فضيلة الحبر الجليل العالم …… المحترم(1)
تحية الحق وتكريم الإيمان ..
أكتب كتابي هذا إلى فضيلتكم، وإنني لأاعلم أي شيء أقدمه إليكم عذراً عّما صدر مني عن هذا التأخير الطويل الذي تأخرته في جواب رسالتكم، التي تناولتها بكفّ التقدير والاحترام كما يليق بمقامكم الأبوي الكريم، والتي شملتموني فيها بعطفكم ولطفكم ، وبرّكم وتشجعيكم، وثنائكم عليّ بما لا أستحق لبعضه ، فلكم الفضل الجزيل – أيها الوالد -…
أي شيء أقدمه لكم ليكون عذراً عما صدر مني ؟، ومن يطّلع على هذا التأخير مني كل هذه المدة قد يعّدني مهملاً متسامحاً في الحقوق وما يحب ، ولكن الله الرب الإله يعلم، ويحيط خبرة بأنني لست مهملاً ومتسامحاً في هذا..
بل إنما عذري أشغالي الكثيرة ، والتي أهمّها مراجعاتي ودراستي المتّصلة، وجواب كتابكم يحتّم عليّ رجوعاً الى شيء قد سئمته ومللته، وهو درس كتب العهدين : القديم والجديد ، فإنكم قد طلبتم أن اعرفكم بما لم يرق لي من هذه الكتب ..
.. وليس شيء أصعب على نفسي وضميري من مراجعة هذه الكتب بعد مايئست من خيرها.. أذكر لكم –ياسيدي– هذا بكل صراحة..
وإن سيدي الجليل محمد أمين زين الدين قد قدّمكم إليّ مع كتابكم بكلمةٍ عرّفتني بسمّو مقامكم ومنزلكم، وإنني -بدوري- أعترف بأنها يدٌ مشكورة لهذا السيد – علَّي ، حيث أنه قد دلّني وأرشدني بتعريفه إياكم إلى مورد عذب يمكنني – بعد هذا – أن انهل منه ، وأن ألجأ الى إرشاده وتوجيهه إذا احتجت الى ذلك في المستقبل الآتي، أثناء دراستي التي أرجو من الربّ الهي أن توصلني الى نتيجة مرضية له ولي .
* * *
ثم اسمحو لي هنا أن أقول لفضيلتكم – قبل أي شيء وأي بحث -: إنني لم أنتقد بشيء على إنجيل عيسى: الكتاب السماوي – كما ذكرتكم لي في كتابكم -، بل نقودي إنما هي موجّهة إلى مجموعة الكتب المعروفة الآن بين المسيحين باسم ( الكتاب المقدس ) .. إلى هذه المجموعة أتوجه بنقودي فقط، فإذا كان لعيسى إنجيل غير هذه الكتب منزل من لدن الله الربّ فان نقودي لم اكن أوجهها اليه، لأنه ليس بيدي ولم أطلع عليه.
وإن نقودي التي وجدتها ووجهتها لاتنفي -أبداً- وجود توراة وإنجيل ومزامير تكون منزلة من الله الرّب على أنبياء صادقين .
وإن القرآن – كتاب المسلمين – ليشهد ويعترف بنزول كتب هذه أسماؤها، وعلى أفواه أنبياء صادقين مرسلين من الله .
* * *
سيدي
لقد طلبتم مني في كتبك أن أذكر لكم الأشياء التي لم أقدر على الايمان والاعتراف بها من مضامين (الكتاب المقدس) ومحتوياته .. بل ولم يمكنّي أيضا فهمها فهماً يتوخّاه ويطلبه الباحث الذي لاينوي العبث، بل انما يطلب الحقيقة جهد طاقته..
فهل أنكم تطلبون مني أن أذكر لفضيلتكم جميع هذه الاشياء ؟.
إذن فأنتم تريدون مني أن أقدم لكم (الكتاب المقدس) كله، بمحتوياته وبأسفاره وإصحاحاته.. من سفر التكوين إلى رؤيا يوحنّا اللاهوتي.
ياسيد، وأنا لا أزعم وادّعي أن هذا الكتاب -بحجمه الكبير الضخم- ليس يحتوي على أي شيء وجيه مقبول ففيه أشياء مقبولة معقولة ، ومن بعض هذه الأشياء الوجيهة المقبولة ما يشتمل عليه سفر الأمثال وسفر الجامعة من النصائح الثمينة والحِكَم ..
لا -يا سيد- إنني لست أزعم هذا ، وإنني لو زعمت هذا لكذّبني كل باحث منصف.
الا أنني قد استنكرت منه (الكتاب المقدس) من اكثر محتوياته ووصاياه المتعلقة بالعقيدة والشريعة..المحتويات التي يفرضون علي أنا، وعلى من سواي ، أن نؤمن بها على أي حال ، وإن لم نفهم معناها، ونحن إذا لم نؤمن ، فسنكون محرومين من النعمة التي هيأها الله الربّ للبشر المؤمنين بصلب سيدنا يسوع المسيح -له المجد أبد الآبدين- .. إنهم يجيبونني بهذا إذا سألت عن شيء لا أفهمه.
أهل توجد لديكم نسخة من (الكتاب المقدس) حتى أشير لكم إلى بعض الأمور التي لم أقدر على الأيمان بها ؟.
لقد قرأت –منذ مدة- خطبة لأحد المطارنة ، وقد ألقيت في محفل رسمي في لبنان، بحضور رئيس الجمهورية الخوري ، والمطران الذي ألقاها هو المطران مبارك ، ولقد صرح فيها بأن (الكتاب المقدس) من أوله الى آخره .. من ألفه الى يائه .. من سفر التكوين إلى رؤيا يوحنا اللاهوتي .. كله كتاب سماوي، ووحي ربّانـّي ..
هذا قوله، وانا نقلت لكم هذه العبارة لتكونوا على بصيرة، وعلم بعقيدة المسيحين في تقديس هذا الكتاب ، وانه -بجميع ما فيه – من وحي السماء.
بعد هذا استمع لي -يا سيد-، وضع قولي الذي أقوله في ميزان العقل – كما قلتم في كتابكم- …
* * *
أول سفر يصادفننا من التوراة ( هذه التوراة الموجودة الآن ) هو سفر التكوين ، يعني تكوين الله للخليقة.. السماوات والأرض وما تحتويان عليه من الأشياء والمكوّنات ..
فلنقرأ منه (سفر التكوين) آيات تتعلق بقصة آدم لما أكل من الشجرة التي نهاه الله الرب عن الأكل منها.. وهذه هي الآيات التي نروم قراءتها، وهي من الإصحاح الثاني :
(وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها ، وأوصى الرب الاله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً ، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت ..).
ثم نقرأ هذه الآيات من الإصحاح الثالث :
(وكانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب ، فقالت للمرأة : أحقاً قال الله: لا تأكلا من كل شجر الجنة؟ فقالت المرأة للحية: من ثمر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمسّاه لئلاتموتا، فقلت الحية للمرأة: لن تموتا ، بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح اعينكما وتكونان –كالله- عارفين الخير والشر. فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون، وان الشجرة شهية للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل ، فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر.
(وسمعا صوت الرب الاله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فأختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله آدم ، وقال له : أين أنت؟ فقال سمعت صوتك في الجنه فخشيت لأني عريان فأختبأت . فقال : من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ فقال آدم : المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت . فقال الرب الاله للمرأة ما هذا الذي فعلت ؟ . فقالت المرأة : الحية غرتني فأكلت …).
وقال – بعد ما تقدم بآيات - :
(وقال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر ، والآن لعله يـمدّ يده وبأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل ويحيا إلى الأبد ، فأخرجه الله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها . فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة) .
* * *
اقرأ – ياسيد- هذه العبارات وتفكّر ..أيقبل العقل الحّر هذه الأقاصيص والتعاليم؟.
الرب الإله القادر كاذب .. يكذب على آدم مخلوقه ليمنعه من الأكل من ثمر الشجرة، ويعترف هو في كتابه ( التوراة) بأن الحية – مخلوقته – أصدق منه ..
ولماذا يكذب الرب على آدم؟، وأي حاجة الى ذلك ؟ ، والمفروض أن آدم – في الوقت الذي أوصاه الرب هذه الوصية – ليس عارفاً الخير والشر، فما يعنيه هذا التحذير ، وأنه كالبهيمة؟.
ثم كيف ادركت حوّاء أن الأكل من الشجرة حسن حين علّمتها الحية، وزيّنت لها الأكل منها، وذكرت لها فوائد ذلك إذا كانت لا تعرف الخير والشر ؟.
والرب الإله يختبىء عنه وعن عينيه آدم وإمرأته في شجرة الجنة فلا يراهما.. وينادي الربّ آدم : أين أنت؟. وحين علم منه أنه انما إختبأ عنه – من جهة أنه عريان – استفهم منه، وقال له: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة ؟.
والرب الاله القادر يخاف أن يأكل مخلوقه آدم من شجرة الحياة أيضاً. كما أكل من الشجرة الأولى التي نهاه عنها ويحيا إلى الأبد ، فيرى نفسه مضطراً إلى طرد آدم من الجنة وحراسة طريق الجنة بالكروبيم وبلهيب سيف متقلّب .
ما هذا ؟، ماهذا ؟
ايعدّ ما تقول التوراة : الرب الإله كاذب جاهل حسود. ضعيف؟.
إن عقلي ليدلّني – ويحكم بثبات وطمأنينة لاشك معها- أن الرب الإله عالم من جهة أنه ذاته هو أوجد العلم. وأنه قادر من جراء أنه خلق القدرة ، وأنه أيضاً عاقل عارف من حيث انه خلق العقل والمعرفة، وليس معقولاً ولا مقبولاً لديّ أن شجرة في الجنة أو في أي مكان آخر أي مكان آخر يولّد اكلها شيئاً والرب الخالق يكره أن يكون .
ثم قرأت في الاصحاح 23 من كتاب ارميا :
(اذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما أراه أنا ؟، يقول الرب ).
وقرأت أيضاً في الاصحاح الأول من إنجيل يوحنا :
(الله لم يره أحد قطّ .. ).
وفي الاصحاح السادس من رسالة بولس الأولى الى ثيموتاوس :
(.. الذي لايدنى منه. الذي لم يره أحد من الناس ولايقدر أن يراه .. الذي له الكرامة والقدرة الابدية).
قرأت هذه الآيات وغيرها، فعلمت – ياسيد – أن آيات كتب العهدين متناقضة متباينة، واعتقدت بأن مصدر جميع هذه الكلمات لايمكن ، ولايجوز أن يكون، هو الوحي المنـزّه الذي يهبط على الأنبياء من الله العزيز الحكيم .
لم يرقني -مع الاسف- هذا – ياسيد- من كتبنا المقدسة، وقرأت فيما بعد ذلك وفي أثناء دراستي قول كتاب المسلمين ( القرآن) :
( الله لا إله الا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنةٌ ولا نَوم ، له ما في السموات وما في الأرض ، من ذا الذي يشفع عنده الا بإذنه يعلم مابين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه الاّ بما شاء، وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم .).
وليسامحني السيد الجليل عن رقم الآية فلقد كتبتها عن حفظي .
قرأت هذا الكلام فأكبرته من باطن عقلي وداخل ضميري .. أفما أنا محق في حكمي -يا سيدي- ؟
* * *
لننتقل الى كلام وتعليم آخر من سفر التكوين ذاته، في الإصحاح 18، وهذا الكلام يتعلق بحكاية إبراهيم .. يقول :
( وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفع عينيه ونظر، واذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد الى الأرض، وقال : ياسيد، إن كنت وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك . ليؤخذ ماء قليل واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة فأخذ كسرة خبزه، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون لأنكم قد مررتم على عبدكم. فقالوا: هكذا نفعل كما تكلمت، فأسرع إبراهيم الى الخيمة .. إلى سارة وقال: اسرعي بثلاث كيلات دقيقاً سميذاً اعجني واصنعي خبز مَلّة ، ثم ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلاً رخصاً وجيداً وأعطاه للغلام فأسرع ليعمله، ثم أخذ زبداً ولبناً والعجل الذي عمله ووضعها قدّامهم، واذ كان هو واقفاً لديهم تحت الشجرة أكلوا..) .
أقول بصراحة – يا سيد- : إنني لا أهضم هذه التعاليم لأنها تجعل الرب شخصاً مثلي ومثل سائر الرجال ، وكالملكين اللذين معه في ضيافة أبينا إبراهيم ، وأنه يأكل كما يأكل الإنسان.. .
.. أنني لا أقدر على هضم هذا بفكري ..
ولا أهضم قصة مصارعة يعقوب مع الله ليلة بطولها الى طلوع الفجر، ولم يطلقه يعقوب حتى باركه (2) ..
افتلومني –بعدئذ– إذا قلت وكررت بضميري ولساني قول كتاب المسلمين :
( قل هو الله أحد . الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد .).
* * *
لننتقل -بعد هذا- إلى سفر التثنية من التوراة، ولنقرأ قوله في الإصحاح الخامس :
(أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضوني ..).
الله . الله . ما هذا الحقد والجفاء وغلظة القلب ؟!..
ما هو ذنب الأجيال اللاحقة المساكين ؟.. أيدينهم الله الربّ بذنوب لم يعملوها هم ، بل إنما عملها وارتكبها أسلافهم وآباؤهم ..
بعيد . بعيد ..، ومستحيل هذا الجفاء والغلظة والشراسة .. لا تكون أبداً خلقاً من أخلاق الله الربّ الكريم العادل.
كما أن هذه الآية لا يمكن أن تكون نازلة من لدن الربّ في فم رسول صادق من رسله الصادقين .
وأرجو أن تسمح لي هنا بقراءة هذه الآية إلى جانب ما تقّدم ، والآية هي قول القرآن:
(ألاّ تزر وازرة وزر أخرى).
هاي . هاي. ما أكبرك يا سيد العرب، يا محمد البدوي ! !.
* * *
سيدي..
إنني قد قدّمت اليك نماذج من أقوال ( الكتاب المقدس ) التي رفضتها ولم أقدر على هضمها بفكري، وإنني قد بحثت وسألت فيما لعله يوجد لها توجيه وتعليل يقبلهما فكري، فلم أجد -مع الأسف- شيئاٌ من ذلك.
ياسيدي..
وإنني أضم -إلى أعذاري السابقة- اعتذاري هنا عن مواصلة الحديث، وإن كنت متلهّفاً متشوقاً إلى الإستفادة من علمكم وتوجيهكم في سيري الى غايتي .
واعتذاري أظنه واضحاً لفضيلتكم، فإن موقفي الدقيق يفرض ويحتّم عليّ أن لا أكثر من هذه المراسلات.أملي أن اعدّكم، وأعدّ توجيهكم للمستقبل. وأنكم تمدونني بصلواتكم إلى الربّ المجيب .
وفّقتم لكل خير.
18/ 6/ 1956 ط .ظ
(1) الحقنا هذه الرسالة ضمن الرسائل المتبادلة بين سماحة المؤلف ( قدس سره) والشاب المسيحي ط . ظ، -مع أنها لم تكن ضمن السلسلة- لأن المرحوم المؤلف الحقها كذلك، ولأنها في موضوعها أيضا، مع العلم أننا لم نتعرف على الشخص المرسل اليه لطس الاسم في النسخة الموجودة لدى المرحوم الشيخ من الرسالة .
(2) سبق أن نقلنا النصّ في بعض هوامش الرسالة السابعة عشرة .