الوصية السادسة عشرة
الــزوجـيـة سـكـــن للـزوجـيـن
المرأة سكن لزوجها ، والرجل سكن لزوجته ، فكل منهما موئل للآخر ، يروح عنده ، ويهدأ لديه من عناء الحياة ونكدها ، ومفرّ يلجأ إليه من مشاكل العمل وتقلّبات الظروف العامة الخاصة ، وصدر حنون يجد فيه الراحة ، ودفء العاطفة ولذة السعادة .
ولأن الزوجة تشكل عادة الجانب الداخلي من الحياة الزوجية ، فمن الطبيعي ان تكون مهمتها أكبر من مهمة الرجل في هذا الجانب ، لما يصطدم به الزوج من معاناة في حياته الخارجية ، وشؤون العمل ، والعلاقات الاجتماعية المختلفة ، فهو في حاجة أكبر إلى ذلك الصدر الحنون ، وذلك الدفء العاطفي ، الذي يجدد له الحيوية ، والثقة بالنفس ، ليخرج إلى الحياة مطمئن النفس ، مع تفاؤل مشرق ، وثبات على الأهداف التي يطمح إليها ، ليستطيع أن يمضي -من ثم- في طريقه بجدية وكفاءة تامتين .
وكل هذا مما يجب على المرأة ان تأخذه بالحسبان في حياتها الزوجية ، لأنه من الأهداف الأولى لهذه الحياة ، ولابد أن تعدّ له العدة المناسبة ، لكي تستطيع أن تؤدي دورها مع زوجها ، كأكمل ، وأتم ما يكون الأداء ، لتحقق آماله فيها ، وتغني تطلعاته ورغباته المختلفة ، التي قد تستشار من خلال اتصاله بالمجتمع ، وممارسته للحياة خارج البيت ..
فهناك الأشكال النسائية التي يلتقيها الرجل خارج البيت ، أو في وسائل الدعاية التي تملأ البيوت في هذه الأيام ..
وهناك تنسيق الأثاث المنزلي ، ونظافة البيوت ..
وهناك طهي الطعام ، وطرق تقديمه ، والمرغبات فيه .. وهكذا .
وكل هذه الأمور مجال لإثارة رغبة الإنسان ، حتى بالرغم من بساطة المواد الموجودة ، أو المتوفرة في البيت وقلّتها ، إذ أن أكثر هذه الأشياء لا تخضع للغنى، أو لغلائها المادّي ، بقدر ما تخضع للذوق المشرف على ترتيبها ، أو تقديمها .
وعلى الزوجة الحكيمة ، أن تنتبه إلى مكامن رغبات زوجها في هذا المجال بسرعة ، وبهدوء لا يلفته ، لتثبت جدارتها ، وتفوّقها على ما يراه في غيرها من أشكال نسائية ، أو في غير بيتها من عناية وترتيب ، أوفي غير طهيها من نتاج الأخريات .
ولهذا السبب ، فلا ينبغي لها ان تلزم طريقة واحدة في الحياة ، او في السلوك مع زوجها ، لأن هذا مدعاة لإثارة الـمَلل ، وان كان هو الذي سبق منه الاقتراح في الطريقة الأولى ، كما لو أنه اقترح نوعاً معيناً من الطعام في يوم ما ، أو أبدى لها رغبته في أمر من الأمور ، فإن تكرار شيء من الأشياء في كل يوم ، يستوجب ضيق الإنسان به ، ونفرته منه ، ولاسيما مع تنوع الأشكال التي يراها في الشارع ، أو في بيوت الأصدقاء ، أو على موائدهم ، إذ أن هذا التنوع مما قد يثير في نفسه الرغبة إلى التجديد والتغيير ، وهو أمر يجده كل إنسان من نفسه كما يراه في غيره ، وهذا ما ينبغي للمرأة ان تسمو إليه في كفاءاتها ، وفي فنها وذوقها ، لتتلافى أي نقص يمكن أن تراه في تحقيقها لرغبات زوجها ومطالبه .
  
وفي مجال تزين المرأة ، وطريقتها في ارتداء الملابس والتجمل خاصة .. على المرأة ان تنطلق فيما تقوم به من خلال ما تعلمه من رغبة زوجها فيها ، ومن خلال ميوله الشخصية معها فحسب ، لا من خلال أي منطلق آخر ، مهما يكن رفيع الذوق ، ما لم يؤيده الزوج ، صراحة أو ضمناً .
ولها السبب عليها ان تتخذ من نظرات زوجها ، وكلماته معها ، وتعليقاته المستحسنة او غير المستحسنة ، أساساً لفهم ما يرغبه منها وما لا يرغب ، وان تجعل هذه الرغبة وحدها هي دستورها في القيام بمسؤوليتها هذه ..
فمعروف ان مقاييس الجمال تعتمد على الذوق قبل أي شيء آخر..
ومعروف -كذلك- ، ان لكل شخص ذوقه الخاص ، الذي قد يختلف فيه عن أذواق الآخرين ..
وحيث أن همّ الزوجة الحكيمة ، و(المؤمنة من حكيمات الزوجات بالخصوص) هو زوجها فحسب ، وتحقيق تطلعاته ورغباته الشخصية فيها ، وملء ذوقه ، وعواطفه الخاصة معها ، دون أي شخص آخر ، فيجب أن تكفيه كل هذه النواحي ، في كل ما تأتيه من هذه الأمور وما تترك ، وعليها ان تحقق تلك التطلعات منه والرغبات ، وان لم يتفق في ذوقه مع الآخرين ، فالذوق -كما قلت- أمر شخصي ، لا يخضع إلا إلى موازين الهوى النفسي والعاطفة .
ولهذا السبب ، فينبغي أن لا تقيس المرأة ذوق زوجها على من عهدتهم من الرجال الذين كانت تعيش معهم قبل زواجها -مثل أبيها أو اخوتها أو غيرهم من ذويها- في أذواقهم مع زوجاتهم ..
فلا تنظر كيف كان أبوها يتعامل مع أمها ، أو ما الذي كان يستهويه من ملابسها وزينتها ، أو كيف كان أخوها يرغب من زوجته ان تبرز أمامه في مكياجها ، او ما الذي يرغبه خالها ، او عمها في ترتيب بيته ، او في نوع طعامه .. وهكذا ، لتتبع هي -من ثم-تلك الأذواق في تعاملها مع زوجها ، وتحقيق رغباته وتطلعاته ..
كلا.. أبداً ، وإن كانت من المعجبين بذلك الذوق المتطلّعين إلى تحقيقه ، وإنما عليها ان تستوحي الأمور التي تعملها من رغبات زوجها وتطلعاته وحده ، لتحقق له ما يريد .
  
وفي إطار آخر ..
ينبغي للمرأة أن تلتفت دائماً ، إلى أن البيت هو ملجأ أفراد العائلة -وخصوصاً الرجل- ومفرّهم من معاناة الحياة ، وعناء العمل في الخارج ، ومشاكل العلاقات الاجتماعية المختلفة ..
وان تلتفت -أيضاً- إلى ان مسؤولية البيت تعود إليها نفسها ، قبل غيرها من أفراد العائلة ، ولهذا فمن واجبها الاهتمام بتوفير كل ما يحتاجه هذا البيت ، من راحة وهدوء وانشراح ، ليجد الجميع فيه سعادتهم وهناءهم ، قبل ان يعودوا إلى الحياة الاجتماعية العامة ، أو إلى العمل ، متجددي النشاط ، هادئي البال ، منشرحي النفوس .
فابتسامة الحب الصادقة ، يجب ان تكون هي فاتحة اللقاء الأول بين أفراد العائلة في باكورة يومهم الجديد حتى قبل تحية الصباح ، وان تكون هذه الابتسامة ذاتها هي خاتمة وداعهم الأخير فيه ، قبل الاستسلام إلى إغفاءة النوم في المساء ، مروراً بكل لحظة من لحظات ذلك اليوم ، ومع كل عمل يصدرونه فيه .
فمعروف أن التجهم والعبوس مما يضفي على البيت كآبة يمكن للجميع تجنّبها ، ويضيف إلى كل فرد من أفراد العائلة –وخصوصاً الزوج منهم- عناء متجدداً ، يجعله عرضة للتوتر الدائم ، وانهيار الأعصاب .. ونتيجة هذا مما لا يخفى على أحد ..
فما أكثر ما انهارت زيجات ، كان يمكن لأطرافها أن يتداركوا الأمر على أنفسهم ، لو أنهم استعانوا -لديمومتها- بابتسامة الحب الصادق في علاقات بعضهم مع بعض ..
وما أكثر العوائل التي يسودها التوتر والعصبية ، لأن تلك الابتسامة لم تتخذ طريقها إلى وجوه أفرادها ، لينعكس هذا التجهم منهم والعبوس على الأطفال -بالخصوص- ثماراً مـرّة فجّـة ، تجعلهم عرضة للكبت والعقد ، او حتى مسرحاً للأمراض النفسية والجسمية ..
  
ومن القضايا المهمة في هذا المجال : ان تلتفت المرأة إلى طريقتها في الحديث، ولاسيما مع زوجها ، فلا تخرج بيتها عن هدوئه ، وسعادته التي ترغب ان يكون عليها..
فصوتها يجب أن لا يتجاوز -قدر الإمكان- مسامع المخاطب ، كما أن لهجتها في الخطاب ينبغي أن لا يشوبها نوع من الإثارة أو الاستفزاز ، حتى وهي تناقش مع زوجها بعض مشاكل الحياة .
وكذلك فإن الموضوعات التي تطرحها في الحديث مع زوجها ، يجب ان تكون مما تعلم اهتمامه به .. فلا تتعدى فيها جانب الحكمة والتعقل ، ولاسيما في القضايا والأحاديث ذات الصبغة الجدية بينهما ..
  
أما حين يضطر الرجل إلى مواصلة عمله في البيت ، -كما في مراجعة التاجر لحسابات تجارته ، او تهيئة المدرّس أو الأستاذ لدروسه ، أو مواصلة الطالب لدراساته ..او غير ذلك-، فيجب ان لا تقحم الزوجة نفسها في عمله ، إلا حيث يطلب منها ذلك ، وان توفر له الجو المناسب لإنجازه كما يريد ، وبالطريقة التي يريد .
وقد سبق ان نبّهنا -في وصية سالفة- إلى ما يعنيه نجاح كل من الزوجين للآخر ، مما يعني أن المرأة تتحمّل قسطاً كبيراً من مسؤولية نجاح زوجها في أعماله ، بتهيئة ما تستطيع تهيئته له من أسباب الراحة والتفرغ لإنجازها .

الوصية السابعة عشرة
الحياة الزوجية والعلاقات العائلية
مما ينبغي أن يلتفت إليه الزوجان : ان علقتهما الزوجية ليست هي العلاقة الأولى والوحيدة في حياة كل منهما ، وان اتسمت هذه العلاقة بمميزات خاصة تختلف عن غيرها من العلاقات ..
فكل من الزوجين -في اغلب الأحيان- فرع من شجرة عائلية كبرى ، يصعب على الفرد ان يقتطع نفسه منها ، بل ويستحيل عليه هذا الاقتطاع دون أثر سلبي على صحته النفسية والجسمية ، وعلى حياته الخاصة او العامة ، ومدى وفائه بمسؤوليته الاجتماعية والإلهية ، التي فرضت عليه صلة الأرحام ، وأداء جميع حقوقها الأخرى .
بمعنى أن الزوج قد نشأ في أسرة ، لها روابطها العائلية ، ولها التزاماتها الخاصة ، مما يفرض عليه -بالتالي- مسؤوليات يجب عليه أن يفي بها تجاه ذويه، وتجاه تماسك ما بينهم من علاقات ، وتجاه وحدة العائلة في المجتمع ، ومكانتها بين الناس ، وشرفها فيهم .
وكما أن هذه المسؤولية اجتماعية في مظهرها ، هي -كذلك- دينية في جذورها وحدودها ، وفي نتائجها وآثارها على علاقة المؤمن ببارئ وجوده -سبحانه وتعالى-، وكل هذا مما يجب على الزوج أخذه بالاعتبار بعد الزواج ، كما كان الأمر قبله .
وهكذا الشأن مع الزوجة ..
فهي -كذلك- فرد من أسرة ، لا يمكن ان تقتطعها الظروف تمام الاقتطاع، دون أثر سلبي على كيانها النفسي -بل والجسمي أيضاً-، وعلى شخصيتها بشكل عام ، أو دون تقصير منها في وفائها بمسؤوليتها الإلهية ، والاجتماعية ، سواء تجاه ذويها أم في صلتها لرحمها ، بل وفي استجابتها العميقة لإرادة زوجها ، وخضوعها لإرادته .
ومع ان للعلقة الزوجية حكمها الحاسم -في بناء الحياة الجديدة- على كلا الزوجين ، وان هذا الحكم هو المقدم على أي من أحكام العلاقات الأخرى ، إلا ان على الزوجين –وهما يرسمان خطوط هذه الحياة ، ولاسيما في الأيام الأولى منها- ان لا ينسيا تلك الحقيقة المهمة من وجوديهما ، وأثرها على كيانيهما ، وعلىعلاقة كل منهما بذويه وأقاربه .
ولهذا فيجب ان لا تحاول الزوجة أن تفرض على زوجها انتزاع نفسه عن علاقته بعائلته ، مهما كانت وجهة نظرها عنهم .. بل وان كانت على حق في وجهة نظرها هذه.
كما يجب على الرجل أن لا يستهين بعلاقة زوجته بذويها وأهلها ، مهما كانت وجهة نظره عنهم كذلك .. بل وان كان محقاً في فكرته حولهم .
فلابد لكلا الزوجين من إبقاء صلتهما بذويهما ، وثيقة كما كانت ، ولابد لهما من الوفاء بمتطلبات هذه الصلة ، وبمقتضيات موقعهما ودورهما في أسرتيهما ، كأكمل ما يمكن الوفاء .. فصلة الرحم مما أمر الله (تعالى) به ، فهي -كأي واجب إلهي آخر-، لها حكمها هذا على الإنسان ، مع غض النظر عن موقف الآخرين منه ، فهي مما تمس علقة المؤمن ببارئه (تعالى) ، قبل ان تنعكس عليه -في بعدها الاجتماعي- كتقصير بحق من له حق عليـه .
  
بل -وبملاحظة ما ذكرناه من توحّد كياني الزوجين في حياتهما المشتركة- ينبغي أن يشعر كل منهما انه قد أصبح فرداً من عائلة الآخر ..
بمعنى أن تشعر المرأة بالواقع الجديد الذي دخلت فيه ، وتدرك أنها أصبحت جزءاً من عائلة زوجها ، وفرداً من أفرادها ، وكذلك الزوج ، فهو -بزواجه من عائلة زوجته- قد أصبح بعض أفرادها ، لا في حدود الشكليات والمجاملة ، وإنما في متطلبات العلاقات الوثيقة ، ومسؤولياتها كافة ..
أما مع ملاحظة القضية من زاوية أخرى أعم وأعمق ، فإنها ستتخذ أبعاداً أخرى أكثر أهمية ..
فبحكم إخلاص كل من الزوجين للآخر ، وحبّه له ، واخلاصهما لعائلتيهما معاً ، وبمساعدة كلتا العائلتين لهما في مهماتهما الاجتماعية ، يمكنهما أن يجعلا من علقتهما الزوجية -التي بينهما- سبباً في دمج كلتا العائلتين ، وتوحيدهما ..
وبهذا الدمج والتوحيد ، يحققان بعض متطلبات ولاية إيمانهما ، وأهداف الإسلام في المجتمع المسلم ، في وقت يكونان أقرب إلى السعادة الحقيقية ، المرجوة لهما ، ولعائلتيهما معـاً .

الوصية الثامنة عشرة
البـيئة وبناء شخصيتي الزوجين
من البدهي أن كلاً من الرجل والمرأة إنما يدخل الحياة الزوجية بعد مرحلة يقطعها من عمره بين أهل بيته وذويه وأصدقائه ، وفي بيئة تتشكل فيها شخصيته ، وتتبلور معالمها النفسية ، والفكرية ، والسلوكية .
فمعروف ان للبيئة دورها الكبير في صياغة مكونات شخصية الفرد ، وتنمية ميوله ، وتكوين عواطفه ، وتوجيه مشاعره ، وطريقته في السلوك ، وممارسة الحياة ، وتهيئة المستوى العقلي ، وتوجيه الفكر والمواقف نحو مختلف الأمور ..
وليس من السهل على المرء ان يتجرد من تأثير هذه البيئة ، مهما أوتي من سعة في الوعي ، واستقلالية في التفكير ، وقوة في الإرادة ، فالبيئة هي القالب الذي تصبّ فيه موروثات الفرد ، وإليها تعزى العوامل التي تتبلور من خلالها مكونات شخصيته. وكلمات علماء النفس في هذا المجال واضحة كل الوضوح .. كما ان نصوص العصمة –قبل هذه الكلمات- أكثر دقّة في بيان تأثير هذه البيئة ، ودورها في تكوين الشخصية .
  
وهذا يدعونا إلى الالتفات إلى ان لكل بيت مألوفاته الخاصة ، وأخلاقياته ، وتقاليده ، ومستواه الاقتصادي ، وتوجهاته الفكرية والاجتماعية ، ومستواه في التزامه الديني ، وطرائقه في الصرف المادي ، واهتماماته المختلفة في الحياة ..إلى غير ذلك ..
وهكذا ، فحين ندرك دخول كل من هذه الأمور في بلورة شخصية الفرد، وأن لكل منها دوره في بناء مكوناتها ، وتحديد معالمها وتوجهاتها ، فطبيعي ان نعلم حينئذ أن لكل منها طابعه الخاص في تكوين هذه الشخصية ، لما يلقيه عليها من ظلاله ، السلبية او الإيجابية ، لتظهر آثاره في عواطفها ، وانفعالاتها ، واهتماماتها ، وتوجهاتها ، وطرائقها في التفكير ، وممارسة الحياة .
  
ولأن البيئة -التي يعيش فيها الفرد- لا تقتصر على حدود البيت ، الذي يعيش فيه ، فمن الطبيعي أن يتأثر الفرد -كذلك- بما هو أوسع دائرة من هذا البيت ..
فشلة الأصدقاء ، وشركاء العمل ، والعلاقات الاجتماعية المختلفة ، والموقع الاجتماعي للأسرة أو للفرد ، كل هذا –وأمثاله- مما لا ينكر أثره –كذلك- في تكوين شخصية المرء ، وتحديد ملامحها .
  
ومما يجب أن يدركه الزوجان -في هذه الناحية-، ويأخذاه بالحسبان في أي منهجة منهما لحياتهما الزوجية ، وتحديد مواقفهما فيها : ضرورة الإيمان بوجود فوارق بينهما ، ليس من السهل تجاوزها ، ولاسيما في بداية حياتهما المشتركة ، وإن تقاربا في الكثير من آفاق حياتهما السابقة ..
وأولى هذه الفوارق ناشئة من نفس التكوين الطبيعي لهما كرجل وكامرأة ، إذ لشخصية الرجل معالمها الخاصة ، ولشخصية المرأة معالمها الخاصة كذلك ، إضافة إلى تأثير اختلاف البيئتين اللتين نشأ أو عاش فيها كل منهما قبل الزواج .
بمعنى أن شخصية الرجل ، وطريقته في التفكير ، وممارسته للحياة ، إنما صبت جميعها من خلال تكوينه الطبيعي كرجل -أولاً-، ومن خلال ما يمكن تسميته بـ (القالب العام) لوراثته للمعالم العامة المشتركة بين ذويه –ثانياً-، ومن خلال طرائق الحياة التي يمضي عليها بيته في تقاليده ، وفي عمله ، وطبقته ، ومستواه الاجتماعي والاقتصادي ، وأشباه هذه النواحي ، التي لها تأثيرها في شخصيته ، وتكوين ملامحها - ثالثاً- .
وكذلك المرأة في تكوينها النفسي ، والفكري ، والسلوكي ، والأخلاقي ، وفي تقاليدها ، وعاداتها .. كل هذه النواحي إنما نشأت لديها من خلال وجودها -كامرأة-، ومن خلال ما ورثته من سلالتها ، وما ألفته في أسرتها ، ووسطها العام ، او الخاص ، الذي كانت تعيش فيه قبل دخولها عتبة الحياة الزوجية .
ومن أجل إنجاح الحياة الزوجية ، وتيسير شؤونها ، وبلوغ سعادتها المرجوة ، ينبغي على كلا الزوجين أن يأخذا هذا الاختلاف بالحسبان ، وان تكون لديهما مرونة كافية لاستيعاب الفروق الموجودة في شخصيتيهما ، ولا يكون أحدهما -أو كلاهما- حديأً بالشكل الذي يفرض كل منهما وجودهُ ، وإرادته ، وسيطرته ، على الطرف الآخر ، أو على الحياة الزوجية ذاتها ، ليكبت قرين حياته ، ويتجاهل ما في شخصيته من إيجابيات ، او يستهين بما يمتلكه من عواطف ومشاعر تجاه ذويه ، إذ ستصبح الحياة –حينئذ- جحيماً لا يطاق ، بالنسبة لهذا القرين ، ولا ريب ان سلبيات هذا الشعور مما لا تحمد عقباه بأي حال من الأحوال ..
وعلى كل من الزوجين -ومع هذه المرونة- ان يمرّن نفسه على الانضواء ضمن مقتضيات وحدة الحياة الزوجية ، والتصميم على إزالة الفروق -التي يشعرها من ذاته- مع حياته الجديدة ، وان يتقبّل شخصية قرينه -بكل ما فيها من إيجابيات أو سلبيات- بصدر واسع ، وتعقّل للنتائج ..
وتتأكد ضرورة هذا التمرين والتصميم والتقبّل بالنسبة إلى المرأة أكثر من الرجل ، فهي التي تدخل -عادة- في كنف الزوج ، وضمن محيطه ، وفي أسرته ومجتمعه ، وفي كل بيئته التي يحياها ، إذ ما لم تكن لديها تلك الأمور ، لا يمكنها ان تنسجم -بأي حال من الأحوال- مع هذا الوسط الجديد برمّته- مما يؤثر بالتالي على علاقتها بزوجها نفسه.
ولهذا السبب ، فعليها ان لا تنتظر من زوجها ان يكون صورة طبق الأصل منها شخصياً في عاداته وتوجهاته ، فهو –قبل أي شيء- رجل وهي امرأة ، وكل منهما له ركائزه الفطرية الخاصة ، وكل منهما ينظر الحياة من زاويته الخاصة ، ويتعامل معها من منطلقه الخاص ، وشتان بين المنطلقين ، وقد سبق ان علمنا بعض عوامل الاختلاف في شخصيتي الجنسين .
كما ينبغي لها أن لا تنتظر منه أن يكون شبيهاً -في طباعه وتعامله- بأبيها أو أخيها أو واحد من الذين ألفت الحياة معهم قبل زواجها ، كأعمامها وأخوالها أو غيرهم ، إذ ان لكلٍ بيئته ، ولكلٍ شخصيته ، وله طباعه وأخلاقه ..
كما لا تنتظر من بيئتها الجديدة أن تجري -في اتجاهاتها ، وميولها العامة ، وتقاليدها ، وأخلاقياتها ، واهتماماتها ، وطرائقها في المعاشرة- ضمن ما ألفته في محيطها الذي كانت تعيش فيه في بيت أهلها ، مهما كانت الصورة السابقة ، محببة وبسيطة بين الناس ، إذ عليها ان لا تستبعد الاختلاف ما بين البيئتين ، ولو في بعض الأمور .
ومن هنا كان على الفتاة العاقلة أن تسعى –ومنذ أيام خطوبتها- إلى تكوين صورة واضحة لديها عن حياة زوجها ، وعن بيئته وعلاقاته ، ومختلف المؤثرات في شخصيته وأخلاقه ، وتتعلم كيف تستطيع ان تنسجم معه ، وتمنهج حياتها ، وسلوكها ، وتوجّهاتها العاطفية ، ونظراتها في الحياة ، بطريقة تقترب بها منه ، وتوحدها مع شخصيته ، ومع بيئتها الجديدة التي ستدخلها في حياتها الزوجية .
وعليها أن تعلم أن أي جهل منها لهذه الحقيقة ، وأي محاولة منها للتصلّب، وعدم الانسجام مع زوجها ، او التحفّظ على ما كانت عليه في حياتها السابقة لعلاقتها معه ، قد يكون مدعاة للشقاق والنزاع بينهما ، بل هو قد يمس حتى علقتهما الزوجية ذاتها بما يسيء من الآثار .. ومعروف كم أدّى عدم الانسجام بين الزوجين في طريقة الحياة إلى تحطيم الكثير من الحيوات الزوجية ..
  
وتأكد هذه الناحية بالنسبة إلى الزوجة ، لا يجرّد الزوج عن مسؤوليته هو في هذا المجـال .
إذ عليه -وهو يطمح إلى بناء بيت سعيد ومتماسك- ان يتفهّم البيئة التي نشأت فيها زوجته أيضاً ، وان يكوّن صورة واضحة عن المؤثرات في شخصيتها وطباعها ، قبل ان يهيئ نفسه ، ويعدّ البيئة التي يحيا فيها لتقبلها ، واحتوائها ، وعدم إشعارها بالغربة -وهي تدخل عليهم- ، ولا سيما في بدايات حياتهما المشتركة ، وان يكون على يقظة دائمة لما يمكن ان يطرأ على هذه الحياة ، جراء المفارقات التي بين بيئته وزوجته كوافدة جديدة ، ليضع الأمور في أنصبتها المناسبة ، ويعالج سلبياتها قبل ان تتخذ مساراً خاطئاً ، قد يجر حياتهما إلى نتيجة غير محمودة العواقب .
إلا أن المسؤولية في هذا الجانب -كما قلت- تبقى أكبر على المرأة منها على الرجل ، فهي التي تدخل في بيئة الزوج وبيته ومجتمعه ، حيث ستصبح -ومنذ أيامها الأولى من حياتها الزوجية- جزءاً من هذه البيئة ، فهي الوسط الذي ستعيش فيه ، وان شخصيتها ستتبلور معالمها الجديدة من خلال هذا الوسط ، مهما كانت حياتها السابقة ، فعليها - ولكي لا تصبح نشازاً في عائلتها الجديدة- ان تقرّ بالأمر الواقع ، وتدبّر أمرها بحكمة وروية ، وان تلتفت إلى ما يمكنها ان تفعله ، او تختاره مع زوجها ، من خلال قوامته عليها ، بعيداً عن التصلّب ، والحساسية ، والاستفزاز ، بل ومن خلال (المعروف) و(الفضل) اللذين أمرتها بهما الشريعة المقدسة .
وعلى الزوجين -قبل هذا وبعده- ان يعلما أن المسؤولية مشتركة ، وان الحكمة هي السبيل الذي ينبغي ان يعتمداه ، وان الحق هو الرائد الذي يجب ان يركنا إليه ، وان الفضل والمعروف ، وأحكام دين الله (تعالى) هي المنهج الواضح الذي يلزمهما اتباعه ، لكي تستقيم حياتهما في مسارها السليم والواضح ، وعون الله (جلّ وعلا) -قبل هذا وبعده- هو المسدد لهما في سبيله القويم .

الوصية التاسعة عشرة
الحــياة الاقتصــــــادية للأسـرة
لا يمكن فصل الحياة الزوجية عن المستوى الاقتصادي للأسرة.. وهي حقيقة واضحة لا تحتاج إلى تأكيد .
فطعام الأسرة ، وشرابها ، ولباسها ، وضروراتها المادية الأخرى ، كلها إنما تتأتى لها من خلال اقتصادياتها ، ومدخولها المادي ..
ولكي تستمر الحياة الأسرية ، ولكي تنال السعادة ، وتستقيم أمورها -كما ينبغي لها أن تستقيم- ، يجب ان تتناسب المصروفات مع الواردات في كل تلك الضرورات ، وتتوازن في التزاماتها الاجتماعية وفي غيرها ، وهو أمر طبيعي يعلمه كل ذي بصيرة .
وهذا التوازن مما يجب ان يتكاتف على تنفيذه الزوج والزوجة معاً ، وكذلك جميع من له حق الصرف من أفراد الأسرة الآخرين -إذا كان هناك أفراد آخرون لهم حق الصرف من الواردات المادية للأسرة-، لئلا تصل الأمور بهم إلى ما ليس بالحسبان .
بمعنى ان الزوجة -مثلاً- وهي تصرف على نفسها ، او أطفالها ، او ملابسها ، او بيتها ، يجب أن تأخذ باعتبارها المستوى الاقتصادي الذي يستطيعه زوجها في توفيره للأسرة ، وان لا تثقل كاهله بأي مصروف يصدر منها ، لأنها -بعد دخولها بيت الزوجية ، وبعد ارتباطها المقدس بزوجها ، وتوحّد حياتها بحياته- سينالها أي أمر يحصل له في هذه الحياة ، وستنعكس عليها أي نتيجة يكتسبها ، إيجابية كانت أم سلبية .
فليس وقوع الزوج في مضايقات الديون ، أو العوز المادي ، مما سيقتصر -في أثره السلبي- على زوجها وحده دونها ، إذ لابد انه سيصيبها ببعض سلبياته، مهما كان الزوج قوي الإرادة ، كتوم السر ، عزيز الشخصية في هذا المجال .
والعكس بالعكس أيضاً ، فإن يسر المستوى الاقتصادي للزوج ، وكفاية العيش فيه ، مما سينعكس عليها -كذلك- سعادة وهناء ، وراحة بال .
  
ويستتبع هذه الناحية أيضاً ، ضرورة أن لا تكون الزوجة سبباً في تنغيص العيش لأسرتها ، أو لزوجها حين تعلم بضائقة مالية يمر بها ، فتشعره بهذه الضائقة ، كلما سنحت لها الفرصة ، لتزيده همّاً إلى همّه ومعاناة إلى معاناته ..
ولهذا ، فيفترض بها أن تسمو -في رغباتها وتطلعاتها- إلى مستوى القناعة، والتعفف ، بل ومواساة الزوج في ضائقته المالية ، والتخفيف عن كاهله قدر الإمكان ..
فلا تبرز رغبتها بشراء ثوب ، أو حذاء ، أو إبداء حاجة من حاجاتها إليه ، إلا وهي تعلم احتياجها الفعلي إليها -أولاً-، كما تعلم قدرة زوجها على توفيرها لها -ثانياً-، ودون أدنى تكلف .
ومن قوة شخصية الإنسان : ان يصبر عما يرغبه ، ومن سموّ إيمانه : ان يهيمن على أهواء نفسه ، وميوله ، إلا بما يرضي الله -سبحانه- .
وعلى المرأة -إضافة إلى هذا- ان تكون ذات نظر أبعد من الوقت الذي تعيش فيه ، بل وهناك من النساء من هي أبعد نظراً حتى من زوجها نفسه في بعض الأحيان .
فبعض الأزواج قد تأخذه نشوة آنية ، ونوع من الابتهاج ، عندما يقع تحت يديه مبلغ من المال في بعض الأحيان ، فيلقي به في أمور تافهة ، هنا وهناك ، دون ملاحظة الحاجات الضرورية له ولزوجته ولأسرته ، ودون التفات إلى مستقبل الأيام ، التي قد لا يتوفر له فيها حتى ما يكفي به الضروري من الأمور .
فعلى المرأة -في هذه الحال- ان لا تنساق مع زوجها في كل ما يأتيه ، وان تكبح جماحه -قدر الإمكان- ، وتدبّر أمره ، وأمر نفسها وبيتها وأطفالها بتعقّل وحكمة ، وتقف به -من حيث يشعر أو لا يشعر- على الطريقة المناسبة في الصرف، وعلى الطريق القويم في التصرف .
وكم من الزوجات الحكيمات من أنقذن أزواجهن من الوقوع في مهالك العوز في هذا المجال .

الوصية العشرون
الـحـياة الـزوجيـة والإعـلام
من الأمور الأساسية التي يجب ان لا تغفل في هذه الوصايا : دور الإعلام ووسائله ، وتأثيره في دائرة الحياة الإنسانية ، العامة منها والخاصة على حد سواء ، وهو دور وتأثير أوسع وأدق من أن يهمل شأنه رواد الإصلاح ، وقادة الفكر والأخلاق ..
فكما لا يمكن فصل الحياة العامة عن هذا الإعلام ، لا يمكن فصل الحياة الخاصة للناس -بما فيها الحياة الزوجية- عنه -كذلك-، وعن مجرياته ، وعن الأهداف التي يسعى القائمون على وسائله إلى تحقيقها ، وفرضها على أخلاق الناس ، وتطلعاتهم وتصوراتهم .
فأجمل النساء -ومع خبرة أبرع فنّاني المكياج والتجميل ، ومع مختلف فنون الإغراء وإثارة الغرائز- أصبحت بمرأى من أي رجل ، في كل لحظة من لحظات حياته ، حتى تسلمه إلى أحلام النوم ، بعد أن أخذت عليه أحلام اليقظة ..
وفي المقابل أيضاً ، فإن أجمل الرجال -بما فيهم من حيوية الرجولة والشباب ، ومع جميع خبرات الفنانين في إثارة مكامن الشهوة- أمام أي امرأة ، حتى في أعمق تصوّراتها وتطلعاتها .
ومنتجات خبراء بيوت الأزياء والديكور ، ومهندسي البيوت والأثاث ، كلها بمرأى كل أحد حتى في أقاصي البلاد .
وتفاوت الأخلاق والتقاليد ، السائدة في مختلف المجتمعات ، وفي حضارات الشرق والغرب -بما فيها من استقامة أو انحراف-، فرض نفسه على كل شاهد، وعلى كل بيئة وبيت ، حتى أصبحت نسبية الأخلاق ، والتقاليد ، والعقائد ، والالتزامات الاجتماعية ، والدينية ، أمراً مستساغاً لعامة الناس ، فهم قد لا يدركون أن هناك موازين عامة لمعرفة المستقيم او المنحرف ، أو أصولاً ثابتة لإثبات السليم ونبذ السقيم منها .
بل ، وقد أمكن لهذا الإعلام أن يشيع التعاطف مع الجناة ، ومرتكبي الرذائل ، ومنتهكي الحرمات الإنسانية والأخلاقية ، فضلاً عن الدينية منها ، والعكس بالعكس أيضاً ، إذ استطاع أن ينأى بعواطف الكثير من الناس عن نوازع الخير والاستقامة والفضيلة ، حتى أصبحت هذه الأمور بعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي لمجريات الحياة ، أو كأنها من تراث الماضي القديم الذي لا يعنى به إلا فئة خاصة من الناس من حملة الأفكار المتخلفة .
ولا أطيل في بيان هذه النواحي ، فهي أجلى من أن تحتاج إلى بيان أو تأكيد .
وكل هذا مما يفرض على الأسر المسلمة -بالخصوص- ان تلتفت إلى حقائق الأمور وكيفية التعامل السليم مع مختلف وسائل الإعلام ، والاستخدام الأمثل لها ، وان تدرك مواقع الخطأ او الصواب فيها ، والاستقامة او الانحراف ، المفيد او الضار منها ، لتجنيب حياتها سلبيات قد تمتد إلى أعمق أعماقها ، فتنسف حياتها من أساس ..
وان تنتبه إلى الأهداف البعيدة للقائمين على الكثير من تلك الوسائل فهي قد تكون بعض معدات الباطل في هدم أصول الحق في أعماق أبنائه ، وتوهين دعائم الخير في بناء مجتمعاته . كما قد تكون من سبل الهيمنة ، وتسلط المستكبرين على المجتمعات الضعيفة ، ومعروف أن هؤلاء الخبثاء قد يصبرون عقوداً طويلة ، للوصول إلى بغيتهم الشيطانية تـلك ..
وهذا مما يحتّم على أبناء الإسلام عامة ، والزوجين منهم بالخصوص –حيث موضوع الحديث- ان ينتبهوا إلى جميع هذه الحقائق ، لينأوا بأنفسهم ، وبأسرهم وأولادهم عن هنات يمكن ان يقعوا فيها ..
وعليهم أن يعلموا ان سعادة الحياة وهناءها الحقيقيين ، لا يكتسبان إلا من واقع هذه الحياة ، وإلا من خلال كلمة الله (تعالى) فيها ، ومن خلال استقامتهم التامة مع أمر الله (تعالى) ونهيه .
وأن يعلموا ان صراع الحق والباطل صراع أبدي دائم ، وان الحق هو الواقع الذي فطر الله الإنسان عليه ، وشرع أحكامه في دينه القويم ، بالرغم من عتوّ الباطل ، وطرقه الملتوية في ذلك الصراع .
وفي هذا المجال يتحتم على الزوجة المؤمنة –بالخصوص- :
1- أن تكون ذات إرادة قوية ، وشخصية مستقيمة ، لا تخضع او تنساق وراء كل ما تراه في وسائل الإعلام ن من صرعات الموضات ، ومنتجات الأزياء ، وأشكال السلوك الخليع ، البعيد عن أخلاقيات دينها ، والتقاليد القويمة لمجتمعها المسلم ، وحدودها الشرعية التي ألزمها بها إيمانها .
بل ، وعليها أن تسمو بنظرتها إلى ما تفرضه عليها أخلاقها الكريمة ، واستقامتها المطلقة مع أمر الله (تعالى) ونهيه ، وإن حاربتها جميع وسائل الإعلام ، التي تكتنف حياتها في كل اتجاه .
2- أن لا تستهين بواقعها البسيط ، الذي تعيش فيه ، نتيجة لما تراه أو تسمعه في تلك الوسائل ، من أزياء ، وأثاث ، ومعدّات منزلية ومعيشية أخرى ، وطرق العيش الرغيد الذي يحيا فيه أصحاب تلك الوسائل ، إذ من الضروري أن تعلم أن تلك الأمور كلها لم تتوفر لأولئك الناس ، ولم يظهروا بتلك الوسائل من خلال جهد واحد ، وبإمكانات فردية ، بل من خلال إمكانات جماعية عليا، وجهود أشرف عليها خبراء مختلفو الاختصاصات ، من أجل غايات معينة ، قد لا تمت إلى الاستقامة والشرف والفضيلة بصـلة .
3- أن لا تشعر بالإحباط ، أو عدم الثقة بالنفس ، لما تراه من جمال من يظهر في وسائل الإعلام من النساء ، فمعظم مفردات هذا الجمال صناعي ، أشرف عليه خبراء واختصاصيون ، وهو ما أسرع ما ينتهي وراء العرض الإعلامي ، حتى دون الدخول إلى الحياة الاعتيادية لتلك النساء أنفسهن ، وبإمكان أي امرأة أن تستغل جمالها الطبيعي لامتلاك عواطف زوجها ، وشد انتباهه إليها ، وإن تأثر بذلك الجمال المصطنع لحظة من لحظات الضعف .
ومع ان الرجال أقل من النساء تأثراً بما يجري في وسائل الإعلام –عادة-، إلا ان بعضهم قد يستولي عليه الشيطان ، فينفعل بما يراه من أشكال نسوية يراها ، في تلك الوسائل أو في غيرها ، وبعض هؤلاء قد يستولي عليه انفعاله حتى يخرجه عن استقامته..
وهنا يأتي دور الزوجة الحكيمة.. إذ عليها ان تملأه عاطفة وحباً ، يقطعان ما بينه وبين الرذيلة والانحراف ، وتشدّه إلى استقامة الأخلاق والسلوك ، بما تقدمه له من رشد يكفيه دون التطلع إلى المحرم ، او الانفعال معه ، وهذا بعض جوانب حسن التبعّل الذي جعلته ألسنة العصمة جهاداً للمرأة -كما سبق أن عرفنا- .
4- أن تضاعف دورها ، وتستعين بزوجها ، وبمن تستطيع الاستعانة به من الناس ، وبما تستطيع الاستعانة به من آفاق المعرفة ، وأبواب الثقافة الرشيدة ، في تربية أبنائها ، وتقويم سلوكهم ، وتقوية شخصياتهم ، لتمنعهم من الانسياق وراء تلك الوسائل ، والانحراف نحو الغايات الهدامة ، التي يسعى إليها القائمون على الكثير من برامجها ، وعليها أن تتابع إرشادهم الأخلاقي والعقائدي ، وبناء أفكارهم على أساس ثابت من العقائد الصحيحة ، ليكونوا في مأمن من تأثير تلك الوسائل، حتى في الأوقات التي لا تستطيع ان تختار لهم ما ينبغي لهم متابعته منها .
والله -سبحانه- خير عون ومدد ، وخير ناصر لمن نصره .