الباب الأول : الحياة الزوجية في الإسلام
تمهيد
للحياة الزوجية في دين الله (تعالى) معان خاصة ، وأهداف كبرى ، يختلف فيها عن
غيره من الأديان والمذاهب والتقاليد المعروفة ، وهي تتكامل مع تصوراته وأهدافه
العامة في الإنسان والوجود .
ومن خلال تلك المعاني والأهداف تنبثق أصوله وتعاليمه ومناهجه ، التي شرعها لتنظيم
هذه الحياة ، والأخذ بزمامها ، كما تتبلور حقوقه وواجباته التي رسمها لكل طرف من
أطرافها .
وهذا مما يستدعي ضرورة أن يتعرف حملة الأيمان على تلك المعاني والأهداف ، كما
يستوجب عليهم أن يتّبعوا هذه الأصول والمناهج والأحكام ، وهم يطمحون إلى السعادة
بالتزام هذا الدين العظيم ، ويسعون إلى بلوغ غاياته الكبرى في الحياة بالاستمساك
بهداه.
ولأن الإسلام هو دين الفطرة التي جبل عليها الإنسان ، فمن الضروري أن يعلم المسلم
أن تلك المعاني والأهداف ليست معاني وأهدافاً ذات صبغة فلسفيّة تجريدية ، لا تمت
إلى الواقع بصلة ، وإنما هي – قبل هذا – ركائز أولى للوجود الإنساني ذاته في هذه
الأرض ، وأهداف عامة لحكمة الله (تعالى) في خلقه للإنسان ..
ومن هنا تبرز أهمية تلك المعاني والأهداف ، كما تظهر ضرورة اتباع الإنسان لأحكام
الإسلام فيها ، إذ لا بديل للإنسان عنها ، ولا غناء له بدونها .
ولابد من الالتفات إلى أن أهداف حكمة الله (جلت قدرته) في الخلق الإنساني تطّرد في
البيت المؤمن كما تطّرد في الفرد المؤمن من قبل ، وفي الشرائح الاجتماعية الأخرى من
بعد ، والمسيرة النوعية الإنسانية كلها ، على امتداد تاريخ الإنسان ، بل ومن تحديد
الإسلام للمواقع المتبعة في البيت المؤمن ، وإحكامه للعلاقات القائمة فيه ، تنطلق
هذه الحكمة في بناء كيان المجتمع الإنساني الأوسع ، وتمنهج صلاته ، وتبني روابطه
المختلفة .
فالبيت -وكما هو معلوم لكل أحد- هو أول الأرصدة التي يعتمدها المجتمع في تكوين
بنيته، وهو أول شريحة في إقامة هيكله ، بعد شخصيات أفراده، الذين يتكوّن منهم هذا
الهيكل في أساسه ..
ومن هنا تأتي أهمية البيت في تكوين البنية العامة للمجتمع ..
فالطبيعة العامة للبيت ، والاتجاه الذي يمضي به في حياته ، والسمة التي تهيمن عليه
، وعلى أخلاق أفراده وسلوكهم ، كلها مما ينعكس على مختلف المواقع الأخرى في المجتمع
، وأن بدا بعضها بعيداً كل البعد عن البيت وشؤونه ، إلا أن للبيت تأثيره الفعال
الذي لا يمكن التخلص منه بأي حال من الأحوال .
فمن البيت تبدأ حياة الأفراد ، وفيه تجري تربياتهم الأولى ، ومن خلال مسيرته تتكامل
شخصياتهم ، وبالصيغة التي أقيمت عليها أخلاقه وعلاقاته ، تنتظم قيمهم وأهدافهم
الكبرى ، وتتجلى مثلهم العليا في أصعدة حياتهم العامة ، وجوانبها المختلفة .
فالقوة أو الضعف في العلاقات الاجتماعية ، والانسجام أو التفكك بين الأفراد ،
والاستقامة أو الانحراف في الأخلاق ، والارتفاع أو الهبوط في القيم ، وغير ذلك من
شؤون المجتمع وعلاقاته ، كلها إنما تتراءى ملامحها المبدئية في البيت ، فهو الذي
تبنى فيه شخصيات الأفراد وتتكون ملامحها الأولى .
فهو الأصل الذي يستمدّ منه المجتمع إفرازاته المختلفة ، حيث تنعكس على المجتمع
معطيات البيت ، لتمتد تلك الإفرازات وهذه المعطيات إلى أبعد موقع يتراءى تأثيره
فيه.
فمعروف أن الإنسان ووجوده وحياته كلها وحدة حيوية ، متكاملة الأجزاء والمواقع ،
متبادلة الأدوار والتأثير ، وتستحيل التجزئة فيها ، أو التفكيك فيما بين أجزائها .
ومن هذه النقطة نلتفت إلى أهمية البيت في التكوين الفردي للإنسان كذلك ، حتى قبل
ملاحظة الجانب الاجتماعي فيه ، فتلك السمات والآثار تتجلى في كل فرد فرد ضمن بنيته
الذاتية ، وفي أهدافه وطموحاته الشخصية ، قبل أن تنعكس على البنية الاجتماعية
العامة .
ومن الطبيعي أن لا تكون هذه النقطة المهمة بعيدة عن التصور الإسلامي للإنسان ،
ولهذا كان لها دورها المناسب في اهتماماته ونظرياته ، ومهجته للحياة ، وفي أي موقع
من مواقعها ، وأي أفق من آفاقها ، سواء على صعيد المجتمع ، أم فيما هو أوسع دائرة
منهما .
إذن ، فمنهجة الإسلام لبناء البيت المؤمن –في أسسه وتحديد علاقاته المختلفة، وحقوقه
وواجباته المقررة-، إنما تنبثق من خلال هذا الإطار ، حيث تقتضيه حكمة الله (تعالى)
فيه ، وحيث تستقيم فيه دلائل الحق وأصوله -كما هو شأن الإسلام في بناء أي كيان
إنساني آخر- .
فالتصورات الإسلامية الخاصة عن هذا البيت ، وقيمه وروابطه ، إنما تنسجم –بدورها- مع
تصورات الإسلام وأهدافه العليا في الكيان الإنساني ككل ، كما تستقيم معها الأحكام
والتعاليم والمناهج التي يشرعها الإسلام لبناء هذا البيت ، وتقويم مسيرته في الحياة
، فبذلك الانسجام ، وهذه الاستقامة ، تتكامل البنية الإسلامية ذاتها ، وتتم وحدتها
، في أي صعيد من أصعدتها المختلفة .
وهذه الناحية -كما هو معلوم- من بدهيات الإسلام الأولى ، وأصوله المعروفة ، ولها في
مصادر المعرفة الإسلامية موقعها الكبير ، الذي لا يمكن أن يغفله مثقف ، كما أنها
-في نفسها كذلك- بعض أبعاد الإعجاز الإسلامي في التصور والمنهجة.
ولا ريب أن العلقة الزوجية واحدة من أهم القواعد الأساسية في تكوين البيت ، فمن
الطبيعي أن تتناسب فكرة الإسلام عنها مع أهميتها هذه ، كما تستقيم معها أحكامه
ومناهجه في تنظيمها ، ليستكمل –بهذه العلقة المباركة- فكرته العامة عن الإنسان ،
وتمتد بها منهجته الواحدة للحياة .
إذن ، فمن هذا المنطلق -بالذات- يجب أن تفهم فكرة الإسلام عن هذه العلقة المقدسة ،
وفي هذا الإطار ينبغي أن تلاحظ منهجته لها ، ومن خلاله –كذلك- يجب أن يتعامل مع
أحكامه وتشريعاته فيها ، إذ بدون هذا المنطلق تبقى الرؤية ناقصة ، ويكون الفهم
ساذجاً قاصراً –كما هو واضح- .
امتداد الفكرة الإسلامية في مسؤولية المؤمن
ولابد من التنبيه هنا ، إلى أن ما يعنينا -من فكرة الإسلام عن البيت ، ومنهجته
للحياة الزوجية- في هذا الحديث ، إنما هو خصوص ما يعيننا على فهم الطبيعة العامة
لهذه الفكرة ، وامتدادها في مسؤوليات الزوجين وخاصة الزوجة ، فهذه المسؤوليات ، وما
ينبثق عنها من حدود ، هي مجال حديثنا في هذه الرسالة .
ونحن نقف قليلاً عند ثلاث من آيات الكتاب العزيز أشارت -بدقة ووضوح- إلى ما يبتغيه
الإسلام لهذه العلقة المقدسة من مفهوم ، وما يعتمده لها من أرصدة تكوينية في أعماق
الإنسان ، وما يستهدفه لها من معان في تشريعه وأحكامه وحدوده .
ولهذا ، فلابد أن تكون قراءتنا لهذه الآيات قراءة متأملة متدبّرة ، نستلهم كل ما
يمكننا استلهامه من عطائها ، ونحاول أن نتبّين ما يمكننا تبيّنه من دلالات إشاراتها
، لبلوغ معانٍ أكمل وأدق مما نفهمه من قراءة سريعة عابرة ..
1- قال (تعالى) -في سورة الروم- : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً
لتسكـنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكـرون .(1) ).
2- وقال (تعالى) –في سورة البقرة- : (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن
درجة ..(2)).
3- وقال (عز من قائل) -في سورة النساء- : (الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله
بعضهم على بعض ، وبما أنفقوا من أموالهم ..(3)).
هذه آيات ثلاث من كتاب الله العزيز ، ويمكن القول بأنها قد استوعبت في دلالاتها
المعطاء جميع حدود الموقف الإسلامي تجاه هذه العلقة المباركة ، كما أشارت إلى
الأصول الفطرية في التكوين الإنساني لكل من الزوجين ، وإلى عنايات الله –سبحانه-
بهذه العلقة ، وغايات حكمته فيها ، وفي بنائها ، والسبل الكفيلة التي يمكن للزوجين
–معاً- أن يصلا بها إلى تلك الغايات الرفيعة ، وما تحويه من سعادة وهناء لهما في
حياتهما الدنيا هذه ، وما يطمحان إليه من رضوان الله (سبحانه) ، وجميل ثوابه في
الدار الأخرى ، وهما يسلمان أمرهما إلى الله (سبحانه) ، وإلى دينه القويم ، ويتبعان
أحكامه حق الإتباع .
ولأن البحث في أي من هذه الجوانب واسع –كل السعة-، فلا يمكننا أن نحيط به في هذا
الحديث ، ولهذا فنحن نختار نقاطاً ثلاثاً ، لها أهمية خاصة في مقصودنا هنا ، لما
لها من إشعاع مباشر على مسؤولية المؤمن والمؤمنة في هذه العلاقة المقدسة ، وهذه
النقاط هي :
1- وحدة الحياة الزوجية .
2- تكافؤ المسؤولية .
3- القواعد الزوجية .