المقدمة
الحمد لله قاصم الجبارين ، مبير الظالمين ، مدرك الهاربين ، نكال الظالمين ،
صريخ المستصرخين ، موضع حاجات الطالبين ، معتمد المؤمنين .
والصلاة والسلام على من أرسله رحمة للعالمين ، محمد وآله الطاهرين .
ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا
ذنوبنا ، وكفّر عنا سيئاتنا ، وتوفنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ،
ولا تخزنا يوم القيامة ، انك لا تخلف الميعاد .
لا ريب أن مسؤولية الطالب الحوزوي ، أو رجل الدين ، في العراق –في هذه الأيام
خاصة- تعتبر من أعقد وأدق المسؤوليات ، ومن أصعبها كذلك ، لا في التأريخ الحديث
فحسب ، وإنما على مدى التأريخ الحوزوي ، بل وتأريخ الإسلام ، منذ القديم ، وحتى
الآن أيضاً .
هذه هي الحقيقة التي يجب الانتباه إليها ، والإقرار بها .
كما يجب على كل من قادة الحوزات العلمية عامة ، والحوزة العلمية في النجف منها
بالخصوص ، وأستاذتها كافة ، أخذ هذه الحقيقة بالاعتبار ، وبجدية تتناسب ودقة الموقف
، وحدّة الصراع ، وسرعة مجرياته ، وتهيئة ما يمكن تهيئته من المناهج والوسائل ،
لمساعدة الطالب الحوزوي ، ومن خلفه الركب الإيماني كله ، إلى حيث الغايات التي
يريدها الإسلام في المجتمع ، وإلى أن ترفع أعلام الحجة الإلهية عالية بين الناس .
عقود مظلمة من الزمان ، مرت على العراق عامة ، وعلى الحوزة العلمية في النجف خاصة ،
حصرت همّ الطالب الحوزوي –بأجمعه- في أن يوائم بين معيشته الضنكى ، التي جعلت
تحصيله لرغيف الخبز من أصعب المصاعب عليه ، ومتطلبات درسه الخاص ، والتخفّي عن أعين
الجزار ، الذي نفذ بأذنابه إلى أعماق الكيان الحوزوي نفسه ، ليعدّ على كل طالب
أنفاسه في بيته ومدرسته ، وضمن درسه ، وعلاقاته مع إخوة طريقه ، وهو –خلال هذه
المراقبة الدقيقة- يشهر سكينه القاطعة ليطال رقبة كل من لا يرتضي منه كلمة ، أو يشك
في تصرف يصدر منه ، أو يرتاب في علاقة يبنيها حتى مع أقرب الناس إليه .
ولئن فرض الموقع الاجتماعي على بعض الطلاب أن يعمل في المجتمع ، ويؤدي رسالته فيه ،
فلا بد أن لا يتجاوز في عمله هذا حدود الإطار الذي تحدده أهواء النظام ، ومشتهيات
أركانه ، ليبقى في حدود صلاة الجماعة ، والإجابة عن أسئلة فقهية لا تتعارض مع مصالح
المسؤولين ، الذين دس النظام أنوفهم في جميع شرائح المجتمع ، وأشباه هذه البسائط من
المهمات .
أما ما وراء هذه الأمور ، فكل شيء محرم ، وكل نتيجة لأي عمل إنما هي السجن ، وهي
الإعدام ، وهي المقابر الجماعية التي ملأت البلاد ، وهي هدم البيوت على رؤوس
ساكنيها وإن كانوا نساء وأطفالا ، فالمثل الأعلى هو ... ، والقيمة المطلقة في حياة
الأمة ، هي بقاؤه في موقعه ، فهو الضرورة التي لا بد منها للوجود وللحياة ..
وهكذا كان معنى البحث في الفكر الإسلامي هدم الثوابت الإيمانية للنظام ..
وكان التحدث في العقيدة إنما هو الإثارة للطائفية ..
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني التحزب ضد النظام وخيانة الوطن .
وطبيعي -حينئذ- أن تموت جذوة كل طموح لدى الطالب الحوزوي ، وأن ينأى بنفسه عن كل
تسامٍ ، فهو لا ينظر رسالته إلا من خلال ذلك المضيق ، بل وأصبح لا يفهمها إلا من
خلال ذلك الأفق المحدود .
وفجأة -وخلال أيام لا تتعدى العشرين يوماً- ينقلب كل شيء، وتختلف كل الموازين ..
أيام عشرون تصبح الحوزة بعدها محط الأنظار من جميع الجهات وعلى مختلف الأصعدة .
مركز ثقل سياسي ينتظر العالم كله كلمة واحدة منه ، لتصاغ على أساسها مواقف الأعداء
والأولياء –معاً-، وتتحدد بموجبها مجريات الأحداث .
ملاذ أمن لشعب يعيش محنة لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل -ولو في حدود التأريخ
الحديث- ..
.. محنة يمكن أن تتلخص بكلمتين اثنتين ، هما : الضياع والحيرة.
.. الحيرة ، حيث لا نظام ، ولا أمن ، ولا هوية ، ولا عمل .
.. والضياع حيث لا معالم واضحة في طريق الحياة ، لا للآن ، ولا للمستقبل المنظور ..
نعم ، بقيت الحوزة هي الموئل الذي تتطلع إليه عيون المؤمنين ، عسى أن تجد عندها
الإجابة الشافية ، ولو عن بعض التساؤلات التي تتردد على الشفاه ، وأمل ان تنال
لديها العلاج الناجع ولو لقسم من أمراضها أو لجزء من السلبيات التي تطفح على ساحتها
، بعد أن جرد الوطن حتى من هويته ، وتوقف فيه كل شيء عن الحركة ، وزلزلت جميع
الثوابت الحضارية .. المادية منها والمعنوية ، ليصبح كل شيء -من ثم ، وحتى
المقدسات- في مهب الريح ، وعرضة للمساومات ..
وطبيعي أن تتحرك الحوزة ما شاءت لها الظروف أن تتحرك ، بالرغم مما يهيمن عليها من
قصور في الطاقات والكفاءات خلفته عقود طويلة من الكبت والحرمان ..
وبالرغم مما منيت به من عجز قد يعيقها عن الارتفاع إلى مستوى الأحداث التي تحيط بها
من كل جانب ..
وبالرغم من تشتت في الرؤى ، أفقدها وحدة الكلمة ، ووحدة الطريق ، ووحدة المسير ، بل
ووحدة الغاية التي تحكم هذا المسير .
وطبيعي أن يقوم رجالها –وفي مختلف المستويات- بما عليهم من أعمال فرضها تواتر
الأحداث وتسارعها ، بالرغم مما هيمن عليهم من ضيق في آفاق الرؤية والتعامل مع
الواقع الجديد .
ولئن فرضت الحجة الإلهية على المرجعية العليا التريث في البتّ بالأمور الكبرى
والمصيرية ، بسبب الضبابية التي تعيشها الأمة -هذه الأيام- ، إلا أن مجال العمل
الاجتماعي مفتوح لكل مؤمن .
فالثوابت الإسلامية العامة لابد أن تتحقق ..
والصالح العام لا ينبغي أن يتجاوز ..
ومجالات نفوذ الأجانب يجب أن تغلق ..
وزمام أمور المسلمين لابد أن يكون بأيدي المخلصين منهم .. وهكذا.
وكل هذه الأمور وأشباهها ، هي من شأن المؤمنين ، ومن شأن الأكفاء من أبناء الإسلام
، وما كان لهؤلاء أن يتخلفوا عن مسؤوليـاتهم ، لأن معنى هذا التخلف : فسح المجال
أمام الأعداء ، وأمام المتصيدين بالماء العكر من الوصوليين ، وبائعي الذمم ،
ليستغلوا الفرص ، وليفرضوا على واقع الأمة ما هو بعيد –كل البعد- عن هدى الله
(تعالى) ، وعن أحكام دينه القويم ، في حاضر الأيام ، بل وفي مستقبلها أيضاً ، حيث
لا يعلم أحد –إلا الله (تعالى)- ما سيسفره الصراع القائم من نتائج ..
نعم ، لابد من توقع التصاعد في وتيرة هذا الصراع ، وتصاعد حدته ، وبطرق قد لا تطرأ
في بال أحد من الناس .
أقول : من الطبيعي أن يتقدم المؤمنون لأداء مسؤولياتهم ..
ومن الطبيعي أن يتقدم مسيرتهم الكبرى –هذه- الأكفاء المخلصون من طلبة الحوزات
العلمية ورجال الدين ، فهم أمناء الله (تعالى) على شريعته ، وهم حاملو مشعل هداه
بين الناس .
وطبيعي أن يأخذ هؤلاء الرجال على عواتقهم –وإن كانوا محدودي الإمكانات- مسؤولية
الاستقامة بالمجتمع المؤمن في طريق الله، والانتظام مع هديه ، حتى تحقيق الغايات
الربانية فيه ، وحتى يزيحوا عن كاهله هيمنة أي متسلط غاشم ، ويدرؤوا عن أوطانه كل
معتدٍ أثيم .
وليضمنوا –قبل هذا وبعده- انتظام هذا المجتمع في سلك الحجة الإلهية ، وليعدّوه
لاستقبال كلمة المرجعية العليا ، حين تلزمها مسؤوليتها أن تنطق كلمتها الفاصلة في
الأحداث ، وتقول قولتها في الأمور .
ويفترض أن يجري العمل وفق خطط ممنهجة ، تتسق على أساسها خطوات العاملين ، لأن
افتقاد العاملين لمنهجة العمل ، وانتظامهم فيه ، يعني وقوعهم في التخبط وتهافت
الخطى ، وقصور المسعى ، ولاسيما مع هذه الضبابية التي تغلف الأجواء ، حيث لا يكاد
أحد يعلم موضع قدميه فيها .
أقول : ويفترض أن يجري العمل الإسلامي وفق خطط ممنهجة ، إلا أن ما فرضته عقود الكبت
والاستئصال من تواضع في الرؤية الحوزوية وتشتتها ، وما أثمرته سرعة الحوادث ، وشدة
الصراع من تشويش وضبابية ، مما أفقدها مثل هذه المناهج والخطط ، ولو في هذه الفترة
الحرجة من تاريخ الأمة .
وهنا تكمن خطورة الموقف الذي لامناص من الخروج منه بصورة أو بأخرى ..
فهاهنا مسؤولية إلهية عظمى ألقيت على كاهل الحوزة ورجالها المخلصين في المرحلة
الراهنة ..
وهاهنا تشويش وضبابية فرضتها الأحداث لا تسمح بالرؤية حتى إلى موضع القدمين ..
وهاهنا حدة في الصراع ، وسعة في آفاقه ، يتطلب كل منها نوعا من الجهاد في سبيل الله
، وإعلاء كلمته ، ونيل كرامته ، وعزته التي جعلها للمؤمنين ، وألزمهم بحقها ..
وهاهنا حاجة ماسة من المؤمنين لأن يسمعوا من الحوزة حجة الله (تعالى) ، وبينات هداه
، ولأن تتصدر هذه الشريحة المخلصة مسيرتهم في صراطه المستقيم ، وهكذا ..
كل هذا ، مقابل ما ذكرناه ، من عدم وجود إعداد كاف في هذه الحوزة المباركة ورجالها
، يتناسب ومستلزمات هذه الأمور المصيرية ، السريعة في حركتها وآثارها .
فمن الطبيعي -حينئذ- أن يتساءل كل طالب حوزوي ، وكل رجل دين ، عن حدود مسؤوليته في
هذا المجال ، قبل أن يسعى لبلورة رؤية جليّة له عن هذه الحدود ، ليستطيع –من ثم- أن
يمنهج تحركاته في خطوط واضحة ، نحو أهداف سليمة ، ويهيئ ما يمكنه تهيئته من إعدادات
علمية وعملية ، ليمضي قدماً في مسؤوليته ، كما أمره الله (تعالى) أن يمضي ، ولسير
في حياته ما شاءت له رسالته أن يسير .
ورسالتي هذه محاولة سريعة للإجابة عن التساؤل السابق ، حيث لخصت فيها ما استطعت
فهمه من دلائل الحجة الربانية في هذا المجال ، وما استفدته من أساتذة أكفاء أتقياء
، كانت لهم يد طولى ، ونظرة صائبة مخلصة في العمل الحوزوي ، وما اكتسبته من عقود
أربعة عشتها في الحوزة المشرفة ، وعاصرت فيها أحداثاً كبرى ، كان –ولا يزال- لها
تأثيرها الواضح ، لا على الحوزة العلمية وحدها ، بل على الأمة الإسلامية كلها ،
والعالم أجمع .
ولسرعة الموقف لم أشأ أن أتعرض –في هذه الرسالة- إلا لما هو واضح الضرورة في هذه
المرحلة فحسب ، كما لم أتعرض إلا إلى البدهيات اللازمة من تطلعات الحوزة ، في
مسؤوليتها الإسلامية والاجتماعية ، دون الدخول في أي تفصيل يطيل بنا الطريق ،
ويحتاج -مني أو من القارئ الكريم- إلى الاستدلال ، والاستعانة بالمصادر والنصوص ..
على أني حاولت أن لا أبعد تلك المصادر ، وهذه النصوص ، حتى عن منطوق الحديث
ومجرياته ، كما سيطلع عليه القارئ -بعون الله (تعالى)- وهو يتابع قراءته لهذه
الرسالة .
ورأيت أن أضع ما كتبته بين أيدي إخوتي وأبنائي في الحوزة العلمية المشرفة ، عسى أن
يجد فيه البعض عوناً فيما يتطلع إليه من إجابة واضحة حول التساؤل السابق ، فيدخله
ضمن رؤيته الخاصة في تلك الإجابة ، وهو أمل أرجو من الله أن يبلغني إياه ، عسى أن
أنال به من رضاه (تعالى) ما يقرّبني إليه ، فمنه العون ، وهو ولي التوفيق .
ما مسؤوليتي كطالب حوزوي ، أو كرجل دين ، في المرحلة الراهنة ؟ ..
سؤال يتردد على السنة الكثيرين من طلبة الحوزات العلمية ، يلقيه بعضهم على من يثق
به من رجال هذه الشريحة المقدسة ، لينتهل منه الجواب الشافي ، بينما يلقيه آخرون
على أنفسهم ليرسموا لمسيرتهم خطوطاً واضحة ، تصلهم بالغاية الرشيدة التي يستهدفونها
، وتؤمنهم منزلقات المسير ، والدخول في المتاهات العمياء ..
وأهمية السؤال تتراءى اكثر وضوحاً إذا لاحظنا العديد من العوامل المتداخلة ، التي
يجب ان تؤخذ بالحسبان ، ولا سيما عند متابعتنا للواقع المعاصر ، وعند أي محاولة منا
للوفاء بالمسؤولية الإلهية الكبرى فيه .
وكأمثلة على هذه العوامل التي لها دورها في الواقع المعاصر ، نشير هنا إلى ثلاثة
منها بشكل سريع ، دون الدخول في تفاصيل تطيل بنا الطريق للوصول إلى النتائج ، ولا
سيما أن هذه التفاصيل ليست بعيدة المنال عن المتدبر اللبيب .
الصراع المذهبي
العامل الأول : ان لهذه المرحلة -التي تمر بها الأمة
الإسلامية ، بل والعالم اجمع ، وبما تحمله من تطورات- آثاراً اجتماعية وإنسانية ،
تعتبر مفاجئة ، لم تدر حتى في بال أولئك الذين افتعلوها وخططوا لها سياسياً
وعسكرياً واجتماعياً ..
فالمواجهة الفعلية القائمة ليست مواجهة سياسية أو عسكرية فحسب ، وإنما هي –قبل هذا-
مواجهة فكرية وأخلاقية ودينية وحضارية شاملة .
ومع أن القادة السياسيين قد اخذوا بحسبانهم –ولا ريب- كل ما من شأنه أن يضمن لهم
النصر في مجالي السياسة والقوة العسكرية ، إلا أن الآفاق الأخرى التي يمتد إليها
هذا الصراع ، أعني العوالم المذهبية والدينية والفكرية والحضارية -وهي الأكبر أهمية
، والأعمق نتائج ، والأكثر تأثيراً في مسيرة الحياة الإنسانية- تبقى أدق من أن يحيط
بإدراكها أحد ، وأوسع من يستوعب جميع جوانبها ، أو يضمن لنفسه نتائجها كما يريد ،
ولا سيما حين يقف في رؤيته لها عند حدودها العسكرية ، أو السياسية فحسب .
ولابد من القول كذلك : إن نتائج الصراع في هذه الآفاق لا يحددها قهر اجتماعي ، أو
حصار اقتصادي ، أو تسلط عسكري ، وان استوجب احتلال البلاد ، واستئصال النفوس .
فعوامل القوة أو الضعف في هذه المجالات إنما تكمن في ذات المذاهب أو الأديان أو
الحضارات التي تدخل في المواجهة ، ومدى استطاعة كل منها على الثبات في صراعه مع
المبادئ الأخرى ، وقدرته على استقطاب الوعي الإنساني ، وامتلاكه للإيمان بحقائقه ،
وهذه المنابع هي التي تقرر النتائج التي تفرزها الأحداث ، على المديين القصير
والطويل معاً .
كما أن لثبات الحاملين للمذهب ، ولصمود متبعي الدين ، وأمناء الحضارة ، في ميدان
الصراع ، ولمصابرتهم على التصدي للأغيار ، والثبات الفكري والسلوكي ، في مواجهتهم
مع ذوي الأديان والمذاهب الأخرى ، أكبر الأثر في انتصار مذهبهم ودنيهم ، وان
استؤصلت منهم الأرواح ، وانتهكت لهم الحرمات ، فعوامل النصر والهزيمة في عالم
المذاهب والأديان لا يحددها عدد الضحايا ، أو غلاء الأثمان المقدمة بقدر ما يحددها
بروز المذهب ، وظهور الدين .
وهنا تتبلور أهمية دور المسلمين في تحقيق النتائج المبتغاة في مواجهتم مع أعدائهم ،
كما يتبلور عظم مسؤولية رجال الإسلام ، وحماة شرعه الحنيف -من طلبة الحوزات العلمية
وفضلائها خاصة- في الذود عن حياض الإسلام ، وقيادتهم لركب المسلمين في المواجهة
القائمة مع أئمة الكفر والضلال ..
فمعروف أن الإسلام هو أسمى الأديان والمذاهب فكرة ، وأكبرها قوة ، وأقدرها على
الوصول إلى أعماق الإنسان ، وأعظمها تأثيرا في العقول البشرية ، فهو فطرة الله التي
فطر الناس عليها ، ولا تبديل لخلق الله ، وهو الدين القيم ، وهو الصراط المستقيم ،
وهو صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ؟ ..
فمن الطبيعي –حينئذ- ان لا يصمد أمامه مذهب من المذاهب ، ولا يوازيه دين من الأديان
في الصراع ، ولا يقف معه على قدم ، أو يبزه في شأن .
ولكن -مع هذا- لابد أن تفرض كلمته أمام البصائر ، ولابد أن ترفع رايته أمام الأشهاد
، لتتخذ تلك الكلمة دورها ، ولتأخذ هذه الراية موقعها كما يريده الله –سبحانه- لها
..
وهذه هي مسؤولية رجال الإسلام ، وحماة كلمته ، وحاملي رايته ، إذ لا يطلب منهم أكثر
من هذا ..
ولكن –مع هذا- يرد السؤال المهم الذي يدور -ولا ريب- في خلد جميع العاملين في هذا
السبيل ، وهو : هل يستطيع أولئك الرجال وهؤلاء الحماة أداء دورهم هذا ، كما يريده
الإسلام منهم ، وكما يتناسب مع مقتضيات رسالته ؟ .
هذا ما لا بد لهؤلاء الرجال والحماة ان يجيبوا عليه بالإيجاب ، وهذا ما لا بد لطلبة
الحوزات العلمية –وفضلائها منهم بالخصوص- من ان يبلغوا القمة في هذه الإجابة ، وهم
يؤدون دورهم المطلوب بأسمى وأتم ما يمكن الأداء ، وإلا فالنتيجة هي الخسران المبين
..
.. الخسران لا للإسلام ، فهو نور الله ، وقد ابى الله الا ان يتم نوره ولو كره
الكافرون .
وهو دينه الذي شاء ان يظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون .
وهو كلمته التي جعلها العليا ، بينما جعل كلمة أعدائه السفلى .
أقول : الخسران المبين لا للإسلام ، وانما الخسران لهم أنفسهم ، لانهم لم يصمدوا في
المواجهة ، وزاغوا عن طريق الحق ، ولم يصابروا في أداء رسالتهم حتى يبلغوا الغاية
المطلوبة .
آثار
الفترات الماضية في الحوزات العلمية
العامل الثاني : المراحل التاريخية العصيبة ، التي
عاشها المؤمنون العراقيون -وبالأخص منهم رجال الحوزات العلمية- قبل هذه المواجهة
الفعلية ، سواء منهم من عاش في داخل العراق -حيث البطش والتنكيل والقهر واستئصال
النفوس-، أم من هرب منهم الى خارج العراق -حيث التشتت والضياع ، والصراع الحضاري
والاجتماعي ، وعدم الاستقرار النفسي والفكري والاقتصادي- .
ومن الواضح -الذي لا بد من الالتفات إليه- ان تلك المراحل قد اجتثت من الحوزات
العلمية -ولا سيما في النجف الأشرف- معظم ، الكفاءات والطاقات الخلاقة والفعالة ،
التي كان يعوّل عليها في استمرارية الكيان الحوزوي العتيد ، والبناء الروحي والعلمي
لطلبة تلك الحوزات في العراق ، وتنامي دورهم في الحياة الفكرية والاجتماعية القائمة
..
وهكذا قطع ما بين الحوزة ودورها في المجتمع المؤمن ، الا شيئاً يسيراً مما يدخل في
القضايا الثانوية ، التي لا تتجاوز صلاة الجماعة ، وبيان بعض الفتاوى ضمن نطاق
محدود ، لا يحس الضلال منه شيئاً من الخطورة على كيانه –كما أشرت في المقدمة- .
أما تلك الطاقات التي شاء الله لها ان تسلم من سيف الجلاد ، فقد انصبّ جلّ اهتمامها
على حراسة أوليات الكيان الحوزوي لئلا تعصف بها العواصف ، والحفاظ على ديمومة
وجودها فلا تستأصلها القواصف ، حيث تجرد حماة الضلال من كل ما يمت للإنسانية بصلة ،
وتنصلوا من جميع القيم الأخلاقية ، واعتبارات الشرف والفضيلة - هذا من جانب-.
و-من جانب آخر- ، فان تلك المراحل قد قطعت عن الحوزة العلمية الشريفة في النجف
الأقدس- ، كل مورد من الموارد التي يمكن ان يستعين بها الطالب الحوزوي ، للارتفاع
بنفسه وبقابلياته العلمية والفكرية إلى حيث يطمح إليه من درجات .
هذا في وقت كانت معاول الكفر والضلال تجدّ في هدم الكيان الحوزوي المقدس من الداخل
، وتسعى إلى تدميره في مختلف أصعدته الإيمانية والأخلاقية والسلوكية ، وتعيقه -في
سعيه العلمي ، وفي بنائه علاقاته المناسبة مع المجتمع- عن أن يصل إلى حيث يريد ..
إلى غير ذلك .
وهكذا استطاع الكفر والضلال أن يجعل الكثير من المواقف والخطوات ، -التي أريد بها
النهوض بالحوزة العلمية إلى ما ينبغي لها أن ترتفع إليه من درجات-، سكين خاصرة تطعن
هذه الحوزة العلمية في أعماقها ، وفي مختلف مواقعها وآفاق نشاطها ، دون ان يستطيع
أحد من قياديي الحوزة وفضلائها القول ، او العمل ، للتخلص منها ومن تبعاتها ..
ومع ان البعض قد يرى ان مجرد الإشارة الى هذه الحقيقة الآن ، وفي هذا الظرف الدقيق
، أمر غير مناسب ، ولا ينبغي التعرض له .
بل ، وقد يرى البعض ان طرح مثل هذه السلبيات أمام الآخرين مما يفيد المتربصين من
أعداء الدين والوطن ، إذ قد يستغل هؤلاء مثل هذه الإشارات في تحقيق مآربهم الخبيثة
، التي يطمحون الى تحقيقها في اجتثاث منابع القوة للمجتمع المسلم ، وهدم الكيان
الحوزوي ، واجتثاث علاقته الربانية الوطيدة بالأمة المؤمنة ..
ولكن هاهنا مجموعة من الحقائق المهمة ، يجب ان لا تغيب عن بالنا ، ونحن نسعى الى
تصور رؤية واضحة في الإجابة عن السؤال السابق ..
وأول هذه الحقائق : ان الكيان العتيد لأي شيء إنما هو
الذي يقوم على محض الحقائق ، ويستند إليها –وحدها- في كل موقع من مواقعه ، وفي كل
حالة من حالاته ..
.. وان النظرة الصادقة حول ذلك الكيان إنما هي التي تعتمد الموضوعية المطلقة ، ولا
تحيد عن واقعه في أمر من الأمور ..
.. وان العلاج الشافي إنما هو الذي يأخذ -في حسبانه- جميع العوامل المرضية ، دون ان
يترك بادرة منها تزيغ عن الاعتبار والملاحظة .
ثانيها : ان الكثير من القضايا السابقة – هذه التي
أشرنا إليها- لا تزال تستغل في الظروف الحالية القائمة ، لتفرض نفسها على الحوزة ،
وعلى القيادات المرجعية ، ولا تزال تستغفل بها الشرائح الاجتماعية المؤمنة ، ليفرض
الكفر عليها رؤيته الشيطانية ، وأخلاقياته المنحرفة ، وسلوكه القاصر ، كما يفرض
إرادته على مسيرة الأحداث ، وتوجهات الأمة المسلمة من خلال الحـوزة العلمية ، شاءت
المرجعية ذلك أم أبت ، فهذا هو الواقع ، ولا بد من الاعتراف به .
ثالثها : ان العدو أذكى ، واكثر خبرة من ان يحتاج الى
مثل هذه الإشارات التي نطرحها نحن في هذه الأسطر لمعرفة الحقيقة .
فهو على علم بدقائق الأمور حتى قبل ان يقوم بهجمته الحالية على بلاد الإسلام .
فهو -إضافة الى كونه هو الذي أوعز إلى قادة الضلال في العهد السابق بفرض تلك
القضايا السلبية على الحوزة ، من أجل تحقيق غايات مشتركة للجميع -كما هو الأرجح-،
قد هيأ في هجمته الحالية أيضاً من المؤامرات والخطط الشيطانية ، ما يضمن به نفس
النتيجة التي توخّاها النظام السابق في فرض القضايا السابقة ، وأعد العديد من
الأمور التي تمكّنه من نيل الغايات التي يطمح إلى نيلها من كيان الأمة الإسلامية ،
بل ومن كيان الحوزة العلمية ذاتها .. وليصيب منها مقتلاً ، ويضمن ما يروم تحقيقه من
مطامع ، ولا اعتقد ان أمثلة هذه النماذج ببعيدة عن بصر المتتبع .
الحوزات في الخارج
أما الآثار السلبية التي منيت بها الحوزات العلمية في الخارج ، وأصيب بها رجالها
المخلصون -وأعنى منهم العراقيين الذين نزحوا إلى البلدان الأخرى مخافة سيف الجلاد-
، فأقل ما يتراءى منها ، هذا التشتت المشهود في التعامل مع الأحداث ، واختلاف
التوجهات الفكرية والاجتماعية ، وتفاوت الأولويات التي تستهدفها كل شريحة من شرائح
تلك الحوزات في المجتمع ..
ومع أن كل واحدة من تلك الشرائح يمكن أن تكون -في نفسها- موحدة الاتجاه ، متماسكة
الأهداف والمسير ، متناسقة الخطى، وقد يكون بعضها ذا عطاء ثرّ في توعية المجتمع ،
ونشر الثقافة الإسلامية ، وقد يكون بعضها ذا دور فعال في قيادة الصراع ضد الكفر
والضلال ، او في بناء المجتمع الإسلامي الرشيد ، إلا ان ذلك التشتت والتفاوت في
المواقف ضد الكفر والضلال ، او في تعيين الأولويات في الصراع ، واختلاف النظرات
تجاه الأحداث الاجتماعية العامة ، او الحوزوية الخاصة ، مما لا يمكن الغض عن
سلبياته الكبرى في توهين الكيان الموحد للحوزة العلمية المشرفة ، ولا سيما في هذه
الظروف الدقيقة والحساسة من حياة الأمة ، حيث يفترض فيها التفرغ لقيادة الصراع مع
الكفر والضلال ، دون ان تشتت انتباهها أمور ثانوية بعيدة عن متطلبات هذا الصراع ..
هذا ، إضافة إلى ان انصهار تلك الشرائح المتعددة في بنية حوزوية واحدة ، موحدة
النظرة متناسقة الخطى ، ليس أمراً سهلاً ، ولا سيما مع ما تحمله كل واحدة من تلك
الشرائح من مبادئ أولية دخيلة في أعماق نظراتها للأحداث ، وأولوياتها في العمل
الإسلامي ، مما يعني بقاء هذا التشتت مصدرا -لا يستهان به- للاختلاف ، وعدم التوحد
، بل ومثاراً للصراعات الداخلية ، ولا سيما في هذه الأيام الدقيقة ، حيث تحتاج
الحوزة العلمية الى وحدة الصف ، ووضوح الرؤية ، وجلاء الطريق ، وتبين الغايات
المستهدفة في مسيرة الصراع مع الضلال والكفر ، كما تحتاج الى وحدة الكلمة التي
تستقطب بها خطى الجماهير المؤمنة في طريق الحق ، وثباتها لتحقيق الغايات الربانية
من إعلاء كلمة الله (تعالى) ، وظهور الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون .
تشتت الرؤية الحوزوية
العامل الثالث : تشتت الرؤية الحوزوية –ذاتها- تجاه
الكثير من دقائق الأمور ، وقصورها عن الارتفاع إلى مستوى الأحداث ، بشكل يكاد يخفي
عنها أهمّ الأولويات التي يجب أن يأخذها الطالب الحوزوي بالحسبان ، وهو يطمح الى
بناء ذاته ، والوفاء بمسؤولياته ، إذ لا يجد في طريقه مناهج واضحة ، رسمتها له
خبرات حوزوية خالصة ، ليعتمدها في ذلك البناء ، وينتهجها في هذا الوفاء .
ومع أن هذا التشتت -في بعض جوانبه- نتيجة حتمية للعاملين السابقين ، إلا أنه قد
يكون كذلك نتيجة لعوامل متراكمة ، جرت عليها الحوزات العلمية في تاريخها الطويل ،
أو سلبيات أغضت عنها القيادات الحوزوية منذ عصور ، حيث لم تضع –ولو- بعض الأمور
-خلال تلك الحقب الطويلة- في أطرها الصحيحة ، لتجنب الحوزة تلك السلبيات .
كما انه -في جانب ثالث منه- قد يكون نتيجة لافتقاد الحوزات العلمية للمناهج
التربوية المتكاملة ، التي تخطط لتنظيم مسيرة الطالب الحوزوي في حياته العلمية
والمعيشية ، وتهيئ لتقويم علاقاته المختلفة ، سواء على صعيد دراسته الحوزوية ،
وانتهاله للعلوم التي يحتاجها ، والثقافة التي ينهض عليها كيانه الحوزوي الخاص ، ام
على صعيد موقعه الفكري والاجتماعي الذي التزمه في أداء رسالته في الحياة ، ام في
غير ذلك من الشؤون التي تخص تلك المسيرة العلمية ، أو العلاقات المختلفة .
فلا غرو أن نقول –وبكل صراحة ومع كل الأسف- أن جميع هذه المجالات –مع أهميتها
الكبرى- تفتقد المنهجة والتنسيق ، وقد ترك فيها الطالب لجهده الخاص ، ورؤيته
المرتجلة التي تفتقد التخطيط والمتابعة .
ومن الطبيعي -حينئذ- أن يمر كل طالب من طلاب الحوزة العلمية بفترات طويلة من
التخبـط والمعاناة ، وقد لا يصل –رغم ذلك- إلى أهدافه العليا كما يريد ، كما أنه قد
لا يأمن العواقب ، التي تحيد أو تقصر به دون بلوغ الغاية السليمة التي يريدها الله
له .
ونحن لا ننكر ان بعض الحوزات العلمية -خارج العراق- قد سعت الى منهجة مسيرة الطلاب
فيها ، سواء في بعض تلك الجوانب ام في جميعها ، الا ان هذه المنهجة -وعلى أي حال
تصورناها- لم يصل شيء منها الى الحوزة العلمية في النجف الأشرف -حيث موضوع الحديث
في هذه الرسالة-.
إنما رسمت بما يناسب البيئة التي أنشئت فيها ، وربما تحتاج إلى وقت طويل قبل ان
يستطاع تطبيقها في الحوزة النجفية ، كما أنها تحتاج الى متابعة ومواصلة في الإيعاز
من قبل المرجعية العليا ، وفضلاء الأساتذة في هذه الحوزة لتحقيق هذه الغاية فيها .
ولهذا كان –ولا يزال- طلبة الحوزة يتجرعون سلبيات التشتت والضياع ، وافتقاد
المنهجية الرشيدة ، قبل ان يصل أي منهم الى رؤية خاصة يستشفها لنفسه ، من خلال
معاناته الشخصية وتوجهاته الفكرية ، وتقديره لمستواه العلمي والثقافي ، وإدراكه
لمتطلبات موقعه الاجتماعي .. إلى غير ذلك .
كما ستبقى الحوزة العلمية –ذاتها- تتجرع غصص الاختلاف في تلك الرؤى الشخصية ، سواء
في توجهاتها واهتماماتها ، أم في أولوياتها وطرائقها في العمل ، أم في الوفاء الذي
يتصوره كل منها لمسؤولياته في عالم الفكر ، أو في عالم العمل الاجتماعي .
كما أنها ستبقى تعاني من تبعات القصور الذي يستولي على معظم تلك الرؤى المرتجلة ،
وعدم توحدها وتناسقها ، وتفاوتها في المسيرة والغاية ، ولا سيما في الأزمات ،
ومواقف الصراع مع مختلف الأعداء ..
إذ مع عدم وحدة الرؤية ، او مع عدم وضوحها ، لا يمكن ان تستبين مواضع القوة والضعف
في الطاقات ، ولا تستشف موارد الاستقامة والانحراف في المواقف ، ولا يلحظ مدى
التقدم او التأخر في خطوات المسير نحو الأهداف ، كما لا يمكن -من ثم- تلافي الأخطاء
التي قد تحدث في هذا المسير ، ولا تدارك آثارها التي يمكن ان تتأتى جرّاءها ، وكل
هذا واضح كل الوضوح مع أدنى تدبّر .
آفاق الإجابة عن
السؤال السابق
هذه بعض العوامل المهمة ، التي تفرض نفسها على واقع الحوزات العلمية القائمة -بشكل
عام- وعلى الحوزة العلمية في النجف الاشرف -بشكل خاص-، ومن خلالها يجب ان تتبلور
رؤية الطالب الحوزوي المعاصر ، وإدراكه لطبيعة الخطط التي ينبغي ان يضعها لنفسـه ،
وهو يعدّ ذاته ، ويبني كيانه كطالب حوزوي نذر لله (تعالى) وجوده ، ويمنهج سلوكه
ليفي بمسؤوليته الإلهية الكبرى .
ومن خلال هذه العوامل -وأشباهها أيضاً- يفترض ان تتصور الإجابة السليمة حول السؤال
السابق ، الذي بدأنا به هذه الرسالة ، حول مسؤولية الطالب الحوزوي في المرحلة
الراهنة .
ولكي نستوضح نحن هذه الإجابة ، لا بد لنا من ملاحظتها من خلال زوايا ثلاث ، لكل
منها دوره ، ولكل منها آثاره ، ولكل منها مستلزماته :
الزاوية الأولى : في بناء الطالب الحوزوي لكيانه ،
كطالب ينتسب الى هذه الشريحة التي نذرت نفسها لله (سبحانه) ، وأخلصت وجودها لرسالته
.
الزاوية الثانية : إعداد الطالب الحوزوي نفسه ليفي
بمسؤوليته الكبرى ، كمحام لشريعة الله (تعالى) ، ومبلّغ لحجته .
الزاوية الثالثة : ضرورات الوفاء بتلك المسؤولية
الكبرى في المرحلة الراهنة .
ونحن نعرض لكل من هذه الزوايا الثلاث ضمن فصل نعقده لها .
كما أننا لابد لنا من أن نتعرض إلى بعض المزالق التي يمكن أن تحيد برؤية الطالب
الحوزوي في موارد العمل الإسلامي ، لما لهذه المزالق من قدرة كبرى على إبعاد رجل
الدين عن غاياته الأساسية .
ومن الله التوفيق والسداد .