الإهـــداء

بسم الله وله الحمد
بنيتي الغالية ... دمت لأبيك ذكرى وسلوى ، وأملاً متصاعداً نحو الكمال.
سلام الله عليك ورحمة منه وبركات ، ودعاء إليه -جلت قدرته- ان يهبك من الصحة والتوفيق والهناء في حياتك الدنيا والآخرة ما يقرّ به عين أبيك ، إنه سميع الدعاء قريب مجيب ..
بنيتي الحبيبة ..
امتلكته حين كنت صغيرة ، حيث كنت له السعادة وابتسامة الحياة ، وملأت قلبه بالبهجة يوم كنت تملئين بصره بابتسامتك العذبة ، وسمعه بضحكاتك المتهجدة وكلماتك المتقطعة ، كما تملئين فمه بسائل لعابك الحلو الممزوج بالبسكويت.
ملأته حينها بعاطفة جياشة ، لم يكن يعلم عنها شيئاً .. حتى أخبره الزمن أنها بواكير أبوّة بدأت تتحقق بها رجولته ..
.. كان يرى الدنيا من خلالك ، ويفهم سعادتها وشقاءها من خلال سعادتك وشقائك ، ويحسّ راحتها وآلامها من خلال راحتك وآلامك ، ويرى أفراحها وأتراحها من خلا ضحكك وبكائك .
كان يراك دنياه التي يعيشها .. أنت وحدك ، لا أحد آخر سواك ..
ومضى الزمن معكما ، ليدرك بمرور الأيام فضلك عليه ، حيث أفهمته أنك أنت التي ربيت هذا الجانب المهم من رجولته ، إذ أنضجت البعد الأبوي من كيانه ، كما صقلت عاطفته الخاصة ، واستقللت بتنميتها فيه ، دون أن تكلفيه شيئاً كثيراً من معاناة الآباء في تربية أبنائهم .
وهكذا واكب أبوك نموك يوماً بعد آخر ، وأنت تصعدين سلّم الحياة ، وتتقدمين في مراحلها ، مرحلة بعد أخرى ، فيهنأ بسعادتك ، ويتألم لآلامك ، ويزهو بنجاحاتك حين تنجحين ، ويحزن لفشلك حين تفشلين ، إذ كنت الجزء المهم من حياته ، وإن رُزق بعدك ببنين وبنات متعددين ..
وأخيراً فاجأته بإعداد نفسك للدخول إلى بيت الزوجية ..
نعم فاجأته ، وإن كان يعلم أن عمرك قد ذرّف على العشرين عاماً ، بل وكان أبوك هو أحد خاطبيك إلى زوجك الحبيب .
أليس هذا عجيباً ؟ ..
لا . لا . إن هذه هي مشكلة الآباء مع أبنائهم ..! إنهم لا يريدون أن يفهموا أن أبناءهم قد كبروا ، وإن رأوهم أمامهم يتسلمون زمام حياتهم ، ويستقلّون في إدارة أعمالهم ، بل ويرونهم وقد بلغوا من العمر مديداً ..
لا يريدون أن تبتعد عنهم تلك الضحكات الطفولية الوضاءة ، والكلمات غير المفهومة ، وحلاوة اللعاب الممزوج بالحليب والبسكويت . و.. و.
تلك البنت هي أنت أيتها الغالية . وهذا الأب هو أنا ، وهذا هو الواقع أو الحالة التي تفرض نفسها على الجميع ..
إنك ستزفين بعد أيام إلى زوجك الحبيب ..
هذه هي الحقيقة التي يجب علي أن أسلّمها مهما كان حكم الذكريات ، ومهما أردت أن أهرب من الحقيقة ، فالواقع هو الحاكم ، وإن احتجت العاطفة ، وشطت التصورات ..

إنك ستزفين بعد أيام إلى زوجك ..
إذن ، فمن الطبيعي أن تنتظري هديتك من أبيك ..
ولكن ، ما عسى أن تكون هذه الهدية ؟ ..
الواقع أنني -ومنذ أيام عديدة- كنت في حيرة من أمري معك ، فأنا -وكما تعلمين من أمري - لا أرغب أن تكون المادة أو شيئاً من الماديات عنواناً لمشاعري تجاه من أحبّ ..
إذن فما الذي ينبغي أن يكون هو هديتي إليك ؟.
وأخيراً رأيت ان تكون هذه الهدية قطعة مني ، أكتبها إليك في وريقات أراها ضرورية لك في حياتك ، وأنت تبدئين خطواتك المباركات إلى بيت زوجك الأثير ، عسى أن أفي لك ببعض حقك ، بل وأفي لأبوتي لك ببعض حقوقها عليّ .
وأقول : قطعة مني ، لأنني وإن كنت قد استظللت فيها بمنابع الهدى الإلهي، ومصادر التشريع الإسلامي ، إلا أنني -في الوقت نفسه- لمست عطاءها وبركتها في تجربتي الشخصية كزوج ، وكرجل دين ، فرضت عليه الظروف الاجتماعية أن يخبر الكثـير من بيوت المجتمع ، ويطّلع على الكثير من منابع السعادة والشقاء فيها ، ويتخذ -من ثم- وجهة نظر خاصة حولها .
فإليك يا بنيتي أهدي هذه البحوث القرآنية والوصايا في طبعتها هذه ، كما أهديتها إليك -من قبل- في رسالة خاصة ، آملاً من الله (عز وجل) أن يسعدك في حياتك الدنيا مع زوجك وعائلتك وبنيك ، وفي حياتك الأخرى ، كما يسعد أخواتك المؤمنات وهن يستهدين أنوار هدى الله -جلت قدرته- ، ويتّبعن واضح بيّناته ،إنه سميع الدعاء قريب مجيب .
واسلمي لأبيك .

ضياء الدين زين الدين