انتـظار ودعـاء
واقعية الإطراء
مشورة وتبادل آراء لا وحي من الله
الكـمال الأعلى للروح لا للجسد

انتظار ودعاء.

لقد طال انتظاري -يا سيدي- لجوابك عن كتابي، وبقيت -كما يذكرون في الأمثال العربية القديمة- أضرب أخماساً بأسداس، فانكم لم تخبروني -كجاري عادتكم معي- بموعد سفر لكم لأكون على علم منه، ولم تطلعوني على حدوث شيء آخر يوجب قطع المراسلة، ولم يصدر مني -فيما أعلم- ذنب حتى أعدّ قطع الصلة والعلاقة جزاءاً على ذلك الذنب الصادر.

لقد كنت دائم التفكير هذه المدة الطويلة، على أني مستمرّ في دراستي التي وجهتموني إليها، فكنت أقتبس من فوائدكم السابقة، ومن كتاب (الرحلة المدرسية) الذي أتممت دراسة أجزائه، وابتدأت في قراءته مرة ثانية، ومن كتب صغيرة أخرى، ومجلات عثرت عليها في أثناء بحثي، ومن (القرآن) الذي أخبرتكم سابقاً بأنني قد أغرمت وأولعت به، منذ اليوم الذي توجّهت فيه لدراسة دين الإسلام.

وأعلمكم هنا -وبهذه المناسبة- أنني كنت -ولا أزال- مولعاً بتسجيل جميع ما أستفيده أنا من إرشادات هذا الكتاب (القرآن) وتعاليمه التي اقتبسها أنا وحدي بدون مرشد، ولا مصدر سوى ما قلت لكم من بعض كتب اللغة، وقد اجتمعت لديّ من مواصلة عملي هذا أشياء كثيرة جداً، ولكني منذ اتصالي بكم واستفادتي منكم ومن كتاب الرحلة المدرسية والكتب والمجلات التي أشرت إليها بدأت أعدّل في تلك الأشياء التي جمعتها، فحذفت وغيّرت كثيراً منها، وها أنا جادّ في ذلك بالإضافة إلى أعمالي الشخصية الأخرى الكثيرة.

وعلى الرغم من هذا الشغل الدائم المتّصل -يا سيدي- فانني لم أبرح -طيلة هذه المدّة- دائم التفكير لتأخر كتبكم وفوائدكم عني، وحين وصلتني رسالتكم كنت كالظمآن إذ يرى الماء بعد ظمأ شديد في هاجرة قوية لافحة السموم والحرّ.

ولقد قرأت في الرسالة خبر انحراف صحتكم، فكان وقع هذا الخبر على نفسي وقعاً قاسياً مؤلماً، مع أنكم بشرّتموني فيها أيضاً بتماثلكم للشفاء حتى سمح لكم الطبيب بمزاولة أعمالكم الفكرية، إلا أنني لا أزال قلق الفكر، فأرجو أن تعرفوني عن تقدّم صحتكم لأطمئن –ياسيدي-.

وما الذي أقدر أن اعملهُ تجاه ذلك وأنا في موقفي الذي تعلمون جيداً بأنه غامض ودقيق، سوى أن أتوجه بصلواتي المخلصة الحارّة إلى الله السميع المجيب أن يشفيكم من السقام  والأعراض، ولولا موقفي هذا لتمكّنت أن أقوم بدوري من بعض الخدمات الصغيرة.

*  *  *

واقعية الإطراء.

أخي وسيدي:

إنني لم أقدّم لكم ما قدّمته في كتابي من الثناء عليكم، وعلى الفصول التي أرسلتموها إليّ من حيث أنني أروم التقريض، فإن هذه خصلة لا أحبّها، كما وليس لي حاجة إليها، بل إنما كنت ناقداً ، كما رجوتم وارتقبتم مني.

إلا أنني أسألكم –يا سيدي- ما هو موقف الناقد إذا كان فحص الجوهر المنتقد بمقدار جهده، وعلمه، وفتش عن الزيف فيه فلم يجد، ولم يرَ إلاّ جوهراً غالياً نفيساً، أيمكنه -بعد ذاك- إلاّ أن يقول: إن هذا الجوهر جيّد جداً، وإن عامله عامل ماهر.. هذا بذاته هو ما صنعته.

وإنني –يا سيدي- لأكره المحاباة كراهة شديدة، ولو كنت أرغب فيها لحابيت الديّن والتعاليم التي ولدت ونشأت في أحضانها وتحت رعايتها، فإنني أحوج ما أكون إلى المحاباة فيها.

وإنني قد علمت -من كتابكم الأول- أنك رجل واقعي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية: إنك تدفع بي إلى التعالي والتسامي والاستقلال في البحث مع الاستقصاء فيه، وأنا أعترف على نفسي بأنني هنا قد رغبت في الاختصار، ولذلك فقد أصدرت حكمي مجملاً كي انتقل إلى جهة أخرى.

ولكن إذا اختلفت الرغبة فيما بيننا فإنني أجعل لكم الخيار، فلقد علمت أنكم إنما تريدون ما هو أجدى لي وأيسر للنتيجة التي أطلبها.

*  *  *

مشورة وتبادل آراء لا وحي من الله.

سيــدي

لقد قرأت استعراضكم لبعض النظرات المتهافتة المتباينة الموجودة في (الكتاب المقدّس)، حول الجسد والروح، والإيمان والعمل، والبرّ والخطيئة، وإنني لم أستغرب هذا من جرّاء أنني قد عثرت في هذا الكتاب على أمور كثيرة من هذا النوع.. الأمر الذي أوجب اشمئزازي من الكتاب، وبالتالي رفضي إياه.

وتكملة لبحثكم أقول:

لابد وأنكم قد قرأتم الإصحاح الخامس عشر من سفر أعمال الرسل، وهذا الإصحاح يتضمّن اجتماع الرسل (يعني تلاميذ المسيح) ووقوع المباحثة فيما بينهم حول الأمم الذين تابعوهم ودخلوا في دينهم من غير الاسرائيليين واليهود.. أيفرضون عليهم الختان والالتزام بتطبيق وصايا الناموس أم لا؟، واستقر رأيهم الأخير على أن لا يثقلوا عليهم بشيء من ذلك..

فلا ضرورة بهم إلى الختان، ولا إلى تطبيق شيء من وصايا الناموس وتعاليمه، بل أرسلوا إليهم مع بولس وبرنابا ورجلين آخرين غيرهما اختاروهما من التلاميذ أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم.. يمتنعون عن هذه الأشياء فقط، ثم لا شيء عليهم بعد الإيمان بالمسيح وبالفداء وتوابعه(1).

فالمسألة –يا أخي، على هذا- مسألة مباحثة ومشورة بين الرسل (التلاميذ) وتبادل آراء وأفكار ، لا مسألة وحي أتى من الله الرب لهم أو ليسوع المسيح من قبل أن يصلب.

والمسألة مسألة اصطياد بالتخفيف عن الأتباع وتركهم على عاداتهم ومألوفاتهم التي ألفوها حتى يكثر عددهم ويضخم..

اقرأ هذه العبارة -كشاهد على ذلك- وهي من الاصحاح المومى إليه:

(لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به إذ يقرأ في المجامع كل سبت)..

ولهذا السبب ذاته –أعني (تكثير الاتباع)- أوجب بولس وبقية الرسل معه على متبعي الناموس: (الإسرائيليين) أن يستمروا على تمسّكهم بتعاليمه (الناموس) ووصاياه، إلا أنه يجب عليهم أن يضيفوا –إلى ذلك- العقيدة بالمسيح ونبوّته، والفداء، والخلاص من الخطايا بدمه، فانّ المتبعين لناموس موسى يصعب عليهم رفضه من حيث أنهم قد ألغوه وقدّسوه في أجيالهم وطبقاتهم، فلو أن بولس أو غيره أمرهم برفض الناموس لما قبلوا ذلك منه أبداً، ولرفضوا دعوته رفضاً باتّاً، من أجل ذلك أوجب عليهم أن يطبّقوا الناموس.

انني لا أشك ولا أرتاب في هذا، كما وأنني لا أشك أيضاً في أن الأعمال الصالحة المرضية إنما هي ثمرة الإيمان الصحيح، فلا قيمة للإيمان بلا عمل يكون على طبقة، ولا قيمة للعمل من دون إيمان.. ولا شك عندي أيضاً في أن الدين الكامل يجب أن يتضمن التهذيب لهاتين الناحيتين.

*  *  *

الكمال الأعلى للروح لا للجسد.

إلا أن لديّ سؤالاً أرغـب في أن أوجههُ إليكم، وهو أن غاية الدين -كما بيّنتم لي ودلَلتم عليه في بعض فوائدكم المتقدمة- هي رفع مستوى الإنسان حتى ينتهي ويصل إلى كماله الأعلى، والكمال الأعلى إنما هو للروح لا للجسد، لأنها هي (الروح) التي ترتقي في الكمالات، والجسد -إذا قطعنا نظرنا عن الروح- ليس سوى حثالة من الطين.

وتطوره في الكمالات إنما هو تطور مادّي يجري طبقاً للنواميس الطبيعية الجارية في المادّيات، ولا صلة له بالدين أبداً، وإذا كان كذلك؛ فأيّ فائدة في أن يشرّع الدين أحكاماً للجسد؟؟..

أرجو من سيدي أن يوضح لي الجواب عن هذا، كما وأرجو ايضاً أن يبين لي موقف الإسلام تـجاه الديانتين المعاصرتين له (اليهودية والمسيحية) مع مباينتهما له في النظرة –على أدنى تقدير-.

فإذا أراد اتباع هاتين الديانتين أن يتخذوا آيات القرآن الدّالة على صدق الأنبياء والكتب السابقة دليلاً وشاهداً على صحة أديانهم وكتبهم الموجودة، فبماذا يجيب المسلم عن ذلك؟.

25 حزيران 1956    ط . ظ

 

(1) (… أجاب يعقوب قائلاً: أيها الرجال الإخوة اسمعوني. سمعان قد أخبرَ كيف افتقد الله أولاً الأمم ليأخذ منهم شعباً على اسمه، وهذا توافقه أقوال الأنبياء كما هو مكتوب. سأرجع بعد هذا وأبني أيضاً خيمة داود الساقطة وأبني أيضاًردمها وأقيمها ثانية. لكي يطلب الباقون من الناس الرب وجميع الأمم الذين دعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا كله. معلومة عند الرب منذ الأزال جميع أعماله. لذلك أنا أرى أن لا يثقل على الراجعين إلى الله من الأمم. بل يرسل إليهم أن يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة من يكرز به إذ يقرأ في المجامع كل سبت.

  وحينئذ رأى الرسل والمشائخ مع كل الكنيسة أن يختاروا رجلين منهم، فيرسلوهما إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا يهوذا الملقب برسابا وسيلا رجلين متقدّمين في الأخوة. وكتبوا بأيديهم هكذا: الرسل والمشائخ والأخوة يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكيّة. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس. الذين نحن لم تأمرهم. رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبنا برنابا وبولس رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع  عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة. أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون كونوا معافين). (الإصحاح: 15. أعمال الرسل: 13-29).