حضرة الشاب الكامل المهذب ن.ف. دام في سلامة وكرامة.
تحية إسلامية كريمة ، ودعاء أبوياً خالصاً، أن يثبّت الله قدمك، ويحقّق لك أمنيتك، ويجعلك في البارّين من أبناء الإسلام، السعيدين باتّباع مناهجه.
أيها العزيز:
ودعني أعتذر إليك أولاً عن التأخير في جواب رسالتك، وكان من الحق أن لا يتأخّر جوابها على رغم المشاغل التي أحاطت بأبيك، وطبّقت وقته وزادت عليه.
نعم، كان من الحق أن لا يتأخر جواب رسالتك، نظراً للظروف التي أحاطت بمرسلها، والارتباك البادي عليه، والآلام التي المّت به، وهو يبتغي السّرعة في الجواب، والسرعة في العلاج.
دعني اعتذر إليك أولاً، فقد كان انحراف صحتي في شهر الصيام هو السبب الأول، ولعلك سمعت بهذا، وشملتني دعوتك في الغيب، كما شملتني دعوات احبائي الآخرين. وكانت غفلتي بعد ذلك عن الموضوع هي السبب الثاني، حتى نبهني حامل رسالتك عليها في بعض الأيام، ومن الله أسأل لي ولك العصمة والسداد في الخطى، والأمن من عوارض الغفلة.
* * *
أحلام اليقظة ورأي الإسلام فيها.
تحدثت في رسالتك عن أحلام اليقظة التي يبتلي بها، بل وينهمك فيها الكثير من شباب الجيل، يوبئ بها تفكيره، ويربك مشاعره وعواطفه، ويخدر قواه ونشاطه، ويبدد طاقته ووقته بغير حساب وبغير جدوى، ويعلن إفلاسه وسقوطه في النهاية في أكثر مبادين الحياة.. يصنع ذلك بنفسه راضياً راغباً عن طواعية واختيار.
تحدثت في رسالتك عن أحلام اليقظة هذه، وعن نوع خاص من هذه الأحلام.. عن الحلم الجنسي الذي لا ينتج إلا الخمول، والإرهاق، والضعف النفسي عن تحمل تبعات الحياة.. إذا سلم –كما قلت في رسالتك- من مشوهات أخرى تصحبه –في الأكثر- من عادة سرية وما أشبهها.
وسألت عن رأي الإسلام فيها..
* * *
عزيزي..
وماذا تؤمّل من الإسلام –دين الجد والنشاط والقوة- ان يقول في هذه التصرّفات التي تميت الجدّ في نفس الفرد، وتخدّر النشاط، وتبدّد القوة، وتطبعه على الإلتذاذ بالخيال، والخلود إلى المنوّمات.. والمخدرات؟. ولاسيما إذا كان الفرد في مقتبل العمر، وفي وقت الإعداد لمستقبل مجهدٍ معنتٍ؟..
وماذا تؤمل من الإسلام أن يقول في هذه الأوبئة التي تسبق –أول ما تسبق- إلى الفكر فتحرفه عن المناهج السوية للتفكير، وتلفحه بالسَّموم حتى يعود هزيلاً مغلوباً على أمره، لا يستطيع الحراك، ولا يملك الأمر والنهي؟..
وماذا تؤمّل من الإسلام أن يقول في هذه الألاعيب التي تحيل الشاب إلى لعبة جامدة تحرّكها كيف ما أرادت، وتوجّهها حيثما شاءت، خاوية من أي معنى، مفلسة من كل مغزى؟.
وكيف يواجه الحياة؟، وماذا يستطيع أن يعمل إذا ضعف تفكيره، وتبدّدت طاقته، وسفلت مناهجه، وتعوّد على الغايات القريبة والحياة الحالمة، وتعوّد على التبذير في الطاقة، والتبذير في الزمن؟..
وإذا انطلقت نفسه، وانطلقت مشاعره مع الأوهام والأحلام، ومردت أعصابه وأجهزته على التهيج للحلم، والتلذّذ بالخيال.. أتراه يستطيع حبسها إذا صار أمام الأمر الواقع في يوم من الأيام، في حقيقة ماثلة للفعل الفاحش ، أو غلبة الحركة الجنسية عند انهماكه في الخيال - على أدنى التقادير-؟!.
إن إرادته وتفكيره -فضلاً عن إيمانه وعفافه- أضعف قوة، وأقل تماسكاً من أن تقف أمام هذا التيار..
..أمام هذه الدفقة التي حفزها الخيال وأغراها الوهم وعملت فيها الأجهزة والأعصاب، ومرنتها العادة وأضرمتها العزوبة، والهبتها مثيرات القرن العشرين.
إن إرادته وتفكيره وإيمانه وعفافه أضعف قدرة من أن تقف أمام هذه الدفقة التي أثارها هو بذاته..
نعم ، هو بذاته..
وما المغربات والمثيرات؟، وما قيمتها؟، وما عملها لو أنه وقف أمامها وقفة الصامد القويّ الذي لا يهن، ولا يلين؟.
.. لو أنه وقف مع عقيدته، وإيمانه وتفكيره السليم، فلم يستخفّه حلم، ولم يجنح لخيال..
* * *
والحاجة الجنسية ليست كجوعه المعدة وعطشها..
..إن الجوع ضربة لازم على الإنسان حين تخلو معدته من الطعام، وهو يعمل عمله وإن لم يفكر فيه الإنسان ، بل وإن كان نائماً.
وكذلك العطش.
أما حاجة الجنس فإن الإنسان لا يحسّ بها ما لم تسبق بشعور وتفكير، وهذا هو صمّام الأمن الذي جعله الله لهذه الغريزة، ولذلك فإن الإنسان يستطيع أن يتحكّم فيها إذا هو أحسن التوجّه بشعوره وتفكيره.
إنها لا تأخذ الإنسان بغتة ودون سابق إنذار، بل الإنسان هو الذي يثيرها، وهو الذي يغريها، وما المثيرات والمغريات الأخرى لو لم يتوجه إليها بتفكيره، ولم يستجب لها بشعوره وإرادته.
* * *
العلاج الإسلامي لأحلام اليقظة.
إن رأي الإسلام في هذه الأحلام صريح لا خفاء فيه، ولاسيما إذا كانت المرأة التي يتخذها فتاة لأحلامه، وموضوعاً لعبثه معينة معلومة.
إنها حرام في حرام، وآثام في آثام.
والعلاج من هذا الداء الفاتك هو الإقلاع عنه إقلاعاً تاماً، دون تلكؤ ولا مماهلة.. إقلاعاً تاماً يميت البذور، ويستأصل الجذور.
وليستيقن الشاب أن الإقلاع عن هذه العادة ليس له أي تأثير على نفسه، ولا على جسمه وإن كان مدمناً، وإن كان منهمكاً، بل وإن كان مفرطاً في الإدمان.
ليتسلّح بقوّة الإرادة، فقوة الإرادة هي السلاح الذي يجتثّ كل عادة رديئة، مهما تأصّلت جذورها، ومهما رسخت ركائزها.
وليكن شديد الثقة بنفسه فانّ الثقة بالنفس هي العدّة الأولى لبلوغ أي غاية، وإدراك أي طلبة.
وليوحِ إلى نفسه أنه قادر على التغلّب على هذه المصاعب، وليكرّر هذا الإيحاء ما استطاع، وليحدّث نفسه بذلك بصوت مسموع.
وليدّرع خشية الله المطّلع على سرّه، العليم بخلجات قلبه، ووساوس نفسه، الرقيب على ما يعمل، الحسيب على ما يفعل:
(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. إذ يتلقّى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.(1)).
وليثق وثوقاً كاملاً –قبل ذلك وبعده- أن الله مُعينه حين يعتزم رضاه والتزام تقواه..
ليثق أن الله معه في كل خطوة يخطوها، وفي كل حركة يتحركها، ما دام دائباً في العمل له، وأنه ممدّه بالتوفيق كلما سار شوطاً وقطع فجاً:
(والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم.(2)).
وليحذر –أبلغ الحذر- أن تغلبه العادة أثناء العلاج فتضاعف أتعابه، وتحوجه إلى جهد مستأنف، وقد تؤثـّر على قوة إرادته أو على ثقته بنفسه، وليس معنى ذلك أنّ العمل يصبح مستحيلاً، ويعود الشاب آيساً..
كلا.. كلا، فالعلاج لا يزال ميسوراً، ولكنه يحتاج إلى تجديد بقوة الإرادة، وتعزيز للثقة بالنفس، واشغال ذهن وفكر ونفس بما يجدي من دراسة علم، أو قراءة أدب، أو مطاليب حياة، أو إنتاج في أيّ حقل من الحقول.
هذا هو العلاج الوحيد، والطب الواقي.. ليكن رجلاً بمعنى الرجولة، وليكن مؤمناً بمعنى الإيمان.
ان الرجل ليرسم لنفسه الخط الصحيح ثم لا يتراجع عنه، وإن المؤمن ليتعرّف المنهج الذي تخطّه له عقيدته ثم لا يفارقه، وليعلم –قبل ذلك وبعده- أنه خُلِق لمعنى أسمى من هذه التوافه، ومنـزلة أرفع من هذه المنحدرات.
* * *
أيها العزيز:
هذا هو رأي الإسلام في أحلام اليقظة ، وهذا هو سبيل العلاج منها.
نعم ، إذا كان الحلم يتحرّك في دائرة محللة لا يخرج منها، فيتصور الإنسان نفسه - مثلاً - مع زوجته يداعبها ويغازلها، ويمعن في حلمه اليقظ معها دون ارتكاب محرّم، ودون إسراف في الخيال، حتى يؤثر على نفسه، وعلى تفكيره، وعلى نشاطه في حياته.. إذا كان الحلم كذلك فلا مانع منه.
وختاماً أزفّ إليك أوفر التحيات، وأتمنى لك أطيب الأماني.
2 ذي القعدة 1391 محمد أمين زين الدين
(1) ق:16-18.
(2) محمد: 17.