أقدم لفضيلة سيدي المبجل الحبر أبّر التحيات، وأجزل التهاني وأجملها بحلول هذا العيد الإسلامي الشريف (عيد الأضحى المبارك)، وأرفع إليه – بهذه المناسبة الكبرى – طاقة يانعة من أزهاره العاطرة، التي غرس شجرتها بيده في قلبي وضميري ، وتعّهد تريتها ونموها بأخلاقه وكريم طباعه.. أعني شجرة الحبّ التي أراها تزداد ثباتاً وازدهاراً وانياعاً على ممر الأيام والأوقات، واتمنى له السعادة والرفاه وإنجاح الآمال ودوام الصحة والغبطة مدى الحياة، والبقاء المديد لأمثال هذه الأوقات الميمونة .
سيدي وأخي :
قرأت كتابكم الكريم مراراً عديدة – كما هي عادتي ودأبي في جميع كتبكم التي ترسلونها إليّ، ووقفت وتأملت في كل عبارة وجملة منه ، بل وكل كلمة، لأنني هكذا عّودت نفسي في قراءة رسائلكم ، أو – في الأصح – هذا عودتني رسائلكم على قراءتها: أن أترشّف كلماتها ، واتمزز حروفها – اذا قبلتم مني هذا التعبير -، وانني قد قلت لكم – من قبل هذا – إنني استفيد منها أدبياً كما استفيد منها خلقياً ونفسياً وعلمياً ، أمّا ناحية الدين فقد كانت – ولاتزال – هي مقصدي الأُول والأسمى .
قرأت كتابكم الكريم ، وتأملت فيما يتضمن من الأجوبة السديدة ، والتوجيهات المركزة، والنصائح القيمة، فلكم الشكر ياأخي السيد الكريم على لطفكم الذي لا يزال يتجّدد علّي في كل آن .
* * *
ما المرونة والتسامح في الإسلام ؟
سيدي :
إنكم وصفتم الدين الذي يستلم زمام المجتمع البشري في دور نضوجه الاجتماعي ويقوده إلى الكمال.. بأن هذا الدين يجب أن يكون منهاجاً مرناً ، فأحببت أن أسألكم عن المعنى المقصود من هذه الصفة: (المرونة) .
وأيضاً عن معنى (التسامح)، فلقد سمعت من كثير ينعتون دين الإسلام بهاتين الصفتين ، فيقولون : الإسلام دين مرن متسامح. وقد وجدت الصفة الأولى منهما مذكورة في كتابكم ، فأثارت لي هذا السؤال حولها: كيف وأنـّى تلتئم المرونة والتسامح – بمعناهما المفهوم – مع ادّعاء أن أحكام هذا الدين وقواعده رصينة ثابتة لا تنسخ ، ولا تتزلزل أبداً – كما قلتم في كتابكم (من أشعة القرآن).
* * *
واما تحديكم، وتأكيدكم لي ان الشرائط التي يجب أن تتوفر في الدين الذي يقود الإنسانية إلى الأبد، التي ادرجتم بعضها في كتابكم لن توجد مجتمعة في غير الإسلام..
.. اما هذا التحدي، والتأكيد منكم لي ، فانني أصلّي – مخلصاً – إلى الرّب إلهي أن يعينني حتى يتضح لي الصواب في ذلك ، ولي الفخر والشرف سيكون باتباعه حين يتضح لي ذلك، كما أن لي الشرف باحترامه – كل الاحترام – في الوقت الحاضر، لما وجدت له من الفضائل .
كما ولا اكتم سيدي الحبر الجليل أن بشائر الحق لاتزال تلوح أمام بصري كالعلامات التي تلوح وتظهر على صفحة الأفق المظلم ، الدالة على قرب طلوع الفجر .
وإن ديناً ينهض تشريعه على أسس قوية ثابتة متينة –كالأسس المشار إليها في كتبكم- ويرتبط بعامة نواحي الإنسان الطبيعية والنفسية، فينظمها كافة تنظيماً وافياً لا نقص ولا قصور فيه من جهة أصلاً، لجدير أن يكون هو الدين الحقيقي الذي يلزم على بني الإنسان كلهم أن يتبعوه، ويخضعوا له منقادين طائعين، وأن يستمسكوا به في كل أجيالهم..
إن الأصول والقواعد التي ذكرتموها وأوضحتموها لي –يا سيدي- كلها معقولة، وقد سايرتم الحكمة فيها كافة، ولم تخالفوها أبداً، إلا أننا -بعد- لم ندخل في دور التطبيق لنعلم ما إذا كان دين الإسلام (العربي) قد تحققت فيه هذه الصفات.
* * *
أخي وسيدي:
أرجو أن تأذنوا لي أن أتطفل بمسألة أعترف لكم سلفاً بأنها لا علاقة لها بموضوعنا المتّصل المتسلسل.. حديثنا عن الدين وما يجب أن يتّصف به من الأوصاف، وما يلاحظه من الأمور والشؤون، فليسعني خلقكم الحميد وصدركم الرحب.
أسأل سيدي –بمناسبة العيد الإسلامي الحاضر- عن معنى هذه الأعياد والمواسم في دين الإسلام ، وأنه هل يوجد للمسلمين عيد آخر غير العيدين السنويين المعروفين: (الفطر والأضحى)؟، ومن الواضح الطبيعي أن سؤالي ليس عن العيد الأسبوعي ، (الجمعة)، أرجو بيان ذلك ، ولو بصورة موجزة.
والسبب في تطفلي على حديثنا بهذا، أنه قد دار بالأمس بيني وبين أصدقاء من المسلمين كلام حول هذا الموضوع، فرغبت أن أسألكم عنه، وإن علمت أنه مقطوع الصلة بحديثنا، وإنني أجعل الاختيار لكم إن أحببتم جعله حلقة من دراستنا أو اعتباره موضوعاً مستقلاً بذاته ، بحيث لا ندخله ضمن رسائلنا المعتادة.
19 تموز 1956 ط.ظ