اعتذار
حسبي اني أديت الأمانة
الإيمان والعمل في الكتاب المقدس
لابد للإيمان من العمل الصالح
منابع المعرفة

 

اعتــذار

عارض من عوارض الصحة الهاني بجدّه عن جدي، واستبدّ نشاطـه بنشاطي، حتى لم يبق مني بقية للفكر، ولم يترك لي فرصة للتحرير.

هذا -يا عزيزي- هو العائق الذي اعتاقني عن مراسلتك هذه المـدة، ولم أعلمك من قبل، لأن العارض ورد بغتة، ولم أطلعك من بعد لأن قسوة المرض وحكـم الطبيب حظرا عليّ أي عمل، ومنعاني عن أيّة محاولة.

أخــي:

ليكن للأقدار ما تشاء، فحكم الله حميد العاقبة على كل حال، وحكمة الله مضمونـة الغاية على أي وجه، والآن –وقد ابلّ السقيم وأوشكت الآثار- أهتبل أول فرصـة لأجـيب ومن الله وحده شفاء الأدواء، ونجح المقاصد.

*  *  *

حسبي أني أدّيت الأمانة.

وقفت على رسالتك الأخيرة، ولا أستحب أن اقارضك عنها ثناء بثـناء، أما النصائح التي قدّمتُها إليك، فهي واجبات الأخوة التي علقتني بك، وشدتك إليّ، لعلّـي أقوم ببعض فروضها.. وأما الفصول التي اقتطعتها لك من كتاب (الإسلام) فحسبي أمنية إذا كنتُ فيها لم أثبت شيئاً يأباه الحق، أو برفضه العقل، أو يمقته الله.

أجل -يا أخي- كفاني من أماني نفسي إذا كنت أرضيت الحق في تصوير الحق، وأرضـيت العقل في الدلالة عليه، وأرضيت الله في هدفي من كل أولئك.

..حسبي إذا كنت أديت الأمانة.. أمانة الحقّ لمن يقدّس الحق، وأمانـة العقل لمن يسترشد العقل، وأمانة الله لمن يطلب الله.

ولقد كنت ارتقب من أخي نظرة الناقد لا نظرة المقرّض.. نظرة الناقد لأنها تصوّب مـن أعلى، لا نظرة المقرّض لأنها توجه من أدنى.

.. الناقد الذي يستثبت الزيف، ويمتحن الجوهر، يعرف كلاً بخصائصه، ويحكم عليـه بأحكامه.

وأقول -والفضل لله وحده-: لو صوّب أخي هذه النظرة لاستبان من الحقائق أكـثر مما استبان، ثم كفاني بتلك الثمار غنى عن أي تقريض.

*  *  *

الإيمان والعمل في الكتاب المقدس.

وأما سؤالك عن النتائج التي تضمنتها تلك الفصول: أهي مقتبسة من القرآن؟..

فأكتفي في جوابه هنا بـأن أقول: نعم، كل ما فيها مقتبس من القرآن.. أما الدلالة على مواضع الاقتباس فقد تضمنتها فصول أخرى من الكتاب ذاته، وأعتذر إلى أخي من نقلها.(1)

وعرضاً أقول هنا:

لقد قرأت (الكتاب المقدس)، ووقفت على نظراته حول الجسد والروح، والإيمان والأعمال، والبر والخطيئة..نظراته الحوّل القلّب، التي لاتكاد تنتهي نظرة منها حتى تنقضها نظرة أخرى..

اقرأ -إذا شئت- رسائل بولس ويعقوب والرسل الآخرين..

اقـرأ هذه الرسائل التي قالوا: إنها وحي السماء على رسل مسدّدين..إقرأها كلـها، ثم انظر بأي نتيجة تنتهي، وعند أي حدّ تقف؟.

ولِمَ أقول لك: اقرأها . وأنت بلا ريب قرأتها ومحّصتها.

فبولس –مثلاً- يجد أن السرّ –كل السرّ- للإيمان.. الإيمان فحسب، الإيمان بالمسيح وتجسّده، وبنوّته لله الآب، ثم بصلبه وقيامته من الأمواتِ، وبأقصوصة الفداء والخلاص بدمه لمرتكبي الآثام.. السر -كل السر- للإيمان بهذه المقررات، والطهارة -كل الطهارة- للضمير، لا للأشياء التي يقول الناس: هي طاهرة أو نجسة، والحياة –كل الحياة- للروح متى أذعنت هذا الإذعـان، وإذا كان لشيء قيمة بعد ذلك فهي المحبّة، ونبذ الأوثان.. أما الأعمال والطقوس، فلا اهتمام لها بعد هذا..

اقرأ –للدلالة على هذا- الاصحاحات: الثاني والثالث والرابع من رسالته إلى أهل غلاطية  وهاك من الاصحاح الثاني هذه الآيات:

(إذ نعلم أن الإنسان لا يتبرّر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح، آمــنا نحن أيضاً بيسوع المسيح. لنتبرر بإيمان يسوع لا بأعمال الناموس، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسدٌ ما، فان كنا –ونحن طالبون أن نتبرر في المسيح- نوجد نحن انفسنا خطأة. افالمسـيح خادم للخطيئة؟. حاشا. فإني ان كنت أبني أيضاً هذا الذي قد هدمته فإني أظهر نفسي متعدّياً. لأني متّ بالناموس للناموس لأحيا لله، مع المسيح صلبت فأحيا، لا أنا بل المسيح يحيا فيّ، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي، لست أبطل نعمة الله لأنه إن كان بالناموس برّ فالمسيح إذن مات بلا سبب).

واقرأ هذه الآيات من الإصحاح الثاني من رسالته إلى أهل كولوسي:

(وإذا كنتم أمواتاً في الخطايا، وغلّف جسدكم، أحياكم معه مسـامحاً لكم بجميع الخطايا، إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الـذي كان ضداً لنا، وقد رفعه من الوسط مسمّراً إيـاه بالصليب. إذ جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه. فلا يحكم عليكم أحد في أكل وشرب، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت، التي هي ظل الأمور العتيدة، وأما الجسد فللمسيح….) إلى أن يقول:

(..إذاً إن كنتم قد مُتّم مع المسيح عن أركان العالم فلماذا كأنكم عائشون في العالم، تفر ض عليكم فرائض لا تمسّ ولا تذق ولا تجسّ، التي جميعها للفناء في الإستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس..).

واقرأ الاصحاح الرابع عشر من رسالته إلى أهل رومية.

ثم بينا بولس يصر على هذا الرأي، ويفرط في الاستدلال عليه -ولست هنا بصدد النظر في أدلته-، أقول: بينا هو يصرّ على هذا الرأي ويؤكده في أكثر رسائله إذا به يتنـزل عنه لمتبعي الناموس.

فيقول في الاصحاح الخامس من رسالته إلى أهل غلاطبة:

(لكن أشهد أيضاً لكل إنسان مختتن أنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس).

ويعقوب يخالف بولس في كل ذلك، فيرى أنه لا قيمة لإيمان ليس معـه عمل.. اقرأ قوله في الإصحاح الثاني من رسالته:

(ما المنفعة –يا إخوتي- إن قال أحد: إن له إيماناً ولكن ليس له أعمال، هل يقـدر الإيمان أن يخلصه، ان كان أخ أو أخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي، فقال لهما أحدكم: امضيا بسلام، استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة ؟، هكذا الإيمان أيضاً، إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته، لكن يقول قائل: أنت لك إيمان وأنا لي أعمال، أرني إيمانك بدون أعمالك وأنا أريك بأعمالي إيماني.. أنت تؤمن أن الله واحـد.. حسناً تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرّون، ولكن هل تريد أن تعلم -أيها الإنسان- البـاطل. إن الإيمان بدون أعمال ميت…(2).

ما هذا؟. ما هذا؟. أي النظرات هي الصائبة؟. وأي التعاليم هي وحي الله؟.

لماذا تكون الأعمال ليس لها قيمة عند مشرع الدين؟.

ولنفرض قول بولس حقاً: السرّ كل السرّ للإيمان ، والسرّ كل السرّ للمحبة ونبذ الأوثان، أليست المحبة العامة صلة من الصلات ، في الناس من يهتمّ بها بطبعه، وفيهم من يـزورّ عنها بخليقته؟، إذن فهي تفتقر –من أجل حراستها- إلى تأسيس حقوق وواجبات.

ومتى أغفلنا طباع الناس المتفاوتة لنكتفي -لتهذيبهم- بهذا القول البسيط:(أن تحـب قريبك كنفسك)؟.لااكتمك ياأخي، إنه تشريع لايسدّ الحاجة.

*  *  *

لابد للإيمان من العمل الصالح.

يحس الانسان أن له جسداً، ويدرك أن له غير الجسد روحاً، أما ما وراء هذا الإدراك البسيط.. فأين تقع الروح من الجسد؟، وأين يكون الجسد من الروح؟.

لهما وحدة في التكوين لا تتعدد، ولهما شركة في الأعمال والحركات ليست تنفصل.

أفليس –اذن- من واجب المشرّع الذي يراعي الواقع ويقدّر الضرورة أن يلاحظ الوحدة الطبيعية حين يشرّع للروح؟..

اليس يجد -إذا كان منصفاً- أنه متى أهمل الجسد في ناحية فقد أهمل الروح في تلك الناحية؟.

وأقول هذا لأني أريد أن أسلّم هنا لاتباع بولس أن الدين تشريع للروح.. أريـد أن أسلّمه جدلاً لندور مع البحث(3).

.. الدين الكامل -أيها الأخ العزيز- لا يهمل جهة ولا يختصّ بناحية، يشرّع لكل جهة من الإنسانية بمقدار ما تستحق، ويربطها بالله المكوّن المدبّر بمقدار ما تحتمل.. يربطها بالله في التشريع كما هي مرتبطة به في الوجود.

*  *  *

منابع المعرفة.

وأما السؤال الذي قلت: إنه من الفهم الخاطئ، فتكفي -لردّه- نظرة ثانية في رسالتي المذكورة.. أنا لم أحصر منابع العقل بالحسّ والتجربة، فقد ذكرت أن له منابع أخرى، وإن تَكُ محدودة كذلك. وحيـن ذكرت الحسّ فأنا لم أقيّده بالحس الظاهر، ليختص بالمادة وتوابعها، فللإنسان أنواع باطنية من الشعور، وهذه لا تختص بالماديات.

والفلسفات والنظريات المثالية التي تحدثت عنها أمور لا مساغ لإنكارها، إلا أنها تؤول -بمقدماتها الأولية- إلى تلك المدركات البسيطة، ونتائج العقل كالهرم العظيم يشاد بعض طبقاته على بعض حتى تبلغ القمة العالية العالية.. أما قاعدته الأولى فهي تلك الواطئة اللاصقة بالتراب.

23 حزيران 1956   محمد أمين زين الدين

 

(1) تراجع مباحث: لن تصلح البشرية إلا بالدين –لاتكون للبشرية وحدة إلا بالدين- لا يظلل البشرية إلا دين واحد- صلة الإنسان الأولى –الدين ضرورة للإنسان من شتى نواحيه- هل الدين حكر على الوجدان؟.. من كتاب (الإسلام: ينابيعه –مناهجه- غاياته) من ص92 إلى 122 الطبعة الثانية سنة 1978.

(2) ويستمر يعقوب قائلاً بعد النص السابق:

(… الم يتبرّر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم إسحاق ابنه على المذبح. فترى أن الإيمان عمل مع أعماله وبالأعمال أكمل الإيمان. وتم الكتاب القائل فآمن إبراهيم بالله فحسب له برّاً، ودعي خليل الله. ترون اذن أنه بالأعمال يتبرّر الإنسان لا بالإيمان وحده. كذلك راحاب الزانية أيضاً، أما تبررت بالأعمال إذ قبلت الرسل وأخرجتهم من طريق آخر، لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت.).

(3) من الملاحظ أن القرآن ينيط الإيمان بالعمل الصالح في بلوغ النتائج المتوخاة من الاستمساك بالدين، ولا يرتضي الإيمان وحده بحال من الأحوال:

  (..ان الانسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.) (العصر: 2-3)

  (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون) (البقرة: 25).

  (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون. الا على ازواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون. والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (المؤمنون: 1-11).

  إلى الكثير من السياقات والآيات الواردة في هذا الشأن.