المقدمة

الأسرة هي اللبنة الأولى في كيان المجتمع ، وسلامة الأسرة هي الأساس في سلامة المجتمع كله . كما أن انهيارها ، ووهن العلاقات الأساسية فيها ، مما يسم المجتمع بطابع سلبي لا يمكن التخلص منه ..
هذا مما أدركه المصلحون الاجتماعيون في جميع العصور ، حتى أصبح من المسلّمات الواضحة التي لا يناقش فيها أحد .
ولهذا فقد كانت الأسرة موضع عناية علماء الأخلاق والتربويين وعلماء الاجتماع والنفس ، ورجال القانون والسياسيين ، وغيرهم ممن له -ولو- أدنى دور في مسيرة البنية الاجتماعية والإنسانية وتوجيهها .
بل وكانت الأسرة موضع عناية الأديان ، السماوية منها وغير السماوية ، المستقيمة منها والمنحرفة ، فلكل منها رأيه ، ولكل منها كلمته .
ومن هنا كثرت الدراسات حول الأسرة ، وتنوعت توجهاتها ، وتكاثرت الكتب والأحاديث والبحوث التي تناولتها ، كما تواترت وصايا المصلحين في توجيه مسيرتها ، ووضع الأسس من أجل سلامتها ، واستقامة العلاقات الأساسية فيها ، على صعيد الحياة الإجتماعية العامة ، فضلاً عن الحياة الخاصة لكل من الزوجين ، إذ أن كل محبّ لم يألُ جهداً في تنبيه من يحبّه إلى مكامن السعادة والشقاء في هذه الحياة ، وإرشاده إلى مواقع الإيجابيات والسلبيات من المواقف ..
وما أكثر ما حفـلت كتب الأدب والتاريخ والاجتماع بمثل تلك الوصايا والتنبـيهات .
ولهذا فيمكن القول بأن أي كاتب أو متحدث لا يمكنه أن يأتي بأي جديد في هذا الجانب ، ولا سيما أن كثيراً من الدراسات والبحوث والأحاديث قد امتاز بكثير من الواقعية والدقة ، كما تـميّـز بعمق كبير في النظرة والإستنتاج .
إلا أننا -ومع سبر سريع لتلك الدراسات والبحوث المطروحة في الساحة الإنسانية- يمكننا أن نقسمها إلى قسمين اثنين :
القسم الأول : ما لاحظ هذه الشريحة الإجتماعية (الأسرة) من خلال الرؤية الإنسانية خاصة ، حيث انطلق في دراستها كظاهرة فردية أو اجتماعية أو إنسانية نوعية ، لها جذورها النفسية والطبيعية ، ولها علاقاتها المتميزة ، ولها آثارها في غيرها من الشرائح الإنسانية الفردية والاجتماعية ، أو غيرها .
ومثل هذه الدراسات -وإن امتاز أكثرها بالاستناد إلى الظواهر المشاهدة ، والتنظيم العلمي عادةً ، إلا أنها تبقى سطحية الأصول ، لا تنفذ إلى الجذور الأولى التي بنيت عليها الأسرة ، جانبية لا تستوعب جميع آفاقها وشؤونها ، ناقصة المدارك لا يمكنها أن تدّعي الكمال الذي لا غناء للإنسان عنه.
ومثل هذا النقص مما ينسحب على جميع الدراسات الإنسانية لجميع ظواهر الإنسان ، لنقص المدارك العلمية للإنسان نفسه ، ولجانبية نظرته في الحياة ، واقتصارها على خصوص ما يقع أمامه من الظواهر .
ولهذا السبب فمن غير الممكن تدارك هذا النقص ، بأي حال من الأحوال ، إلا حيث يسمو الإنسان في مداركه العلمية إلى درجة المطلق ، وتتكامل جميع الجهود والاستنتاجات في خبرته ودراساته ، وهي مرحلة لم يصلها الإنسان -بعد- ، وليس من المحتمل أن يصلها في يوم من الأيام ، إلا حيث يسمو على حدوده التي جبل عليها ، وهو أمر مستحيل -كما يتضح مع أدنى تدبر- .
وكما يصدق هذا على الدراسات ذات الصبغة العلمية للإنسان ، يصدق كذلك على جميع البحوث الأخلاقية والدينية ، التي كان للإنسان دور ما فيها ، سواء في إنشاءها ، أم في تحويرها ، وإن اتصلت في مبدئها بالسماء .

القسم الثاني : الدراسات التي تستند إلى النظرية الإسلامية وتستظل بظلالها .
ولا ريب أن هذه النظرية هي التي يمكنها أن تقدم الرؤية السليمة والشاملة للإنسان بجميع آفاقه وشرائحه ، بما فيها هذه (الأسرة) -موضوع الحديث- .
كما أنها وحدها التي يمكنها أن تتدارك أي نقص يبرز في أي نظرية علمية، أو منهجية ، أو فكرية تظهر في الساحة الإنسانية .
فالنظرية الإسلامية -في نشأتها ، وكما نعلم- إلهية المبدأ ، لها كل ما لهذا المبدأ من عظمة ، وكمال وسمو ، وما له من علم محيط بدقائق الأمور وحقائق الأشياء ..
وهي –في حقيقتها- فطرية الواقع ، تستوعب جذور التكوين الإنساني والوجودي -بشكل عام-، سواء في الرؤية ، أم في المنهجة ، أم في القيم والأهداف .
فطبيعي –والحال هذه – أن لا تخفى عليها حقيقة ، ولا تندّ عنها غاية ، ولا يغيب عن رؤيتها واقع .
ولهذا فإن النظرية الإسلامية تبدأ في فكرتها مع الأسرة -موضوع الحديث- من أولى جذورها في الواقع الإنساني والتكويني ، ومن رابطة الإنسان الوثقى بمبدأ وجوده وحياتـه : بالله (تعالى) بارئ خلقه ، ومدبّر أمره..
كما تبدأ -في منهجتها ، ووضع تعاليمها ، وتحديد علاقاتها في هذه الشريحة- من خلال استقامة ذلك الواقع الإنساني في وجوده الذاتي ، ومن خلال انتظامه في علاقاته مع مختلف مظاهر الوجود وظواهره .
كما تأخذ هذه النظرية -في أهدافها وغاياتها في الأسرة- جميع الغايات الكبرى التي تستهدفها حكمة الله (جل شأنه) في خلق الإنسان ، لتصل بها إلى حيث أعده الله –سبحانه- لهذا الكائن الفريد ، من فضل وتكريم على كثير من المخلوقات .
ولا ريب أن ذلك العمق في النظرية الإسلامية ، وهذا الإستيعاب في رؤيتها للقضايا ، وهذا التكامل في أصولها ، وما تتجلّى به هذه النظرية من مناهج وأحكام وتعاليم ، وما تتراءى به من استقامة حدية بين تلك الأصول والغايات في الحياة الفعلية للإنسان هو الذي جعل للنظرية الإسلامية ميزتها على غيرها من النظريات ، وجعل لها ضرورتها التي لا يمكن أن تستغني عنها حياة الإنسان بحال من الأحوال ..
كما أنه هو الذي جعل للدراسات الإسلامية الرائدة ، في أي جانب من جوانب الإنسان والكون والحياة ، أهميتها التي لا تضاهى ، ولا تتدارك بغيرها من الدراسات وإن كان لها صبغة علمية تجريبية .
وهنا تبرز مسؤولية حملة الإيمان وحماة الإسلام تجاه أنفسهم ، وتجاه مجتمعهم ، وتجاه الإنسانية -بشكل عام- ، قبل أن تبرز مسؤوليتهم تجاه دينهم ، أو تجاه عطائه الكريم .
إذ -من أجل الوصول إلى السعادة والكمال- لابد أن تصبح معالم النظرية الإسلامية ، وما تتجلى به من مناهج وتعاليم وأحكام شواهد قائمة ، واضحة البرهان ، جلية الحدود ، واضحة المعالم أمام كل بصيرة . فبهذا الوضوح -وحده- يستطيع الإسلام أن يأخذ بيد الإنسان إلى حيث يطمح من رفيع الأهداف.
وضمن هذه المسؤولية يرد حديثي في هذه الرسالة ..
فمع أني لا أدعي بأني جئت فيها بشيء جديد لم تطرحه بحوث سابقة في مجال الأسرة ، إلا أنني -وبحكم تجربتي الشخصية كرجل دين شاءت له الظروف أن يطلع على كثير من الأسر عن كثب- أدركت الحاجة المستمرة لأبناء الإسلام عامة ، -وبناته منهم بالخصوص- إلى مثل هذه البحوث ، وبلغات مختلفة وأساليب متفاوتة ، تتناسب مع مختلف المستويات ، ولا سيما للشباب الذين يدخلون أعتاب هذه الحياة الزوجية.
وهكذا كتبت هذه الرسالة أملاً أن يجد هؤلاء الأبناء والبنات بغيتهم من هدى الإسلام وبصائره في منهجة الحياة الزوجية ، والأخذ بها إلى حيث يطمحون من السعادة والكمال .

وقد رتبت هذه الرسالة ضمن قسمين:
القسم الأول : حيث تناولت فيه بعض الجوانب المهمة من الحياة الزوجية .
وفي الباب الأول من هذا القسم ، وقفنا على الطبيعة العامة للحياة الزوجية في الإسلام .
حيث تعرضنا في الفصل الأول منه إلى ما يراه الإسلام من وحدة النفس الإنسانية في الزوجين ، وما تعنيه هذه الوحدة ، وما تستوجبه في مسؤولية المؤمن تجاه نفسه ، وتجاه مجتمعه ، وبارئـه .
أما الفصل الثاني فقد خصصناه لبيان تكافؤ المسؤولية الإلهية بين الزوجين ، استناداً إلى قوله (تعالى) : (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) .
وما يعنيه هذا المعروف بدأً من علاقة الإسلام بالإنسان ، وحتى آخر ما تقتضيه هذه العلاقة من أحكام .
وفي الفصل الثالث ، تعرضنا إلى قوامة الرجل على المرأة التي يعنيها قوله (تعالى) : (الرجال قوّامون على النساء) ، وما الذي يقصده الإسلام بهذه القوامة ؟ ، مع بيان أن الأساس الذي يستند الإسلام في تشريعه لها ، إنما هو التكوين الذاتي الذي جبل عليه الرجل والمرأة معاً ، لتأتي الدراسات العلمية للإنسان كلها مؤيدة للإسلام في هذه النظرة الواقعية العميقة ، وانتهينا إلى التعرض لذكر المسؤوليات التي تفرضها هذه القوامة على كل من الرجل والمرأة لاستقامة حياتهما كما يطمحان إليه .
أما الباب الثاني ، فقد خصصناه لبيان مسؤولية الزوجة في البيت المسلم ، حيث لاحظنا -في الفصل الأول من فصوله- ، أساس هذه المسؤولية ، ودورها في المحافظة على كيان المجتمع الإسلامي وسلامته من الداخل ، حيث لخصت النصوص الإسلامية هذه المسؤولية بقولها : (جهاد المرأة حسن التبعّل) .
وركزنا في هذا الفصل على نقطتين :
الأولى : ما الذي يعنيه الإسلام بكلمة الجهاد – في مفهومه الواسع – .
والثانية : لماذا اعتبر الإسلام حسن التبعّل جهاداً بالنسبة إلى المرأة ، ثم حدود هذا الجهاد منها .
أما الفصل الثاني ، فقد وقفنا فيه عند ما يعنيه حسن التبعّل في نفسه ، وما الذي يعنيه هذا الحسن في تحقيق الغايات الإلهية الكبرى في المجتمع ، ليصبح -من ثم- مورداً من موارد تقوى الله (جلت قدرته) ، وميزاناً من موازين الكرامة لديه بالنسبة إلى المرأة .
وفي الفصل الثالث تعرضنا إلى بعض أحكام المرأة في البيت المسلم تجاه قوامة الزوج ، وتجاه العلاقة الزوجية الخاصة ، وتربية أبنائها ، وإقامة بيتها كنموذج أسمى تطمح إليه الإنسانية في بيوتها سعادة وهناء وأخلاقاً وتهذيباً ، فضلاً عن استيفاء ترتيبه ونظافته وحسن مظهره .
وفي خاتمة هذا الباب ، أشرنا إلى أن أحكام كل من الزوجين –في علاقتهما المباركة هذه-، إنما هي بعض أحكام الله (تعالى) وحدوده في هذه الحياة ، ولابد لكل إنسان من الإستجابة لها ، والوفاء بمسؤولياتها ، لأنها -في مبدئها- من مقتضيات حكمة الله (تعالى) في خلقه للإنسان ، وتدبيره لأمره ، كما أنها -في مظهرها- من مناهج الله وشريعته من أجل بلوغ غايات تلك الحكمة السامية في البيت المسلم .
وهكذا كانت الاستجابة لتلك الأحكام والحدود من موازين التفاضل عند الله (جل جلاله) ، ومضماراً للاستباق إلى نيل رضوانه (سبحانه).
أما القسم الثاني ، فقد اتخذنا فيه أسلوب الوصايا السريعة في بعض الموضوعات المهمة ، التي لابد للفتاة المؤمنة من الاطلاع عليها ، واستذكارها بشكلها الصريح ، وهي في المرحلة المبتدئة من حياتها الزوجية ، بعيداً عن التشويش والإطالة والتعمق .
واقتصرنا من مطالب الحياة الزوجية على خصوص ما هو ضروري منها ، لأن استيعابها أمر غير ممكن – كما هو معلوم –، ولا سيما أن لكل حياة زوجية مقتضياتها، ولكل حياة مستلزماتها الفرعية ، وهي تربو عن الحصر ، وهذا الوصايا هي :
النجاح والفشل في الحياة الزوجية .
تأثير النجاح والفشل على شريك الحياة .
صفاء الحياة الزوجية من الدخائل .
عدم الانفصال النفسي بين الزوجين .
الوحدة العائلية والمجتمع .
الثقة بين الزوجين .
قدسية مخدع الزوجية .
أثر مخدع الزوجية في نزاهة المجتمع .
دور الحب في الحياة الزوجية .
المادة والحياة الزوجية .
استجابة المرأة لعواطف زوجها .
تبعية إرادة الزوجة لأمر زوجها .
اعتزاز الزوج برجولته .
خدمة كل من الزوجين للآخر .
أمانة الزوجين .
الزوجية سكن للزوجين .
الحياة الزوجية والعلاقات العائلية .
البيئة وبناء شخصيتي الزوجين .
الحياة الاقتصادية للأسرة .
الحياة الزوجية والإعلام .
هذا ، ولأن هذه الرسالة قد وضعت -بالدرجة الأولى- للفتيات المؤمنات في مرحلة معينة من مراحل عمرهن ، مرحلة تمتاز عادة بالتشويش والصراع النفسي ، فقد توخيت فيها - قدر الإمكان- سهولة الأسلوب ، وبساطة العرض ، ووضوح البيان ، بما يتناسب والمستوى الثقافي العام لهذه المرحلة من جهة ، وحراجة الفترة التي تعيشها الفتاة في تلك الفترة –من جهة أخرى- ، وجعلتها بحيث لا تحتاج الفتاة -في فهم المراد منها- إلى كبير معاناة ، وراء التدبّـر ، والقراءة المتانّـية ، والمذاكرة البسيطة مع بعض من تثق به في فهم الحياة الزوجية .
وأملي من الله العلي القدير أن ينفع بها بناتنا وأبنائنا ، وأن يوفق الجميع للسعادة في الدنيا ، ونيل رضاه في الدارين ، إنه أرحم الراحمين .

ضياء الدين زين الدين