أشكر لك هذه العاطفة الفياضة بالأخوة، وأحترم منك هذه النفس الدفاقة بالنبل، وهذا الضمير العامر بالوفاء، وأرجو أن تكون مطمئن البال من حيث صحّتي، فهي -بفضل الله- لا تنفكّ في تقدم.. أما الآثار الباقية من الضعف، فأرجو زوالها –بمشيئة الله وعونه- متى رفع الطب عني قيود المآكل.
لفتني في رسالتك إلى هذا النعت الذي أضفيته على أخيك.. تقول في وصفه: إنه رجل واقعي.
فهل تأذن لي أن أقول: غايتنا التي نكدح إليها أكبر واقعية مني ومنك. ومَن أعظمُ واقعيةً منا -أنا وأنت- إذا انطبعنا في دخائل نفوسنا بهذه الغاية، فكنا لها في السرّ، وكنا لها في العلانية ، وكنا لها في الرخاء وكنا لها في الشدّة؟؟.
أقول: أنا وأنت، وأعني كل طالب للحق مجاهد للصواب..
ومن أظلم نفساً وأشدّ النفوس ظلاماً منا -أنا وأنت- إذا كنا نقول بألسنتنا ما ليس في قلوبنا، ونؤمن في عقائدنا بما نكذبه في أعمالنا؟؟.
وأقول: أنا وأنت وأريد كل مَذِق في القول، كاذبٍ في العقيدة.
عرّفنا الله قيمة الحق لنخلص له، ونجاهد من أجله، ونستميت في سبيله.
* * *
الكمال الأعلى بين الروح والجسد.
أخــي:
وهذان السؤالان اللذان ختمت بهما الرسالة، ما أبدعهما!!، وما أحقهما بالعناية!!.
جدير بالدين الحق أن يتفق وحدود غايته، فلا يقصر عنها لأن ذلك خسر لا يقوم بالحاجة، ولا يتخطّاها لأن ذلك عبث لا يلتئم والحكمة.
فإذا كانت غاية الدين هي رفع المرء إلى كماله الأعلى، وإذا كان الكمال الأعلى (وظاهر أن المراد به هنا: ما ينال بالإختيار).. إذا كان هذا مما تختصّ به الروح، فلماذا يشرّع الدين أحكاماً للجسد؟.
هذه هي مسألتك الأولى.
ولبسط الجواب عنها أود أن أكرّر شيئاً من أحاديثي السابقة.. أودّ ذلك وأعتذر إليك -أولاً- فلعل التكرار يبعث لك السأم، ولكن ما حيلتي أنا؟، وما حيلتك أنت؟ لابدّ لي أن أقول، ولابد لك من أن تسمع، لأنّا نلتمس أن نصل إلى الحل المقبول.
* * *
للإنسان نفس غير البدن، هكذا يشعر المرء حين يضع يده على ذاته يتلمّس أجزاءها .
جسد يولد طفلاً، ثم يتدرّج حتى يعود شاباً فكهلاً وشيخاً، ونفس غير هذا الجسد تتنقلّ بين أحوال وملكات، فمن الجهل إلى العلم، ومن النقص إلى الكمال، وبين الحمق والعقل، والإيمان والكفر، بل وبين الإرادة والكراهة، والبغض والمحبّة.
هكذا يشعر الإنسان حين يستقرئ أبعاض ذاته، وعلى هذه النظرة قامت الأديان، وبها أيضاً شهدت أصدق النظريات في العلوم.
ولكن الإنسان واحد على أي حال، واحد في التكوين، وواحد في الإشارة، وواحد في الصلات، وواحد في الأعمال، وواحد كذلك في الغايات..
هذه هي الموائز التي نفرّق فيها بين المتعدد والواحد ، وبأيها نمتحن الإنسان فإنما نقع على شيء واحد..
وحتى الأعمال والغايات التي يبدو في ظاهر الحال أنها من خصائص النفس فقط، أو الجسد فحسب..حتى هذه، فإنما تعود إلى ذلك الواحد الذي يتألف من هذين الجزءين، ولا تصدر إلا بمشيئته.
الإنسان، الكائن الواحد هو الذي يزن الغاية، ومتى رجحت لديه فهو الذي يسعى بجهده للحصول عليها.
ووحدة هذا الكائن لا تقبل منا تجزئة أبداً، إلا إذا آثرنا أن نجعله أجزاء متناثرة، وليس إنساناً سويّاً له كونه، وله صلاته، وله أعماله وغاياته.
وكما أن يد الإنسان المبتورة ليست إنساناً، وإنما هي بعض إنسان، ولن تقـوى أن تقوم بشيء من أعمال الإنسان، فكذلك جسده متى أبعدناه عن النفس، ونفسه متى فصلناها عن الجسد، لا يكونان إنساناً ولا يملكان أن ينهضا بشيء من أعماله.
وأخيراً، فهل وضح لأخي جواب سؤاله؟.
.. الكمال الاختياري الأعلى غاية الإنسان كله، لا غاية روحه فقط، وبلوغه إلى هذه المرتبة لا يمكن الا بسعيه كله، لا بسعي الروح فقط، وأقول: كله، لمجرد التوضيح.
إحالة -وعينيك- أن نوزع الإنسان أشلاء. ثم نكلف كل عضوٍ مبتور منه أن يقوم بأعمال إنسان.. وإسفاف أن نعلّل حكمنا هذا بأننا إنما نطلب من اليد أعمال يد، ومن الرجل غاية رجل.
متى اختصّت هذه الغايات بهذه الأعضاء ليقبل منا هذا التعليل؟.
متى استطاعت –وهي منفردة- أن تقوم بهذه الأعمال ليصحّ منا ذلك التكليف؟.
المرء كائن واحد، مترابط الأجزاء، متراصف الغايات، والكون الذي رفعه إلى أعلى من حيث روحه هو الذي شدّه إلى أسفل من حيث مادّته. والمكوّن الذي أهّله لأن يصبح كالملاك في طهره وأخلاقه هو الذي مكّن فيه هذه الغرائز التي تلحقه بالحيوان في طباعه، ثم هو الذي أمدّه بالعقل والإرادة والضمير.. بهذه الأجزاء التي يرتفع بها عن الدنايا، ويتنكّب بها عن الهوان -إذا شاء-.
* * *
وإذا كان جميع هذا ثابتاً لا ريب فيه، أفلا يكون من الحتم على الدين الحق أن يلحظ هذه الوحدة المتكاملة وهو يشرّع، ثم يلحظ هذه الوحدة المتكاملة وهو ينفّذ؟..
.. ألا يكون من الحتم عليه أن يرعى وجهة لها تعلق بالغاية؟.
وأخيراً، ألا يكون من الحتم على الدين الحق أن يهذّب الإنسان من حيث جسده كما يهذبه من حيث روحه ليكون أهلاً لنيل الكمال الأعلى؟.
وكيف يقوى الإنسان أن يتبوّأ هذه المنـزلة، بل وكيف يمكن أن تتهذب روحه، وشطره الآخر لايفتأ غاطساً في الأوحال؟.
هذه هي النظرة الصائية التي ارتكز عليها التشريع في الإسلام، والتي يجب أن يرتكز عليها كل دين صحيح.. أما اليهودية والمسيحية القائمتان، فيكفي –للدلالة على الوهن فيهما- قصورهما من هذه الوجهة.
.. اليهودية والمسيحية القائمتان وكتبهما المتداولة في الأيدي، وتعاليمهما المألوفة بين الأتباع.. أما الديانتان السماويتان وكتبهما المنـزلة، وتعاليمهما الصحيحة، فهي مبرّأة من هذه العيوب ومن كل عيب، والإسلام يعترف لها بهذه النـزاهة، ويعتبر هذا الإعتراف إحدى عقائده الأصيلة..
وهذا ما سأتعرض له في جواب مسألتك الثانية -إن شاء الله-.
17 حزيران 1956 محمد أمين زين الدين