لا أدري أيقوم الشكر هنا بما يجب؟..
أتسعد الألفاظ هنا بما يرام؟..
لقد علمت أن الكلم لا تملك إلا الحكاية، وأن البيان لا يقوى على غير التصوير، وإذن فهما بعيدان عن هذه المواقف التي تتناغى بها العواطف.
أخــي:
ما أجدرني –وأنا أقرأ تهانـيك الرقيقة، وأستلم معها طاقتك الجميلة، التي حيّيت بها أخاك تحية العيد-، ما اجدرني أن أقدّم إليك عديلتها في الشذى ومثيلتها في النضارة، وشقيقتها في الغراس!!.
من طاقات الحب، ومن أزاهير الأخوة، ثم هي من نَوّار الحق الذي شدّنا بهذه الصلة، وأنبت في قلوبنا هذه الودية.
هذه هي لازمة الأخوة: أن نتعادل في العواطف. وهذه هي خاصة الوفاء ، أن نتشارك في المناسبات ، وهذه هي فريضة الحق: أن نتكافأ في التحيّات.
لعلك قرأت من القرآن هذه الآية الكريمة:
(وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أوردّوها، إن الله كان عليكم حسيبا(1)).
* * *
أخـي أود أن أشدّ قليلاً فأقف بك عند هذه الآية، ولك عليّ أن لا اطيل.
(اذا حييتم بتحية) هذا هو ظرف الحكم في الآية الكريمة…
(إذا حييتم بتحية) أيـّاً كان المحيّي ، ومن أي فصيلة، ومن أي دين، وأية كانت التحية، من أي نوع، وبأية قيمة .. هذا هو مؤدّى حذف الفاعل في الجملة وتنكير التحية.
(فحيوا بأحسن منها، أو ردوها) وهذا هو نصّ الحكم فيها .
(.. حيّوا بأحسنَ منها) هذا هو الجواب الحقيقي عن التحية.. أما أن ترجعوها بذاتها دون فضل، فهذا ليس جواباً في الحقيقة، بل ردّ لها على ملقيها، وهو أدنى ما يتأدّى به الفرض.
وردّ التحية حق من حقوق الله – سبحانه – قبل أن يكون حقاً من حقوق من ابتدأ بها.. حق يثيب الله على أدائه، ويحاسب على التفريط فيه (إن الله كان عليكم حسيباً ).
وبعد، فهذه هي اللفتة الوجدانية التي يلتفتها القرآن الكريم في الكثير من آياته، وفي الأكثر من أحكامه ..
إن القران لا يكلّم العقل فقط ، بل يخاطب الإنسان كله، هذه المجموعة من الغرائز والطبائع، والأحاسيس المختلفة، وإنه ليقدّر مدى أثر الغرائز في سوك المرء وفي أعماله، ويقدّر كذلك مدى انصياع هذا الكائن في أثرها، وحرصه على إرضائها.
لذلك نجد هذا الكتاب العظيم بينا هو يتحدث إلى عقل المرء ليقنـعه بالبرهان، أوليرشده بالحكمة، إذا به يلتفت الى الغريزة المستكنّة في أعماقه يستثيرها إلى الطاعة ، للحصول بها على ما ترغب، أو ينفّرها عن المعصية حذراً من الوقوع بها فيما تكره .
الله حسيب على كل شيء ، وهو يجزي على الطاعة جزاءها الوفاق، ويعاقب على المعصية عقابها الصارم، دون جنف في الحكم، ولا ظلم في الجزاء ..
.. إذن فعلى المرء الجادّ أن ينتّبه، وعلى غرائزه أن تتناصر، فليس الأمر أمر نُذُرٍمجّردة في أفياء باردة، ولكنها مسألة رقابة شديدة على الأحكام، ثم جزاء مطابق على الإطاعة والعصيان، فليطمع من يطمع، وليخش من يخشى.
هذا موضوع رغبت في شرحه لأدلّك على رأي الإسلام في التحية.. هذا الواجب، أو هذا المفتاح الذي يستطاع أن ينفذ به إلى شغاف القلوب .
* * *
وبعد ، فلأتوجه إلى كتابك ، فأحاديته شهية نفيسة ..
تقول –يا أخي- :
إن بشائر الحق تلوح لبصرك كما تلوح تباشير الفجر في الأفق المظلم.
ان هذا ليس شيء بالجديد، فقد توسّمت لك بهذا منذ كتابك الأول، ومنذ عرفتك بهذه الحرية الكاملة، وهذا الذهن النقاد، وعرفت للإسلام هذه الرصانة في القواعد والمتانة في البناء، إذن فهو -كما قلت- شيء ليس بالجديد.
الأن أنني أعود هنا لأكرر نصيحة ذكرتها لك في كتاب سابق..
أعود فأقول : تثبّت قبل أن تحكم، وثريّت قبل أن تعتقد ..
.. إنه – ياعزيزي – أمر دين ، وإنه سبيل عقيدة، ثم إنه الإسلام لايقبل ايماناً به على غير أساس، أو على أساس غير ثابت.
تثبّت قبل أن تحكم ، وتريث قبل أن تعتقد، وما يدريك لعل الومضة التي تلوح لعينيك برق خلّب، ولعل الضوء الذي تستبينه على الأفق فجر كاذب، ولعل الرواء الذي تتوهّمه على البعد سراب خادع .. وما أصدقك في قولك: إن الأصول التي ذكرتها كلها معقولة مقبولة إلا أننا – بعد – لم ندخل في دور التطبيق!!، إذن فنحن لانزال في عرض الطريق .
* * *
أخـــي ..
وأرجو أن لاتصف الإسلام بالعربية، فهذه عنصريات لايعترف بها الإسلام ..
ليس الإسلام عربياً وإن كان نبيه وكتابه عربيين في الصميم.
الإسلام دين البشرية كافة ، ليس عنصر أولى به من عنصر،ولا لون أزكى لديه من لون، وليس في الإسلام شعب مختار، ولا عنصر مقرّب، والميدان الذي يتبارى فيه المتقربون إنما هو التقوى(2)..
* * *
أخـــي :
وتسأل عن معنى المرونة والتسامح اللذين ينعت بهما الإسلام ، إن الوصفين – بمعناها الظاهر –لا يتّفقان ورصانة هذا الدين ، وثبات قواعده، بحيث لانسخ فيها ولا زلزلة – كما يدّعي المسلمون- ..وأقول – وأعتذر إليك أيها العزيز- إن هذا التفسير الواطىء للمرونة والتسامح لم تنفرد به أنت.
فلقد عّول عليه كتاب مسلمون ..
انهم يفهمون من مرونة الإسلام : أن يتكيّف مع الحوادث ، وينقاد للملابسات، حتى لايتّخذ لنفسه صبغة ، ولا يستقل بلون، وحتى يسوغ – على مرور الليالي – أن تتبدّل جميع تعاليمه، وأن تتغيّر كل ملامحه، ثم لايزال – بعد – هو الإسلام، الدين الذي أنزله الله على محمد..
هكذا يفهمون من معنى المرونة ، ومن معنى التسامح أيضاً، ولعلهم يحسبون أن مرونة الإسلام -هكذا- هي كبرى مميّزاته على الأديان.
إن هؤلاء مسلمون بشهادة الميلاد، ومسلمون بشهادة الوطن، ومسلمون كـذلك في دواوين الإحصاء ، وقد يكونون مسلمين أيضاً من سجلاّت النكاح .. أفتطلب على إسلامهم أوثق من هذه الشهادات ؟ .
أخــي :
مرونة الإسلام هي أنه وضع لكل مشكلة حَلاً، ولكل طارئة علاجاً.
ومرونة الإسلام : أن المرء – مهما ارتقى إلى درجة من الكمال – وجد الإسلام هناك يصونه عن الإنزلاق ويأخذ بيده الى الارتقاء ..
ومرونة الإسلام وسماحُهُ: أنه يلحظ المقدرة، ويرعى المصلحة، فتكاليفه ميسورة لأنها دون الوسع، ومحبوبة لأنها تضمن النجح ..
هذه من معاني المرونة والسماح اللذين ننعت بهما الإسلام، ونقول : إن الدين الذي يقود البشرية إلى الأبدّ له وأن يكون مرناً وسمحاً.
والمرونة - في اللغة -: (اللين في صلابة)، ويقرب منه (السماح)، من قولهم: أسمحَ العود بمعنى لان.
أما (التسامح) فهو نعت للاسلام مع مناوئيه في العقيدة ، وكتاب الإسلام وأحكامه شاهدا صدق على ذلك، فهل تجد في هذه النعوت ما ينافي رصانة الإسلام وثباته ؟.
* * *
وأما موضوع الأعياد الإسلامية فلماذا نختزله عن رسائلنا المعتادة؟ ، ما دام سؤلاً عن منحى من مناحي الإسلام .. إن الصلة به وثيقة ، وإن المناسبة له طريقة ..
اما التنقل الذي تعني ، فهو من قبيل رصف ياقوتة إلى جنب زمردة .. إنه لايشين العقد بل يرفع قيمته .
وفكرة العيد –على ما يظهر– فكرة اجتماعية بشرية ، قبل أن تكون دينية أو إسلامية..ولست أعلم أن أمة من الأمم لم تعرف هذه الفكرة، ولم تخضع لها في العادة، ويسير على الكاتب أن يضع علة يقتنع بها لولادة هذه الفكرة .
يسير عليه أن يتصور أن المجتمع – في جبلّته – كالفرد، مسوق للتعبير عن أفراحه -كما هو مسوق للتعبير عن أحزانه- وان العيد هو الصيغة الكاملة والقريبة من هذا التعبير ..
يسير على الكاتب أن يتصور هذا أو ما يشبهه ، ثم يضفي عليه بروداً قشيبة من البيان، وفنوناً جميلة من الزخرفة، حتى يظنه القارىء حقيقة من الحقائق ، وان يك – في واقعه – خيالاً من الأخيلة، ولعل اكثر ما يذكره الكتاب عن الإنسان القديم لا تعدو أن تكون فروضاً من هذا القبيل.
وأيا كان السبب الأصيل لهذه الفكرة ، فان شمولها لجميع الأمم ، وتغلغلها في اعماق التاريخ يدلاّن على ضرورةٍ تحكمُ بها، أو فطرةٍ تدفع إليها.
ويغلب على الأعياد عند الأمم كافة أنها تتخذ الصفة الرمزية، فأكثر هذه المواسم ذكريات لحوادث تعظّمها الأمة، أو شارات لأمجاد تعتز بها، أو رموز لعادات تتأصل فيها .
وهي حين تكون دينية لاتبعد عن هذه الصفة أيضاً ، فأعياد اليهود والنصارى تذكارات لحوادث ، وأعياد المجوس رموز لمقدسات، وأعياد الوثنيين خلط من كل اولئك .
اما العيد في الإسلام فهو تحرير لهذه الفكرة من الشوائب ، وإعلاء لها عن الحِطّة.
لابدّ للانسانية من الأفراح .. فمن الخير أن تشدّ أفراحها بالله..
.. بالله الذي بيده تعريف الفرح والحزن، وتقدير السعادة والشقاء..
من الخير أن تشد أفراحها بالله ، وبامتثال فرائضه المكتوبة، فإن هذا –وحده– هو مصدر الخير للإنسان، وهو– وحده مبعث الرجاء لسعادته..
وصلة المرء بالله ربه هي الصلة العظمى التي تتشعّب عنها كل صلة، فمن الحكمة أن يقوم عليها تأسيس العيد.. إذا كان تأسيسه إنما هو لاقامة الصلات.
من الحكمة أن يتأسس العيد على هذه الصلة الوثقى لتتفّيأ الصلات الأخرى ظلالها، وتشرق بإشراقها .
وفريضة الصوم هي الفريضة الأولى التي تجمع المسلمين على ربهم في أمدٍ واحد، وفي عمل واحد.
ونسك الحج هو النسك الاكبر الذي يجذب المستطيعين منهم إلى مشاعر رّبهم ، في موقف واحد وعلى زيّ واحد ..
فمن الحق أن تكون هاتان الفريضتان مظهراً للفرح في الإسلام .. يوم إتمام الصوم ، ويوم إتمام الحج .. أما ما في اليومين من نسك وصدقات فهي قربات توثّق الصلة بالله ، وتؤكد الروابط في المجتمع .
أخــي :
وسألتني أخيراً: للمسلمين عيد ثالث غير هذين ؟.
نعم، للمسلمين عيد ثالث تعترف به فرقه واحدة منهم ، ولو أنصف الجميع لاعترف به الجميع .
إنه يوم الغدير .. أسمعت – ياعزيزي- بيوم الغدير ، وإن الفرقة التي تعترف به هي الشيعة، ولي السعادة أن أكون بعض أفرادها .
إنه يوم الامامة التي تمثّل النبوة .. أما تفصيل هذه الإشارة فلا يتّسع له هذا الموقف الموجز، ولعلك قرأت ملحمة الشاعر المسيحي (بولس سلامة) في (عيد الغدير).
أما يوم الغدير فهو اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة .
* * *
أخــي :
لقد طال الكتاب ، وأملي أنك لا تسأم لطوله ، فهذا ما يحتّمه البحث .
وقد عزمت على التوجّه الى النجف فأرجو أن لا يكون هذا سبباً في قطع الحديث .
لعل عنوانك الذي درجنا عليه في المراسلة لا يضمن وصول الكتب إليك في البريد، فعّرفني عن ذلك ، أما عنواني أنا فهو ما تراسلني به هنا .
وفي الختام تقبّل تحيات أخيك .
22 تموز 1956 محمد أمين زين الدين
(1) النساء: 86.
(2) أقرأ أذا شئت الآيات الاتية من قرآن الإسلام :
(قل: ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) الأعراف : 157
(قل: ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل). يونس : 108
(ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن اكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.). الحجرات: 13