الوصية التاسعة
دور الحب في الحياة الزوجية
الحب هو طعم الحياة ..
طعم الحياة بشكل عام ، وطعم الحياة الزوجية بشكل خاص ، إذ ما لم تقم هذه الحياة على أساس ثابت من الحب، تفتقد كل مقومات المتعة والسعادة والهناء ، فهو الذي يضفي عليها هذه السمات ، وهو الذي يعمقها في كياني الزوجين ..
وضرورة الحب -هذه- ليست مسألة شاعرية ، أو خيالية ، أو مبالغة تعتمد الوهم ، -كما قد يتصوره البعض لما عهده الناس من شيوع كلمة الحب في هذه المجالات-، وإنما هي تقرير لواقع إنساني ، إلهي المبدأ (وجعل بينكم مودة ورحمة) ، كما يدركه كل زوجين من نفسهيما ، بمجرد ان ينطقا كلمات عقد النكاح بينهما في الحالات الاعتيادية ، فبينما لم يكن أي من الزوجين شيئاً في كيان شريكه قبل هذه الكلمات ، وإذا هو كل شيء بالنسبة له بعدها ، حيث تتضاءل أمام علقته الجديدة كل العلائق السابقة ، التي ولد عليها ، ونشأ وترعرع فيها .
وللحب في الحياة الزوجية دوره الكبير في إنشائها ، وبناء كيانها -أولاً-، وفي استمرار وجودها -ثانياً-، وفي ديمومة سعادتها وهنائها ومتعتها -ثالثاً-.
ولهذا السبب ، فإن الإنسان حين يتمكن من مزاولة الجوانب الأخرى من حياته بدون هذا الحبّ ، وان يعاشر الآخرين بعيداً عنه ، ويكسب بعض الثمار والمصالح المفيدة له من تلك المعاشرة ، فإنه في الحياة الزوجية- بالخصوص-، لا يستطيع ان ينال -ولو- شيئاً يسيراً من سعادتها ، او يحقق بعضاً من غاياتها الأساسية بدونه ، فهو رصيد السعادة فيها ، وهو أساس الاندماج النفسي بين الزوجين ، وهو الموحّد لكيانيهما ..
والحب المطلوب في الحياة الزوجية ، ليس هو ذلك الحب الغريزي العاصف، الذي قد تتقد جمرته في النفس فترة من العمر ، لعوامل غريزية معينة ، ثم تخبو جذوته مع تصريف تلك الغرائز لشحناتها ، أو مع تضاؤل تأثيرها في كيان النفس ، كما في حالات الاكتفاء الجسدي ، أو مع تقدم عمر الفرد -مثلاً- .
وليس الحب المطلوب في الحياة الزوجية ، هو حب المصلحة الذاتية ، التي تربط بين شخصين يوفّر كل منهما للآخر بعض الفوائد المادية ، أو غير المادية ، لينتهي –من ثم- بكفاية الحاجة ، أو تحقق المطلوب من تلك الفوائد ، او ليتلاشى مع عجز أحد الطرفين أو كليهما عن توفيرها ..
كلا .. أبداً ؛ ليس حب الزوجية شيئاً من هذا النوع أو ذاك ، وإن أخطأ بعض الأزواج بالاعتماد عليه في علاقاتهم الزوجية .. وإنما هو الحب ذو البعد الإنساني المتكامل .
.. الإنساني بما للإنسانية من مفهوم شامل ، يستوعب الروح والجسد والعقل ، ووحدة المبدأ ، والسبيل ، والمصير ..
أما في مورد الإيمان ، وفي الحب المتصور بين الزوجين المؤمنين -بالخصوص- ، فإن الحب يتخذ مساراً أعمق وأكمل .. إذ يجب على المؤمن أن لا يقتصر في نظرته للحياة ، وفي عواطفه تجاه الآخرين ، على هذه الحدود القريبة ، دون ان يربطها ببارئه .. بالله -تعالى- مبدأ التكوين ومنتهاه ، ودون ان ينيطه بغايات الحكمة الإلهية في وجود الإنسان وحياته .. دون ان ينيطه بهذه الرابطة العظمى ، التي هي حقيقة الوجود ، والتي يستمد منها كل موجود ، وهنا يكمن الطعم الحقيقي للحياة ، حيث يضمحلّ دور أي شيء سواه .
.. والمتكامل الذي يأخذ هذه الأمور جميعها كوحدة ، وكقاعدة ثابتة ، يعتمدها هذا الحب المكين في وجوده ، وكأساس للحياة التي تقوم عليه ، دون تجزئة ، أو استبعاد لبعضها ، ولو في بعض المواقف او الحالات .
فالحب الزوجي ، هو الحب الذي يشعر كلاً من الزوجين بالاطمئنان إلى قرينه ، وفنائه فيه ، فلا يرى الحياة الا من خلاله ، ولا يرى السعادة إلا بوجوده ، وكأنه كل شيء بالنسبة له في هذا البعد المهم من الحياة ..
هو الحب الذي يكسب كل نظرة بين الزوجين ، وكل ابتسامة ، وكل كلمة ، وكل التفاته ، وكل ذوبان لأحدهما في الآخر ، معنى عميقاً ، يجسّد كل مكامن النفس ، وتوجهات المشاعر ، وميول العاطفة ، ولهفة القلب ، وإشراقة الأمل السعيد .
هو الحب الذي تستعذب فيه التضحيات وان كانت مرة ، وتستلذ به الصعاب وإن كانت مؤلمة ، وتستسهل به الشدائد وان كانت كبيرة ..
الحب الذي تستطاب به أخطاء أي من الزوجين في حق زوجه وان كثرت، وتستلذ فيه تجاوزاته وإن آلمت ..
الحب الذي يوحد كياني الزوجين ، لا في حالة سعادتهما وهنائهما فحسب ، وإنما في بؤسهما وشقائهما أيضاً ، ليجدا في هذا الحب -نفسه- عزاءهما الأول ، وسلواهما الأبدية .
هذا هو الحب الذي يستوفي للحياة الزوجية متطلباتها ، ويقيم لها أصول سعادتها وهنائها.
إذن ، فهذا هو الحب الذي يجب ان يحرص على نيله كلا الزوجين ، ويجهدا في إنماء بذرته في قلبيهما ، واستيفاء شرائطه في كيانهما المشترك ، والمحافظة عليه ، حتى اليوم الأخير لهما في هذه الحياة .
فضرورة هذا الحب لا تقف معهما عند عمر معين ، أو في حدود دور خاص من أدوار الحياة الزوجية ، كما لا يستغني عنه مركز اجتماعي خاص ، أو مستوى علمي ، او ثقافي ، او ديني ، لأنه -كما قلت- طعم الحياة وليابها .. انه كالطعام والشراب والهواء ، ولأنه -قبل هذا- مورد أمر الله (تعالى) للزوجين في هذه الحياة .
  
وحين أقول : إن الحب الذي بين الزوجين ، ليس هو ذلك الحب الغريزي العاصف ، فلا أعني أن الحب الزوجي يجب أن يتخذ دائماً طريقة الهدوء في التعبير عن ذاته ، وأنه لا يعصف أبداً ، أو أنه لا يطغى في أفاق النفس في بعض الأحيان ، فهذا خلاف الواقع القائم في الكثير من الحيوات الزوجية ..
إذ الحب الزوجي -وحتى بمعناه الذي قلناه- قد يطغى في النفس ، وقد يعصف باستقرار المحب ، ولا يهدأ الا حيث يرتوي من حبيبه ، وهذا يحدث عادة فيما لو كان أحد الزوجين بعيداً عن قرينه ، أو كان في شدة أو مرض ، بل وهو قد يحدث في حالات اعتيادية من حياة الزوجين ، ولكنه يفترق عن ذلك الحب ذي الصبغة الغريزية -بمعناه السابق-، بأنه لا يخبو ، ولا ينتهي مع ارتواء الحبيب من حبيبه ، أو مع طول المعاشرة معه ، وإنما هو يستمرّ في كياني كل من الزوجين شعلة حية أبدية ، مضيئة لجميع آفاق الحياة الزوجية ، حيث يتراءى إشعاعها في كل نظرة ، وفي كل كلمة ، وفي كل ابتسامة ، كما يتراءى من خلال الاطمئنان الثابت في حياتي الزوجين ، وثقتهما بأنفسهما ، وإيمانهما بعلاقتهما المباركة ، وبتطلعهما المتفائل إلى المستقبل ، و باستعذابهما التضحيات التي يقوم بها كل منهما للآخر .
  
ومما يستتبع الحديث في موضوع الحب الزوجي نقطة مهمة ، ينبغي ان لا نغفل عنها وهي :
ان بعض الناس يرغب في استماع كلمة الحب وهي تصدر من حبيبه ، صريحة والهة متهجدة ، وخصوصاً في بعض الأحيان التي تكون للعاطفة فيها كلمة عليا ، إذ هو يجد في صراحة هذه الكلمة ، وفي تهجد حروفها ، وفي عمقها من كيان حبيبه ، إرواء لعطشه من الحب ، وهيامه فيه ، بل ومدداً من الثقة في النفس ..
ومعروف ان المرأة أكثر من الرجل رغبة في استماع هذه الكلمة ، وان لم يكن الرجل -بدوره- بعيداً عن هذه الرغبة أيضاً ..
وفي مقابل هذا يوجد أناس ممن يرغب في ان ينطق بهذه الكلمة ، وان تجري حروفها على لسانه مجرى سائر الكلمات التي ينطقها ..
ويمكن تصور صنفين من هذا النوع من الناس :
أحدهما : ذلك الصنف الذي اعتاد إطلاق مثل هذه الكلمة ، وان لم يشعر بمدلول حقيقي لها في أعماقه .
ثانيهما : ذلك الصنف الذي ينطق هذه الكلمة لأنه يجدها شحنة هائلة في أعماق كيانه ، ولا تهدأ كوامنه الا حيث ينطقها ، ولاسيما في محلها ، ووقتها المناسبين ..
ولا ريب ان تداول كلمة الحب بين الزوجين أمر جيد ، وقد حثت عليه نصوص العصمة في العديد من الأحاديث ، منها ما رواه الشيخ الكليني (قدس سره) في كتاب (الكافي) عن الإمام أبي عبد الله الصادق () قال :
(قال رسول الله () : قول الرجل للمرأة : إني أحبك ، لا يذهب من قلبها أبـداً .(1)) .
ولكن على كل من الزوجين ان يعلم ، أن اطلاق هذه الكلمة يجب ان لا يكون حديث ألسنة ، لا يحمل أي عمق ، أو لا يدل على معنى ، لتصبح هذه الكلمة -من ثم- بعض الكلمات المبتذلة التي لا تحمل مفهوماً ، او من الرسميات الاجتماعية التي يجب أن تسود بينهما ، فالحب الزوجي –كما أشرنا في العديد من المواضع السابقة- ذو جذور عميقة ذات بعد طبيعي ، يستشعره كلا الزوجين في أعماقهما قبل أن يلحظاه في ظواهر حالاتهما ، ومن خلال تلك الجذور يدرك كل من الزوجين مدى موقعه في أعماق الطرف الآخر ، سواء سمع منه كلمة الحب أم لم يسمعها ، ولهذا فإن ابتذال هذه الكلمة بين الزوجين -دون رصيد حقيقي لها- قد يعني تصدّع ، او حتى تحطيم العلاقة المقدسة التي تشد أحدهما إلى الآخر ..
ثم ان الاستمرار في ترديد كلمات الحب ، والإكثار من تعاطيها في حياة طويلة -كالحياة الزوجية- مما يجعل لها أثراً عكسياً ، إذ ستصبح سلعة مملولة لديهما ، ممجوجة في أسماعهما ، مع مرور الزمن ، وان كان لها نوع من التعبير الصادق عن واقع صحيح يعيشانه ..
إذن ، فعلى كل من الزوجين ان يتحرّى المناسبات والظروف ، التي يتهيأ فيها قرينه لاستماع هذه الكلمة ، حين يجد في نفسه ضرورة النطق بها ، وعليه -قبل هذا- أن يجعل من واقع الحب ذاته رصيداً مبدئياً في حياته معه، لتكون مثل تلك الكلمات ذات دلالة صادقة ، تمكّنها من النفوذ إلى أعماق الطرف المقصود بها .
وعلى الزوجين -معاً- ان يلبيا داعي الحب العميق في نفسيهما ، وان يملأ كل منهما وجدان الآخر وعاطفته بحقيقة ما يشعر به ، قبل أن يملأ آذانه بحروف هذه الكلمات ، ويجب أن لا يقف الحياء حائلاً بينهما دون هذه التلبية ، فالحياء في مثل هذا الأساس العميق لا موضوع له ، لأن الحب لباب الحياة الزوجية ، وطعمها اللذيذ -كما قدمت- .
وبالمقابل ، فإن على كل من الطرفين أن لا يستهين بشيء من عواطف شريكه ، وان لا يستحقر شيئاً من المبادرات التي يبديها قرينه له في التعبير عن حبه إياه ، وان تكون استجابته لهذه العواطف وكلماتها ، استجابة مناسبة مشجعة ، دون إحراج ، او تبكيت قد يفقده لذة الحب ، بل ويفقده طعم الحياة من أساسها ، او -على الأقل- تفرض عليه ان يكبته في أعماق نفسه ، ليصبح -مع مرور الزمن- عقدة مستعصية ، لها آثارها السيئة على صحته النفسية ، او على سلامة علاقته به ، وإخلاصه للرابطة الزوجية من أساسها .

الوصية العاشرة
المــادة والحياة الزوجـية
للعلقة بين الزوجين -كما هو معلوم- أسسها النفسية ، بل والتكوينية العميقة في كياني الزوجين ، ولها أصولها في مطاوي قلبيهما ، وعقليهما ، بل وفي وجوديهما كله ..
وتلك الأسس وهذه الأصول ، لها -عادة- عطاء روحي ، بعيد كل البعد عن المادة وشكلياتها ، وسامٍ على كل مقاييسها المعروفة .
فهي تعتمد الحب والإخلاص ، والإيثار ، والتضحية ، والتوحّد مع الطرف الآخر في مسيرة الحياة ، وفي تقلّبات أيامها ، وفي سرائها وضرائها ..
ومن خلال هذه المعاني وأشباهها تكتسب الحياة الزوجية لذتها ، كما تكتسب معانيها الرفيعة ، دون أدنى تدخّل للحسابات المادية ، أو مقاييسها ، بل وهذا التدخل مما يفسد تلك اللذة ، ويحيد بتلك المعاني عن مسارها الصحيح .
وهذه الحقيقة من الأمور التي يجب ان ينتبه إليها كلا الزوجين ، ويلاحظاها معاً في مجريات حياتهما ، ويبنيا عليها نظرتهما الفاحصة لجميع المواقف والحالات ، التي تقع بينهما ، والتأمل فيما يصدر من كل منهما تجاه الآخر ، حين يريدان لنفسيهما السعادة الحقيقية ، ولحياتهما الزوجية السلامة الدائمة ، لأن اعتماد المقاييس المادية ، او اعتبار شيء من شؤونها دخيلة في حياتهما ، معناه الحكم على هذه الحياة بالشكلية ، أو الرسمية ، مما يعني الحكم عليها بالخواء عن أي لباب ، يمدها باللذة الحقيقية ، والاطمئنان الثابت ..
نعم ، وهذه القاعدة لا تختص بها بيئة من البيئات -كالبيئة الدينية ، مثلاً- ولا طائفة من الناس فحسب ، وإنما هي عامة لدى بني البشر ، في جميع الأوساط ، الملتزمة منها وغير الملتزمة ، فالحياة الزوجية -و لدى جميع الناس- تعتبر المثل الأسمى للعلاقات ذات الطبيعة الإنسانية ، والأساس الفطري لسعادتها واطمئنانها -كما قلت-، وهذه السعادة والاطمئنان ، إنما يتأتيان للإنسان من خلال ما تعنيه هذه الحياة -نفسها- من عطاء ، وتضحية ، وإخلاص ، يربأ بكلا الزوجين عن الحدود المادية ، التي تحكم كثيراً من العلاقات الاجتماعية المتعارفة .
كما ان هذه القاعدة -التي ذكرناها- لا تختص في جانب معين من جوانب الحياة الزوجية ، بل هي تعم جميع جوانبها وآفاقها ، حتى تلك الجوانب التي لها طبيعة مادية ظاهرة ، حيث تضمحلّ دلائل هذه الطبيعة حين تلحظ في علاقة ما بين الزوجين ، لتصبح لها معان أسمى ، وأعمق ، من المادة ومما تعنيه هذه المادة من حدود .
ففي الهدايا الخاصة ما بين الزوجين –مثلاً- ، لا يقاس ما يقدمه أي من الزوجين لقرينه منها ، بمقاييس الأرقام الحسابية الخاصة ، دون ملاحظة ما تعنيه تلك الهدية من تعبير عاطفي عميق ، هو الذي يقصده الطرف المهدي عند تقديمه إياها لقرين حياته .
وهذا يعني ضرورة ان لا تقتصر الزوجة –في تقديرها لهدية زوجها لها ، في مناسبة من المناسبات- على ما تعنيه هذه الهدية من قيمة مالية ، لتظهر فرحتها بها حين تكون قيمتها كذا مقداراً ، بينما هي لا تلتفت إليها ، أو –على الأقل- قد تستهين بها حين تكون بقيمة أدنى –مثلاً-.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى موقف الرجل تجاه هدايا زوجته -حين تقدم له شيئاً في بعض المناسبات-، إذ يجب عليه أن لا يعتمد في تقديره شيئاً من المقاييس المادية ، لأن مثل هذه المقاييس مما ينغص حياتهما ، ويبعدها عن أي لذة ومتعة يطمحان إليها .
ويستتبع هذه الناحية كذلك : ضرورة ان لا تكون هناك أدنى مقارنة بين ما يقدمه أحد من الزوجين للآخر من الأعمال أو الهدايا ، مع ما يعمله أزواج آخرون بعضهم لبعض ، أو ما يقدمونه لبعضهم في مناسباتهم .
فيجب ان لا تشير الزوجة لزوجها ، او الزوج لزوجته ، بتلك المقارنة ، وان كان الزوجان الآخران قريبي الصلة منهما ، أو كانا أرفع منهما ، أو أدنى في الحالة المادية .
فالقضية حساسة ، ولاسيما حين يعلم الطرف المهدى إليه برغبة خاصة من الطرف المهدي في تقديم مثل هذه الهدية –بالذات- في هذه المناسبة ، كما لو امتلكت ذوقه وأحبّ أن يراها بيد قرينه .. فإن مثل هذه المقارنة مما يهيّء لزرع بذور الشقاق والاختلاف بينهما .
 

الوصية الحادية عشرة
استجابة المرأة لعواطف زوجها
في استجابة المرأة لما يقوم به زوجها تجاهها من أعمال ، وما يقدّمه لها من رعاية ، ينبغي لها ان تلتفت إلى ان هذه الأعمال والرعاية إنما تصدر منه على نحوين :
الأول : ما يستجيب فيه الرجل للأحكام العامة للحياة الزوجية ، وما تفرضه عليه من ضرورات ، عرفية أو شرعية ، كالإنفاق عليها ، والقيام بلوازمها الشخصية والاجتماعية ، وغيرها ..
ومثل هذه الأعمال -غالباً- مما لا يعير له الرجل أهمية خاصة في أعماق ذاته ، فهو يراه واجباً عليه ، ولابد له من القيام به ، بحكم مسؤوليته الاجتماعية ، او الدينية ..
ويكفيه من زوجته –وبحكم مسؤوليتها في إدارة البيت- ان تشعره بمستلزمات هذه الحياة ، وتنبهه إلى المطلوب في سداد عوزها ، وتوجيه نظر زوجها ، وترشيد مصروفاته فيها لنيل ما هو الأفضل لهما ولبيتهما ، ولعلقتهما المباركة .. وهكذا ..
كل ذلك بلهجة تتناسب مع قوامة الرجل عليها ، ومع الآداب الاجتماعية والأخلاقية ، التي ينبغي ان تبنى عليها الحياة السليمة -بشكل عام-، والحياة الزوجية منها -بشكل خاص- .
الثاني : ما يقوم به الزوج تجاه زوجته ، وراء تلك الأمور الأساسية العامة في الحياة الزوجية ، مما لا يفرضه الواجب العرفي الاجتماعي ، او الديني عليه ، وان دخل في عنوان الفضل بين الزوجين –كما في تعبير بعض النصوص الشرعية- .
ولا ريب ان لهذا النوع من أعمال الزوج موقعاً خاصاً في نفسه ، ومعنى عميقاً في كيانه ، ويجب ان لا يخفى ذلك على الزوجة العاقلة ، حيث يجب عليها ان تتفهم دلالاته ، وتتجاوب معها بكامل كيانها ، وتتناغم معها بكل عواطفها ومشاعرها ..
سواء منها تلك الدلالات الآنيّة ، التي يقصدها الزوج مع الموقف نفسه ، أم ما هو أعمق من ذلك في عواطف الرجل ، ومشاعره تجاهها ، وتجاه علقته المقدسة بها .
فمن بعض الدلالات الكبيرة لهذا النوع من أعمال الزوج -والتي ينبغي للمرأة العاقلة أن تدركها- : أنه الرصيد الذي يعتمده الزوج في تجديد رابطته بزوجته ، وإظهار مشاعره تجاهها ، وحبه لها ، وإبراز وثوق علقته بها ، وهكذا ..
ولهذا فإن فهم الزوجة لمثل هذه الدلالات ، واستجابتها المتكافئة لها ، مما يملأ الزوج رضى عن نفسه في هذا العمل ، واعتزازاً بشخصيته ، كما يملؤه رضى عن زوجته ، واعتزازاً بها ، وإكباراً لها .
وطبيعي ان يكون مثل هذا الشعور من الزوجين من أفضل الأسباب التي تقرّب كلاً منهما للآخر ، وتوثق ارتباط بعضهما ببعض ، وتدفعهما -معاً- إلى المزيد من العطاء والتضحية ، لتعينهما –من ثم- على الارتفاع بعلاقتهما الزوجية إلى مزيد من السعادة والهناء .
  
وهذا النوع من الأفعال ذات الدلالة الرفيعة والعميقة ، يمكن ان يتجلى ببعض المواقف والعطاءات ذات الصيغة المادية ، كالهدايا والسفرات السياحية وشبهها ، ويمكن ان يتجلى كذلك بابتسامة عميقة ، ذات مدلول خاص يفهمه قلب الزوجة عادة بكل وضوح .
ولهذا كان على المرأة ان تتناسب في استجابتها مع مثل هذه المواقف ، بشكل دقيق ومعبّر ، لا في حدوده الظاهرة فحسب ، بل مع المعاني التي يحملها، ومع الروح التي ينبع منها ، والعواطف التي يعبّر عنها .
مما يعني ضرورة أن لا تكون هذه الاستجابة آلية ، جافة ، أو بألفاظ مبتذلة، لا تحوي مضموناً ، لتضفي على الموقف -من ثم- صبغة رسمية مجاملة ، قد تفقد الزوج -حينئذ- آماله التي يرجوها من زوجته في هذا الموقف ، مما يفقده -بالتالي- ثقته بذكائها ووعيها .. بل الواجب ان تكون استجابتها حيوية عميقة، تتناسب مع روح الموقف ، وتتناغم مع العواطف العميقة للزوج فيه ، وتضمن تحقيق آماله فيها ، ولو باستسلام لذيذ على صدره ، او ابتسامة رقيقة معبّرة ، او نظرة حب صادقة والهة ..
ولعل في هذه النقطة -بالذات- ، تبرز بعض الفوارق المهمة بين نفسية الرجل ونفسية المرأة في هذا المجال .
فالغالب من النساء يرغبن بالإطراء الصريح من أزواجهن تجاه ما يقدّمنه لهم من أعمال ، وتستهويهن كلمات المدح والثناء عليهن ، وعلى كفاءتهن ، وذوقهن ، ونتاجهن ، في هذا المجال او ذاك ، بينما رغبة الرجال بمثل تلك الصراحة -عادة- أقل ، فما يستهويه الرجل من زوجته ، مزيد من استسلامها له ، وشدة ارتباطها به ، وعمق تولهها وحبها إياه .
وهذا الفارق المهم مما ينبغي ان لا ينساه كل من الزوجين في علاقته بالآخر ، وفي تعامله معه .
فمزيد من كلمات الاستحسان ، والإطراء والثناء من الزوج تجاه زوجته ، وتجاه ما تقوم به من أعمال ، قد يكون له أكبر الأثر في إحكام أواصرها معه ، وتعلقها به ..
كما ان مزيداً من استسلامها له ، وانشدادها إليه ، وتولّهها به ، له دوره في توثيق علقته بها ، وتوحّده بها ..
ولكن عليهما -معاً ، وفي الوقت نفسه- ان يكونا صادقين في تعبيرهما عن مكنونات قلبيهما ، واقعيين في دلالات ما يقوم به كل منهما للآخر ، ولا يقتصر على حدود الظواهر والمجاملة ، فقد أشرت –عدة مرات- إلى أن هذه الحدود والشكلية مما يفسد طعم الحياة الزوجية ، ويخرجها عن مضمونها ، وسعادتها ، وهنائها المطلوب .

الوصية الثانية عشرة
تبعية إرادة الزوجة لأمر زوجها
علمنا في بحث سابق : ان للرجل -في الإسلام- قوامته على زوجته ، وهو أمر بدهيّ من دين الله (تعالى) ..
وعلمنا أيضاً : كما ان لهذه القوامة أصولها الشرعية المقررة ، لها كذلك أصولها التكوينية الواضحة في البنية الشخصية لكلا الزوجين ، ولا يستطيع أي منهما إنكارها ، أو التنكر لها ، إلا إذا خرج عن طبيعته التي خلق عليها .
ومن المستلزمات الشرعية لهذه القوامة في الإسلام : تحمّل الزوج لمسؤولية إدارة البيت بالمعروف ، وتوجيه مسيرة الأسرة في حياتها الأخلاقية والاجتماعية والدينية ، وانتهاج السبل التي تصلحها ، كما أراده الله (تعالى) لها ، والأخذ بها إلى حيث الكمال الأعلى ، الذي جعله هدفاً لها .
كما أن من مستلزمات هذه القوامة أيضاً : ضرورة ان تعلم الزوجة ان من مسؤوليتها في الأسرة المسلمة : انتظامها في إدارة الزوج ، وتبعيتها لخطه في سبيل الإصلاح والمعروف ، اللذين حددته بهما الشريعة المقدسة ..
وكل هذا مما سبق الحديث فيه مفصّلاً ، ولكننا نعيده هنا للتأكيد على أهميته في الحياة الزوجية .
وهذا يعني ضرورة ان تتبلور إرادة الزوجة من خلال إرادة زوجها ، وتتّبع خطواته في الحياة ، فلا تبتّ بأمر ، ولا تلتزم شيئاً في المجتمع ، أو في حياتهما الخاصة ، دون استشارته ومعرفة رأيه ، على ان تكون هذه الاستشارة في وقت مناسب ، وبهدوء ، بعيداً عن العصبية ، وتدخّل الآخرين ، وعلى ان يتذكر الطرفان وحدة كيانيهما في القرار ، وفي سبيل الحياة ، بل وفي النظرة الاجتماعية لعلقتهما المشتركة -كما سبق أن علمنا- .
هذا كله حين تجري الأمور مع الزوجين في مسارها الطبيعي ، وكما يريده الإسلام فيهما ..
أما حين يخرج الزوج عن قويم السبيل ، فيحاول ان يستبدّ بالقرار ، أو يشطّ في قوامته على الأسرة ، أو ينحرف بمسيرة سلوكه ، أو سلوك الأسرة ، عن الحدود الإلهية ، فعلى المرأة الحكيمة ، أن تتدبّر الأمر بتعقّل ورويّة ، حين لا تريد لبيتها ان تتداعى أركانه ، وحين لا تريد لعلاقتها بزوجها أن تتفكك .. إذ يمكنها أن تداري مشاعر الزوج -قدر الإمكان-، وتستميل مشاعره ، وتجلب عواطفه بهدوء ، وحب صادق ، وتنبّهه -بطرق مباشرة او غير مباشرة- إلى مكامن الخطأ في سلوكه ، عسى أن يؤوب إلى رشده ، ويعي طبيعة مسؤوليته ..
وأما حين لا تفيدها وسائلها الخاصة .. فيمكنها ان تستعين بمن هو أقدر منها ، وأكبر تأثيراً على زوجها ، ليضع أموره في مجاريها الصحيحة –مع الإمكان-، ويوقفه على ما ينبغي ان يوقفه عليه ..
ولكن عليها أن تلتفت إلى ضرورة أن لا تستعين بالغير إلا بعد ان تستوفي طاقاتها الخاصة مع زوجها ، وتستنفد إمكاناتها الخاصة في التأثير عليه ، لأنّ تدخّل الآخرين في حياتهما الخاصة غير مأمون العواقب دائماً ، وان كانوا من أقرب الناس إليهما ، وأشدهم صلة بهما.
كما يجب أن لا تكون هذه الاستعانة منها بالآخرين على حساب أسرار الحياة الزوجية الخاصة ، أو على حساب كرامة زوجها ، أو قدسية العلاقة الزوجية التي تربطها به ، لأن تلك الأسرار ، وهذه الكرامة والقدسية ، خطوط حمراء ، لا يجوز لكل من الزوجين تجاوزها ، بحال من الأحوال ، وقد قدمنا أنها من الأمانات الإلهية التي يجب الوفاء بها .

الوصية الثالثة عشرة
اعـتـزاز الـــزوج بــرجـولـــته
للرجل سمة مميزة في شخصيته لا يمكن إنكارها .. وهذه السمة تنشأ –في مبدئها- من طبيعة تكوينه الشخصي ، كما أنها تنمو من خلال دوره الخاص في المجتمع ، وموقعه في الحياة العامة ، فضلاً عن قوامته على الأسرة .
وهذه السمة هي اعتزازه الكبير برجولته ، واعتداده بشخصيته ، إلى درجة الأنانية في بعض الأحيان .
وكثير من الرجال قد يتّسع صدره لتحمل الكثير من النقد والتوجيه ، ما لم يمسّ منه هذا الوتر الحساس في كيانه ، أما مع المساس بهذا الجانب ، فإنه سيصبح أبعد ما يكون عن التجاوب مع أي توجيه ، مهما أحسّ بالإكبار والتقدير للطرف الذي يمليه عليه.
وهي ناحية يجب ان تأخذها المرأة بحسبانها ، في أي موقف لها مع أي رجل ، وبالأخص مع زوجها ، إذ الخطأ في التقدير سيكون أعمق من ان يتدارك باعتذار -في أكثر الأحيان- .
ومع ان للمرأة اعتزازها بأنوثتها كذلك ، واعتدادها بشخصيتها كامرأة ، ويجب أن يأخذ الرجل ذلك الاعتزاز ، وهذا الاعتداد بحسبانه في تعامله مع أي امرأة ، وبالأخص مع زوجته أيضاً ، إلا ان هناك فارقاً كبيراً بين الأمرين ، ويتأتّى هذا الفارق من الفرق بين طبيعي الرجولة -بما فيها من رغبة في الهيمنة على المرأة ، وعنفوان ، وإيجابية ، وحسم-، والأنوثة -بما فيها من لين ، ونعومة ، واستكانة طبيعية للرجل- حيث ان هاتين الطبيعتين هما الحاكمتان على كل من الرجل والمرأة وعلى تصرفاتهما ، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الفارق ، في الحديث حول قوامة الرجل ..
ومما ينبغي للمرأة أن تفهمه في هذا المجال :
1- تجنب المساس برجولة زوجها ، واعتداده بنفسه -كرجل- ، حتى في طريقة مخاطبتها له.
فليس من الهيّن على الرجل -مثلاً- ، ان تصدر إليه المرأة طلباً بصيغة يستشم منها الاستعلاء أو الأمر ، حتى من مثل الأم مع ولدها ، فضلاً عن الزوجة مع زوجها ، بل ان الكثير من الرجال يرى ان مخاطبتهم باللهجة الآمرة نوع من الطعن برجولتهم ، والاستهانة بكفاءتهم في القيام بواجبهم ، وتكون الحساسية أكبر ، حينما تكون الزوجة هي التي يصدر منها مثل هذا الأمر ، وخصوصاً فيما إذا كان هذا أمام الآخرين .
ولهذا ، فإن على المرأة الحكيمة أن تتجنب –قدر الإمكان- إصدار طلباتها التي تريدها من زوجها بهذه اللهجة ، وتتحرى طرقاً أخرى في مخاطبته ، لا يشم منها الزوج أي رائحة للاستعلاء عليه ، أو التجاوز على مكانته ، لأنها تعلم ان تحطيم شخصية زوجها -كرجل- مما يؤثر على علقتها به ، بل وعلى موقعها -هي نفسها- في المجتمع، واحترام الآخرين لها ، بنفس الدرجة التي يتأثر بها موقع الزوج فيه ، وحرمته بين الناس .
على أن شيوع الأدب والاحترام في المجتمع ، وحسن الأخلاق في الأسرة ، هو الطابع العام الذي يريده الإسلام لأبنائه ، ولوحدة الأسرة المسلمة ، واستقامتها في طريق الله -جلت قدرته- .
2- أن لا تتّكل المرأة على الرجل في القيام ببعض أعمال البيت ، وشؤون الأطفال ، وغير ذلك مما يعتبره المجتمع ضمن اختصاص المرأة ، وان كان الرجل ممن يبدي مساعدتها فيها لظرف من الظروف ، لأن هذا الاتّكال ، وخصوصاً إذا ظهر أمام الآخرين ، قد يفسّر -في بعض الأحيان- على أنه نقص في رجولة الزوج ، أو قصور في كفاءة المرأة ذاتها ، ولا ريب ان كلا التفسيرين مما لا يتناسب وكرامة كلا الزوجين ، أو كرامة ما بينهما من علاقة مقدسة .
وعليه فلابد للزوجة ان تقنع زوجها بعدم حاجتها إليه في تلك الأعمال ، وأنها تملك الكفاءة اللازمة للقيام بواجباتها تلك ، وان تشعره بامتنانها منه ، حينما يصرّ على القيام بمساعدتها في واحد من تلك الأعمال ، وتعترف له بجميله عليها فيه .. وهكذا .
بل ، وحتى لو اعتاد الرجل على القيام ببعض أعمالها الخاصة في المنزل ، حتى أصبح هذا الاعتياد جزءً من مهماته في البيت ، فعلى كلا الزوجين ان يحذرا إبراز شيء من هذا الاعتياد امام الآخرين ، وخصوصاً في مثل مجتمعاتنا الشرقية ، فإن ظهور هذه الحالة مما سيجعل كلا الزوجين –وليس الزوج وحده-، مدعاة للهزء والسخرية من الناس ، وسبباً لنظرتهم المستحقرة –كما هو شائع معروف في مثل هذه المجتمعات- .

الوصية الرابعة عشرة
خـدمـة كـل مـن الـزوجـين لـلآخـر
(المعروف) هو أساس المسؤولية التي رسم الإسلام حدودها للأزواج ، وللحياة الزوجية .
و(التوازن) هو المنهج الذي تمضي به هذه المسؤولية في الحياة .
و(تقاسم المهمات) المستند إلى طبيعتي كلا الزوجين ، هو الرصيد الذي يتحقق به ذلك المنهج في علاقة ما بينهما .
و(قوامة الرجل) هي المبدأ الذي يوحّد اتجاه الأسرة ، وينظّم خطواتها في ذلك المنهج الرشيد .
(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وللرجال عليهن درجة) .
وكل هذا مما أفضنا فيه الحديث سابقاً ، وفهمنا من أبعاده ما يوضح لنا طبيعة الأحكام الإسلامية في الحياة الزوجية بشكل عام .
وهذه النواحي الأربع مما يجب أن يأخذه كلا الزوجين أركاناً أساسية في تنظيم حياتهما الزوجية ، ويتذكراه في مشروعهما المشترك لبناء هذه الحياة ، على المدى القصير والطويل معاً ، وفي كل خطة يرسمانها ، من أجل ان تمضي الأمور معهما، كما يريده الله (تعالى) لهما ، وكما تفرضه طبيعتهما الإنسانية عليهما ، وكما تقتضيه استقامة الحياة وديمومة السعادة فيها .
وقد علمنا ان المعروف يعني (الواضح من أحكام الله -جل شأنه- ، وبصائر رشده وهداه ، وما يدركه عامة الناس من شؤون الحياة الزوجية). كما ورد في تعبير بعض الأعلام (قدس سره) ..
أو كما قرأناه في تعبير كتاب (لسان العرب) :
(المعروف : اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله (تعالى) ، والتقرّب إليه والإحسان إلى الناس ، وكل ما ندب إليه الشرع من الحسنات والمقبحات ، وهو من الصفات الغالبة ، أي أمر معروف بين الناس ، إذا رأوه لا ينكرونه ..) ..
وحين يكون هذا (المعروف) هو أساس المسؤولية بين الزوجين ، فلابد ان تمضي حياتهما -معاً- وفق الحدود والبصائر الإلهية ، وما جرى عليه الناس في تعاملاتهم من حقوق ، وواجبات ..
فليس لأحدهما حق على شريكه وراء هذه النقطة الفاصلة ، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
وحين يكون (التوازن) هو المنهج الذي تمضي به هذه المسؤولية ، فضروري ان لا يكون هناك حيف ، او جور ، لأحد الطرفين على حساب الطرف الثاني، ولابد ان يكون هناك تناسب بين الأخذ والعطاء ، والواجب والحق ..
وهذا يعني ان لا تطلب المرأة من زوجها أكثر مما تقرره الشريعة لها من الحقوق ، ووراء ما تقوم هي به لزوجها من شؤون الحياة ، ولا تفرض لنفسها عليه مزايا إضافية ، في وقت لا تقدم هي له أي مزايا إضافية ، في مواقفها تجاهه، وعطائها له .
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الزوج ، إذ لا ينبغي له ان ينتظر من زوجته أموراً لا يقدم هو لها ما يقابلها من حقوقها عليه .
ومن ناحية أخرى ، وهي مهمة ، يجب أن تؤخذ بالحسبان في منهجة الحياة الزوجية -ومنذ أيامها الأولى بالخصوص- .
فحين يكون التوازن هو المنهج الذي تمضي به هذه المسؤولية في الحياة الزوجية ، فمن الضروري ان تلحظ قدرة كل من الزوجين على القيام بما يريده منه الطرف الآخر ، وراء الحدود الشرعية المقررة ، التي تشكّل الحد الأدنى من شؤون الحياة الزوجية ..
إذ ليس من الحكمة أبداً ان يكلّف الرجل زوجته بأمور يعلم أنها مما يشق عليها القيام به ، وان كان ضمن ما يراه ضرورياً لحياته .. وليس من المناسب -كذلك- ان تلزم المرأة زوجها بأمور تدرك صعوبتها بالنسبة إليه ، وان كانت تراها ضمن حقوقها المشروعة عليه ، فإن التغاضي عن بعض تلك الحقوق الإضافية في بداية الحياة الزوجية ، أهون تأثيراً عليهما ، وعلى علاقتهما ، من أن يصطدما في مرحلة متأخرة من حياتهما بتبعات التكلّف ، وسلبيات العجز عن الوفاء بمسؤوليات صيغت عليها الحياة الزوجية ، حيث يصعب الخروج عن أطرها وأحكامها .
ومن الحكمة في هذا المجال ، ان يأخذ كل من الزوجين حياتهما في خطها الطويل بالاعتبار ، وليست في خطها الآني القصير فحسب ، فهذه الحياة ليست لقاء ساعات ، أو أيام ، كما أنها ليست لقاءات متفرقة متباعدة ، وإنما هي دائمة ، مستمرة باستمرار عمر الزوجين في هذه الدنيا .
.. إنها عمر كامل لكلا الزوجين ، وإنها التزامات دائمة ، وتلازم شخصي واجتماعي ، ومسؤوليات جسدية ونفسية وعقلية ، فمن الجدير بالزوجين أن يأخذاها ككل بالاعتبار في منهجة الحقوق والواجبات بينهما ، ويمهّدا لآثارها ونتائجها في حياتهما منذ الأيام الأولى للقائهما الزوجي .
فلا يحاول الزوج ان يفرض على زوجته واجبات ، او التزامات ، يعلم أنها تكلفها عناء ومشقة في مستقبل أيامهما ، ولاسيما حين يولد لهما أطفال يحتاجون إلى رعايتها كأم ، و يفتقرون إلى حضانتها وتربيتها ، أو حين تتوسع التزامات العائلة ، لتتوزع مسؤوليات المرأة ، ولا تقتصر على خدمة زوجها فقط ، أو حين يمضي بها العمر إلى حيث يعجزها عن القيام بكثير من المهمات .. وهكذا ..
وبالمقابل كذلك ، فإن من الخطأ ان تتعوّد المرأة من زوجها على أمور تعلم بأنها تثقل كاهله بها في مستقبل أيامهما، لسبب من الأسباب التي ذكرناها أيضاً .
فعليهما -والحال هذه- ان يضعا لحياتهما الزوجية المشتركة -ومنذ أيامهما الأولى فيها- خطوطاً عامة ، يبنيان على أساسها هذه الحياة ، بعيدة عن التعقيد والتكلف ، قائمة على التعاون المشترك ، وان يصمم كل منهما –في ذات نفسه- ان يكون الإيثار والتضحية والعطاء ، هي الأصول التي تُحكم صلته برفيق حياته ، وان لم يكافئه الطرف الآخر على كل ما يقوم به تجاهه ، وهذا بعض ما يعنيه الفضل بين الزوجين –كما في التعبير القرآني المجيد ، والذي سبق أن قرأناه من قبل- : (ولا تنسوا الفضل بينكم) .
وان يعتبر -في الوقت نفسه- ان ما يقدمه له شريك حياته من عطاء ، وتضحيات ، وما يقوم له به من أعمال ، وراء الحدود الإسلامية المقرّرة عليه ، ووراء (المعروف) الاجتماعي ، إنما يرد في مضمار الفضل ، ولا ينبغي أن يجعله كحق دائم له على الطرف الآخر ..
وبهذا البناء والتصميم ، يضمن الزوجان لنفسيهما ديمومة السعادة الحقيقية، وأبدية الهناء العميق في حياتهما ، حيث لا يتدخل فيها أي شعور يصدر من أحدهما بأنه مغبون في حق ، او ان عليه جوراً في حالة ، أو في عمل . لأن مثل هذا الشعور -كما هو معلوم- مما يفقد الحياة سلاستها ، وبساطة العلاقات فيها ، ويعكر نقاءها .
  
نعم، ان الزوجة قد ترغب في المضيّ مع عاطفتها ، وحبها لزوجها ، وراء تلك الحدود ، وقد تنجرف مع هذا الحب ، وتنساق إلى درجة التضحية براحتها وصحتها وإمكاناتها المادية والجسدية ، وقد تحاول ان تثبت له ولذويه كفاءاتها في بعض الأمور والأعمال ، فتقوم ببعض الأعمال الإضافية التي تجهدها ، وعلى حساب صحتها ، وغالباً ما تكون هذه الرغبة في بدايات الأيام من حياتها الزوجية .. وهذا في نفسه جيد ، ولا إشكال عليه ، وقد يكون ضرورياً بالنسبة لها ، حين تحتاج إلى إقناع الزوج بما تريد إقناعه به ، وإمتاعه ببعض المتع الإضافية ، التي تستوجبها سعادتهما في حياتهما الزوجية .
ولكن الخطأ ان تصبح تلك التضحيات ، وهذه الأعمال المجهدة أصولاً أساسية في علاقتها بزوجها ، ليستمكن في أعماقه شعور ثابت بأنها بعض حقوقه على زوجته ، مما يعني انها –و حين تضطرها الأيام إلى تركها ، أو إلى التخفيف منها ، لسبب من الأسباب المتقدمة- تجعله يعتقد أنها قد قصّرت ببعض حقوقه ، وسلبته بعض ضرورات حياته.. مما يستوجب –بالتالي- بذر عوامل الشقاق في حياتهما ، وعلاقتهما المشتركة .
وكذلك الأمر بالمقابل ، فإن الزوج قد ينساق في حبه لزوجته ، فيقوم لها ببعض الأعمال المجهدة له ، او يقدّم لها ما يكلّفه عناء من متطلبات الحياة ، او يبذل لها ما يبهض كاهله من المصروفات ، بشكل لا يستطيع الاستمرار والمداومة عليه طويلاً ..
وهذا كذلك جيد منه إلى حدّ ما ، ولا سيما حين تعتمد سعادتهما على مثل هذا التكلف والجهد ، ولكن الخطأ هو ان تصبح هذه الجهود والعطاءات والتضحيات في موضع تتعوّد عليه زوجته ، لتعتبرها –من ثم- بعض حقوقها اللازمة عليه ..
ولهذا فإن على كلا الزوجين أن يكون مسيرهما في مثل هذه الأمور بحكمة ، وان يتدبّرا أمرهما بتعقّل ، لئلا يقعا في المحذور ، فتتنغص عليهما حياتهما ، او تفقد بهجتها مع مرور الأيام .
أما مع حدوث شيء من هذا القبيل دون انتباه إلى نتائجه في البداية ، فينبغي ان يلتفت إليه كلا الزوجين ، وان يشعرا معاً أنها حالة عارضة ، وان استحكمت في حياتهما ، وان يعفي كل منهما شريك حياته مما هو زائد عن ضرورات الحياة ، حين يقوم له بهذا النوع من الأعمال ، وما يقدّمه له من هذه التضحيات ، ثم الرجوع معاً ، وبهدوء ، إلى بساطة الحياة ، وإلى التعاون فيها، لتعود حياتهما إلى نقائها ، ويضمنا سعادتها ، دون ان يسيطر عليها حكم العادة ، وثقل المعاناة ، بشيء لا موجب له.

الوصية الخامسة عشرة
الأمانة الزوجية
الزوجة مؤتمنة
والزوج مؤتمن
والأمانة الزوجية لدى كلا الطرفين إلهية في مبدئها .. اجتماعية في حسابها .. إنسانية في نتائجها .. مالكية في أغراضها ..
إلهية ، لأن الله (تعالى) هو الذي فرضها على كلا الزوجين ، حيث جعل كلاً منهما لباساً للآخر ، ساتراً له عن الموهنات من الأخلاق والسجايا ، وأناط بهما ، وبعلقتهما المقدسة استقامة حياتهما المؤمنة ، وشرفها ، ومجدها ..
واجتماعية ، لأن مكانة كل من الزوجين لدى المجتمع ، ومكانة علقتهما الزوجية ، منوطة بتصرّف كل منهما تجاه الآخر ، وتجاه نفسه ، وتجاه المجتمع ، بل وإن استقامة المجتمع نفسه ، وإن شرفه وكرامته كلها ، قائمة على تلك التصرفات ، لأن كل فرد ، وكل شريحة اجتماعية ، تشكل لبنة في ذلك الصرح الاجتماعي ، وكيانه العتيد .
وإنسانية ، لأن استمرار حياتهما ، وحياة الأسرة ، والمجتمع ، والنوع الإنساني كله ، مرتبط بهذه العلقة التي تحمّلا معاً مسؤوليتها ..
ومالكية ، لأن كلاً من الزوجين قد فوّض التصرف في ممتلكاته الموجودة في البيت إلى قرينه ، وأباح له الاستفادة منها ، بما يقيم حياتهما الزوجية ، أو بما وراء ذلك ، وكل هذا معلوم من أصول هذه الحياة ، ومجرياتها المتعارفة ، ولاسيما في مجتمعاتنا الإسلامية الحاضرة ..
وجميع أبعاد هذه الأمانة الكبرى مما يجب أن يأخذه كلا الزوجين بالحسبان ، ويتذاكرا أبعاده وحدوده ، منذ أولى خطواتهما في بيتهما الجديد ، وان لا ينسياه أبداً مدى حياتهما المشتركة ، لأن لكل من هذه الأبعاد حدوداً شرعية ، لا يجوز لأي منهما تجاوزها ، أو التقصير في شيء من أمرها ، وقد استوفينا الحديث –في بعض جوانب هذا الموضوع- في الباب الأول من هذه الرسالة ..
  
وللأمانة بين الزوجين -في الإسلام- مفهوم أوسع مما يراه عامة الناس من معنى هذه الكلمة ، ولها في وجوديهما ، وفي حياتيهما ، آثار أعمق مما تلاحظه نظرتهم السطحية العابرة للأمور .
ومما يمكننا ان نشير إليه في هذه الوصية من صور هذه الأمانة ، وأبعادها ، ونتائجها ، ومما يمس منها جانب المرأة بالخصوص :
أولاً : على المرأة المسلمة ان تعلم انها -بعقدها لنفسها على زوجها عقد الزوجية- قد تحمّلت -في الرؤية الإسلامية- نصف دينه ، -كما ورد في بعض الروايات الواردة عن المعصومين ( ع )- ، أوثلثي دينه -كما ورد في روايات أخرى-، وجعلته أمانة في عنقها ..
كما ان الزوج بالمقابل قد تحمل هذا المقدار منها أمانة في عنقه أيضاً ..
وحين تكون هذه الحدود الكبرى ضمن آفاق الأمانة الإلهية لدى كل من الزوجين ، كانت هذه الحدود الكبرى -بدورها- هي المورد المنظور للإسلام في تحديده لمسؤولية كل منهما تجاه الآخر ، وحينئذ فمن الطبيعي أن يكون هذا المدى نفسه ، هو الأفق الذي يتطلع إليه المؤمن في وفائه لمسؤولياته ، وتقرّبه إلى الله -سبحانه- .
وفي إطار هذا الوفاء ترد عناوين ، مثل متابعة كل من الزوجين لسلوك الآخر في الاستقامة مع أحكام الشريعة ، والإصرار على تقويمه عند الانحراف عنها ، ومدّه بما يحقق له هذا التقويم ، سواء في عوامل المعرفة والإرشاد ، ام في كفاية المهمات ، التي قد يسبب نقصانها لديه مثل هذا الانحراف .. وهكذا .
فمثلاً، حين يلتفت الزوجان إلى أن من الأولويات المطلوبة لهما في الزواج : تصريف الطاقات الخاصة ، وكفاية حاجات الغرائز الجسدية والنفسية ، وملء التطلعات والميول العاطفية لدى كل منهما إلى الجنس الآخر ، كان لابد أن يأخذ كل من الزوجين هذه الأمور كلها ، ضمن مسؤوليته الإلهية تجاه زوجه ، وعليه ان يفي له بها حق الوفاء من أجل سلامة المجتمع المسلم ، ونزاهته من رجس الخطيئة ودنسها ، حتى في مستوى التصور وأحلام اليقظة ..
وهذا يعني ضرورة ان يسعى كل من الزوجين إلى كفاية حاجته ، وحاجة رفيقه معاً ، دون أدنى خجل ، أو حياء ، أو تثاقل ، لئلا يجعله عرضة لهجوم تلك الغرائز ، او التطلع إلى غير المستساغ من الأعمال ..
أما وفاء المرأة -خاصة بهذه الأمانة الإلهية لزوجها- فيتحقق -كما سبق أن قرأناه في الباب الأول- في تبذّلها لزوجها ، وبروزها أمامه ، بالشكل الذي يملأ عواطفه وتطلعاته إلى المرأة التي تغني حاجته الغريزية ، وتُشبع ميوله ، وتملأ حياته بالحب ، وتُخفف عليه معاناته في حياته الداخلية والخارجية .. وهكذا .
كما يتحقق وفاء المرأة كذلك في أمرها لزوجها بالمعروف ونهيه عن المنكر، بطريقة تتناسب وموقعها منه ، وتستقيم مع قوامته عليها ، إذ ما كانت الحياة الزوجية لتغض من مستلزمات ولاية المؤمنين بعضهم لبعض –كما قلنا-، بل العكس هو الصحيح ، فالمسؤولية هنا مضاعفة ، لوحدة ما بين الزوجين من كيان ، ووحدة مسيرتهما ومصيرهما المشترك .
  
ثانياً : على المرأة ان تعلم انها إنما تحلّ في بيت الزوجية ، وفي الغالب ان كل ما في البيت أو أكثره مملوك للزوج ، وانها -بحكم صلتها به ، ووظيفتها في بيته- قد أسند إليها التصرف بتلك الممتلكات ، بمعنى ان تلك الممتلكات قد أصبحت أمانة زوجها تحت يديها ..
فمن الطبيعي -حينئذ- ان تلتفت إلى ان تصرفها في هذه الممتلكات ، يجب ان يكون بمقدار ما فوضها زوجها به ، او ضمن الحد الذي يسمح لها به الحكم الشرعي في الاستفادة منه ، أو المحافظة عليه ، وإصلاح أمره .. وهكذا ..
وهي -كما اعتقد- مسألة واضحة ، ولا يحتمل من المرأة المؤمنة ان تجهل شيئاً منها ، كما لا ينتظر منها -وبحكم إيمانها والتزامها- ان تتجاوز على الحد الشرعي فيها ، وقد سبق الحديث حولها مفصلاً ، كما سبق ان عرفنا -كذلك- ان ممتلكات الزوجة في هذا البيت ، تجري مع زوجها ضمن هذا الخط تماماً ، وفي مختلف ما شرع الله (تعالى) له من الحدود والأحكام .
ولكن هاهنا نقطة مهمة لابد من الالتفات إليها ، وهي ان لهذه الأمانة بعداً قد يكون أدق من هذه الملاحظة السريعة ، وعلى كلا الزوجين ان يلتفتا إليه .
إذ ان لبعض الممتلكات موقعاً في نفس مالكها هو أعمق من قيمته المادية ، كما ان لبعض التصرفات أثراً في نفس المقابل هو أكبر من حدوده الموضوعية المتعارفة .
وهي ناحية يجدها كل إنسان من نفسه ، قبل أن يلمسها في غيره من الناس .
فكثيراً ما يستعزّ المرء بشيء من الأشياء ، أو يهتمّ بأمر من الأمور ، يعدّه الآخرون من أسقاط المتاع ، أو توافه القضايا التي لا تستحق الالتفات ، فضلاً عن الاعتزاز ، او الاهتمام .
وفي مقابل ذلك ، ما أكثر ما ينفر الإنسان من شيء يراه الآخرون شيئاً جيداً ، او يستصغر قيمة سلعة يعدها غيره من السلع الثمينة ، أو ذات قيمة كبرى .. وهكذا .
فنظرة المرء للأمور تتأثر عادة بالظروف الشخصية ، او الملابسات الخاصة التي قد تخرجها عن الاعتبار النوعي ، أو الاجتماعي العام ..
كما ان بعض الناس قد يستلذّ تصرفاً يصدر من شخص من الأشخاص ، أو يحدث في ظرف من الظروف ، بينما هو لا يستسيغه فيما إذا صدر من شخص آخر ، أو في ظرف آخر ، لاختلاف النظرة ، أو الأمزجة التي تحكم العواطف والتوجهات لدى الأفراد في مختلف المناسبات .
وهي نواح يجب ان يأخذها الزوجان بالحسبان في تصرفاتهما ، العامة أو الخاصة ، طوال أيام حياتهما الزوجية المديدة ..
ولهذا ، فلا ينبغي لأي من الزوجين ان يستهين بشيء يرى قرينه مما يهتم به ، وان كان من اتفه الأشياء قيمة .. كما لا ينبغي له أن يستصغر أي خطأ يصدر منه هو تجاه قرينه ، وان لم يسبب للطرف الثاني خسارة تذكر ، سواء كانت مادية أم معنوية .
لأن تلك الاستهانة ، وهذا الاستصغار مما قد يسبب شعور الطرف الثاني بالإحباط ، او يبذر في ذاته القناعة بأن قرينه لا يعير لعواطفه أو اهتماماته أي أهمية ، او حرص ، ولا ريب ان الآثار السيئة لمثل ذلك الشعور ، وهذا الاقتناع أكبر من أن تتحدد نتائجها في أفق خاص ، او حالة معينة من علقتهما الزوجية ، بل هي قد تنسف هذه العلقة من أساس ، ولاسيما إذا استحكما في وهم الطرف الثاني ، نتيجة لتكرر الموقف ، وتأكد استهانة الطرف الأول واستصغاره .
كما ان صدور هذه الاستهانة والاستصغار من الزوجة بما يعتز به زوجها -بالخصوص- قد يولّدا في نفسه شعوراً بعدم كفاءتها ، وعدم قدرتها على إدارة بيتها وشؤونه، وعدم اهتمامها بما يجب عليها في تمضية شؤون حياتهما الزوجية ..
وهو شعور لا تخفى آثاره السيئة على ذي لب ، ولاسيما إذا أخذنا بالاعتبار قوامة الزوج على زوجته ، وضرورة تبعيتها له في إرادته ، واتباعها له في خطواته التي ينتهجها في مسيرة الحياة الزوجية .
ومن هذه الآثار السيئة : استصغاره لها ، وسلب ثقته بها ، حتى في الأمور الأخرى التي هي موضع عنايتها ، ومجال كفاءاتها ، وإتقانها في الأعمال .
وعلى المرأة ان تعلم ان هذا الشعور قد يتولد لدى الزوج ، وان لم يكن ممن يهتمّ بالخسارات المادية ، أو ممن يعير لها أهمية كبيرة ، إذ الأمر -كما قلت- أعمق من الحدود والقضايا المادية في الأشياء ، وإنما هي -قبل هذه المرحلة- رابطة نفسية ، لها جذورها في كيان الإنسان ، وهذه الجذور هي التي ينبغي ان تؤخذ بالحسبان.
  
ثالثاً : على المرأة ان تلتفت إلى ان مما تحملت أمانته في عقد الزوجية كذلك: كرامة زوجها ، وكرامة أسرتهما ، وكرامة حياتهما الزوجية ، ومكانتها في المجتمع .
فالزوجة -وكما كررنا أكثر من مرة- إنما تمثل الجانب الداخلي من العلقة الزوجية .. وهي قد أخذت على عاتقها -من هذا الجانب بالخصوص-، مسؤولية تلك الكرامة مباشرة ، بعد ان كانت تقف خلف أمها في بيت أبيها ، وأسرتها الأولى .
وحينئذ ، فعليها أن تتصدى -قدر طاقتها- لإبراز بيتها ، وأسرتها ، وزوجها ، بالشكل المشرق الذي تريده للجميع ، وبالهيكل الذي يتناسب وموقعها الاجتماعي .
تماماً ، كما أخذ الزوج -ومن خلال موقعه أيضاً- مسؤولية هذه الكرامة مباشرة ، في جانبها الخارجي ، حيث لابد ان يبرز شخصيته وأسرته بالشكل المناسب في المجتمع الذي يعيش فيه .
وعلى الزوجة ان تتذكر -بهذا الصدد- ، ان للزوج -وبحكم علاقاته الاجتماعية الواسعة-، التزامات معينة ازاء من يتصل بهم من ذويه ومتعلقيه ، ومن كرامته بينهم ، ان يفي بجميع هذه الالتزامات ، كأكمل ما يكون الوفاء ، والا انتهكت تلك الكرامة عندهم ، وصغرت منزلته في أعينهم .
ومعروف أن بعض هذه الالتزامات ، من وظيفة زوجته ، ومن شؤونها الخاصة ، كإدارة البيت ، وطهي الطعام ، وتنظيف المأكل والملبس ، وتنسيق محتويات البيت وأثاثه ، وأشباه هذه الأمور ، وهذا يعني ان هذه الأمور -كما هي مظهر لكرامة زوجها في المجتمع- هي مظهر لكرامتها ، وكرامة أسرتها فيه، أي أنها بعض أبعاد مسؤوليتها الاجتماعية ، وأدائها لأمانة زوجها في عنقها ، وينبغي لها أن تفي بها -قدر إمكانها- دون خلل أو تهاون ، وعليها أن تعدّ نفسها لهذه الغاية منذ وجودها في بيت أهلها ، وقبل التزامها بمتطلبات علقتها الزوجية ، لتربي نفسها على القيام بما لابد لها من القيام به في بيت الزوجية ، وتبرع في مهماتها التي ستناط بها مسؤولياتها ، لتنال الدرجة التي تأملها هي في نفسها ، ويأملها منها زوجها ، ويأملها من يحيط بهما ، من ذويهما ومتعلقيهما.