الباب الأول : الحياة الزوجية في الإسلام
: الفصل الثاني :
تكافؤ المسؤولية بين الزوجين
النقطة الثانية :
ما يشير إليه قوله (تعالى) -في آية سورة البقرة- : (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)
من تكافؤ الحقوق والواجبات بين الزوجين ، والتوازن الكامل في الأخذ والعطاء في هذه
العلقة المباركة ، الا حيث تقتضيه وحدة البيت في هذه العلقة ، والا حيث تقتضيه
استقامة مسيرته نحو غاياته الإلهية الكبرى ، إذ لابد أن تكون هناك قيادة رشيدة تأخذ
بزمام هذه المسيرة ، وتتوحد بها كلمتها ، وينتظم بها قرارها ، ويبتّ فيها بالأمور
.. (وهذا ما سنعود إليه -بعون الله (تعالى)- بشيء من التفصيل فيما بعد) .
أما ما سوى هذا فليس هناك إلا التكافؤ ، والتوازن ، والاستقامة في الطريق الإلهي
القويم .
والأساس الذي يعتمده القرآن في تحديد الحقوق والواجبات إنما هو (المعروف) ..
فالمعروف هو القاعدة التي ينهض عليها كيان هذه العلقة برمته ، ومنه تستمد جذورها
وعطاءها فلا قهر ، ولا تسلّط ، ولا تجبّر ، ولا استغلال ، وإنما هو المعروف ،
والمعروف وحده .. فمنه تبدأ المسيرة ، وبه تمضي مجرياتها ، وإليه تنتهي غاياتها ..
و(المعروف) هو السمة العامة التي يطبع الإسلام بها جميع حقائقه ، ويقيم عليها كل
مناهجه وأحكامه التي شرعها لتنظيم حياة الإنسان .
فـ (المعروف) في المصطلح الإسلامي : هو كل شيء أمر الله (تعالى) به ، أو دعا إليه ،
أو أقرّه ، من العقائد أو الأعمال ، مقابل (المنكر) ، الذي يعني -باصطلاحه أيضاً-
كل شيء نهى عنه ، أو ردع الناس عن القيام به ، أو التزامه من الأفكار والأفعال ،
وعلى هذين المعنيين قامت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام -كما هو
معلوم- .
وبهذا المضمون -أيضاً- يصرح بعض اللغويين .. كما يقول الراغب مثلاً:
(المعروف : اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه ، والمنكر ما ينكر بهما )(1) .
ويقول صاحب كتاب (لسان العرب) فيه كذلك :
(المعروف : اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه ، والإحسان إلى الناس ،
وكل ما ندب إليه الشرع من المحسّنات والمقبّحات ، وهو من الصفات الغالبة ، أي أمر
معروف بين الناس ، إذا رأوه لا ينكرونه .. )(2) .
ولفهم -أكثر وضوحاً- لما تعنيه هذه الكلمة أي (المعروف) ، لابد لنا من الالتفات
إلى مبدأ العلاقة بين الإسلام والإنسان ، وما قامت عليه هذه العلاقة من عمق في صميم
هذا الكائن ، بل وفي صميم الوجود التكويني برمته ..
فالإسلام -كما نعلم ، وكما صرح هو في قرآنه وألسنة معصوميه () كافة- إنما هو دين
الفطرة .. دين الأساس الذي خلق عليه الوجود عامة ، والإنسان خاصة ، ومن أجل هدى هذه
الفطرة ، والأخذ بزمامها إلى حيث أراده الله -سبحانه- لها من انتظام وكمال ، أنزلت
شرائعه وحقائقه وتعاليمه كافة ، وان ما فيه من أحكام ومناهج إنما هي الصورة
الإختيارية لطبيعة الوجود الإنساني ، وتطلعاته واتجاهاته الذاتية التي يستهدفها في
أعماق ذاته ، ويمضي عليها في جبلّته .
يقول (تعالى) في سورة الروم : (فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التي فطر الناس
عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيّم …(1) ) .
ويقول (عز من قائل) في سورة البقرة :
(صبغة الله ، ومن أحسن من الله صبغة ، ونحن له عابدون ..)(2) .
ومن مدلولات هذه النظرية الإسلامية : ضرورة وجود ترابط وثيق بين الإنسان ، في
اتجاهاته الذاتية وتطلعاته الأولية -من جهة- وأحكام الإسلام ، وحقائقه ومناهجه التي
وضعها لقيادة هذا الكائن في حياته الاختيارية -من جهة أخرى- .. إذ بدون مثل هذا
الترابط ، الذي تدركه أعماق الذات الإنسانية نفسها ، لا معنى لهذه السمة ، بل ولا
وجود لها ، ولأصبح الإسلام كأي مذهب أو دين آخر ، يفرض نفسه على الإنسان من خارج
ذاته .
وحينئذ -ومن خلال هذا الترابط الوثيق- تبرز الحدود المطلوبة لمسؤوليات الإنسان في
إطاعة أحكام هذا الدين ، واتّباعه لمناهجه .
كما تبرز الحدود المطلوبة لمسؤوليات الإنسان تجاه ذاته ، أو تجاه الآخرين الذين
يعيش معهم في حياته الدنيا هذه ، أو تجاه ما تتحقق به خلافته لله (تعالى) في هذه
الأرض من فعاليات ، وعلاقات مع سائر مظاهر التكوين .
وعلى هذا ، فمن الطبيعي أن تكون أحكام الله (تعالى) في هذا الدين وفي مناهجه
وتعاليمه كافة ، معروفة لدى الإنسان في فطرته الأولى ، وفي جبلّته التي أنشأته
عليها حكمة التكوين ، ولا تنكرها هذه الفطرة ، وفي أي موقع من مواقع الحياة وردت .
ويقول السيد الطباطبائي () في كتاب (الميزان) -عند تفسيره للآية الكريمة السابقة
من سورة البقرة، أعني قوله (تعالى): (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)- :
(المعروف : هو الذي يعرفه الناس بالذوق المكتسب ، من نوع الحياة الإجتماعية
المتداولة بينهم ، وقد كرر –سبحانه– المعروف في هذه الآيات ، فذكره في اثني عشر
موضعاً ، اهتماماً بأن يجري هذا العمل (أعني الطلاق ، وما يلحق به) على سنن الفطرة
والسلامة .
(فالمعروف يتضمن هداية العقل وحكم الشرع ، وفضيلة الخلق الحسن ، وسنن الأدب ..
(وحيث بنى الإسلام شريعته على أساس الفطرة والخلقة ، كان المعروف عنده هو الذي
يعرفه الناس إذا سلكوا مسلك الفطرة ، ولم يتعدّوا أطوار الخلقة.
(ومن أحكام الاجتماع ، المبني على أساس الفطرة : أن يتساوى -في الحكم- أفراده
وأجزاؤه ، فيكون عليهم مثل ما لهم ، إلا أن ذلك التساوي إنما هو مع حفظ ما لكلٍ من
الأفراد من الوزن في الاجتماع ، والتأثير ، والكمال في شؤون الحياة .
(فيحفظ للحاكم حكومته ، وللمحكوم محكوميّته ، وللعالم علمه ، وللجاهل جهله ، وللقوي
-في حب العمل- قوته ، وللضعيف ضعفه ، ثم يبسط التساوي بها ، بإعطاء كل ذي حق حقه .
(وعلى هذا جرى الإسلام في الأحكام المجعولة للمرأة ، وعلى المرأة ، فجعل لها مثل ما
عليها ، مع حفظ ما لها من الوزن في الحياة الاجتماعية ، في اجتماعها مع الرجل
للتناكح ، والتناسل ، والإسلام يرى -في ذلك- أن للرجال عليهن درجة ، والدرجة
المنزلة . )(1) .
فواجبات الرجل تجاه زوجته إنما تصدر –بحسب حكم الإسلام– من خلال موقعه الفطري في
هذه العلاقة المقدسة ، كما أن حقوقه من زوجته إنما تعتمد هذا الموقع أيضاً .
والعكس كذلك ثابت ، فواجب الزوجة تجاه زوجها ، وحقوقها عليه ، كلها تصدر من خلال
موقعها أيضاً في البنية الفطرية للحياة الزوجية ..
وضمن هذه الحدود في كل من طرفي هذه العلقة المباركة ، ينتظم كيان الأسرة في المجتمع
المسلم ، وضمن هذه الحدود -كذلك- تتجه نحو غايات استكمالها ، كما أعدته لها حكمة
التكوين والتشريع .
والله (سبحانه) خالق الزوجين ، وفاطر وجودهما ، وجاعل مقوّمات حياتهما ، هو الذي
يطبع الحدود ، ويرسم المناهج ، ويحدد الحقوق والواجبات لهما في كل خطوة ، وينظم
مداخلهما ومخارجهما في كل أفق من آفاق حياتهما .. مما يعني -بالتالي- ان تلك الحقوق
والواجبات هي ضرورتهما الفعلية ، في كل حالة ، وفي كل موقف ، وفي كل مجال ، كما
يعني أن أي خروجٍ ، يصدر من أي منهما عن تلك الحدود ، لا ينتهي -في نتائجه- إلا
بالإرتكاس في مهاوي الشقاء والتعاسة لهما ، بل وقد يطالان غيرهما من أبناء المجتمع
الذي يعيشان فيه .