بين الباحث والأديب
الايجاز أو التفصيل
غريزة الاستكمال ووحدة السبيل
النضـج الذاتي للمجتمــع

أخـي:

يسرني أن أرى لك هذه النظرة المتغلغلة – ما استطاعت – في الأعماق ، الجادة – مافتئت- في تحميص الحقائق ، ثم هذه النفس الكَلِفة بالهدى، المستجيبة للبرهان ، ويسرني أن أجدك وحّب الحق يدفع بك الى الاستقصاء ، وشيمة الإنصاف تبعد بك عن الميل .

هذه هي الركائز التي تؤهّل المرء لقبول الحق أجدها – بفضل الله – مجتمعة فيك .. أما ماوراء ذلك فهو التوفيق، وهذا عون من الله – سبحانه – يرفد به من استوجب الرفد، وهبات الله لاتكال جزافاً، ولكنها لاتمنع – أبداً عن مستحق .

*  *  *

بين الباحث والأديب

أخـي:

إئذن لي أن أقف - بادئ ذي بدء - على ختام رسالتك ، وعلى قولك فيها : ( دمتم للفضيلة والحق يارجلهما الوحيد ) ..

إنها لمبالغة - ياعزيزي - ، وانه لانطلاق مع الحب إلى أبعد شوط .

إنها مبالغة تنكر على الباحث، وإن لم تستكثر على الأديب ..

تنكر على الباحث لأنه ينشد الحق والفضيلة، فلا تحمد منه هذه المبالغة، لأنها غمط للحق والفضيلة، ومذاهب القول تتسع كثيراً أمام الأديب حين يخلص للأدب، إلا أنها تضيق جداً في وجه الباحث وهو يتمحض للبحث..

وليكن أديباً في بحثه، فذلك لا يبيح له الانطلاق لأن الأدب هنا تابع فلا يسوغ له أن يحتكم.

وكتابك – بعد هذا – مليء بالملاحظات القيمة والطلبات العادلة..

*  *  *

الإيجاز أو التفصيل

طلبت مني أن ابسط القول في كل ملاحظة أحصيها على كتب العهدين .. وهذه أولى طلباتك المنصفة، ولقد خلت أن دراستك الدقيقة لكتب العهدين، ثم لكتاب ( الرحلة المدرسية ) قد أغنتك عن هذا الطلب ، وكفتني هذه المؤونة ، إلا أن ولوعك بالبحث ورغبتك في الاستقصاء مازالا يدفعان بك الى المزيد .

.. انها طلبة عادلة، وسأقوم بها – إن شاء الله – بمقدار ما يحتمله البحث ويتسّع له الوقت.

أما رغبتك أن أبسط القول في كل ما ذكر، بحيث لا أكتفي بالاشارة في مورد، ولا أجنح إلى الإيجاز في حال.. أما هذه الرغبة فأحسبها رغبة نهمة، لا لأنها تقتضيني وقتاً وجهداً طويلين، فهذان لا قيمة لها في بيان الحق، ولكنها نهمة تضاعف جهود الغرس، وتنسئ قطاف الثمرة.

تضاعف المقدمات لا لموجب، وتبعد النتيجة لا لضرورة ، والإشارة والإيجاز لا يحسنان إلا إذا استغنى بهما المورد عن التفصيل..

قد يوجز الكاتب أو يشير لأن الحقيقة التي يستهدفها بديهية لا يشك القارئ إذا تنبّه لحكم الفطرة..

وقد يوجز الكاتب أو يشير لأن الحقيقة التي يستهدفها يقينية أثبتها العلم وأوضحتها التجربة..

وقد يوجز الكاتب أو يشير لأن الحقيقة التي يستهدفها مسلّمة لدى القارئ أو هي مفروضة التسليم من الكاتب..

وقد يوجز الكاتب أو يشير لمآرب يقتضيها المورد، أو يستدعيها الفنّ، أو يوجبها الجدل..

في كل أولئك يكون التفصيل مرجوحاً.

انا لا أجحد أن التفصيل قد ينبّه على خصائص في حكم الفطرة، وقد يحتوي على تفسيرات لنتائج العلم، وإيضاحات لسير التجربة.

وأنا لا أجحد أن التفصيل قد يوجب يسراً لمهمة القارئ في البحث، وتقوية لحكمه في الاستنتاج، إلا أنني أعلم - كذلك - أن محامد التفصيل - هنا - لا تكافئ محاسن الإشارة عند الذهن النشيط..

*  *  *

غريزة الاستكمال ووحدة السبيل.

أخي:

وترددت عند قولي: الاستكمال للانسان هوى فيه وغريزة..

.. ترددت حين قلت –لاثبات هذا الحكم-: أما هذا فأمر لم يرتب فيه أحد من علماء النفس، ولا عاقل من العقلاء.. واحتججت –لوقوفك هذا- بأن علماء النفس وعلماء الأخلاق مختلفون في تحديد الغاية القصوى لأعمال الإنسان.

أجل، إنهم مختلفون في ذلك، واختلافهم فيه بيّن لا مساغ لنكرانه، ولكن ما مساس ذلك بقولي؟.

انهم متفقون على أن الاستكمال هوىً للانسان وغريزة، ومختلفون في غاية الإنسان القصوى من أعماله وتصرفاته، أهي السعادة؟ أم اللذة والألم؟.

وفي السعادة (التي قال الكثير منهم: إنها الغاية) أهي المنفعة؟.. أم هي الكمال الأعلى؟.. أم؟.. أم؟.

انهم متفقون على أن الاستكمال غريزة للمرء، ولا يسع عاقلاً من الناس إنكاره لأن له خصائص الغريزة، واتفاقهم على هذا لا يباين اختلافهم في ذلك، فليس من سمات الغريزة أن تكون هي الغاية العامة لجميع حركات الانسان وتصرفاته.

*  *  *

وتساءلت حول القاعدة الرياضية التي دلّلتُ لها على وحدة السبيل..

تقول: الوحدة محتومة إذا فرضنا السبيل مستقيماً، ولكن لماذا نفرضه كذلك؟، وأي عائدة لنا في هذا الفرض؟.. إن السبيل المعوجّ يوصلنا إلى الغاية –كالسبيل المستقيم، لأنا فرضنا النقطة الأخيرة واحدة، وقدّرنا الخط متصلاً بها على أي حال. هكذا تساءلت هنا.

وما أقوَمَ هذه الملاحظة لو لم تكن نقطتنا الأخيرة هي الكمال!!. والكمال الأعلى على الخصوص!!.. الكمال –بمطلقه- هو الاستقامة.. هذه واحدة.

والكمال الأعلى نقطة تردّ إليها جميع الكمالات.. هذه هي الأخرى.

اذن فالكمال الأعلى ملتفّ المبدأ بالغاية، مطويّ الهدف بالمجرى، ثم هو الاستقامة التامة في المبدأ والمجرى والغاية..

وإذا كان هذا هو معناه فتلك هي لوازمه.. فكيف يتّفق والعوج في السبيل؟..

(وأن هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلك وصّاكم به لعلكم تتقون(1)).

*  *  *

عزيزي:

واتذكر جيداً قولي في الكتاب الخامس:

هنا أسئلة على الباحث أن يجيب عنها قبل أن ينظر في أي دين، وأتذكر كذلك أن السؤال الثالث منها عمن يجب أن يتولّى تشريع هذا القانون (2).. أتذكر هذا جيداً وأعلم أن الموضوع جزء من بحثنا -كما تقول- وأعلم أن الفصول التي أرسلتها مع الكتاب العاشر قد احتوت على تفصيل القول فيه، واعلم أخيراً أنك استوضحت النتائج ، واستيقنتها يقنياً ثابتاً لاظل للشك فيــه.

أعلم بهذا جميعه، وتعلم به أنت أيضاً.

إذن فقد انتهى البحث، وثبت المبحوث عنه..أما قولي: إني لم أتعرض له هنا لأنه يدور حول أمر آخر ، فأعني به البحث في جواب مسألتك.

*  *  *

النضج الذاتي للمجتمع.

واما الشبهة حول الاسلام، حيث قرر أنه ختام الأديان، وأن هذه عقيدة يخالفها وجوب التطور في الدين مراعاة للتطور في الاجتماع .. اما هذه الشبهة، فقد وفّقت في جوابها كل التوفيق.

أجل – أيها الأخ الكريم -، المجتمع كائن شخصي واحد ، يولد ويدرج ، ويترعرع ويشبّ، ثم يتمّ ويكتمل، وطور الاكتمال الاجتماعي فيه كطور النضوج الطبيعي في الفرد ، متشابه متقارب ، وان اختلفت مراتبه ودرجاته .

واعود لأوضح المرمى من ذلك فأقول :

أنا لا أعني النضوج الناشيء عن التربية ، فهذا مختلف باختلاف التربية في أدوارها، بل أعني النضوج الذاتي ..

واذن، فهو مفتقر الى منهاج واحد يكفل له الانتظام في كل هذه الأدوار ، منهاج مرن واحد يستمرّ لوحدته باستمرار الحياة ، ويقوم لمرونته بعلاج كل الطوارىء .. يعّد المجتمع في كل دور ليرتقي ، ثم بصحبه في كل مرتبة لينتظم .

والدين ليس نظاماً اجتماعياً فحسب ، بل هو نظام فردي أيضاً .

نظام للفرد في نفسه، وللفرد مع ربه، وللفرد مع الفرد الآخر ، ثم للفرد مع أسرته ، وللفرد مع مجتمعه، وللمجتمعات الصغيرة بعضها مع بعض، وللمجمع العام بعض أجزائه مع بعض..

.. كل هذه الميادين من نواحي الإنسانية يجب أن ينظّمها الدين ، علـى أن يراعي فـي تشريعه وحدة الإنـسان وترابطه في عامة جهاته ، وعلى أن يرعي هذا الاختلاف بين أفراد الإنسان في …(3) والكفاءات.

هذه بعض سمات الدين الذي يحاول أن يقود الإنسانية الى الأبد ..

واقول - مؤكداً ومتحدياً-: إنك لن تجد هذه الشرائط مجتمعة في غير دين الاسلام.

أخــي :

وبقي في رسالتك الكريمة طلبك الأخير .. رغبتك أن اتحدث عن مخالفات القرآن لتعاليم (الكتاب المقدس) بقيت هذه الرغبة وارجو أن يحققها الله لي في مناسبة اخرى.

16 تموز 1956   محمد أمين زين الدين

 

(1) الأنعام : 153.

(2) تراجع الرسالة الخامسة ، ص: 120.

(3) فراغ في المسودّة ، ولعله - قدس سره - يعني الاتجاهات.