخرة .
وهكذا كان لا بد ان يلتزم -في اعتقاده- كل حقيقة من حقائق الإسلام ، ويخضع -في
سلوكه ومواقفه- لاحكامه وتعاليمه ، دون ان يتجاوز أمرا ، أو يقصر في نهج ، أو يغض
عن نهي ، لان لكل من هذه الموهنات ، نتائج سلبية لا مفر من الوقوع في آثارها في
الحياة الدنيا والآخرة .. (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا
يَسْتَوُونَ) .
وطبيعي أن تتعاظم تلك النتائج ، وتتنامى هذه الآثار الوخيمة ، مع تصاعد موقع
الإنسان في المجتمع ، وتعاظم دوره في مجريات الحياة الإنسانية ..
فبينما لا تتجاوز السلبيات التي تتأتى من تصرف يصدر من إنسان عادي ، في حدود نفسه
–كشخص-، نرى ان السلبيات التي تتأتى من تصرفات شخص آخر ، أوتي موقعا رفيعا في
المجتمع ، مما تصطبغ به حياة أمم من الناس ، وقد تمتد معهم على مدار التاريخ .
ومن هنا ترد دقة الموقف لدى رجل الدين في هذا المضمار ..
إذ كما ان التزامه بالهدى ، واستمساكه بدين الحق ، واتباعه لنهجه القويم ، واقامة
حجته على الناس ، مما يستوعب –بنتائجه الإيجابية- جميع من يقتدي به في سلوكه ،
ويستوضحه في بيان عقيدته ومعرفته الإسلامية بشكل عام –إضافة إلى ما ينال ذاته منها-
، فكذلك الأمر بالنسبة إليه ، فيما لو انحرف عن قويم السبيـل ، وخرج عن ذلك النهج ،
فهذا مما سيلقي بظلاله القاتمة عليه –كفرد-، وعلى جميع من يتبع خطاه في الحياة ،
ومن يقتنع برأيه في العقيدة والتصور .
وعن أمير المؤمنين (ع) انه قال : (ان من ابغض الخلق إلى الله (تعالى) لرجلين : رجل
وكله الله الى نفسه ، فهو حائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، قد لهج بالصوم
والصلاة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدي من كان قبله ، مضل لمن اقتدى به في
حياته وبعد موته ، حمّـال خطايا غيره ، رهن بخطيئته ..الخ . (الكافي).