لقد تلوت نصائح أخي وسيدي، وأمعنت الفكر في وصاياه الثمينة المهمّة التي تفـضّل بها في كتابه على أخيه، المستخلصة من معلوماته الكثيرة في النفس والأخلاق، وتجاربه المتـكررة في التربية والإرشاد.
وإن شخصاً يتسامى إلى مثل مقامكم الرفيع، ويطمح إلى أن يصير مربّياً روحـياً، يرشد الأرواح ويقوّم النفوس لحقيق عليه أن يكون هكذا ناصحاً، وهكذا رؤوفاً.
..وحقيق عليه أن يكون هكذا نافذ النظر ثاقب الفكرة، يعالج أي حال يراها مذمومـة بالعلاج النافع الصالح لها، وينتشل النفس التي يروم تربيتها وتقويمها مـن أي خلق ناقص تتسم به، ويعمل على خلاصها من أي خلط رديء يترسّب في طباعها وخـصالها وعاداتها، لتعود صالحة للتربية الرفيعة الشريفة، كما تعود التربة -بعد تعميرها وتنقيتها من الطفيليات الغريبة المفسدة- صالحة للغرس المثمر والنبات الطيب.. كذا فليـكن المربيّ، لاعدمتك يا سيدي، ولاعدمت تربيتك وإرشادك.
إنني سأعمل بنصائحك الثمينة القيّمة ما حييت، وسأحصل -بمعونة الرب الإله من أجـل تطبيق هذه النصائح، والمسير في أثرها وضوئها- على كل رغبة، وطلبة أتشوّق إلـى تحقيقها في هذه الحياة الحاضرة، وفي الحياة المقبلة الفاضلة التي ستكون خلفاً خالداً عن هذه الحياة الفانية المتعبة.
* * *
هل تنكرون الفلسفات غير المادية؟
سيــدي:
وأرجو أن لا تؤخذني إذا أنا كررت هذه الكلمة –كلمة سيدي- في مخاطبتي إياك، وإنك قد نصحت لي –فيما تقدم- بتركها، فانني لا أريد خلافك بهذا، كما ولا يحق لي، ولا ينبغي لي أن أريد خلافك ، سوى أنها لفظة يلذّ لي أن أقولها لك، ويلذّ لي أن أكررها..
بقي لي سؤال يتصل بكتابكم السابق، وقد أخرّت هذا السؤال إلى هنا غير عامد..
ذكرتم في ذلك الكتاب: أن الجهاز الفكري البشري محدود في آفاقه التي يتسامـى نحوها، من أجل أن الوسائل التي بيده إلى هذه الغاية محدودة وضيّقة هي الأخرى، وذكرتم أن وسائله في الادراك هي الحس والتجربة، وبديهي أن الحسّ والتجربة شيئان محدودان..
هكذا ذكرتم، وقد يفهم أحد من بوادر هذا القول أنكم تقصرون ما يدركه الفكر البشريّ على الأشياء المادية فقط، من حيث أنها هي التي ينالها الحسّ والتجربة، وتخضع لهما.
ومعنى هذا الفهم أنـّكم تنكرون وجود الفلسفات العقلية غير المادية، والنظرات الفكرية المثالية الخالصة، ونظرات العلوم الواقعية التي لا تتصل بالمادة، وهذا فهم خاطئ أعلم وأوقن أنه بعيد كل البعد عن مرادكم، ومراد الإسلام. ولكن بأي وسيلة يمكنني أن أنزّه كلامكم عن هذا الفهم الخاطئ، وبالأحرى أطرد عن ساحته هذا الوهم المتطفّل؟.
* * *
أخــي:
قرأت الفصول المدهشة المعجبة، وهي ما اقتطعتموه من مؤلفكم غير المطبوع الذي حررتموه في الإسلام.. هذه الفصول التي تتعلق منه بالدين، وتثبت للعقل أن الدين ضرورة لابد منها، ليس لاستكمال العقل فقط، وليس لتهذيب الروح فحسب، بل لكل نواحي الانسان، النفسي منها والفردي والاجتماعي..
تثبته للعقل الحصيف حتى ليكاد يلمسه ويحسّه ، ويتجسّم أمامه، وأتمنى -مخلـصاً- لو أن الزمان يسمح لي بقراءة هذا السفر العظيم، الحافل بالأبحاث العالية الراقية التي لا ينكر العقل منها شيئاً، ولو سمحت لي الظروف بقراءته لاستغنيت بها عن أي عناء –حسب ما اعتقد وأوقن.
قرأت هذه الفصول التي ضمنتموها رسالتكم للتدليل على جوهـر الدين، وبيان خصائصه التي يجب أن تكون فيه، وإثبات أن بني الإنسان كلهم مضـطرّون إليه في أمورهم الخاصة والعامة، وإثبات مدى نفوذه (أي الدين)، وسعة أفقه، ودقّة ملاحظاته وأسسه العقائدية والتشريعية، فأزلتم من نفسي كل ريبة تتعلق بهذه الجهات المتنوعة الكثيرة والمهمة في الوقت ذاته.
ولقد أيقنت يقيناً ثابتاً أن الدين الصحيح –وقد ثبتت له هذه الاصالة والنفوذ والدقة- لا يمكن لأي إنسان أن يكون هو الواضع لأسسه، والقائم على تشريعه ، بل لابد أن يكون الواضع له هو الله الرب، كما ذكرتم في كتابكم (من أشعة القرآن). في موضوعكم الرابع.
كـما وثبت لديّ صدق قولكم: إن قصر نفوذ الدين علـى شؤون الروح فقط نظـرة ضيقة إلى معناه، وصدق قولكم –أيضاً-: إن حساب هذه النظرة القاصرة عسير في موازين الحق.
.. نعم، إن حسابها وحساب أهلها لعسير -يا سيدي- وطويل، وإن هـذه النظرة لجناية كبرى على الدين والحق، وبالتالي على الإنسانـية جميعها بكل شؤونها، لأنها إذا ارتبطت في تهذيبها وإصلاحها في كل جهاتها بالرب الإله العطـوف، وبشرائعه المقدسة المضمونة الغاية فهو خير لها، واوصل(1) لغايتها المتوخاة وطلبتها المنشودة، أعني (الكمال الإنساني الأعلى).
وأجد نفسي شديد الرغبة في أن أوجّه لكم هذا السؤال:
هل هذه النتائج التي بحثتم عنها، ودلّلتم على ثبوتها في هذه الفصـول مقتبسة من القرآن أيضاً، كما بيّنتم لي أن فكرتي التي اقتنعت بها مذكورة في هذا الكتاب؟.. إذن فـما أعظـم كتاب محمد –يا سيدي- إذا كان يشتمل على هذه الحقائق!!.
ما أعظم كتاب هذا الرجل الذي يقول عنه أعداؤه: إنه بـدوي همجي لم ينل من ثقافة النفس ولا من ثقافة العلم شيئاً أبداً!!.
.. يقـولون هـذا ويصـرّون عليه أيضاً، وإنهم لا يعلمون بأنهم ينفعون هذا الـرجل –بمقالتهم هذه- ولا يضرونه، ويرفعون من قدره، ولا يضعونه.
انهم لايدرون بأن الواقع الحقيقي سيصادمهم بهذا السؤال:
كيف، وأنّى يمكن لبدوي همجي لم يتثقف ولم يتعلّم شيئاً أن يأتي بمثل هذا الكتاب، وبمثل هذه التعاليم والوصايا؟.
.. وإذا صحّ قولكم فيه بأنه بدويّ وهمجي، ولاحظّ له من الثقافة ، فلابد وأن تكـون هـذه التعاليم العالية، والحقائق الرفيعة قد هبطت عليه من مصدر أعلى.. لابد من ذلك لأن قولكم هذا ليس يثبته ويدل عليه فحسب، بل إنه يصر على ثبوته والدلالة عليه أيضاً.
بهذا السؤال -يا سيدي- يصادمهم الواقع الحقيقي، وليـس لهـم منه مخـرج أبداً، فهم يخدمون دعوة محمد بقولهم هذا ولا يضرونها..
سيدي: أرجو أن تزيدني علماً وبصيرة بجلالة هذا الكـتاب (القرآن)، وبسموّه في شتيت النواحي، ولا تنس وعدك السابق انك ستتحدث لي عن بلاغته الفائقة، وأما موضوع التوحيد فالأمر إليكم، إن اردتم تقديمه أو تأخيره عن تلك الجهات.
ودم لي ذخراً.
30 مارس 1956 ط.ظ
(1) يريد وأقوى ضماناً بالوصول إلى تلك الغاية.