شكر لإيثار
تساؤلات حول الكمال وطرق الوصول إليه
واضع الدين جزء من موضوع البحث

شكر لإيثار.

إن مما تغتبط به نفسي، ويثلج له قلبي، ويرتاح له ضميري أن أتناول رسائلكم الكريمة حافلة بما يتفق وسمو منزلتكم من البحوث الراقية المحلّقة ، والنظريات العميقة المحللة، عامرة بما يقتضيه أدبكم الرفيع من قوة البيان، وبراعة التصوير والعرض، فتتيح لي هذه الرسائل قراءة دروس عالية مركّزة في هذه الجهات الكمالية كافّة، من حيث العلم والدين والأدب النفسي والفنيّ.

وكم استفـدت من إشاراتكم وإيـماءاتكم التي توجّهونها من قرب أو بعد، فتطمعونني ، وتحرّضونني على نيلها والتحليق إليها، ومن تشجيعكم إياي هذا التشجيع  القويّ المستمر. إنكم لتفتـحون أمامي في كل رسالة ترسلونها إليّ باباً، أو أبواباً من العلم فتفرضون علـيّ احترامكم وتقديركم من جديد.

سيدي:

وانني لم اقصد بهذا أن أثني عليكم، بل إنما أقصد أن أعترف بالحق، وبما هو واجب، ولقد قال علماء تهذيب الخلق: إن الحقوق بمثابة ديون واجبة الوفاء والتسديد على من يطلب تهذيب نفسه من الناس، وإن الإعتراف  لصاحبها بمثابة أول قسط يلزم على الشخص أن يدفعه لتسديد تلك الديون.

وإن الرسالة الأخيرة التي تفضلتم فيها فآثرتم إرادتي واختياري على إرادتكم واختياركم فشرحتم فيها ما طلبت منكم شرحه، وبسطتموه في حين أنكم كنتم ترغبون في طيّه واختصاره، لهي دليل قوي على ما ذكرته آنفاً من لطفكم بي، فشكراً جزيلاً جميلاً -يا سيدي المعظم-.

*  *  *

تساؤلات عن الكمال وطرق الوصول إليه.

وقبل أن أعلق على كتابكم الكريم بشيء أطلب منكم -حين تذكرون شيئاً عن الأناجيل وتوابعها، أو غيرها من أسفار الكتاب المقدس- أن تفصّلوه بعض التفصيل، من حيث أن تفصيلكم وإرشادكم يوجّهني إلى نواح كثيرة تخفى علي أنا، إذا بحثت عنها وحدي، ولولا أنني أعلم أننيّ أكلفكم وقتاً وجهداً لطلبت أن تفصّلوا كل ما تذكرونه من الحقائق، ولا تكتفوا بالإشارة في شيء منها.

*  *  *

سيدي:

لقد أعجبني نمط احتجاجكم على صحة رأيكم: إن غاية الإنسان هي الكمال الأقصى، حيث ربطتم هذه النتيجة بالناموس العام الذي تسير عليه الموجودات الكونية بكاملها، ثم وثقتموه من ناحية أخرى، وهي أن غريزة الإنسان توجهه -بطبيعته- إلى طلب الكمال.

إن هذا النمط من الاحتجاج مفيد ومقنع للإنسان، لأنه يجعل النتيجة وجدانية، وأمراً واقعياً لا يحتمل  الشك..

إلا أنني وقفت عند قولكم: أما أن الاستكمال في الإنسان غريزة  وهوىً فهذا أمر لم يتردّد فيه عالم من علماء النفس ، ولم يرتب فيه عاقل من العقلاء..

..لقد وقفت أتأمل معنى قولكم هذا، فانتم لا تطلقون القول جزافاً وعلى غير أساس، ودون تثبّت، وإن من الثابت وجود الخلاف والتردد بين علماء النفس والأخلاق  في أنه ما هي غاية الإنسان القصوى؟.

أهي المنفعة؟ أهي السعادة؟، أهي اللذة والألم؟، وما المراد من هذه الأمور؟.

لقد اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً، وأنتم تعلمون ذلك - من غير شك -، ولكن ما معنى قولكم الآنف ذكره؟.

ثم إنكم قلتم: إن دين الحق يجب أن يكون واحداً مشخّصاً، ينضوي  تحت لوائه جميع أفراد الناس وأصنافهم، من أولهم إلى آخرهم، ولا يجوز  أن يوجد أكثر من دين واحد، وجعلتم دليلاً على ذلك هذه القاعدة الرياضية، وهي: أنه لا يمكن أن يوجد بين النقطتين (البداية والنهاية) أكثر من خط واحد مستقيم.

نظرت في دليلكم هذا فرأيته صحيحاً وحقاً، إذا كان محتوماً علينا أن نجعل الخطّ مستقياً..

إلا أنني تساءلت في فكري عن هذا الشرط.. لماذا يتحتّم علينا أن نفرض الخط مستقيماً؟.

فانه إذا كانت النهاية المعينة من الخط هي الكمال الأقصى  -كما هو المفروض- فالنتيجة المقصودة واحدة على كل حال، لأن الخط مهما  كان منحنياً أو مدرّجاً فانه يتصل بالنهاية، ويوصلنا إليها كالخط المستقيم، وإن كان هذا - أعني (الخط المستقيم) - أقرب إلى النقطة الأخيرة، إلا أنه لا فرق بينهما بعد الوصول إليها.

*  *  *

واضع الدين جزء في موضوع  البحث.

سيدي:

وقلتم: انني لم اتعرض هنا لإثبات أنه يستحيل  أن يكون الواضع للدين أحد غير الله، لأن البحث يدور حول أمر آخر، وأتذكر أن هذا الموضوع قد ذكرتم في كتاب متقدم أنه يجب على الباحث أن ينظر فيه قبل كل جهة يريد أن يبحث عنها، ولو أنكم رجعتم إلى الكتاب الخامس من هذه المراسلات لوجدتم نصكم الصريح على هذا الذي قلته..

فالموضوع المذكور جزء من بحثنا، وليس خارجاً عنه كما يفهم من قولكم المشار إليه.

*  *  *

وانني لأشكر لكم –يا سيدي- توجيهكم لي في الخاطرة التي استفهمت عنها في رسالتي، ودلالتكم إياي على موطن الضعف فيها، وقد اتضح لي ذلك جلياً من بيانكم المشرق فلكم الشكر الجزيل.

كما وقد اتضح لي أيضاً سمو نظرتكم السديدة المتفقة مع نظرة العلم، وهي أن المجتمع الإنساني متطور، والدين إذا فرضناه هو المهذب، والدليل له على الكمال، فان من الضروري أن تتعدد مناهجه بحسب الادوار التطورية للمجتمع.. إن هذه هي النظرة المعقولة السديدة.

كما ولم يبق لي ولا لأي أحد غيري أن يعترض على هذا بأنكم (المسلمين) تعتقدون أن دين  الإسلام خاتمة الأديان كلها، ولا يجوز أن يوجد بعده دين، وهذا القول لا يوافق ما تقدم من وجوب مراعاة التطور، لأن هذا مسمّر بعد دينكم أيضاً..

وإنما قلت: لم يبق لي ولا لغيري  حق في هذا الاعتراض لأنكم اشـرتم إلى ردّه، فقلتم: إن للمجتمع دور نضوج. ونضوجه مستمر، وان الواجب علـى المربي أن يهيّـئ لهذا الدور منهاجاً يستمر باستمراره كالحال في الفرد.

نعم –يا سيدي- إن الاجتماعيين ليقولون: أدوار المجتمع كأدوار الفرد، فضروري أن تكون الحال بينهما متشابهة جداً، وإننا لنجد الفرد بعد نضوجه له منهاج واحد مستمر، مهما اختلف نضوجه، وان وجب على مشرّع ذلك المنـهاج أن يـراعي المناسبة، والدرجات التي يرتقي لها في أدوار النضوج.

بهذا قد اقتنعت في جواب الاعتراض المذكور، وانني استزيد من علمكم توضيحاً لذلك.

*  *  *

سيدي:

ولقد  فصلّتم الكلام على آيات القرآن التي يستشهد بها اليهود والمسيحيون الموجودون على صحة أديانهم وكتبهم الموجودة تفصيلاً كافياً، ورفعتم التوهّم في ذلك، وخصوصاً في تنبيهاتكم الجميلة على مخالفة القرآن –في تعاليمه  العقائدية- لما هو مذكور في أسفار الكتاب المقدس، مما لا يجتمع وعظمة الرب الإله وجلاله في نعوته وصفاته المنزهة الكبيرة.

ولقد وددت أنكم أطلتم في هذه التنبيهات، فأرشدتموني إلى مواقع هذه التعاليم من القرآن كما أشرتم إلي ما يخالفها في (الكتاب المقدس)، وأضفتم إليها من هذه المخالفات ما يسمح به الوقت والمناسبة ، فانها تفيدني كثيراً يا سيدي..

دمتم للفضيلة والحق يا رجلهما الوحيد.

13 تموز 1956   ط.ظ.