الوصية الأولى
النجاح والفشل في الحياة الزوجية
أشرنا في الباب الأول المتقدم إلى ما بين الزوجين في الإسلام من وحدة نفسية ،
تجعلهما كياناً واحداً في الاتجاه ، والطريق ، والنتائج .
وهذه الوحدة جعلت للعلقة الزوجية خصائص مهمة ، تمتاز بها عن غيرها من العلاقات
الاجتماعية الأخرى مهما كانت وطيدة ، بما فيها الأخوّة والبنوة والأبوة ، وغيرها .
ومن هذه الخصائص المهمة : شعور كل من الزوجين بأن الآخر أصبح جزءاً منه ، بمجرد
نطقه بالعقد الشرعي لهذه العلقة ، وان شريكه فيها قد أصبح بعض وجوده وجزءً من كيانه
، وهو شعور متبادل مشترك بينهما .
فالرجل يرى ان زوجته قد اصبحت بعض ذاته ، وكذلك المرأة ترى ان زوجها قد أصبح جزءً
منها ، فكيانهما واحد ، وحياتهما واحدة ، وآثار تصرفاتهما مشتركة الوقع عليهما معاً
، كما انهما يتحمّلان تبعات الحياة -في سرّائها وضرّائها- بشكل مشترك .
وقد أشرنا –فيما تقدم- إلى ان هذا الشعور فطري في الزوجين ، وواقع مكين فيهما معاً
، لا في حدود الرؤية الإسلامية الخاصة ، و إنما في جميع المجتمعات والتقاليد
والمذاهب ذات الصبغة الاجتماعية ، في جميع أنحاء العالم .
نعم ، إن للإسلام فضل تأكيدها ، واعتبارها موضوعاً لمناهجه واحكامه في هذه العلقة
المقدسة ، وما ينشأ عنها من نتائج .
ولا ريب ان لهذا الشعور المتبادل عمقه الكبير في الحياة الزوجية عامة ، وله
انعكاساته المهمة على نفسية الزوجين ، وسلوكهما ، وطريقة تفكيرهما ، وتلقّيهما
للأمور التي تحدث في حياتهما ..
ومن الآثار المهمة التي تنشأ من هذا الشعور : ان كلاً من الزوجين يرى ان ما يأتي به
رفيقه من سلوك ، وما يكسبه من النجاحات في الحياة ، وما يوفق إليه من النتائج
الطيبة ، إنما هو نجاحه أيضاً ، ولهذا فهو يستطعم هذه النتائج الطيبة كما يستطعمها
صاحبها سواء بسواء ..
وكذلك ، فإنه يرى –في المقابل- ان الفشل الذي يمنى به ذلك الشريك ، او الشقاء الذي
قد يصاب به ، إنما يرد عليه كذلك بنفس المستوى .
وكما ان هذا الشعور اساس في توجه المرأة وتفكيرها تجاه زوجها ، كذلك هو اساس في
شعور الرجل تجاه زوجته ، فهي مسألة مطّردة في الاثنين كليهما .
ومن الطبيعي -حينئذ- ان يلتفت كل من الزوجين إلى دور هذا الشعور المتبادل في تحديد
مسؤولية كل منهما تجاه الآخر ، وضرورة أن يفهم كل منهما حدوده في طبيعة هذه
المسؤولية ، من أجل تهيئة ما يستطيع تهيئته ، من الأجواء اللازمة لإنجاح مساعي
رفيقه ، وتحقيق أهدافه ، وتسهيل مسيرته نحو مطامحه في الحياة ..
ويمكن القول بأن مسؤولية المرأة في هذه الناحية أكبر ، إذ أن عليها يعتمد تحقق
العنصر الداخلي من علقتهما المشتركة ، فهي السكن الذي يأوي إليه الرجل من أتعاب
الحياة ونكدها وعنائها ..
مما يعني ضرورة ان توفر المرأة أجواء الراحة الكاملة لزوجها .. راحته النفسية ،
والجسدية ، والفكرية ، وحيث يحتاجها الرجل لتجديد نشاطه من أجل الانطلاق إلى مهماته
الاجتماعية العامة خارج البيت ، وهو أكثر حيوية ونشاطاً ، لمواصلة الكفاح والتقدم
نحو الدرجات الأسمى من تلك المهمات ، التي يجب عليه ان يقوم بها في بناء المجتمع .
ومن هنا قيلت الكلمة المشهورة : (ان وراء كل عظيم امرأة) .
وبمقتضى هذه الوحدة النفسية للزوجين ، فإن نجاح الزوج في المجتمع إنما هو نجاح
للزوجة كذلك ، وبنفس المستوى.
وهذا يعني :
1- ان تدرك الزوجة ان مسؤولية المرأة تجاه زوجها إنما هي جزء من مسؤولياتها تجاه
نفسها قبله ، وقبل أي شيء آخر .
2- ان شعور المرأة بوحدتها مع زوجها ، يستوجب عليها ان لا تضيف إلى زوجها أتعاباً
جانبية ، تستطيع ان تجنّبه إيّاها وراء الأتعاب التي تقتضيها مسؤولياته الخاصة في
تدبير شؤون البيت ، أو في حياته الاجتماعية العامة ، أو فيما أوسع من ذلك .
3- ان لا تشغله بأمور جانبية أو تفرض عليه طلبات تافهة ، أو بعيدة عن اهتمامه ،
لتصرفه عن مهماته الأساسية في الحياة .
4- ان لا تشغله بأمور لا تعنيه من قريب او من بعيد ، مما يجري في حياة غيره ، فتشتت
انتباهه واهتمامه ، دون فائدة تعود عليهما ، وعلى حياتهما المشتركة بالنفع .
5- ان لا تحاول توهين ثقته بنفسه ، او تثبيط عزيمته ، او تطلب منه أموراً تعلم انه
يصعب عليه القيام بها ، فتزرع في نفسه بذور الفشل والإحباط ، مما ينعكس –بالتالي-
على جميع مواقفه ، وخطواته في الحياة ، وعلاقاته المختلفة .
6- عدم الاستهانة بشيء من أهدافه الأساسية التي نذر حياته لها ، او عزم على القيام
بها ، وان كانت لها وجهة نظر أخرى ، تختلف فيها معه ..
نعم يمكنها ان تبين له وجهة نظرها تلك ، وتعرض أمامه الدلائل لصواب فكرتها ، ليقتنع
بها –إن شاء- بعد رويّة وعمق تفكير ، كل ذلك من خلال الحوار الهادئ ، والحجة
الواضحة ، والتقدير الحكيم لمجريات الأمور .
7- ضرورة أن تمده بما تستطيعه من مدد الثقة في نفسه وتشجيع كفاءاته ، وإشاعة الأمل
في نفسه بالنجاح في خطواته التي يخطوها في الحياة ، حتى في أحلك الظروف ، فإن من
بعض نتائج الشعور بعدم الثقة : شيوع اليأس والعجز في نفسه عن مواصلة الكفاح ، وعدم
القدرة على تدارك الأخطاء ، وتصحيح المسير في السبيل القويم .
ومعروف ان هذه النواحي تعتبر من الأسباب الرئيسية لفشل الإنسان في الحياة ، وعدم
نجاحه فيها .
الوصية الثانية
تأثير النجاح والفشل على شريك الحياة
ومن المستلزمات المهمة لشعور كل من الزوجين بوحدته مع رفيقه ، في المسار ، وفي
النتائج الأسرية ..
.. ومن مستلزمات شعور كل من الزوجين بأن نجاح رفيقه في الحياة أو فشله إنما هو
نجاحه او فشله ذاته :
.. ضرورة ان تدرك المرأة وجود هذه الناحية لدى زوجها أيضاً تجاه نجاحها هي ، او
فشلها في مهماتها ومسؤولياتها في البيت ، وفي المجتمع ، كما هو الأمر بالنسبة لها
تماماً ، حيث يمتلكه الشعور بالزهو والارتياح ، حينما يرى الكمال والاستقامة في
تصرفاتها ، والجودة في أعمالها ، فلا يشاهد منها قصوراً أو تقصيراً يصدر منها وهي
تقوم بوظائفها الأساسية ، سواء ضمن علاقاتها الزوجية الخاصة به ، أم ضمن بيتها ،
وقيامها بشؤون أطفالها وأسرتها ، أم ضمن مسؤولياتها العامة ، وسلوكها الاجتماعي ،
حيث يفرض عليها موقعها ، وموقع اسرتها في المجتمع الذي تعيش فيه مثل تلك المسؤوليات
.
فهي حين تثبت نجاحها في هذه المهمات ، وتفوّقها في وفائها بتلك المسؤوليات ، وهي
تؤدي مهماتها المطلوبة منها بكفاءة تامة ، دون إرشاد ، او تنبيه من الغير ، حتى منه
هو نفسه ، فهذا مما يزرع ثقة زوجها بها ، ويجعله يكبرها ، ويجلّ قدرها ، ومن ثمّ
يجعلها موضع اعتزاز وتقدير لديه .. ولا ريب ان هذا الشعور الزوجي المتبادل بينهما ،
يعتبر واحداً من أهم روافد السعادة العائلية بين الأزواج .
ويتأكد هذا الشعور من الزوج ، وتسمو صورة زوجته لديه حين يراها سابقة على غيرها في
تلك المهمات ، متميزة في شؤونها وأعمالها ، ولاسيما حين يرى الآخرين -ممن يعيش
معهما- يقرّون لها بهذا السبق ، والتميّز منها .
ولتحقيق هذا التفوق والكمال ، على المرأة الذكية ، التي ترغب في كسب رضى زوجها ،
وتطمح إلى إشاعة البهجة والزهو في نفسه ، وإضفاء السعادة على بيتها :
1- ان تكوّن لنفسها صورة واضحة ، محددة المعالم ، عن وظائفها الأساسية في الحياة ،
كزوجة ، وكربّة بيت ، وكمربية ، وتهيئ نفسها لهذه المهمات ، حتى قبل ان تدخل بيت
الزوجية ، وتجهد في تكوين نفسها ، وتنال براعتها في هذه الوظائف حتى وهي لدى أهلها
، لئلا تفاجأ بمسؤولياتها الكبرى بعد دخولها عتبة بيتها الجديد ، وانتظامها في
العلقة الزوجية ، وينبغي لها ان تثبت جدارتها لزوجها في تلك المهمات منذ أيامها
الأولى ، في حياتها الجديدة هذه .
ويمكنها ان تستنفد طاقاتها لتحقيق هذه الغايات في المرحلة التي تسبق حياتها الزوجية
، وتستفيد ذلك من مجريات حياتها في بيتها الأول ، ومن مشاهداتها لما حولها من
البيوت التي تطلع عليها ، ولمن حولها من النساء اللاتي تحيا معهن ، وتتعرف على
معالم الكمال والنقص في تصرفات كل واحدة منهن، لتستفيد من سلبيات هذه التصرفات كما
تستفيد من إيجابياتها .
وتتأكد ضرورة هذا الإعداد أكثر في أيام خطوبتها ، وقبيل زواجها ، اذ عليها ان تعتبر
هذه الأيام مرحلة انتقالية من حياتها في أسرتها الأولى -وهي تعيش بين أبويها
وأخوتها وذويها- إلى حياتها الجديدة في أسرتها الثانية ، بين زوجها وذويه، ثم مع
ابنائها .
بل وعليها ان تدرك ان من الغباء ان تفوّت تلك الفرص الثمينة من حياتها، دون ان
تكوّن لنفسها صورة واضحة المعالم ، متكاملة الملامح عن مسؤولياتها في حياتها
القادمة ، وتعدّ نفسها للوفاء بتلك المسؤوليات ، كما ينبغي لها ان تفي بها .
فمثل هذه المرأة أقل من ان يكتب لها النجاح في حياتها الزوجية ، وأدنى من أن يؤمّل
منها إسعاد نفسها ، وإسعاد زوجها واسرتها ، إلا إذا تدخلت ظروف أخرى ليست بالحسبان
، وهذا أمر آخر ، لا ينبغي ان يحسب له حساب ، إذ الصدف مما لا يعوّل عليه دائماً .
ولا تقف ضرورة ان تدرس المرأة مسؤولياتها ، وترتقي بنفسها ، وبكفاءاتها عند مبدأ
دخولها إلى بيت الزوجية فحسب ، بل عليها ان تستمر في محاسبة نفسها وسلوكها ،
وملاحظة ما يصدر عنها من أفعال ، وتصرفات بعد ان تواجه مسؤولياتها الجديدة في بيت
الزوجية أيضاً ، لتؤكد على الإيجابيات مما يصدر منها ، وتبتعد عن السلبيات منه ،
وعليها ان تتابع المستلزمات المتجددة لعلقتها الجديدة ومتطلباتها ، مرحلة بعد أخرى
، وتتعرف على دقائق شؤونها فيها ، لتصحح خطواتها ، وتضعها في المسار الصحيح قبل أن
تقع في المحذور .
بل وعليها ان تضع لنفسها أهداف التألق والتميّز بين الأخريات ، في وفائها
بمسؤولياتها كافة ، لأن هذا التألق -في نفسه- بعض صور الكمال الذي ينشده كل إنسان
في ذاته ، وفي مسعاه في حياته ، كما أنه -من جهة أخرى- يعتبر السبيل الأمثل للمرأة
السوية في نيل الموقع الأسمى –الذي تطمح إليه- في قلب زوجها الحبيب، وفي إحراز جميع
ما يستتبع هذا الموقع الرفيع ، من إكبار زوجها وتقديره ، ومن النتائج الطيبة الأخرى
التي تسعى إليها في حياتها ، وفي حياة أسرتها كلها -كما قلت في بداية هذه الوصية- .
2- ان على المرأة ان تعلم -بهذا الصدد أيضاً- ان كل ملاحظة يبديها الغير عليها في
أي من مسؤولياتها الأساسية تلك ، إنما هي من الموهنات في شخصيتها ، وفي كفاءاتها ،
وفي أعمالها كافة ..
فمن المفروض -حينئذ- ان تدرك المرأة العاقلة أن النضج الذي يجب أن تسعى إليه : هو
أن تستوعب من مسؤولياتها ، ومن طرق الوفاء بها ، ما لا تحتاج معه إلى غيرها في
التوجيه والمتابعة .
ولهذا فحين تعلم الزوجة ان من الطبيعي أن يكون أي أمر يصدره لها زوجها ، في تلك
المسؤوليات التي ينبغي لها ان تعلمها بذاتها ، وكل نقد يبديه لها -بحق- نحو سلوكها
وأعمالها ، مما يقلّل من موقعها لديه ، ويوهن من مكانتها في نفسه ..
أقول : فحين تعلم الزوجة هذه الناحية ، تدرك -ولا ريب- ضرورة ان تبادر إلى الوفاء
بتلك المسؤوليات بنفسها ، قبل أن تلجئ زوجها إلى إصدار أمره إليها ، وان تتوخى
الكمال فيما تقوم به من أعمال ، دون ان يجد الزوج عليها أي مأخذ .
وهذه المبادرة إلى قيام الفتاة أو الزوجة بما يجب عليها من أعمال -دون حاجة إلى
مرشد يصدر إليها الأوامر- هي بعض آثار النضج في النساء الكاملات ، حيث تدرك المرأة
ما هو مفروض عليها ، بعد أن تعي مسؤولياتها الأساسية في الحياة ، ومكامن النقص
والكمال في سلوكها ، وفي سلوك غيرها من النساء ، وتضع لنفسها السبل الكفيلة بوصولها
، ووصول أسرتها إلى ما توسّمته من صور السعادة ، ودرجات الهناء .
نعم ، لا ينكر ان المرأة -ولا سيما في بدايات عهدها بالزواج ، واستقلالها بمسؤولية
زوجها وبيتها ، ومواجهتها لتقلّبات الحياة-، قد تقع ببعض الأخطاء ، وقد تبرز منها
جوانب من القصور التي لا مناص عن الوقوع فيها ، وهذا أمر محتمل حتى من أكثر الناس
خبرة وممارسة في الحياة ، وهو لا يعتبر نقصاً في المرأة ، حين يقع صدفة أو قليلاً ،
ما لم يتجاوز الحدود المعتادة ..
وعلى المرأة -في هذه الحالة- ان تنتبه بسرعة إلى ما يقع منها ، لتقف على ما فيه من
أخطاء ، وان تتلافى نتائجه بمجرد الانتباه إليه ، وقبل فوات الأوان ، إما بالتصحيح
-حيث يمكن التصحيح-، والا فبالاعتذار ، والالتفات إلى أسبابه، لئلا تقع في أمثاله .
وهذا الخطأ كما هو محتمل من المرأة ، محتمل من الرجل كذلك ، ولهذا فعلى كل من
الزوجين ان يتعاون مع الآخر في هذا المجال ، وان لا ينظر أحدهما إلى الخطأ الذي
يصدر من الآخر على أنه نقص ، أو وصمة عار في من صدر منه ، بل عليه ان يتدارك مع
رفيق حياته الآثار السلبية ، التي قد تحدث منه في الحياة الزوجية ، وان يتحمّل
مسؤوليتها معه ، ليخفف من تأثيرها على نفسه ، او على الآخرين .
نعم ،الخطأ غير المغتفر ، في الحياة الزوجية أو في غيرها من جوانب الحياة ، إنما هو
الإصرار على الخطأ ، والثبات عليه ، حتى لو استبان الحق للإنسان ، وأمكن تدارك
الأمور ، فهذا مما لا يمكن تلافي آثاره بحال من الأحوال .
الوصية الثالثة
صفاء الحياة الزوجية من الدخائل
ومما يستلزم تلك الوحدة بين الزوجين أيضاً ، ويستلزم شعور كل منهما بأنه جزء من
الآخر ، وان الآخر جزء منه كذلك :
ضرورة ان لا تكون هناك خفايا ، أو دخائل ، في تصرفات كل منهما ، وفي حياته الخاصة
معه ، غير مفهومة ولا معلومة لدى الطرف الآخر .. بمعنى ان تكون الثقة والاستقامة
والانسجام ، هي الأركان الأساسية لقيام العلقة الزوجية -بشكل خاص-، بل والحياة
العائلية والاجتماعية بشكل عام ، إذ ان أي دخيلة تطرأ بين شركاء الحياة فيها ، مما
يلقي بظلاله القاتمة على مسار حياتهم كافة ..
بل ، ويجب تجنب الدخائل حتى في بعض الأمور التافهة ، فإن للشيطان مساربه في النفوس
، ووساوسه القاهرة ، والقاتلة للثقة في العلاقات الاجتماعية ..
ومع ان هذه الضرورة حاكمة على كلا الزوجين في حياتهما الخاصة ، بمقتضى وحدتهما
النفسية ، الا انها تتأكد في جانب المرأة أكثر ، لاختصاص حياتها بزوجها أكثر من
اختصاص حياة زوجها بها ، لما له من مهمات عامة ، ولما له من سعة في دائرة العلاقات
الاجتماعية المعروفة .
ولهذا السبب ، فينبغي للزوجة ان لا تخفي على زوجها أياً مما تقوم به من تصرفات ،
ولا تكتم عنه شيئاً مما تؤسسه من علاقات اجتماعية مع الآخرين ، مخافة ان يكون ذلك
التكتم منفذاً للشيطان بينها وبين زوجها ، ومثاراً لغيرته ، او سوء ظنه، كما ينبغي
لها ان تكون صريحة معه تمام الصراحة في كل أمورها .
بل ، ومن أجل تحقيق الثقة بينهما أكثر ، ومن أجل ان تكون الاستقامة بينهما أوضح ،
عليها ان لا تقوم بأي عمل ، او تبني أي علاقة مع الآخرين ، او تلتزم أي التزام
اجتماعي ، او غير اجتماعي ، دون مراجعته وأخذ رأيه فيه ، ولا سيما في الأمور
الحساسة ، التي تحتمل عدم رضا زوجها بها ، لو اطلع عليها .
وكم من النساء من ارتكبت بعض الأعمال ، أو دخلت بعض البيوت ، أو أسست بعض العلاقات
، مع بعض الأشخاص او العوائل ، بعيداً عن أعين زوجها ، ثم وقعت في المحذور .
فهي اما ان تبقى كاتمة لما قامت به عن زوجها ، وهذا الكتمان قد لا يستمر طويلاً ،
حيث تأتي الساعة التي يتضح فيها كل شيء للزوج ، وحينئذ تقع المشكلة بينهما ، ولا
يعلم نتائجها الا الله..
والأدهى من هذا ، ما إذا علم الزوج من مصدر آخر غيرها ، ولا ريب ان السلبيات ستكون
حينئذ أشد وقعاً ، وآلم تأثيراً عليهما كليهما ، وعلى حياتهما المشتركة ..
واما ان تخبره بقيامها بذلك العمل دون علمه ، وطبيعي ان هذا التصرف منها مما يسيئه
حينئذ . لا لأنه لا يرتضي العمل نفسه فحسب ، وإنما لإقدامها عليه دون علمه أيضاً ،
ولا ريب ان لمثل هذا الشعور منه آثاره السلبية على ثقته بها ، ومن ثم على مكانتها
لديه ، وعلى حياتها معه .
وتأكد هذه الناحية في جانب المرأة لا يعني ان للرجل ان يقوم بأي عمل ، او يلتزم أي
التزام ، او ينشئ أي علاقة اجتماعية مع كل أحد ، وان كان على حساب زوجته ، وعلى
حساب شعورها تجاهه ، فهذا ليس من الحكمة ، الا حيث تضطره علاقاته الإجتماعية ،
وموقعه الخاص ، او العام في المجتمع ، وحينئذ عليه ان يحدّد تدخلات زوجته في شؤونه
، بالمستوى الذي يقتضيه ذلك الموقع ، وهذا أمر آخر له أسبابه وحدوده الخاصة .
نعم ، ان على كل من الزوجين ان يتناغم -في تصرفاته وعلاقاته- مع عواطف شريكه في
الحياة قدر الإمكان ، في وقت يكون واسع الأفق والصدر في ملاحظته ومتابعته لتصرّف
هذا الشريك ، وان يتدبّر الامور معه بتعقّل وروية ، بعيداً عن الانفعال ، ويتخذ
الاقناع سبيلاً إلى شد الآخر إليه ، والاغضاء عن الهنات التي يمكن الاغضاء عنها مما
يصدر منه ، ويكيف نفسه وعواطفه ومشاعره ، حسب مقتضيات الظروف ومستلزماتها ، ولاسيما
في بدايات الحياة الزوجية ، حيث أن أجواء العواطف لدى كل من الزوجين لا تزال جديدة
على الطرف الآخر ..
ثم -وهو الأهم في الموضوع- ضرورة ان يربي كل من الزوجين نفسه ، كما يربي شريك حياته
، على ما يحقق الانسجام الكامل بين عواطفهما ، ويثبت الوحدة الطبيعية في تصرفاتهما
، الخاصة منها والعامة ، واستقامة القيام بدورهما المشترك في الحياة .
هذا ، وللمؤمَنين من الأزواج –بالخصوص- رصيدهما المشترك من أحكام وتعاليم الإسلام ،
حيث يأخذ هذا الدين العظيم بأيديهما -معاً- إلى تلك الوحدة ، وذلك الانسجام ، وهو
الرصيد الذي تستوجبه فطرتهما ، واستقامة علاقاتهما في حياتهما الزوجية -كما رأيناه
في الأبواب السابقة-، فهما في راحة تامة من هذه الناحية ، وما عليهما الا ان ينهلا
من ذلك المعين الطيب ، ليصلا إلى غاياتهما الرفيعة في الحياة .
الوصية الرابعة
عدم الانـفـصال النفسي بين الزوجين
ومن المستلزمات الأساسية للشعور السابق من الزوجين بوحدتهما النفسية، ووحدة كيانهما
المشترك أيضاً :
ضرورة ان لا يمتلكهما ، او يمتلك احدهما شعور بالانفصال النفسي او العاطفي عن الطرف
الآخر ، او حتى شعور باستقلال الذات في مقابله .. فمثل هذا الشعور خطر -تمام
الخطورة- على حياتهما المشتركة ، وعلى سعادتهما ، حيث انه ينغّص عليهما أحلى ساعات
انسجامهما ، وألذّ ما يطمحان إليه من هناء في حياتهما الزوجية ..
وهذه الناحية تستدعي ضرورة أن يأخذ كل من الزوجين عواطف ، ومشاعر الطرف الآخر ،
وموقعه المقرر له -شرعاً- ضمن مشاعره الخاصة ، وعواطفه ، وأساساً لسعادته الذاتية
معه ..
ولهذا ، فلا ينبغي للرجل ان يجعل من مكانته الاجتماعية ، أوموقعه بين الناس ، أو
درجته العلمية ، أو السن او غير ذلك ، حاجزاً ما بينه وبين زوجته ، ضمن حياتهما
الخاصة ، ليمنعها من الاسترسال ، والانبساط معه ، او الانطلاق في الاستمتاع الزوجي
الخاص ..
وكذلك لا يجوز للمرأة ان تجعل من مميزاتها النسبية -مثلاً-، او المادية ، او
الاجتماعية ، أو كفاءاتها العلمية ، حاجزاً ما بينها وبين زوجها ، لتعيقه عن
الانسجام معها كما يشاء ، او تتدخل في تحديد تبعيّتها له في قوامته عليها ،
والانقياد له فيما يأمرها به ، وينهاها عنه ، في حدود المعروف الذي امرها الله بأن
تتًبعه فيه ، وان كان هو أقل منها موقعاً في بعض الاعتبارات الاجتماعية ، كأن تكون
أشرف نسباً ، أو أكثر ثقافة ، أو أغنى مالاً ، فكفاءة الإيمان هي المنظورة في
العلاقة الزوجية في الإسلام ، وحدودها الشرعية هي الأساس في تحديد تصرفاتهما فيها .
فالحياة الزوجية تأبى الحدود والسدود ، وراء ما أقرّه الإسلام من المعروف، ووراء ما
أقرّه من أمر الله ونهيه ، حيث يحدد فيهما ذلك المعروف بين الزوجين، وان أي فوارق
تتصور بين الزوجين –وراء ذلك المعروف-، مما ينغّص عليهما حياتهما ، ويقطعها عن
السعادة ، ويسلبهما أحلى طعومها اللذيذة ، فمثل هذه السعادة لا تتأتى لهما إلا من
اندماجهما ، ومن وحدة ما بينهما -كما هو واضح مع قليل من التأمل- .
وها هنا ناحية مهمة جداً ، على الزوجين المؤمنين ان يلتفتا إليها ، وهي :
ان الحدود الشرعية -بصيغتها المذكورة في كتب الفقه ، وفي بيانها للواجب أو الجائز
في التصرفات السلوكية ، وفي تحديدها للعلاقات الجارية بين الزوجين- ، هي أدنى من أن
توفر للزوجين ما يأملانه ، من السعادة والتوحّد ، والاندماج المطلوب في الحياة
الزوجية..
فلا يكفي ان يمضي أي من الزوجين -في سلوكه الخاص مع شريك حياته- ضمن الحدود التي
قررتها له تلك الأحكام فحسب ، وينتظر من شريكه هذا المقدار كذلك ، لتهنأ حياتهما ،
دون ان يقدم كل منهما -وراء تلك الاحكام والحدود- مزيداً مما يعدّ من الفضل ،
والمصابرة ، والتضحية ، والإيثار ، أو تعمر قلبه عواطف عميقة تستوعب آفاق النفوس ..
فمعروف ان الأحكام الشرعية -في صبغتها الفقهية المعروفة- إنما تشكل الحد الأدنى من
الحدود الإلهية ، لاستقامة الحياة الفردية ، والاجتماعية ، في مختلف مجالاتها
وعلاقاتها ، دون التواءات ، او انحرافات .
فهي -بهذا الشكل ، ذي الصبغة الرسمية او القانونية- إنما جعلت لتحديد الضرورات
الأولية لتلك الاستقامة ، فهي موازين عامه ، يقاس بها قويم المواقف الإنسانية ، او
منحرفها ..
أما ما وراء ذلك ، مما يؤمّل في الحياة وهنائها -وخصوصاً الحياة الزوجية منها- وما
ينتظر منها من سعادة حقيقية ، وكمال منشود ، فهذا إنما يتأتى مما وراء تلك الحدود
من درجات أخرى ، كعمل المعروف ، أو ما عبّرت عنه الآيات الكريمة ، والروايات
الشريفة ، بـ(الفضل) ، قال (عز من قائل) :
( .. ولا تنسوا الفضل بينكم ، ان الله بما تعملون بصير .(1)) .
انها درجات تدخل في العناصر الأخلاقية العليا ، حيث المرونة في التصرفات ، والإيثار
، والتضحية ، ونبيل العواطف ، وجميل المشاعر ، والتسابق إلى الدرجات العليا في
القرب إلى الله (تعالى) في كل موقف ، وفي كل حالة ، دون أدنى تدخّل لعوامل أخرى
منغصة ، كالمصالح الشخصية ، والمنافع المادية ، أو غير ذلك .
وكلما كانت الدرجات من هذه الأمور أكبر ، كانت السعادة والهناء في الحياة الزوجية
أعظم .
بمعنى ان سعادة الزوجين المؤمنين ، إنما تكتمل في بناء حياتهما المشتركة على هذه
المعاني الرفيعة ، واتخاذ رضا الله -سبحانه- رصيداً أساسياً في كل سلوك يؤدّيانه ،
أو حالة يمرّان بها ، أو علاقة ينشئانها ، قبل ان ينطلقا في سلوكهما الخارجي طبق
هذه الأصول .
الوصية الخامسة
الوحدة العائلية والمجتمع
مما ينبغي ان يعلمه كل من الزوجين ، ويلتفت إليه في طريقة تعامله مع قرين حياته :
ان تلك الوحدة -التي سبق الحديث عنها- في نفسيهما وكيانيهما ، أمر لا تقتصر ملاحظته
على شعورهما الخاص بينهما فحسب ، وإنما هو شيء مرتكز ، حتى في الرؤية الاجتماعية
لكيانهما ، والتعامل العام معهما أيضاً ..
فالناس -في عرفهم العام أيضاً- يرون مثل هذه الوحدة في أي علقة زوجية ، ويتعاملون
مع العائلة على أساسها ، فيعكسون صفات الكمال او النقص ، التي يرونها في الرجل على
زوجته ، وبالعكس .
ولا يستطيع أي من الزوجين ان يجنب نفسه عن آثار وملامح الصورة التي يحملها المجتمع
عن شريك حياته .. فللزوجة من محاسن زوجها بين الناس نصيبها من الاستحسان والتقدير ،
كما ان لها من مساوئ زوجها نصيبها من الاستهجان والنقد ، وان لم يكن لها أي دور في
تلك المحاسن ، ولا في هذه المساوئ .
والعكس بالعكس أيضاً ، فإن للزوج نصيبه من صورة زوجته بين الناس -حتى ضمن دائرة
الأهل والأقارب- وان لم يكن له أي دور في تكوين ملامح تلك الصورة ، حسنة كانت أم
قبيحة .
وهذا مما لابد لكل من الزوجين أن يأخذه بحسبانه ، سواء ضمن مسؤوليته في تربية شريكه
، وضمن دائرة مسؤوليته تجاهه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أم في مجال
العلاقات الاجتماعية ، كما لو اقتضى موقف ما إظهار بعض دخائل العلاقة الزوجية
الخاصة أمام الآخرين.. أو اقتضت حالة من الحالات اتخاذ موقف معين تجاه ما يحمله
الآخرون عن شريك حياته .
فمعروف ان كلاً من الزوجين -بما له من اطلاع على دقائق حياة شريكه ، وامتزاج جسدي
وروحي معه- يعلم من خفاياه وأخلاقه ، وطريقة تفكيره في الحياة ، ما لم يطلع عليه
غيره من الناس ، حتى أقرب المقرّبين منهما من أفراد العائلة ..
فهو أعرف الناس بإيجابيات قرينه وسلبياته ، وبنقاط القوة والضعف في شخصيته ،
وبالمقبول او غير المقبول من تصرفاته .. –هذا من جهة- .
و-من جهة أخرى- فإن للحياة الزوجية تقلّباتها ، فمن ساعة رضا إلى ساعة غضب ، ومن
حالة انسجام تام إلى حالة برودة ونفرة ، ومن حالة حب وفناء كل من الزوجين في شريكه
إلى حالة استثارة ومغاضبة ، وهكذا ، مما لا تسلم منه حياة زوجية قائمة -وان كان على
نحو الندرة- في أكثر الحالات .
وطبيعي ان في مثل ساعات الرضا والانسجام والحب ، لا يخاف على أي من الزوجين من زوجه
ان يفشي سره ، او يعلن سلبياته امام الآخرين .
ولكن ما يخاف منه -في هذه الناحية- هو ساعات المغاضبة ، والمغامزة ، وثورة الاعصاب
، وفي هذه الحال يجب على كل منهما ان يملك زمام نفسه ، فلا يظهر من مكنون الأسرار
الزوجية ، أو أسرار الطرف الآخر ، ما لا ينبغي إظهاره ، أو لا يرتضي ذلك الطرف
اظهاره ، لأنه -أولاً- من الأمانات التي أوجب الله (تعالى) عليه حفظها ومراعاتها ،
كما أنه -ثانياً- مما يؤدي إلى سوء الفكرة الاجتماعية حول أحد الزوجين ، وهو أمر
-وكما قلناه سابقاً- لا يقتصر بآثاره على الطرف المنقول عنه ، بل هو سيعم الطرف
الناقل أيضاً ، لما أشرنا إليه من ارتكاز الوحدة الزوجية في نظرة المجتمع ، فهو يرى
الزوجين كوجهين لعملة واحدة -كما يقول المثل المعروف- .
وهكذا ، فحين ينقل الزوج بعض الصفات غير المستحبة من زوجته للآخرين ، او حين يصمها
ببعض جوانب النقص ، كعدم كفاءتها في أمر من الأمور ، أو يتّهمها بإهمال بعض
الضروريات -مثلاً-، فإن الأثر السلبي لاستصغار الناس لزوجته ، وتدنّي مكانتها لديهم
، لا يقتصر عليها فقط ، وإنما هو كذلك له حصته المناسبة من هذا الاستصغار ، لما
يحكمه من رابطة وثقى معها .
كما ان حديث الزوجة عن زوجها بما يشين مكانته بين الناس ، كتعنّته في أخلاقه الخاصة
، أو بخله ، او تقصيره في تحقيق ضرورات الأسرة ، وسوء معاشرته لأفراد عائلته ،
سيرتسم بظلاله السوداء عليها نفسها كذلك ، لينالها الازدراء والتوهين ، كما ينال
زوجها أيضاً ، شاءت هي ذلك أم أبت .
ولهذا السبب ، يجب على كل من الزوجين :
1- أن يكتم ما لا يعلمه غيره من نقائص زوجه عن جميع الناس غيرهما ، حتى عن أقرب
أقاربهما إليهما .
2- أن يأخذ على عاتقه –قبل هذا- تربية شريكه ، والأخذ بيده –قدر مايمكنه- نحو
الأسمى والأكمل في الحياة ، وعليه ان يشعر بأن هذه التربية مما تعنيه هو نفسه ،
وأنها جزء من مسؤوليته تجاه ذاته ، وتجاه مكانته في المجتمع ، كما هي جزء من
مسؤوليته تجاه ذاته في الاستجابة لأمر الله (جل شأنه) ، وتكليفه بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر –كما سبق ان علمناه في فصول سابقة- .
3- ان يساعد شريكه على اليقظة والحذر في مختلف شؤون الحياة ، ليقيه شر الوقوع في
سلبيات غير مستحبة بين الناس ، كما يساعده على تجاوز ما يصدر عنه من هنات ، قبل ان
تبرز آثارها أمام الآخرين -قدر الإمكان- .
4- ان يتقبّل جميع الملاحظات التي يبديها له شريكه حول بعض تصرفاته بسعة صدر ،
ومناقشة ما يضعه أمامه من حقائق ، بهدوء وموضوعية ، والإيمان بأن هذا الشريك إنما
ينطلق معه -في النقد والمتابعة- من خلال موقعه المباشر في علاقته معه ، وتأثير أي
صورة يحملها الآخرون حول علاقتهما الخاصة عليه بالذات ، فهو معنيّ بهذه الصورة ،
وبتحسين ملامحها لدى الناس ، إضافة إلى المسؤولية الدينية والاجتماعية العامة .
أما أمام الآخرين ، فيفترض ان لا يظهر كل من الزوجين عن الآخر الا ما يحسن من
الصفات والأفعال ، وأن يتدارك أي خطأ يبرز منه ، قبل أن يترتب له شيء من الآثار
السلبية .
أما إذا لم يمكنه ذلك ، فعليه ان يجهد نفسه في تلافي تلك الآثار ، وإبعادها عن
نفوسهم ، للعودة بصورة شريكه إلى نصوعها وحسنها لديهم ، حتى بين الأقربين منهم ،
كالأولاد والآباء والإخوان .
بل ، وحتى لو أضطر أحد الزوجين إلى البوح ببعض تلك الأمور الخاصة ، وإبداء ما لا
يستحب من أمور قرينه أمام الآخرين -بحكم ضرورات تمر بها علقتهما الزوجية في بعض
الأحيان-، فلابد أن يكون هذا الإبداء في حدود الضرورة ، وبالشكل الذي لا يشين صورة
ذلك القرين لديهم ، إذ لابد ان سينال هذا الشين -بآثاره- الطرف الناقل نفسه ، كما
ينال علقتهما المشتركة معاً .
وهكذا ، فحين تضطر المرأة -مثلاً- إلى ان تشكو زوجها المتعنّت معها إلى من يستطيع
التأثير عليه -لسوء معاملته لها- يجب عليها ان تقتصر في هذه الشكوى على خصوص ما
يضايقها منه ، وبلهجة لا تشوّه شخصيته أمامهم ، لكي لا تصغّر مكانته في أعينهم ،
لتصغر مكانتها هي بالتّبع ، كزوجة له كذلك .
ويستتبع هذه الناحية كذلك :
ضرورة ان يتجنّب كل من الزوجين إحراج شريكه أمام الآخرين ، عن قصد او لا عن قصد ،
حتى أمام أقرب الناس إليهما ، وتدارك آثار هذا الإحراج -لو وقع عن طريق الصدفة-
بسرعة ، وقبل ان يلتفت إليه الآخرون -مع الإمكان- ، او تدارك ما يتأتى منه من آثار
غير مستحبة في شخصية الطرف المحرج ، وتحمل تبعاته ، والاعتذار منه ، لمحو ما ينشأ
منه من انفعالات نفسية غير مستساغة .
الوصية السادسة
الثـقـة بـيـن الـزوجـين
الثقة بين الزوجين هي أساس العلاقة الزوجية، ورصيد استقامتها وهنائها ..
وأعتقد ان هذه القضية مسلّمة لدى الأسوياء من الناس ، ولا يناقش فيها ذو لبّ.. بل
وهي صادقة لا في خصوص الحياة الزوجية فحسب ، وإنما في جميع العلاقات الاجتماعية ،
العامة منها والخاصة ، إلا أنها تتأكد في هذه الحياة ، لبعدها عن الحدود الرسمية ،
والتقاليد التي بنيت عليها غيرها من العلاقات .
ولهذا ، فما لم تكن الثقة هي القاعدة الأولى في بناء العلقة الزوجية ، لا يمكن لهذه
العلقة –وبأي حال من الأحوال -ان تمضي بهدوئها وسلاستها ، أو تؤتي ثمارها المرجوّة
من السعادة والهناء .
فبدون الثقة بين الزوجين تفقد حياتهما الخاصة أي طعم ، او لذة ، او سعادة يرغبان ان
ينالاها في مسيرتهما المشتركة .
والمسألة –بعمومها هذا- واضحة كل الوضوح ، ولكن ..
ما مورد هذه الثقة المطلوبة بين الزوجين ، وبأي شيء يجب ان تتحقق ؟ ..
وما الدرجة المطلوبة من ذلك المورد لتحقيق تلك الثقة ؟ ..
هذان هما السؤالان المهمان في الموضوع ، وينبغي ان يلتفت إليهما الزوجان معاً ، وان
يحددا الإجابة الواضحة عنها ، بحسب ما تقتضيه زيجتهما ، وما يرغبانه في حياتهما ،
وبحسب متطلّبات بيئتهما التي يعيشان فيها ، وبحسب مستواهما العلمي والثقافي ،
ومستلزمات علاقاتهما الاجتماعية المختلفة .
وأهمية هذين السؤالين تتأتى من اختلاف الموارد المطلوبة لتلك الثقة ، واختلاف
الجوانب التي تلاحظ فيها ، لسعة الحياة الزوجية ، واختلاف مجالاتها وارتباطاتها ..
فهناك الجانب الأخلاقي والديني ، وهناك جانب الكفاءة العملية والتدبير العائلي ..
وهناك جانب التربية وشؤون الإشراف على الأبناء ، وهناك جانب العلاقات مع سائر ابناء
المجتمع الذي يكتنف حياة الزوجين ، وهناك جانب التكافؤ العلمي والثقافي والذكاء ..
وغير ذلك .
ولا ريب ان كل واحد من هذه الجوانب ، له دوره في الحياة الزوجية ، ويمكن أن يدخل في
اعتبار كل من الزوجين تجاه الآخر .
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الدرجة المطلوبة تحققها من تلك الأمور تختلف ، في
حدودها ، وفي كيفياتها ، نتيجة لاختلاف القيم والتقاليد الاجتماعية التي ينشأ فيها
الزوجان ، واختلاف طرائق الحياة التي تعيشها العوائل ، والغايات التي يستهدفانها
لحياتهما ..
ولهذا ، فكثيراً ما نرى ان أموراً وعادات وتقاليد خاصة ، تعتبر ضرورات أساسية في
بناء العلاقات لدى بعض العوائل ، مما يستوجب أخذها أركاناً في بناء الثقة المطلوبة
في تلك العوائل .. بينما هي في مجتمعات أخرى ليست بذات شأن ، فهي لا تهتم بها ذلك
الاهتمام ، بل وقد لا تلتفت إليها ، حيث لا يعينها أن يكون الشخص حاوياً لها أو لا
، بل ولربما تراها مدعاة للسخرية ، والخروج عن الاستواء الطبيعي للحياة الاعتيادية
.
وكذلك –من الجهة الثانية-، فإن بعض المجتمعات قد يفرض على ابنائه ان يلتزموا
بتقاليد وقيم معينة ، بدرجة حدية لا نسبية فيها ، أو بدرجة عليا من الالتزام ، فلا
ثقة لذلك المجتمع في الشخص الذي ينتسب إليه ، الا حيث تتراءى فيه تلك الحدية او تلك
الدرجات العليا من الالتزام .. بينما ترى مجتمعات أخرى لا تمانع في ان يكون
الالتزام بتلك التقاليد والعادات والقيم نسبياً ، ما لم تنته هذه النسبية إلى
إهمالها وانطماس معالمها تماماً ، وإحراز هذه الدرجة النسبية في ذلك المجتمع كافية
في تحقيق الثقة المطلوبة بين ابنائه .
وكما ان هذا الاختلاف وارد في النظرة الاجتماعية العامة ، هو كذلك سارٍ في العلاقات
الأسرية ، حيث تختلف أنظار الأزواج بالنسبة إلى ما يريدونه في شركاء حياتهم من
الصفات والكفاءات والأعمال ، كما تختلف أنظارهم في الدرجات التي يأملونها من هذه
الأمور في أولئك الشركاء .
ومن المتعارف بين الناضجين والمثقفين من الأزواج أنهم يتدارسون مع شركاء حياتهم
-ومنذ الأيام الأولى لحياتهم الزوجية ، وبصراحة تامة ، ومن خلال خبرتهم في الحياة ،
وطموحاتهم فيها-، ما ينبغي لكل منهما اتباعه من السلوك وما لا ينبغي ، ومن خلال هذه
الدراسة والمصارحة ، يضع كل منهم مع شريك حياته دستوراً مشتركاً لهما ، تتحدد على
أساسه الحقوق والواجبات التي يمضيان عليها ، على ان يستمرّا في المتابعة كلما سنحت
الفرصة ، وتدارك النقائص والسلبيات ، بحسب ما يلحقهما من نتائج النجاح او الفشل ،
الذي يعرض لهما في حياتهما .. وهكذا .
وهو أمر جيد إلى حدّ ما ، وخصوصاً حين تكون المتابعة عميقة وموضوعية ، وقائمة على
التوحد النفسي بين الزوجين ، وفناء كل منهما في شريك حياته .
إلا أن المؤسف أن هذه الشرائط الأساسية -التي أشرنا إليها- مما لا يلتفت إليها
الزوجان -في الغالب- عند مراجعة المواقف ، وهذا مما يجعل تلك المتابعة -وفي أكثر
الأحيان- ليست سوى تبادل للاتهامات ، وسبباً للإثارة ، وتوتر الأعصاب ، مما يعني
ضرورة اتخاذ الزوجين كليهما للحيطة والحذر ، عند حصول مثل تلك المراجعة للمواقف ،
ودراسة آثارها على حياتهما الزوجية ، أو علاقاتهما مع الأقربين من ذويهم أو
الأبعدين .
أما في الجانب الأخلاقي بالخصوص ، حيث لابد لنا من التأكيد عليه هنا لأهميته في هذه
العصور خاصة ، لسعة الاختلاط بين الجنسين في أكثر المجتمعات ، حتى الإسلامية منها
..
أقول : أما في الجانب الأخلاقي ، وفي مجتمع ديني محافظ ، فيجب ان تصبح الثقة فيه
بين الزوجين بمستوى أرفع من أن تنالها الشبهات ، وأسمى من ان تتدخل فيها وساوس
الشيطان .
ولا ريب ان مجتمعاً كهذا ، يعتمد الأحكام الإسلامية ، الواردة في تنظيم العلاقة بين
الجنسين ، قد لا يتصور فيه صدور بعض صور الخطيئة من أفراده ، أو القضايا
اللاأخلاقية ، او العلاقات غير المشروعة ، ولهذا فإن المرأة في هذه البيئة لا تحتاج
لأن تبذل جهداً لكي تكسب ثقة زوجها في هذا المجال ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرجل
أيضاً ، فهما في راحة من هذا الجانب ، وهذا السلام والطمأنينة هما بعض الثمار
الطيبة للالتزام الديني في المجتمع-كما هو معروف- .
الا ان هذا المستوى الرفيع من شيوع الالتزام الديني ، لا يعني دائماً نزاهة المرأة
او الرجل ، مما هو أدنى من تلك الصور المفضوحة من الانحرافات المرفوضة ، كما في
الميول العاطفية اللامشروعة ، او النظرات الخائنة ، او التطلعات النفسية المنحرفة
..وأشباهها ، وهذه أمور قد لا تتجرد منها بيئة ، ولا سيما في مجتمعات اليوم ، حيث
شيوع الاختلاط ، والتساهل في تطبيق الحدود الشرعية ، والتجاوز في كثير من التصرفات
، التي قد تكون مسرحاً لتدخّل الشيطان ، ووساوسه .
ومن هنا تبدأ المعاناة ..
إذ لابد لكل من الرجل والمرأة أن يتنزه –قدر الإمكان- حتى عن هذه السقطات الدنيا ،
وان يربأ بإيمانه وشخصيته عن ان يتلوثا بشيء من تلك الهنات ، ليبدو ناصع السجايا ،
نقيّ السلوك أمام الله (تعالى) وأمام الآخرين ، سواء على مستوى المجتمع بشكل عام ،
أم على مستوى شريكه في الحياة -بالخصوص- ، حيث يأمل هذا الشريك أن يكون -وحده- محور
العواطف والخلجات النفسية لدى شريكه ، وان يكون هو الأوحد في كيانه النفسي والعاطفي
.
وهي نقطة مهمة ، وحساسة ، ولا سيما في مجتمعات اليوم ، حيث ألقى الاختلاط المريب
بظلاله السوداء على حياة المجتمع المسلم ، وعلى علاقات أبنائه بعضهم ببعض .
ولا شك ان مـوقف المرأة -في هذه الناحية- أدق من موقف الرجل ، وأكثر حسـاسيّة .
فمع أنها لا تختلف عن الرجل في المسؤولية أمام الله (تعالى) ، وأمام الالتزام
الديني ، وفي الحساب الإلهي ، إذ أن الحدود الشرعية شاملة لهما معاً ، إلا ان الأمر
يختلف بينهما في المنظار الاجتماعي ..
فالمجتمع -بشكل عام ، وبمن فيه المرأة نفسها- قد يغضي عما يصدر من الرجل من تقصير ،
بل وقد يغفر له كثيراً من الأخطاء والتجاوزات الأخلاقية التي يرتكبها أو يقع فيها ،
الا أن مثل ذلك الإغضاء ، وهذا الغفران لا يردان مع تصرفات المرأة ، وإن كانت دون
ما يأتي به الرجل من تقصير أو أخطاء .
ولهذا ، فالزوج في مجتمعاتنا القائمة ، لا يغفر لزوجته جزءاً مما يقوم هو بفعله في
هذا المجال ، مهما كانت دعاواه في الحرية ، او التقدمية-كما يقولون .
وهكذا كان على المرأة ان تأخذ هذا التفاوت في نظر المجتمع بالاعتبار ، وان تتوخّى
بناء ثقة زوجها بها في علاقاتها المختلفة ، وان تراقب دائماً كل ما يصدر منها ، من
حركات وأحاديث ونظرات وابتسامات ، حينما تجتمع مع الآخرين من الرجال -وان لم تتعدّ
الحدود الشرعية المقررة لها في مثل هذه الاجتماعات-، وعليها ان تتخذ من نظرات زوجها
لها ، وخلجات وجهه تجاهها ، ومدى تجاوبه مع موقفها ، مقاييس لطريقتها في الحديث ،
أو النظر ، أو الابتسام ، فإن أي خلل في التقدير قد يكون غير مأمون العواقب ، عليها
شخصياً ، وعلى كرامتها ، وعلى حياتها الزوجية .
الوصية السابعة
قدســية مخـدع الزوجــــــــية
من القضايا المهمة في الحياة الزوجية : ان يعلم كلا الزوجين ان باب مخدعهما الخاص
باب مقدس ، وفاصل ما بين عالمين ، مختلفين تمام الاختلاف ..
عالم خارجي ، له اهتماماته العامة ، وله علانيته الاجتماعية ، التي لا يهمها ان
يعلمها الآخرون من الناس غير الزوجين ، وعالم داخلي خاص ، له شؤونه الخاصة ، وله
سرّيته التي يجب ان لا يطّلع عليها أحد سواهما ، غير الله -سبحانه- .
فما يجري في داخل هذا الباب يجب ان لا ينفذ إلى ما وراءه ، مهما تكن الظروف
والملابسات ، فعلم الناس بمجريات الحياة الزوجية الخاصة ، مما يخلّ بكرامة كلا
الزوجين ، وقد يؤثر على حياتهما الزوجية نفسها.
ومع ان هذه النقطة لا تحتاج إلى تأكيد ، لارتكازها في معظم الأذهان ، إلا أننا
نذكرها هنا ، لما نراه من بعض المتزوجين ، الذين يعتقدون أن من ملح الممازحة مع
الآخرين ذكر هذه الأمور ، وإعلان ما يجري في مخادعهم الزوجية أمام الملأ ، لاستثارة
إعجاب الآخرين ، او إضحاكهم ..
وهنا يكمن الخطأ ، فإن إظهار ما يجري بين الزوجين من شؤون خاصة ، حتى أمام أقرب
الناس إليهما -فضلاً عن الغرباء-، له تأثيره السيّء في نفسية كلا الزوجين ، وعلى
كرامتهما ، الا حيث ينتفي شعور المرء بالكرامة ، وهذا ما يربأ الأسوياء من الناس
–وخصوصاً المؤمنون منهم- بأنفسهم عنه ..
وكما يفترض ان لا يخرج شيء مما يجري في مخدع الزوجية ، فلا يبوح أحد الزوجين به
أمام الآخرين ، فإن المقابل صحيح كذلك ..
إذ يجب ان لا ينفذ ما في خارج هذا المخدع إلى ما في داخله ، حيث يجب على كلا
الزوجين ان يجرّدا نفسيهما من كل شيء ، وعن كل أحد غيرهما ، في هذا المخدع ، بعد ان
يغلقا عليهما بابه ، حين يريدان الوصول إلى الذروة من المتعة ، والسعادة واللذة
الزوجية ..
إذ يشترط -لتحقيق هذه المتعة والسعادة- اندماج الزوجين معاً ، في عواطفهما ،
ومشاعرهما ، وغرائزهما ، اندماجا كاملاً ، لا مجال فيه لغيرهما ، بل ولا اثنينية
فيه لذاتيهما ..
وهذا يعني -وكما قلت- ان يتجرد الزوجان معاً عن أي شيء ، سوى نفسيهما وسوى الله
(سبحانه) ، المطلع على سرّهما ، والمشرّع للسبيل الأقوم لسعادتهما ، وهنائهما ..
ولهذا السبب ، فإن استذكار بعض الحوادث ، او المواقف الخارجة عن ذلك المخدع فيه ،
وخصوصاً إذا كانت مثاراً للتفكير ، أو القلق ، أو الحزن ، أو الالتفات إلى بعض
الناس -دون شريك المخدع ، وان كان وليداً- مما ينغص سعادتهما ، ويمنعهما من
الاندماج الروحي والجسدي الكامل ، إذ يقف بلذتهما ومتعتهما ، عند حدود جانبية لا
عمق فيها .
ولهذا كان على الرجل ان يتجرد لزوجته في هذا المخدع ، ويبتعد عن جميع همومه إلا
منها وحدها ، ليستمتع بامتزاجه بها ، روحاً وجسداً وعاطفة ، كما أن على المرأة
–بدورها- ان تبعد عن ذهنها كل شيء إلا زوجها ، لتنال متعة الامتزاج معه ، ولا
يقحمان في مخدعهما سوى نفسيهما ، مهما كانت الظروف والمناسبات التي يعيشانها ،
ومهما كانت أهمية الحوادث التي تشغل بالهما في حياتهما ، ومهما كانت مودّتهما لذلك
الإنسان الذي يفكّران به ، أو كان عزيزاً عليهما ، كأن يكون طفلهما الوحيد .
وهنا تكمن المشكلة لدى الكثير من الأزواج .. وخصوصاً الزوجات منهم.
إذ يمكن ان تعزى برودة كثير من هؤلاء الأزواج إلى سوء تصرفهم في مخدع الزوجية هذا
.. حيث يعطون للعواطف الاجتماعية -وخصوصاً الأمومة- دوراً قد يشتت انتباههم ،
ويمنعهم عن التناغم مع عواطف قرين المخدع ، وتأجج غرائزه ، مما يجعل المخدع
-بالتالي- مثاراً لأعصابهما معاً ، دون ان يهبط بهما -معاً- إلى مرحلة السكون
والهدوء النفسي ، الذي تعنيه ذروة المتعة، وهدف السعادة الزوجية .
ومثل هذه المشكلة قد تنتهي بكلا الزوجين إلى ما لا تحمد عقباه ، في صحته النفسية ،
وعلاقته مع شريك حياته ، ما لم ينتبها إلى أسبابها ، ويتداركا ما يمكن تداركه من
آثارها ، قبل فوات الأوان .
الوصية الثامنة
مخدع الزوجية ونزاهة المجتمع
على الزوجين المؤمنين -بالخصوص- ان يعلما ان باب المخدع الزوجي ، باب شرعه الله
(تعالى) ، لتصريف طاقات معينة ، تعتمل في دخيلة كلا الزوجين، في وقت حرم هذا
التصريف في خارجه ، حتى بالنسبة لهما أنفسهما ، وأعدّه لكفاية تطلّعات روحية ،
وحاجات جسدية لهما ، في حين منع هذه الكفاية فيما دونه ، وهيأه لإشباع عواطف وميول
نفسية ، حذّر من إشباعها فيما سواه ..
وهو -تعالى- قد جعل هذا كله ، من أجل غايات إلهية كبرى في المجتمع الإسلامي ، كان
من بعضها زكاة هذا المجتمع ، ونزاهته ، وطهارته عن كل ما يشين ، او يهوي به في
دركات الفاحشة والرذيلة .
وملاحظة المجتمع لباب المخدع الزوجي –من خلال هذه الناحية المهمة- تجعله ليس حاجة
آنية ، لإشباع حاجات الزوج ، او الزوجة ، او كليهما فحسب ، -كما قد يتصوره عامة
الناس-، وان لوحظ انفرادهما فيه ، وإنما هو -قبل هذا وبعده- حاجة إسلامية عامة ،
وحاجة للمجتمع المؤمن كله ، في نزاهته ونقائه ، واستقامة أمره في سبيل السعادة
والسلام النفسيين ، والأخلاقيين، والاجتماعيين أيضاً ..
بل -وبملاحظة ما ذكرناه في الفصول المتقدمة من موقع الإسلام في حياة الإنسان ودوره
في هدايته نحو كماله المنشود- يعتبر حاجة للنوع الإنساني بشكل عام ، وهو يسعى
حثيثاً نحو ذلك الكمال الأسمى ، إذ يستحيل عليه تحقيق أي من أهدافه الرفيعة ، دون
استيفاء حاجاته الخاصة من هذا المخدع المقدس .
وهي حقيقة يجب ان يستحضرها كلا الزوجين ، وهما يغلقان على نفسيهما باب مخدعهما ،
ويجب ان يجعلاها ضمن غاياتهما الأولى ، وهما يلبيان حاجاتهما الأساسية فيه .
ومن الشرائط الأولى لهذه الحقيقة : ضرورة ان يجعل كل من الزوجين وفاءه لحاجة قرينه
ضمن اهتمامه بحاجته الذاتية أيضاً ، كما يجعل مسؤولية هذا الوفاء ضمن استجابته لأمر
الله (تعالى) في تنزيه ذاته ، وتنزيه بيته ، و-من ثم- تنزيه مجتمعه المؤمن الذي
يعيش فيه عن كل ما لا يرتضيه الله له من الهنات والدركات الأخلاقية .
بمعنى ان يشعر كل من الزوجين ، بأن وفاءه لحاجات قرينه إنما هو واجب شرعي لابد ان
يفي بعهدته ، ليستكمل وفاءه بمسؤوليته الإلهية في هذا المخدع المقدس ..
فعلى الزوج -حينئذ- ان لا يكتفي بإشباع رغباته الخاصة دون زوجته ، ليتركها عرضة
للتوتر والهيجان ، وكذلك العكس أيضاً ، إذ يجب على المرأة ان لا تتجاهل حاجات زوجها
حين تكتفي منها حاجاتها ، لتتركه هدفاً للتوتر والصراع النفسي ، أو الجسدي المهلك .
بل على كل منهما أن يتناغم في اندماجه مع الآخر ، للوصول إلى الذروة ، والاكتفاء
المشترك معاً ، لئلا يشعر أحدهما ان الآخر إنما يتكلف المعاناة من أجله ، أو انه
أصبح عبئاً عليه .. فهذا التناغم والاندماج -حتى آخر الشوط- هو الذي يفتح لهما آفاق
السعادة المشتركة ، والمتعة المتبادلة . ليخرجا من باب المخدع ، وهما معاً هانئين
هادئي النفس ، مكفيي المؤونة ، ساكني العواطف ، ليس لأحدهما أدنى تطلع إلى المحرم ،
أو رغبة في اللامشروع ، وليس أحدهما عرضة للتوتر النفسي ، او العصبي ، او مورداً
للإحباط العاطفي ، والكبت الغريزي .
وهذا بعض ما يستهدفه الإسلام من الزواج ، وتشريع أحكامه ، إذ حين تتهيج حاجات
الإنسان الكامنة ، وتتوتر فيه عواطفه وأعصابه -دون كفاية تامة لها- يصبح أقرب
للوحشية ، ومن ثم أدنى إلى السقوط والانهيار ، او الوقوع في الأمراض النفسية
والعصبية ، بل والجسدية أيضاً ، فضلاً عن التمادي في الانحرافات الخلقية
والاجتماعية .
هذا ، ولدلائل العصمة نظراتها الدقيقة في هذا المجال ، إذ هي تفيض في تشخيص مهمة
الزوجين المؤمنين في مخدعهما المقدس ، وهي صريحة –تمام الصراحة- في بيان الآثار
والنتائج التي تترتب عليها ، وما على المؤمنين إلا ان يراجعاها في مصادرها ، حين
يريدان السمو إلى تلك الآفاق .