خاتمة
نعم ، هذه هي الحياة الزوجية في الإسلام ، وهذا هو دور المرأة فيها ، وها هي بعض
حدود الزوجة المؤمنة في علقتها الزوجية مع شريك حياتها ، وهذه بعض أحكامها في
استيفاء شرائطها التي يريدها الله (تعالى) منها .
ولا أحاول السير أكثر من هذا في هذه الناحية ، فلست الآن الا بصدد إعطاء صورة عامة
عن مسؤولية المرأة في هذه العلقة وتوابعها ، وفيما ذكرناه كفاية لنا فيه .
وهكذا رأينا ان على المرأة ان تعلم ان أحكام الله -سبحانه- التي رسمت لها في هذا
الجانب مما يجب عليها امتثاله ، كأي حكم إسلامي آخر ، ويجب عليها ان تفي بكل
متطلباتها دون أدنى تقصير ، او تجاوز ، فهي حدود إلهية قبل أن تكون طرائق وصيغاً
اجتماعية ، تمسّ حياة المجتمع .
ولهذا ، فإن هذه الأحكام بالرغم من أن الزوج قد جعل مورداً لها ، وانها جعلت من
حقوقه المشروعة على زوجته ، الا أن آثارها ونتائجها لا تختص به وحده ، كما انها
ليست مقطوعة الصلة عن الهيكل الإسلامي العام ، بل هي ترتبط -في مبدئها ونتائجها-
بمشرّعها الحكيم (تعالى شأنه) ، وعليها يعتمد نظام المجتمع المسلم في مسيرته
المتكاملة نحو السعادة والراحة والكمال ، ولهذا فما كان للمرأة ان تخرج عليها ، أو
تقصّر في الوفاء بها ، دون أثر سلبي ينعكس عليها ، وعلى التزامها بدينها القويم ،
وعلى علاقتها بالله (تعالى) ، وعلى مكانتها لديه ، وعلى منزلتها في الكرامة عنده .
واحكام المرأة هذه ، وابعادها وحدودها التي ذكرناها ، ليست فريدة فيها، وليست
استثناء من الأحكام الإسلامية في مختلف جوانب حياة الإنسان ..
فمَثَل هذه الأحكام مثَل الأحكام التي فرضت على الزوج نفسه ، وهي تحدد مسئوليته
تجاه زوجته ، أو تجاه بيته وعائلته ، ومثَل الأحكام التي جعلت على الأبوين تجاه
أبنائهما ، أو العكس ، أو غير هذه الصور من العلاقات الاجتماعية في مختلف أصعدة
الحياة ..
فكل حكم منها ليس منوطاً في حدوده ، وليس مبتوراً عن مبدئه ونتائجه ، أو منفصلاً عن
سائر أحكام الإسلام وغاياته ، وليس في مجال تحديد حقوق او واجبات طرف معين في
المجتمع فحسب ، ليكون تجاوزه تقصيراً في حق ذلك الطرف وحده ، بعيداً عن حق الله
-سبحانه-، او التزام هداه -كما قد يتصوره البعض من ذوي النظرة السطحية- .
.. بل على الكل ان يعلم ان أحكام الإسلام قاطبة ، إنما هي مناهج الله وحدوده ،
وشرائعه التي سنّها في دينه القويم ، ولابد لأي انسان ان يفي بها ، كأكمل وأتم ما
يمكن الوفاء ، حين يريد أن يخرج عن عهدة التزامه لدينه ، وعبوديته لله (عز وجل) .
وعلى الكل أن يعلم ان هذه المناهج مما اقتضته الطبيعة الإنسانية ، وفطرة الخلق ،
وحكمة التكوين ، كما اقتضته حكمة التشريع أيضاً ، حيث تمضي هذه الحكمة مع الواقع ،
ومع المصلحة الوجودية العميقة للإنسان ..
بل، وما كان لحياته وشؤونه الأخرى ان تتكامل ، وتنتظم في كل أفق من آفاقها ، دون أن
يمضي معها في كل منهج ، وفي كل حكم ..
وعلى الكل ان يعلم ان هذه المناهج ، مما يرد في سبيل تحقيق الغايات الربانية العليا
في البيت المسلم ، وفي المجتمع المسلم ، بل وفي الإنسان المسلم ، في أي صعيد من
أصعدة الحياة ، كنموذج رفيع للإنسانية التي تطمح إليه جميع البصائر في تطلعاتها
للحياة المثلى ، مما يعني ان مثل هذه الغايات الرفيعة غير ممكنة البلوغ دون هذه
السبل ، ودون الانصياع إلى دلائلها الرشيدة ، والتقيد المطلق بأحكامها .
إذن ، فمخالفة الإنسان لهذه الأحكام الإلهية ، أو الخروج عن خطها ، سواء من المرأة
أو من الرجل ، وفي أي صعيد من أصعدتها -ومنها ما ورد في الحياة الزوجية- يعني خروج
هذا المرتكب عن مقتضيات عبوديته لله –سبحانه، وعن توفيته لشرائط إيمانه ، وعن مدلول
حجة الله البالغة عليه ، بل وعن المرتكزات الإسلامية العامة ..
وواضح ان حدود الحياة الزوجية وحقوقها وواجباتها ، -بالنسبة إلى كل من الرجل
والمرأة ، كغيرها من أحكام الله وشرائعه ومناهجه- شاملة للبشرية كافة ، لم يستثن من
عمومها أحد من الناس ، أو موقع اجتماعي خاصّ ، ولم تلحظ فيها قيود تخصصها في فئة من
البشر ، أو طائفة خاصة منهم ، وإنما هي أحكام مطلقة ، تستوعب عموم المكلفين في
لزومها ، كما شملتهم في حجتها وهداها .
إذن ، فكما وجب على كل رجل مؤمن ، يتخذ من دين الله طريقاً ، ومن عروته الوثقى
مستمسكاً ومعتصماً ، أن يفي لزوجته حقها بالمعروف ، وكما رسمه الله له في حدوده
الخاصة والعامة ، يجب على كل زوجة مؤمنة ان تفي لزوجها حقه عليها ، كما شرع الله
لها دون تقصير او استثناء ، والا أخلّا بأساس علاقتهما ببارئهما ، وبدينهما ، قبل
ان يخلّا بحق كل منهما تجاه الآخر .
أما الصيغة المتصورة للوفاء بهذه الحدود ، فطبيعي ان تطّرد -في كمالها وسموها- مع
درجات إيمان المرء ومعرفته ، وانقياده لأحكام دينه القويم ، واهتدائه بأنواره ،
فهذه هي الموازين الإسلامية للتفاضل عند الله (تعالى) ، ولا يخرج عنها هذا الموقع
أيضاً .
وهكذا ، فكلما كانت وفاء الإنسان –رجلاً كان أم امرأة- لمسؤولياته اتمّ، وكانت
استجابته لأحكام الله -سبحانه- أكبر ، كانت درجة كرامته لدى الله أسمى .
وهكذا كان لتقوى الله (تعالى) في هذا البعد دورها في التفاضل ، وفي تعيين درجات
التكريم الإلهي .. فإن (أكرمكم عند الله أتقاكم … )(1) . وصدق الله العلي العظيم .