الباب الأول : الحياة الزوجية في الإسلام
: الفصل الأول :
وَحْدَةُ النَفسِ الإنسانية في الزوجَين

النقطة الأولى : ما يشير إليه التعبير القرآني المقدس ، في النصّ السابق من سورة الروم من وحدة النفس بين الزوجين إذ قال : ((من أنفسكم)).
وقد ورد هذا التعبير في العديد من الآيات الكريمة ، ومن نصوص السنة الشريفة ..
فمثلاً يقول (تعالى) في سورة النحل :
(والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة(1).. ) .
وفي سورة الشورى يقول (تعالى) :
(فاطر السماوات والأرض ، جعـل لكـم من أنفسكم أزواجاً ، ومـن الأنعام أزواجاً ..(2) ).
وفي سياقات أخرى يؤكد القرآن على وحدة النفس الإنسانية في الزوجين ، وأنهما قد خلقا من نفس واحدة لا تعدد فيها .. كما في سورة النساء ، إذ يقول (جل شأنه) :
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها .. وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء ..(1) ).
ومثله ما ورد في سورة الأعراف ، إذ قال (تعالى) :
(هو الذي خلقكم من نفس واحدة ، وجعل منها زوجها ليسكن إليها .. (2)) .
وفي سورة (يس) يقول (عز من قائل) -وهو في مقام بيان العظمة الإلهية في الخلق ، والإمتنان الرباني على العباد- :
(فسبحان الـذي خلق الأزواج كلهـا مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ومما لا يعلمون .(3) ).
إلى غير ذلك مما ورد في هذا المضمون .
  
 

عظمة الإسلام في تصوره للوحدة بين الزوجين


والذي يستوقف الإنتباه في هذه الآيات الكريمة وأشباهها ، أن التصوّر الإسلامي لهذه الوحدة في النفس الإنسانية عامة ، ووحدة النفس ما بين الزوجين خاصة ، إنما ينطلق من خلال ما لهذه الوحدة من أعماق ثابتة ، ومكينة في الفطرة الإنسانية ، التي جبل عليها تكوين الإنسان ، قبل أن يعتمدها -بعد ذلك- كأصل ثابت ، يمتدّ إلى مختلف جوانب الرؤية الإسلامية للإنسان ، وكأساس في بناء جميع الغايات التي يستهدفها الإسلام في الحياة الإنسانية ، تلك الغايات التي تشير السياقات السابقة إلى بعضها ، دون أدنى خلل أو وهن فيها .
ولا ريب أن هذا العمق في النظرة ، وهذا التكامل ما بين الواقع الفعلي القائم للإنسان ، والتصور الإسلامي له ، والغايات التي يستهدفها هذا التصور في حياة الإنسان ، ثم إقامته للمناهج والحدود التي يشرعها لتنظيم هذه الحياة ، إنما هي بعض جوانب الإعجاز القرآني والإسلامي ، وبعض آفاق السمو في التصور والتشريع الإسلاميين، ويجب أن تؤخذ هذه السمة بالحسبان في أي ملاحظة متدبرة ، وفي أي موقف يتخذه اللبيب إزاء هذا الجانب المهم من دين الله العظيم ، حين يريد لنفسه أن يستقيم مع الواقع ، ويستنير بدلائله في الحياة .
فالله الواحد القاهر الحكيم فاطر السماوات والأرض ، هو الذي (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) ..
وحين تكون الوحدة في النفس بين الزوجين قائمة على هذا الأساس العميق ، الذي يمتدّ إلى أصل الخلق ، وإلى جذور الفطرة التي جبل عليها الإنسان ، فمن الطبيعي أن تمتدّ إلى جميع أبعاد التكوين النفسي والعقلي للأفراد ، ومنهما إلى مختلف المشاعر والأحاسيس ، قبل أن تنعكس لدى كل الأطراف تناغماً في السلوك ، ووحدة في الاتجاهات والقيم والأخلاق : ((وجعل بينكم مودة ورحمة)).
ومن الطبيعي كذلك أن لا تكون في نفس أي من الأفراد طمأنينة ، أو سكون ، إلا حيث تكتمل في شريك حياته وتتوحد به : ((لتسكنوا إليها)) .
ومن الطبيعي حينئذ أن تتجلى تلك الوحدة ، وهذه الحاجة إلى الاكتمال لدى كل واحدة من النفوس البشرية -بل وغير النفوس البشرية من أزواج المخلوقات- عظمة خالق الإنسان ، ومنشئ الكون ، كما يتجلى تفرّده وغناه عن أي شيء سواه : ((ومن آياته أن خلق لكم …)) .. ((فسبحان الذي خلق الأزواج …)).
كما تتجلى عظمة التشريع الإسلامي ، الذي بني على أساس هذه الواقعية في الرؤية والتصوّر والمنهجية .
وهكذا..
  
 

أصول الوحدة بين الزوجين

ويقول (سيد قطب) -في استظلاله بالآية السابقة من سورة النساء- :
((اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة))، فهي الوحدة في الرب والخالق ، والوحدة في الإنسانية التي بدأت ((من نفس واحدة))، وهكذا ((من نفس))، والنفس هي قوام الجنس ، وهي أعمق ما في هذا الكيان ، وهي أرق ما في هذه البشرية ، وهي مكمن المشاعر والوجدانات ، والروابط والصلات .
(فإذا كان الناس جميعاً يلتقون في هذه النفس الواحدة ، التي تلتقي في الخالق الواحد ، فهي – إذن – صلة عميقة الجذور ، بعيدة الأصول ، وهي –إذن- صلة لا تنفصم ولا تنقطع ، وهي – إذن- صلة عزيزة كريمة ، تستجاش بها الضمائر ، وتلمس بها الوجدانات .
((خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها)) ، وإن كان المقصود هو وحدة الطبيعة الإنسانية في الزوجين (الذكر والأنثى) -لأن الحديث كان عن النفس- ، فنوع الصلة مشتق من خصائص النفس ، ولكن تصورها هكذا محسوسة ، -كأن الزوج قد اشتق من الزوج- يلقي ظلاً أعمق ، وشعوراً أقوى بعمق الصلة وتوثقها ..(1) ) .
ويقول السيد الطباطبائي -في تفسيره لآية الروم من كتاب (الميزان)- :
قوله تعالى : ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها .. إلخ)) الآية ، قال الراغب : يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المتزاوجة : زوج ، ولكل قرينين فيها وفي غيرها : زوج . قال (تعالى) : (وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) ، وقال : (وزوجك الجنة) ، وزوجة لغة رديئة ، وجمعها زوجات، إلى أن قال : وجمع الزوج : أزواج . انتهى.
(فقوله: ((أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها)) أي خلق لأجلكم ، أو لنفعكم ، من جنسكم قرائن ، وذلك أن كلاً من الرجل والمرأة مجهّز بجهاز التناسل تجهيزاً يتمّ فعله بمقارنة الآخر ، ويتمّ بمجموعهما أمر التوالد والتناسل ، فكل واحد منهما ناقص في نفسه ، مفتقر إلى الآخر ، ويحصل من المجموع واحد تام ، له أن يلد وينسل ، ولهذا النقص والافتقار يتحرك الواحد منهما إلى الآخر ، حتى إذا اتصل به سكن إليه ، لأن كل ناقص مشتاق إلى كماله ، وكل مفتقر مائل إلى ما يزيل فقره ، وهذا هو الشبق المودع في كل من هذين القرينين .
(وقوله : ((وجعل بينكم مودة ورحمة)) ، المودة : كأنها الحب الظاهر أثره في مقام العمل ، فنسبة المودة إلى الحب كنسبة الخضوع الظاهر أثره في مقام العمل إلى الخشوع ، الذي هو نوع تأثر نفساني عن العظمة والكبرياء . والرحمة نوع تأثر نفساني عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال ، وحاجته إلى رفع نقيصته ، يدعو الراحم إلى إنجائه من الحرمان ، ورفع نقصه.
(ومن أجلى موارد المودّة والرحمة : المجتمع المنزلي ، فإن الزوجين يتلازمان بالمودة والمحبة ، وهما معاً -وخاصة الزوجة- يرحمان الصغار من الأولاد ، لما يريان ضعفهم وعجزهم من القيام بواجب العمل لرفع الحوائج الحيوية ، فيقومان بواجب العمل في حفظهم ، وحراستهم ، وتغذيتهم ، وكسوتهم ، وإيوائهم ، وتربيتهم ، ولولا هذه الرحمة لانقطع النسل ، ولم يعش النوع ..(1) ).
  
ويمضي الكتّاب والمفسرون في استلهام العطاء القرآني والإسلامي من هذا التعبير المبارك ، واستجلاء بعض آفاقه ، ودلالاته في العقيدة والشريعة ، وآثاره في الحياة الإنسانية ، كلٌّ حسب اختصاصه ، وكل حسب منطلقه في دراسة تلك النصوص .
وهكذا ركّز بعضهم على ما يعنيه هذا التعبير في الفكرة الإسلامية العامة ، وفي نظرية الإسلام في الإنسان ، والأصول الواقعية التي تعتمدها هذه النظرية في كيانه ..
بينما وقف آخرون عند الجوانب النفسية ، والمشاعر النبيلة التي تتأتى من هذه الوحدة النفسية ، وانعكاساتها على موقف كل من الجنسين تجاه الآخر .. ودوره في تكامل شخصيته ..
أما غيرهم فقد ركّز على سلامة السبل التي تتأتى من هذه الوحدة ، والتي طرحها الإسلام للتقريب ما بين النفوس ، وإحكام العواطف النبيلة ، ولا سيما فيما بين الزوجين ..
في حين أن آخرين حاولوا استشفاف دور هذه الوحدة في تكوين الطبيعة الإجتماعية للإنسان ، وأثرها في تكامل المجتمع الإنساني ، وتنظيم مسيرته الحضارية المتصاعدة ، وضرورة استقامتها في خصوص المناهج الإسلامية ، التي أعدتها حكمة التشريع في هذا المضمار ..
وهكذا .. ولا أطيل في هذه الناحية أكثر من هذا ، فهي بابٌ واسع قد يستوجب دخولنا فيه خروجاً منا عن المصب الأول للحديث .
  
 

الوحدة الإنسانية ومسؤولية المؤمن

أما نحن في هذا الحديث ، فالذي يعنينا من هذه الرؤية الإسلامية هو خصوص ما تمليه هذه الوحدة الإنسانية من عطاء في تحديد مسؤولية المؤمن إزاء شريكه في العلقة الزوجية ..
فهذه المسؤولية هي الأساس الذي يعتمده الإسلام في استكمال هذه الوحدة لشرائطها في حياة المجتمع المؤمن، وفي تجسيد المعاني الرفيعة التي تتأتى منها في كيانه، وبلوغه لأهدافه - باعتبارها بعض أصول نظريته حوله ، وأساس تشريعاته فيه- .
فمعروف أن الإسلام إنما يعتمد -في إقامة أمره في واقع الإنسان ، واتباع البشرية لشريعته- على عنصر الإختيار والإرادة ، وعلى المسؤولية الإختيارية ، إذ (لا إكراه في الدين )(1) بعد أن تبيّن الرشد من الغيّ .
نعم ، ومن خلال تلك الأعماق التي يعتمدها الإسلام لهذه الوحدة في النفس البشرية ، وما يتبلور من ملامحها في الأسرة المسلمة ، ومما وضعته الشريعة لها من أحكام ومناهج تتحدّد هذه المسؤولية الإنسانية أيضاً ، كما تتبلور ملامحها ، وتتضح حدودها المقررة ، ليبلغ المؤمن الحق غايات الإسلام فيها -حين يريد- ، وكما يريده الله (تعالى) له ، وبما وضعه له من المناهج والسبل ، التي تكفل له ذلك البلوغ ، حين يستقيم مع التزامه بدينه ، ويسلم قياده إليه .
فكما أن كل واحد من الزوجين جزء من نفس الآخر ، في الواقع ، وحيث يقرره دين الله (جلّ شأنه) ، به يستقيم وجوده ، ويتحقق استكماله ، وتنتظم خطواته نحو الغايات الإلهية في خلقه وإنشائه ، فلابد أن ينعكس هذا الواقع على شعورهما معاً ، ليلحظ كل منهما شريكه كأفق من آفاق مسؤوليته الشخصية تجاه نفسه ، وتجاه دينه ، وتجاه بارئه ..
مما يعني ضرورة أن تتسع المسؤولية الشخصية لكل من الزوجين تجاه نفسه، لتستوعب زوجه كجزء لا يتجزأ من كيانه الذاتي الموحد ، قبل أن تعتبر هذه المسؤولية تجاه طرف آخر ، خارج عن ذلك الكيان .
بمعنى أن يكون كل من الزوجين جزءً من مسؤولية شريكه تجاه نفسه، قبل أن تكون جزءاً من مسؤوليته تجاه غيره من الناس ، وعلى أساس من هذه الجزئية العميقة تمضي حياتهما المشتركة في وجودها ، وفي أدائهما لدورهما في إقامة المجتمع المؤمن .
  
 

عمق مسؤولية المؤمن

ولابد من الإلتفات هنا إلى أن هذه الفكرة الإسلامية الخاصة في تحديد المسؤولية الإنسانية ، لا تختص بخصوص العلاقة الزوجية فحسب ، وإنما هي واردة أيضاً في مسؤولية المؤمن إزاء مجتمع الإيمان بشكل عام ، بمقتضى ولاية الإيمان ، قال (تعالى) :
(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض .. )(1) .
وبمقتضى أخوة الإيمان أيضاً : (إنما المؤمنون أخوة ..)(2) .
وبمقتضى التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتضامن والتكافل الإجتماعيين ، في مختلف أبعادهما ، وصورهما ، وإقامة الحدود والمناهج الإسلامية .. وهكذا ..
(إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، وإن أسأتم فلها .. )(3) .
فمسؤولية المؤمن تجاه أي من هذه الأمور إنما تنبع -في مبدئها- من مسؤوليته تجاه نفسه ، إذ هي من شرائط إيمانه ، واتباعه لدلائل دين الله (تعالى)، وانقياده لحجته ، إذ لم يؤخذ -في هذه الشرائط والدلائل والحجة- سوى التزام الإنسان بها ، وإطاعته لأمر الله (تعالى) ونهيه فيها .
هذا إضافة إلى جوانب أخرى تقتضي -بدورها-كذلك ، تأكيد هذا العمق لمسؤوليات المؤمن كافّة ، واعتبار أي مسؤولية فردية أو اجتماعية له ، أو حتى نوعية أو كونية -بملاحظة علاقة الإنسان بنوعه أو بما يحيط به من موجودات الكون-، إنما تنبع - في مبدئها- من مسؤوليته تجاه ذاته ، وتجاه دينه ، قبل أي مرحلة أخرى تتبعها.
فهناك مسؤولية المؤمن بأن يكون القدوة الصالحة ، والمثل الرفيع ، لقيام أنوار الهدى الرباني في صعيد الفرد والمجتمع ، وتشخص عظمته في الوجود الإنساني ، وعلى مر التاريخ .
وهناك مسؤولية المؤمن في علاقته بالموجودات الكونية العامة ، إذ أعدته الحكمة الإلهية لأن يجسد كمالها الأسمى ، في خلافته لله (سبحانه) في هذه الأرض ، وتسخيره للموجودات ، والإفادة منها ، لتحقيق هذا الدور العظيم ...
إلى غير ذلك .
  
وحتى لو اقتصرنا في الملاحظة عند حدود الحياة الفعلية للإنسان ، وقطعنا النظر عن الإعتبار الديني والأخلاقي ، أو غير ذلك ، فإن القضية لا تخرج عن هذا الإطار أيضاً .
فإن مسؤولية الفرد تجاه المجتمع ، أو النوع الإنساني ، أو تجاه غيره من مخلوقات الكون ، إنما تتبلور من خلال مسؤوليته تجاه ذاته ، قبل أن تلحظ من خلال المجتمع ، أو ما سواه ، أو من خلال مسؤوليته تجاه تلك الكائنات الأخـرى .
لأن ذلك المجتمع ، أو تلك الكائنات التي تملأ حياة الإنسان وتحيط به ، إنما هي الوسط أو البيئة التي يستجيب فيها المؤمن لأمر الله ونهيه -أولاً- .
وهي -في الوقت نفسه- البيئة التي يعيش فيها ، كفرد وكنوع ، ولا ريب أن كل إيجابية تحدث في ذلك الوسط وكل سلبية ترد عليه ، مما ينعكس بدوره على ذلك المؤمن وعلى حياته .
كما أن هذا الوسط نفسه -من ناحية ثالثة- مجال لفاعلية الإنسان ، فطبيعي أن تكون لمشاركة كل فرد فيه آثارها في صياغة هذا الوسط أو توجّهاته ، وفي النتائج التي ستنعكس على الحياة بشكل عام ، إيجابية كانت هذه النتائج أم سلبية .مما يعني أن مسؤولية كل فرد في هذه المشاركة إنما هي بعد من أبعاد مسؤوليته تجاه النوع الإنساني برمته -بما فيه نفسه-، وتجاه الحياة -بما فيها حياته الشخصية- ، وتجاه الكون -بما فيه تكوينه الذاتي- .
وأيضاً فإن انتظام كل فرد في موقعه المناسب في المجتمع ، وقيامه بدوره القيام الأمثل ، ضمن علاقاته المترابطة ، مما يستوجب تكامل ذلك المجتمع ككلّ ، واستقامة حياته ، ولا ريب أن تكامل المجتمع واستقامة حياته وسعادته إنما هي في حقيقتها تكامل افراده واستقامة حياتهم وسعادتهم . كما أن ذلك الانتظام يستوجب -بالتالي- تكامل الحياة الإنسانية ، في دائرتها الواسعة ، واستقامة الوجود والحياة في هذه الأرض -بشكلها الأوسع- .
وهذه مسألة مما لاحظه الإسلام ، وأكد عليه في العديد من نصوصه ، كما لاحظها الباحثون الإنسانيون في مختلف أصعدة الحياة النفسية والإجتماعية ، وكذلك المصلحون الإجتماعيون على مر التاريخ.
ومن الشواهد السريعة ، التي يمكننا اقتباسها من كلمات العلماء النفسيين ما كتبه (أوسفلد شفارتس) في كتاب (علم النفس الجنسي) ، حيث يقول :
(لأن الإنسانية أكثر من مجرد أكداس من قطع منفصلة ، بل يجد كل فرد من نفسه داخل مجتمعات أهمها العائلة والقبيلة والأمة ، والدولة ، والطائفة الدينية ، إذا ما تغاضينا عن الإنتماء لنادٍ من النوادي ، أو الإنتساب لنقابة من نقابات المهن . ولا يرجع سبب اتحاد هذه الجماعات إلى تأثير عوامل بيولوجية قانونية ، أو عرفية ، فنحن لا ننتسب من الخارج إلى هذه الجماعات الحية ، بل نحن جزء مكون لها . )(1) .
وبعد ، فلا أعتقد ان في هذه الناحية مجالاً لريب أحد من الناس ، ولهذا فلا داعي للإطالة بذكر شواهدها من نصوص الإسلام ، ولا من كلمات العلماء والمصلحين ، ويمكن للمتتبع أن يراها في أكثر مجالات الحياة.
  
 

تعاظم مسؤولية الإنسان

نعم ، لابد من ملاحظة تعاظم المسؤولية الإنسانية ، مع تنامي درجات أهمية الحالة التي يمر بها الإنسان ، أو دوره في الشريحة الإجتماعية التي ينتمي إليها ، ومع أهمية هذه الشريحة في حياته ، وشدة ارتباطها بتكوينه .
إذ لا ريب أنه كلما عظمت تلك الأهمية ، وتسامى ذلك الدور ، ازدادت مسؤولية الإنسان معها .. وهذا مما تقتضيه الموازين العقلائية ، قبل أن يؤكدها الإسلام -بدوره- ويجري عليها في منهجته وتشريعه.
فمسؤوليتي تجاه عائلتي ، وتجاه أولادي الذين لا كافل ولا مرّبي لهم غيري، لا شك أنها أعظم من مسؤوليتي تجاه جيراني ، أو أقاربي الذين يستقلّون عني في المعيشة والتربية .
ومسؤوليتي تجاه هذا الجار أو القريب ، أعظم -ولا ريب- من مسؤوليتي تجاه من لا أعرفهم من الناس ، وإن كانت هناك عوامل مشتركة بيني وبينهم .. وهكذا .
ومن هنا ندرك عظم المسؤولية التي ألقاها الإسلام على كاهل كلا الزوجين ، حين جعل بينهما هذه الوحدة العميقة في النفس ، إذ أن هذه الوحدة تعني من قوة الربط والأهمية ، ما لا ترقى إليه علقة اجتماعية أخرى ، كما أنها تستوجب من عمق الآثار ، وتكامل النتائج في حياتهما ، ما لا يتأتى من أي صلة اجتماعية غيرها ..
فهي -في أقرب تصوّراتها ، وكما علمناه سابقاً- تعني أن هناك كياناً واحداً متكامل الأدوار والمواقع ، متناغم السلوك والأهداف والإتجاهات ، موحّد السبل مع التطلعات والغايات الفردية لكل من الزوجين -من جهة-، ومع الغايات العامة للمجتمع -من جهة أخرى- .
كما تعني أن مسؤولية كل طرف من طرفي هذا الكيان (الذي تعنيه العلقة الزوجية) تجاه الطرف الآخر ، إنما هي بعد من أبعاد مسؤوليته تجاه نفسه ، قبل أن يتجلى كمسؤولية له تجاه فرد آخر مستقل عنه في الوجود .
والإسلام في كل هذا -وكما قلت سابقاً-، إنما يقرر الواقع التكويني للإنسان، ويبين حاجاته وضروراته .
وتأتي الدراسات النفسية والإجتماعية والإنسانية بشكل عام ، لتؤكد هذا التقرير أيضاً ، كما أكدته – قبل هذا – الدراسات الفسيولوجية والحيوية لكلا الجنسين.
ويقول الدكتور (شفارتس) في هذا الشأن :
(وتتحد في الزواج حياتان ، ليكوّنا حياة واحدة ، كما يكوّن الجسدان جسداً واحداً ، فلا مجال للفصل بينهما باسم ((الحياء)) و ((الخجل)) ، كما أن جميع وظائف الجسد ، تتغير طبيعتها بسحر ساحر ، كما تتغير أهميتها ومغزاها ..)(1) .
ويقول -في مجال آخر-:
(بل يعتمد الزواج على تجربة من نوع آخر ..
(والمهم هو الشعور بالإنتساب بالشخص الآخر بواسطة روابط أوثق ، وأكثر من روابط العلاقات الأخرى ، في العلاقات الإنسانية ، والإحساس بالمحبة مع الآخر في اتحاد ((الفريقين)) والموهبة على التحدث ، بصيغة ((نحن)) ، فلقد اتحد نصفا الأسطورة اتحاداً لا انفصام له ، وتحوّل الشريكان حتى في أعمق أعماق شخصية كل منهما ، وهو تحوّل لا مردّ عند الرجل والمرأة ، حتى إذا ما أصبح الرجل زوجاً ، عجز نهائياً عن الرجوع إلى طبيعته السابقة ، ولو انحلّ عقد الزواج بتأثير القانون ، أو لموت زوجته .. هذا الواقع النفسي هو الذي يسمح للكاثوليك بالحديث عن طبيعة الزواج المقدّسة ، وهكذا يصبح الزواج -من الناحية النفسية والروحية- أبدياً ، لا انفكاك منه .. )(2) .
إذن ، فالزوجان وحدة متكاملة في فطرتهما ، وفي حياتهما .. وهما وحدة متكاملة في التصور الإسلامي ، ووحدة متكاملة في تحقيق غايات الحكمة الإلهية في (الأسرة) المؤمنة .. وهي اللبنة الأولى في البنية الإجتماعية المسلمة.
فهذه الوحدة تستوجب -بدورها ، ومن ناحية المسؤولية التي نتحدث عنها - أن يتحمّل كل من الزوجين مسؤولية الزوج الآخر كجزء من مسؤوليته تجاه نفسه ، من أجل تحقيق المعاني والأهداف العليا ، التي يريدها الله (تعالى) لهذه الأسرة التي يريدها ، دون أدنى تجزئة ، أو تجاوز .
وحين تصبح مسؤولية كل من الزوجين المؤمنين تجاه الآخر بعض مسؤوليته تجاه نفسه ، فإن تقصيره في القيام بشيء من أمر شريكه لا يعدو كونه تقصيراً في وفائه بتلك المسؤولية الكبرى ، وتقصيراً في استجابته لأمر الله (تعالى) ، بالنهوض بهذه العلقة المباركة ، والبلوغ بها إلى الغايات العليا التي جبل الإنسان عليها ، وأعدّ حياته من أجل تحقيقها .
هذا في وقت كان يجب عليهما أن يسعيا إلى تلك الغايات -معاً- في كل عمل يقومان به ، وفي كل حالة يكونان عليها ، وفي كل موقف يصدر منهما ، إذ يفترض أنهما قد التزما دين الله -جلت قدرته- سبيلاً لهما في الحياة ، وارتضياه أساساً للاشتراك في علقتهما المقدسة ، وتحمّل أعبائها .
بمعنى أن أي تقصير يصدر ، ومن أي منهما في هذا المجال ، إنما هو تقصير إزاء نفسه ، وهو وهن في وفائه بمسؤوليته تجاه بارئه ، قبل ان يكون تقصيراً تجاه الطرف الآخر ، أو وهناً في وفائه بشيء من أمر علاقته به ، أو وهناً بهذه العلاقة نفسها . فمعلوم ان محافظة كل فرد من طاقم الطائرة أو السفينة على حياة زملائه -وهي تطير في أجواز الفضاء ، أو تمخر عباب البحر- إنما جزء من محافظته على نفسه ، وان مسؤوليته تجاه أي فرد منهم ليست إلا جانباً من مسؤوليته تجاه نفسه ، وأن أي تقصير منه تجاه أي منهم ستعود سلبياته عليه بالذات ، كما تعود على الآخرين الذين معه على متن تلك الطائرة أو السفينة .
ويمكن لكل واحد من الزوجين أن يستشعر هذه الناحية في نفسه ، ويعد نفسه للوفاء بمسؤولياته من خلال هذا العمق بالذات قبل أي عمق آخر ، وبذلك الشعور , وهذا الإعداد سيجد من طيب الثمار والسعادة ما لا يجده من منطلقات أخرى ، ولا سيما مع الاستجابة لأمر الله (تعالى) ، واتباع مناهجه .