(34) الإجتهاد في الأحكام(1) |
من مآثر دين الاسلام أنه شرّع للانسان حقّ الإجتهاد في الأحكام، وليس لهذا الدين الحنيف ضريب بهذه المأثرة، وهي إحدى ممكّناته من مسايرة الحياة، وإحدى مؤهّلاته للخلود. نعم، وما أكثر المآثر التي تميزّ دين الله وتوجب له التقدمة، وتُثبِت أنه -بحق- دين الحياة ودين الخلود.
والنصوص الإسلامية التي تخّول الانسان هذا الحق كثيرة وفيرة. وهو -بعد- ليس موضع ريبة عند أحد من المسلمين، ولا مظنة للخلاف فيما بينهم، ولا موقعاً للموازنة والترجيح. وإعمال الفكر واستعمال الأقية ليس موضعاً لشيء من ذلك ليقول قائل: إنه إثبات للإجتهاد بالاجتهاد..
.. ولكنه الحق الذي لاجدال فيه من أحد، واليقين الذي لا مِراء فيه من احد، والتسالم الذي لا خلاف فيه من أحد.
ومن شواهد ذلك؛ هذه الوفرة الكبيرة من المجتهدين في كل فرقة من فرق المسلمين، على تنوّع مسالكهم في الاجتهاد، وعلى تقاربهم أوتباعدهم في مبادئه، واجتماعهم أو اختلافهم في نتائجه.
وإنها لكرامة ومنزلة ليس وراءها مطمح، أن يخوّل الله عبادة حق النظر في أحكامه، والتراجيح بين أدّلتها، والغوص في أغوارها، والفقه لأسرارها، ثم هو يزيدهم -من لدنه- كرامة ومنزلة، فيضاعف المتوبة امن أصاب، ويتفضّل بأجر الصواب على من أخطأ.
الاجتهاد ضرورة انسانية عامّة
والاسلام -في اتجاهه هذا- إنما يغذّي ضرورة من ضرورات الإنسان الفرد، وضرورة من ضرورات المجتمع، وضَرُورة الحياة.
يغذّي ضرورة في الانسان الفرد، فإن الحكمة المُبدِعة القديرة، قد زوّدت هذا الكائن بغريزة (العلم) أو عريزة (الاستطلاع) -كما يسميها علماء علم النفس الحديث-، وهذه العريزة هي التي تَهيب بالمرء -من أيام طفولته- أن يستقضي عن أي شيء يجده، وأن ينقّب عن كل قولٍ يسمعه، وأن يبحث عن الظواهر والصفات والخصائص والعلل في الأشياء ما وجد إلى البحث سبيلاً، وهي من أحقّ غرائز الإنسان بالتلبية، وأجدرها بالعناية وأحراها بالتوجيه.
فهي من مقوّمات انّية الإنسان وبانيات حياته وسلوكه، ومؤسّسات حضارته ومدنيّته ونجاح المرء في حياته الأولى، وفوزه في نشأته الأخرى يتوقفان -الى حدٍّ بعيد- على حسن توجيه هذه الغريزة وطيب الإفادة منها.
وقد عني الاسلام بأمرها أشدّ العناية، وربط أًوله وفروعه بها أوثق الربط، وحرّض الإنسان على الإهتمام بها أبلغ التحريض. وأقرأ آيات الكتاب العزيز لتعْلم أي مبلغ بلغه دين الله في هذا المضمار.
ستجد أن القرآن لايخطو خطوة، ولا يُلقي إنذاراً، ولا يبلّغ هداية، ولا يُضح عقيدة، ولايُشرّع حكماً، ولا يبيّن عِظّة، ولا يعالج مشكلة، ولايقيم بُرهاناً، ولا يكشف شبهة، ولايقصّ حديثاً، إلاّ وهو يحرص -أشد الحرص- أن يكون الإنسان معه، بسمعه وبصره، وقلبه وعقله وجميع مداركه، ومنافذ شعوره .. أن يكون الإنسان كذلك معه، يحلّق حيث حلّق، ويسمو حيث سما، وينتقّل حيث تنقلّ .. يُصغي إلى نُذُره ويقف على مراميه، وينفذ إلى غاياته، ويستبطن حججه، ويستوضح إشارته، ويتتبّع مواضع الحكمة في كل ذلك، ويتبيّن مواقع العبرة فيه، وإلافادة منه.
فأي شوطٍ أبعد من هذا الشوط، وأي غاية وراء هذه الغاية؟.
وحديث العقيدة الإلهية، وربطها بالنظر في عجائب الكون، وتقليب البصر في مظاهرها العظيمة وقوانينها الحكيمة .. هذا الحديث الذي تضمنته مئات الآيات من كتاب الله العزيز .. ماذا يعني، وماذا يستهدف؟.
إنهُ يروم -اولاً- ربط هذه العقيدة العظيمة بأدلة محسوسة ملموسة لامرية فيها، ولاخفاء في دلالتها.
ويروم -ثانياً أن يُلفت الانسان، ويشحذ فكرته، ويوجّه طاقته، ويوقفه على كنوز الطبيعة، ويضع بين يديه مفاتيه العلم.
وحين انتهى الدور إلى الشريعة.. إلى قانون الله الذي شرّعه للإنسان ليصل -باتباعه- الى كماله الأعلى ..
أقول: وحين انتهى الدور الى الشريعة، فهل أهملت تلك العريزة من الإنسان: (غريزة العلم)؟.
وهل حتّم عليه أن يخضع، وأن ينقاد -دون تفكير ودون ترجيح- للقوانين التي شُرّعت له كما يخضع الحيوان والنبات للقوانين الطبيعية التي وُضعت له سواء بسواء؟.
إنّ عناية الله بهذا المخلوق قد رفعته عن هذه الحِطّة.
وشريعة الله لايمكن أن يكون له في تشريعها شريكٌ ولا مُعين. ذلك أنّ تحديد الحدود للانسان ووضع المنهج لسلوكه، نوع من مطلق التدبير والتربية، فلا قول فيه لغير الله ربّ العالمين، ولاتكون للانسان في أحكام الله خيرة برفعٍ ولاوضعٍ.
غير أنه وإن لم تكن لهذا المخلوق خيرة في التشريع، فقد جعل الله له حقاً في الفَهم، وحقاً في البحث عن أحكام الله (تعالى) في مصادرها الصحيحة، وحقاً في إقامة الشواهد عليها، وإزالة اللبس عنها وهذه غاية ما يتصوّر للإنسان من حقوق في هذا المجال.
وقد قلت -فيما تقدم - إنّ الله -سبحانه- قد اختصّ عبيده الناظرين في شريعة بمزيدٍ من فضله فضاعت المتوبة لمن أصاب، وتفضّل بأجر الصواب على من أخطأ.
ومن الحق ان أبادر فأقول:
إن هذا الحق الذي منحه فأقول:
إن هذا الحق الذي منحه الله لعباده، وهذه الكرامة التي اختصّ بها من اجتهد منهم، إنما تعني أن يأتوا بالشريعة من أبوابها، وأن يأخذوا أحكام الله من مصادرها..
.. من الأبواب التي فتحها الله للناس لمعرفة أحكامه، ومن المصادر التي أعدّها لبيان حَلاله وحرامه..
.. من كتاب الله الخالد المعصوم الذي تأذّن الله بحفظه وكفل برعايته، ووعد بإتمام نوره، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن السنّة الصحيحة المطهّرة التي روتها التقاة، وجمعتها الحفظة، ومحّصتها النقدة، ووقف على رجالها العلماء الأثبات.
ومن المصادر الشرعية الأخرى التي ترجع إلى هذين، وتستند اليهما، ومن القواعد اليقينيّة التي لايرتاب احدٌ في ثبوتها، ولايمتري عاقل في الركوب إليها.
أما الإجتهاد الذي يميل صاحبه مع الأهواء، أو يتّبع فيه الأوهام، فليس من حقّ الإنسان -ابداً- أن يدخله في دين الله، ويُعلمه في أحكامه.
الاستغاثة بالغائبين والموتى.
والاستغاثة بالغائبين والموتى مسألة كَثُر فيها الجدل بين المسلمين، وبالغ بعضهم في المنع منها، فأفتى بكفر من استغاث بميّت أو غائب، ورأى أن الإستغاثة بهما تناقض عقيدة التوحيد.
والتوحيد أصل الأصول في الإسلام، وهو ضارب الجذور، نافذ الأشعة في سريرة المسلم وعلانيته، وصفاته وأعماله، ولايسوغ للمسلم أبداً أن يخاطر بتوحيده، إو يرتكب ما يناقضه، أو يميل إلى ما يخالفه. وهو إذ يفعل شيئاً من ذلك فإنما يخاطر بإسلامه..
نعم، ولاريب في هذا ولكن ما نتيجته هنا؟.
فهل الإستغاثة عبادة ليكون المستغيث بالميّت أوْ بالغائب مُشرّكاً؟.
لقد أجمع المسلمون كافة على إباحة الإستغاثة بالحيّ الحاضر.. وقد كانت الصحابة يستغيث بعضهم ببعض، فما معنى ذلك؟.
هل معنى ذلك أن المسلمين أباحوا نوعاً من الشِرك، وهم المتشدّدون في التوحيد المدافعون عن حدودخ؟!.
أم أن الاستغاثة نوعان: نوع يوجب الشرك، ونوع لايوجبه؟.. واللغة والعرف العام يدلاّن على أنها معنى واحد لا اختلاف فيه ولا تعدّد.
وإذن فالاستغاثة في نفسها ليست عبادة لتتمحض لله وحده.
وعلى أدنى تقدير فإن الأمر فيها ليس واضحاً تمام الوضوح، وكونها عبادة لايزال موضعاً للخلاف، ومجالاً للاجتهاد، وأقرب المحامل الصحيحة لمن يستغيثون بالغئبين والموتى أنهم مجتهدو، فهم معذورون، بل مأجورون.
وكيف يسوغ تكفير مسلم من أجل عملٍ يمكن أن يكون له وجه صحيح؟.
وهذه العقيدة المكينة الرصينة التي يعتزّ بها المسلم، ويوقن أ،ها قوامُ دينه، ومِلاك نجاته، وسبب فوزه وسعادته، والتي يجاهدونها بنفسه وماله، ويضحيّ في سبيل إعلائها بدمه وما ملكت يمينه..
هذه العقيدة الغالية التي تكاد أن تمتزج بلحم المسلم أو دمه، وتملأ مشاعره وعواطفه، كيف يتصوّر أن ينخلع عنها، أو يأتي بما يناقضها، أو يوقع غبار الريبة عليها وهو مختار شاعر؟.
بلى، قد يأتي شيئاً من ذلك وهو ناسٍ أو مخطئ أو غافل، وذلك لايوجب كفراً، بل ولا يوجب فِسقاً، وعلى ذلك إجماع المسلمين.
وقد يأتي شيئاً من ذلك وهو يوقن أنه لاينافي العقيدة، بل لو علم أو ظن أنه ينافيها، أو يلقي ظلاً من الريب لَتَركه، وتبرّأ الى الله (تعالى) من فعله، فكيف يحكم بالشرك أو بالكفر من أجل ذلك العمل؟.
وكيف إذا كان ذلك العمل موضعياً للخلاف بين المسلمين؟.
وكيف إذا كانت مخالفة ذلك المسلم فيه عن اجتهاد أو تقليد صحيحين؟.
العبادة عمل قصدي.
والعبادة، أليست من الحقائق التي بالقصد، ولاتثبت بدونه؟
إن القارئ قد يتلو السورة من القرآن لتجربة صوته، أو إسماع لحنه، فلا تكون تلاوته عبادة، بل قد توجب ان القارئ قد توجب له عند الله -سبحانه- مقتاً وبُعداً، وقد يتلوها ليتقرّب بها إلى الله فتكون له عبادة توجب القرب وتحطّ الذنوب.
وتالي الدعاء قد يريد به قراءة قطعة فنيّة توجب المِتعة، وتنشّط الذوق، فلا يكون عبادة، وقد يقصد به ضراعة العبد المحتاج لربّه الغنيّ القادر فيكون عبادة وزلفى..
والطائف حول البيت، المستلم لأركانه قد يقصد -بعمله هذا- حركة رياضية خالصة يمرّن بها أعصابه، وينشّط عضلاته، فلا يكون عابداً. وقد يقصد أداء الفريضة أو السنّة التي أمره الله بها، فيكون عابداً وممتثلاً.
وهكذا في كلّ عمل يحبّه الله ويأمر به.
وواضح أن المسلم حين يستغيث بالأولياء المقبورين، وحين يضرع لهم، لايقصد بصنعه ذلك العبادة للوليّ المقبور.
بلى، هنا من الأعمال ما يعدّ -بذاته- عبادة وإن يقصد به التعبّد، والعلماء يسمّون هذا الصنف من الأعمال العبادة الذاتية، ويمثلون له بالسجود والركوع، فانّ العرف العام يراهما من العبادة وإن لم يقصدها فاعلهما.
وواضح أيضاً ان الاستغاثة والصراعة ليستا من هذا القبيل، ولو كانتا من العبادة الذاتية لوجب المنع عنها حتى للأحياء، وهما جائزتان للحيّ الحاضر بالإجماع.
ظلال عقيدة التوحيد.
التوحيد أصل الأصول في الاسلام، وهو -كما قلت- ضارب الجذور نافذ الإشعاع في سريرة المسلم وعلانيته وصفاته واعماله. وواجب المسلم أن يسير مع هذه العقيدة الكبرى، يُحِقّ ما أحقت، ويُبطل ما أبطلت .. وقد قلت في الحديث عن التوحيد من كتاب (الاسلام):
(إن الاسلام بشرائعه ومعارفه، وهداياته وآدابه ومفصّلات نظمه، ومبسّطات مناهجه، يتجمّع وينطوي وتتداخل حدوده، وتندمج تعاليمه، حتى تكون وحدة لاتعدد فيها من وجه، هي عقيدة التوحيد التي يدين بها المسلم لبارئه ويخضع من أجلها لقوله.
(فالاسلام هو التوحيد مجلوّ القسمات، مبين الظلال والسمات.
(والتوحيد هو الاسلام مجمل التفاصيل، مطويّ الحدود متجمّع الطاقة.
(وهذه هي الحقيقة الرائعة التي قرّرها داعية الاسلام الأول (ص) لما قال كلمته الأولى: (قولوا لا إله الاّ الله تفلحوا).
(.. لمّا ضمن للناس الفلاح إذا هم قالوا هذه الكلمة، وآمنوا بهذه العقيدة(1)).
نعم، وهذه حقيقة لايرتاب فيها من عرف الاسلام، وسبر أغواره واستبان أثر التوحيد في بناء تشريعه.
ولكن، ما منى ذلك؟.
هل يكون معنى ذلك أن تنقلب فروع هذا الدين وآدابه أصولاً وعقائد، يحكم على من خالف في بعضها بالشرك أو بالكفر؟!..
هذه نتيجة تخالفها الضرورة من دين الاسلام، ولا يمكن أن تنسب إلى واحدٍ من الأعلام.
ان عقيدة التوحيد تمدّ المسلم في كلّ موقف، وفي كل مصدر ومورد بما تقتضيه الإنسانية الكاملة والحياة الرفيعة الطيّبة التي ابتغاها ربّ العالمين.
ومعنى هذا أنها توجّهه للأمر المندوب كما توجّهه للأمر الواجب. وإنّها قد تنزهّه عن الفعل المكروه كما تنهاه عن المحرم، ولذلك كانت الشريعة في الإسلام انعكاساً كاملاً لعقيدة التوحيد فيه.
فهذه لعقيدة -مثلاً- تدعوا المسلم أن تكون صلته بالله وحده، فهو بارئ خلقه ومالك رزقه.
بل معناه أن ينشئ كل صلة له في الكون تحت ظلال صلته الكبرى بخالق الكون، فلا يقطع ما أمر الله به أن يوصل، ولايصل ما أمر الله به أن يقطع.
وهي كذلك تأمره أن يخصّ أمله بالله، فهو وحده مقدّر الأمور ومالك أزمّتها، ومسبّب أسبابها.
وليس معنى ذلك أيضاً أن يعيش مقطوع الأمل، مبتوت الرّجاء من كلّ جهة.
بل معناه أن ينيط كلّ هذه الأمال الكثيرة بأمله الواحد الأعظم.
وهكذا في كل صوب، وفي كلّ اتجاه، فلا يضرع المسلم الاّ لله، ولايخاف غيره، ولايحبّ سواه، ولايتّجه بمشاعره الى أحد من المخلوقين، الاّ حيث تكون ظلاً تباعاً للمشاعر الكبرى التي تعقده بخالقه.
هذه هي الخطة العليا التي ترسمها عقيدة التوحيد للمسلم الحق.
ولكن واقع الناس؟..
ولكن الضعف الطبيعي الذي يقعد بأكثر الناس عن بلوغ تلك المرتبة؟.
ولكن الروابط المادّية التي تثقل الإنسان وتمنعه عن التحليق؟.
لابد وأن يحسب دين الله العظيم لهذه الأمور حسابها، وينظرها نظرتها.
لابد وأن يقدّر الواقع حق قدره، فيكلّف الناس ما يستطيعون، ويترك هذه المراتب العظيمة لمن يستطيع إليها سبيلاً.