شكر واعتذار
 موقف الآباء اليسوعيين من التفكير ببعض الحقائق
اكمال بعض الديانات لبعـضها الآخر
هل القرآن يعترف بالكتــب الموجودة؟

 

شكر واعتذار

لقد اشتمل الكتابان الأخيران اللذان ارسلتهما اليّ -يا سيدي- على حقائق نيّرة منوّرة في الوقت ذاته -، وإنها لكبيرة الأثر والفائدة لمن أجال الفكر وأمعن النظر في معانيها، وما تدلَّ عليه من النتائج واللوازم المحتومة – حيث أن الحقائق المذكورة التي تتعلق بها تلك النتائج بديهية، لاشك أبداً في ثبوتها.. وانني لحائر فيما أبحث عنه وأعلق عليه في رسالتي من المعاني التي ذكرتموها..

ولكنني اكتفي هنا بأن اقول: لقد أنبتم في جواب السؤالين اللذين قدمتهما اليكم بما يصيب شاكلة الحقيقة،ولايترك أثراً للشك فيما أردتموه ، ولذلك فانكم تطمعونني – ياسيدي - ، بصنعكم هذا الجميل – بالمزيد ، ويزيدني طمعاً بكم اّتساع صدركم، وفسحة خلقكم .. الصفتان اللتان عرفتهما لكم قبل ان يكون لي بكم أي ارتباط وصلة.

على أنني أشعر – لعمـلي هذا - بألم يحزّ في نفسي من جّراء أنني -بعملي هذا وبكثرة سؤالي ورسائلي- أسبب لكم تفكيراً وعملاً قلبياً ونفسياً، وأنا أعلم بأن هذا يعنتكم ، ويجهدكم، في حين أنكم محتاجون إلى الراحة وإلى ترك كل شيء يوجب الجهد، لهذا أنا متردد جداً أأمضي في طريقي أم أقف، ريثما نطمئن كاملاً على صحتكم الغالية .

وعلى أي حال ، فانني أغتصب نفسي وضميري أغتصاباً حتى أتّم هذه الرسالة – على الأقل -، وأترك لكم الأمر في البقية، على ان لاتتحملوا من أجلي وبسببي ما يجهد ويشق عليكم 

*  *  *

موقف الآباء اليسوعيين من التفكير ببعض الحقائق

سيدي وأخي :

لقد كنتم في جوابكم عن مسألتي الأولى موفّقين غاية التوفيق ، كما أنكم قد تبسّطتم في الكتاب المشتمل عليه غاية البسط فلا قصور فيه من جهة أبداً .

ولقد فكرت تفكيراً طويلاً في نتيجتكم الأخيرة ، وهي قولكم : أما اليهودية والمسيحية القائمتان فيكفي للدلالة على الوهن فيهما قصورهما من هذه الناحية.

وانكم تعنون بقصورهما : أن اليهودية إنما عالجت الجهات الراجعة للجسد ، واهتمّت بها اهتماماً شديداً، والمسيحية اختصّت بالجهة العائدة الى الروح ، فوجّهت نحوها كل تعاليمهاوعنايتها، واقرّ لكم بأنني لم اهتد إلى ما به أدفع القصور والوهن عن ديانتي القديمة وعن أختها الكبرى .

ثم إنني تعدّيت طوري مجّدداً ففاتحت بعض الآباء اليسوعيين حول هذا .. وقلت له : إن هذه شبهة قرأتها في مقال كاتب من الكتاب وأرجو ان تتفضل علي بردّها .

فقال لي الأب المحترم : إن كاتب هذا المقال وأمثاله من الكتّاب يتطاولون كثيراً، ويتجاوزون حدودهم حين يطمعون ان يفهموا أسرار الدين، ويتوصّلوا – بعقولهم القاصرة – إلى جواهره، وانك- ياولدي – لتعرّض نفسك للآثام المحيطة إذا أعرت أقوالهم اهتماماً، وأعطيتهم أذناً سامعة، لأنك – حينذاك – تهبط إلى مستواهم ، وتخسر الايمان ونتائجه الكبرى، وخيرٌ لك أن تهمل قول هؤلاء المهّرجين ، وتختص بدراسة( الكتاب المقدس) وما يدور حوله من مؤلفات الآباء والقديسين.

وهذا - يا أخي - جواب الأب الروحاني المحترم على سؤالي، أورده بلا تعليق، بل أسجله كل يسجّل الصحافيون الأخبار اليومية .

*  *  *

إكمال بعض الديانات لبعضها الآخر

ولما قرأت كتابكم الأخير، واطلعت فيه على فكرة الوحدة الدينية الكبرى التي نادى بها الإسلام وطبقها، وسار على نهجها في تأسيس عقيدته، وبنيان شريعته وأحكامه أوحت لي هذه الفكرة خاطرة جديدة، أذكرها لكم لتنظروا فيما إذا كان لها نصيب من الصحة .

إن أديان الصحيحة كلها متّحدة متفقة، فيضع الدين الأول الأساس، ويأتي الدين الثاني فيبني على ذلك الأساس ، ويجيىء الثالث من بعده فيعلي ذلك البناء ويشدّه، وهكذا دواليك واذا نجحت بأيدينا هذه الفكرة التي جرى عليها الإسلام ، ففي استطاعتنا أن نطبّقها على الموضوع المتقدم بهذا الطريق..

نشأ الدين الأول -وهو دين اليهودية- وكان إدراك الإنسان -حينذاك- بسيطاً، فهو انما يدرك المحسوسات وما يتّصل بها اتصالاً قريباً لايتعّدى ذلك، ولذلك فهو إنما يدرك الجسد من الإنسان وبعض خصائص الروح القريبة، لأن هذه –فقط- منطقة إدراكه، وأما الروح فهو لايدركها، ولا يعرف عنها شيئاً من حيث أنها لاتنال بحسّ ، فكان اقتضاء الحكمة أن يبتدىء الدين بتهذيب هذه الناحية المحسوسة، لتلك العلة المذكورة، لأن السلّم يبتدىء من أدنى درجة.

ولما جاء الدين الثاني (المسيحية) كانت مهمته إكمال هذه الفكرة، ففكّر في تهذيب الروح لأن سلفه كان قد سعى بتهذيب الجسد، فمهمته هو إكمال هذا العمل، ودعى إلى ذلك، وقد قال في الإصحاح الخامس من إنجيل متى:

(لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فانّي الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس، حتى يكون الكل الكل، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلّم الناس هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات، وأما من عمل وعلم فهذا يدعى عظيماً في ملكوت السماوات).

بهذا فكرت الديانتان الأصليتان أن تضع الأولى منهما الأساس للفكرة، وتأتي الثانية بعده لتكمل المنهاج، وحين جاء دور المتأخرين من حملة هاتين الديانتين أساؤوا فهم النصوص فافردوا كل واحدة عن الأخرى، فأخذوا نصف الفكرة وأهملوا نصفها الآخر.

هذا ما استوحيته من فكرة الوحدة الدينية الكبرى، وهو ليس جواباً عن قصور  الديانتين الموجودتين وضعفهما، بل هو اعتراف وتسجيل عليهما بذلك، إلا أنه يمكننا أن نعتبره  توضيحاً تاريخياً لنشأة القصور المذكور فيهما.

*  *  *

هل القرآن يعترف بالكتب الموجودة؟.

سيدي

وأما كتابكم الثاني وجوابكم فيه عن مسألتي الثانية فلقد حلّقتم فيه كثيراً وكشفتم عن خصائص مهمة يجب أن تتوفر في الدين الحق، ودللتم على الوحدة الدينية الجامعة لكل الأديان الإلهية الصحيحة والعامة لجميع بني الإنسان ، من حيث تساويهم في هذا  الحق .. (حق الوصول إلى الكمال الأقصى)، وليس عليكم أي مأخذ أو نقد سوى ما ذكرتموه أنتم، وهو أنكم قد التزمتم في كتابكم بالإيجاز، بل بالاشارة إلى بعض النقاط.

وأضيف إلى ذلك -بصراحة-: أنه لولا اطلاعي أنا -قبل هذا- على الفصول التي أرسلتموها إليّ سابقاً، وفصّلتم فيها بعض هذه الأبحاث لصعب عليّ جداً أن أصل إلى مرادكم منها.

ولقد رجوت من أخي وسيدي أن يقف موقفاً مفصّلاً حول الآيات من القرآن التي قد يتخذها متابعو الديانتين الموجودتين دليلاً على وجود كتب السماء بأيديهم، وهذه  الآيات مثل قوله:

(وكيف يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، ثم يتولّون من بعد ذلك ، وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شُهداء…(1)).

(وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل  الله فأولئك هم الفاسقون. وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً..(2)).

لقد رجوت أنكم تقفون في جوابكم موقفاً مفصلاً حول هذه الآيات وغيرها التي يحتجّ بها هؤلاء، ولقد جاءني جوابكم عن ذلك مختصراً، وان كان -على اختصاره- مفيداً وحاسماً. وأنا إنما ألحّ عليكم في هذه الجهة لأنني أعلم أن هذ الشبهة أقوى ما يلوكه هؤلاء عند مقابلتهم للإسلام والمسلمين، ولقد سمعتها من بعض  الروحانيين.

سيدي:

وان كثيراً من السؤالات التي أسألكم عنها وأطلب منكم حلّها هي من هذا النوع.. أسمعه يتردّد على لسان غيري ممّن يطلبون نقد الإسلام والرد عليه، فأسألكم عنه وإنني  عالم بسخافته في الوقت ذاته.

وقد أخبرتكم بهذا لتكونوا على علم منه، وإنني  -يا سيدي- أربأ بنفسي  وأرفعها عن هذه المنـزلة  الساقطة، وهي أن أتكلم بشيء لا أعرف  قيمته، فليسمح لي سيدي ، وليعذرني في  هذا النوع من الأسئلة والنقود، ولا يؤاخذني بضعفها ولا بجرأتها.

4 تموز 1956   ط.ظ

 

(1) المائدة: 43-48.

(2) المائدة: 43-48.