أخــي:
هل وفيت المسألة الأولى حساباً، لأتحدث لك في جواب المسألة الثانية؟، فقد رغبت أن أفردك لكل واحدة منهما في التفكير.
ومسألتك هذه ذات مقطعين:
(1) ما هو موقف الإسلام من اليهودية والمسيحية اللتين أدركهما عند نشأته، ثم عاصرهما بعد انتشاره؟.. هل اعتبرهما حقيقة ثابتة غير مشكوكة ولا مشوّهة للديانتين السماويتين الأصليتين؟، وهل عدّ كتبهما صورة مطابقة غير ناقصة ولا محرّفة للكتب الإلهية الأولى التي نـزلت من السماء؟.
هذا هو المقطع الأول من مسألتك، وبدهي أنك لا تسأل هنا عن موقف الإسلام من أهل الذمة، فهذا منحىً يتّجه إليه الباحث عن السياسة في الإسلام.
(2) ثم تقول في المقطع الثاني: وإذا كان الإسلام لا يرى في هاتين الماثلتين وجوداً مستمرّاً لأديان السماء ولا في كتبهما المتداولة صورة صادقة لكتب الوحي، بيد أن القرآن يعترف بصدق أنبياء، وصحة أديان، ونـزول كتب، فقد يتّخذ أتباع الديانتين الماثلتين من شهادة القرآن هذه دليلاً لصحة ما لديهم، وإذن، فبماذا يجيب المسلم؟.
وبعد، فالمسألة –في مقطعها الأول –حقيقة لابدّ لها من الكشف، وأما في مقطعها الثاني فهي شبهة يكفي لدفعها قليل من التأمل.
* * *
أخــي:
يعترف القرآن بصواب أديان تقدمت عليه، وبصدق أنبياء، وصحة كتب، ويجعل الإسلام هذا الإقرار جزءاً من عقيدته التي ينهض عليها بناء هيكله، ويرتبط كلّ فرع من فروعه، يعترف القران والإسلام بهذه الحقيقة، ولا معدل لأي دين حق من أن يعترف بها، ويرتكز كذلك عليها.
لا معدل لأديان السماء الصحيحة من أن يبشّر الأول بالآخر (منها) ويعترف الآخر بالأول، ويتناصر الجميع على بناء العقيدة العامّة في الإنسانية عامة..
عقيدة الإيمان بالله ربّ العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين، وتصديق أنبيائه وكتبه من غبر منهم ومن لحق..
لابد من أن تمتد هذه الركيزة بين طبقات البشرية جمعاء، لتتحد في الاتجاه، ثم لتتفق على الغاية.
وفي ظني أن هذه الحقيقة بادية المحاسن بيّنة الثبوت.. أما إذا اضطررتني إلى التدليل فاستمع:
الاستكمال ناموس عام لكل موجود.
لكل نوع من الموجودات طريق واحد معيّن يرتقي به إلى كماله.
هاتان حقيقتان بديهيتان لا مفر من الإيمان بهما..
أما الاستكمال في الإنسان فهو غريزة وهوى فيه، كما هو ناموس واقعي أيضاً.
والنتائج المحتومة لذلك:
ان الكمال الأقصى غاية للانسان كما هو حاجة لكل شيء.
وإن طريقه إلى ذلك الكمال واحد، كما هو واحد في كل شيء.. وواضح –جدّ الوضوح- أن أي نقطتين نفرضهما بداءة ونهاية فإنه يستحيل أن يوجد بينهما أكثر من خط مستقيم واحد.
من أجل ذلك كان الدين ضرورة للإنسان، لأنه ذلك الطريق الذي يفضي به إلى الغاية. ومن أجل ذلك وجب أن يكون الدين الحق عاماً للانسانية كلها، لأن الكمال الأعلى ليس حظّاً يستأثر به فريق منها.
ومن أجل ذلك وجب أن يكون الدين الحق واحداً، لأن طريق الإنسان إلى كماله واحد.
هذه الحقائق أستسلفها هنا مجملة، فقد فصّلتها في حديثي عن الإسلام، وقد اطلع أخي على بعضها في الفصول التي أرسلتها إليه من موضوعي المذكور، وهي -بذاتها- أسس الوحدة الدينية التي يجب أن تكون.
دين الله دين واحد في الأولين والآخرين.. على أسس واحدة يبتني، ومن نبع واحد يستمدّ، وفي مجرى واحد يجري، ثم إلى غاية واحدة ينتهي.
وأما شرائع الله التي بشّر بها الأنبياء فليست إلاّ قطعات متلاحقة يتكوّن من مجموعها ذلك الخط الممتد المستقيم.
وتفاوت بعض هذه الشرائع عن بعض إنما هو بحسب تطور النوع البشري في الاجتماع ، وارتفاع أجياله في مراتب الإدراك، فان هذا الاختلاف مما لا مساغ إلى إغفاله.
* * *
والآن، أعلمت أصالة هذه الفكرة المسلمة، ومدى ارتباطها بالعقل وبالفطرة؟.
وإنما انعتها مسلمة لأني لم أجد في الأديان الموجودة من يهتف بها، ويرتكز عليها غير دين (الإسلام)، ولأن (الإسلام) هو الاسم الذي وضعه القرآن لذلك الدين العام الذي يجمع الأديان ، وتلك الشريعة الجامعة التي تضمّ الشرائع..
اقرأ معي هذه الآيات الكريمة فانها تلم بأكثر هذه الحقائق:
(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتاكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرُنّه، قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري: قالوا: أقررنا. قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولّى بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون. أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون. قل: آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيّون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(1)).
واقرأ كذلك هذه الآية الكريمة:
(آمن الرسول بما أنزل عليه من ربّه، والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير(2)).
ولا استوعب الآيات التي تتصل بهذا فهي وافرة العدد.
* * *
أخي:
هذا هو مجال التصديق الذي صدّق به الإسلام شرائع السماء ؛ هل ترى فيه من سرَف أو عِوَج؟؟.
أما هذه الأشباح القلقة الباهتة التي تنسبها أوهام أهل الأرض إلى تشريع السماء، وأما هذه الأقوال الخرفة النابية التي تضيفها متقوّلة الناس إلى وحي الله.. أما كلّ هذه فإن كتاب محمد يقف لهم بالمرصاد..
يقول -عن أهل الكتاب وعن أديانهم الموجودة وكتبهم الرائجة-:
(فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون(3)).
ويقول في آية أخرى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرّفونه من بعدما عقلوه وهم يعلمون(4)).
ويقول كذلك: (وان منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب ويقولون: هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون(5)).
أما بعد، فانّ القرآن لا ينكر أنّ بأيدي الناس بقايا من كتب الله الصحيحة، وهي التي ردّهم إلى شهادتها عند الإحتجاج ، وأوجب عليهم الرجوع إلى حكمها عند التخاصم، ولكن بماذا تفي هذه البقايا بعد اختفاء الكثير، وبعد امتداد الأيدي إلى الموجود منها بالتحريف:
(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير(6)).
أخي: أحسب أن هذا الذي أوضحت كاف في جواب سؤالك. على أني في اكثره آثرت الإيجاز، وحجتي أنني موقن بحصافتك –أيها الأخ الكريم- وتقبّل من أخيك تحياته.
30 حزيران 1956 محمد أمين زين الدين
(1) آل عمرا:81-85.
(2) البقرة: 285.
(3) البقرة: 79.
(4) البقرة: 75.
(5) آل عمران: 78.
(6) المائدة: 16.