المبالغة في إنكار القابليات وفي المجاملة
سعة مفهوم الدين مرة أخرى
إلى أي مدى يجب اتباع العقل للدين؟

المبالغة في إنكار القابليات وفي المجاملة

أجد أن انسجام البحث يفرض علي الإطالة في هذه الرسالة، فقد سبقت مني وعـود لامندح لي من البرّ بها، وتقدمت منك أسئلة لا محيص من الإجابة عنها، وأي غضاضة فـي الإطالة إذا هي لم تبعث السأم، ولم تخرج بالمتحادثين عن القصد..

..أما علماء آداب اللغة فيعدّون من فنون البلاغة أن يطول الحديث حيث يرتـكز الحب، وينتشر الصفاء.

أخــي:

أراك تبالغ في بعض الأمور فتلبسها ما ليس لها، أو تنزع عنها ما هو من شـؤونها، وهذه سمة يجب أن يتنزه عنها الباحث الحرّ..يتنزه عنها حتى في حكمه على نفسه، وحتى في مجاملته لغيره، ولست بحاجة إلى تعليل ذلك، فهو واضح.

.. بالغت في ضعفك الأدبي، وهذه أولى جهة أشكوها منك إليك.

أنت أديب يا عزيزي، وإن كنت تستحقر أدبك.. أنت أديب لأنّك تحسن أن تقول، وتملك أن تصوّر ، وانت أديب لامع لأنك تستطيع أن تنقل آلامك إلى قـرائك، ورسالتك المقطوعة شاهدي على ذلك..

..أنت تحسن أن تقول وأن تصوّر، وان تنقل، وهل الأدب شيء غير هذا؟

أما الإتساع في اللغة فتضمنه المطالعة لموضوعاتها.. وأما الارتفاع فـي الأسلوب فيكفله التمرن، وحسن الاتجاه، وأما غزارة المادّة فتوجبها إدامة الفكر وجودة النـظر، وأؤكد لك أنك في كتبك الأخيرة آدبُ منك في كتبك الأولى.

ونظرة الاحتقار إلى النفس توجب لها نكوُصاً عن طلب الكـمال، أو تردداً في الاتجاه إليه، فهي -من أجل ذلك- غير حميدة العافية.

*  *  *

وأراك تبالغ في المجاملة فتعتذر لأتفه سبب، وتتوجّس مـن أقل بادرة ، وشاهدي على قولي رسالتك المقطوعة أيضاً.

وخطر هاتين الجهتين على النفس ليس بأهون من خطر الجهة الأولى، وأدنى ما فيـهما تهمتك لصديقك بأنه يحاسب على الكلمة، وينفجر للعتاب، وإذن فما تكون حالتك معه إذا استمر النقاش وتنوع الجدل وتباين الرأي؟!.

عليك –أيها العزيز- أن تسأل عن كل ما يدور بخلدك من غير مواربة..

..وعلى أخيك أن يجيب عن أي سؤال تلقيه عليه دون استخفاء..

.. وعليكما أن تلتزما وجهة الإنصاف في السؤال والجواب، وفي الأخذ والردّ..

.. وعليكما _قبل هذا وبعده- أن تستوثقا صلتكما في القلوب، وارتباطكما في الأخوة، في ظلال الحق الذي عنه تتحدثان، وفي سبيله تجاهدان.

هذه وحدها هي السبيل المستقيمة إلى الغاية .. أما ما سواها فسبل ملتوية..

*  *  *

سعة مفهوم الدين مرة أخرى.

أخي:

لنعد إلى الأسئلة التي قدمتُها إليك في كتاب سابق، وذكرت لك أن على البـاحث أن يجيب عنها قبل أن ينظر في أي دين..

..لنعد إلى هذه الأسئلة لأنك طلبت مني تشريحها وتوضيحها، ولأنك ارتبت في التفسير الذي ذكرته أنا لمعنى الدين..

.. لنعد إلى الأسئلة نبحثها ونسير على ضوء أجوبتها –كما قلت في كتابي المتقدم-.

واسمح لي أن أقول لك –قبل أي شيء-: ارتيابك في التفسير الذي ذكرته ناشئ عن نظرة الكنيسة لمعنى الدين..

..عن هذه النظرة الضيّقة التي عرّفته بها المسيحية، فقصَرت -من أجلها- سلطته علـى شؤون الروح، وشلّت حكومته عن المادة وأفردت ما لله لله، وما لقيصر لقيصر.

هذه النظرة الضيقة هي منشأ ارتيابك في التفسير المذكور، ولهذه النظرة حسابها العسـير في موازين الحق.

لننظر إلى الدين كما يقتضي الواقع لا كما ترتضي الأهواء ثم لنفكّر -بعد- إلى أي مدى يتّسع نفوذ الدين؟.

أجل، من الواقع المحسوس الملموس نأخذ ذلك لا من أقوال الأديان نفسها..

*  *  *

أمـا فكـرتك التي تأدّت بك إلى إثبات صانع الكون، ثم انتهت بك -أخيراً- إلـى أن الدين ضروري للناس.. أما هذه فمن وحي الفطرة لا من وحي الفكرة ، وهي موفّقـة غاية التوفيق، وقد لمح إليها القرآن كتاب محمد..

اقرأ معي قوله في الآية الحادية والعشرين من سورة البقرة :

{ يا أيها الناس اعبدوا ربّكم الـذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقـون. }

.. لكم خالق أنشأكم وأنشأ الذين من قبلكم من الأمم، لأنكم لـم توجدوا أنفسـكم، ولم يوجدكم من هو مثلكم من الناس..

.. وهذا الخالق هو الذي تعهّدكم، وتعهد الذين من قبلكم بالتربية الصالـحة والتدبير الحكيم، فهو ربكم كما هو خالقكم..

إذن، فمن الحق أن تخضعوا له بالعبادة وتؤدّوا حقه بالطاعة.

أسمـعت؟، هـذه فكـرتك السديدة بفصولها ونتائجها قد أدّاها قرآن محمد بأداء يليغ، وحسبي هذه الإشارة، فلست أحاول هنا أن أعدّد أسرار البلاغة في هذه الآية الكريمة.

ولعـلك تقـول: وهـذه الفكرة تنتج أيضاً: أن الدين نظام للروح .. للروح فقط، لأن ذلك هو الضرورة التي أدّت إليها الفطرة وأرشدت إليها الآية.

لعلك تقول هذا .. وواضح فساد هذا الاستنتاج.

الدين ضروري لأنه توثيق لصلة الناس برب الناس، وتأدية لحقوق الخالق الواجـبة علـى المخلوقين.

أما بماذا تتوثق هذه الصلة؟.. وبماذا تتأدّى هذه الحقوق؟.

أبخضوع الانسان لأوامر الله في تهذيب الروح وحدها أم بخضوعه لتشريع الله في شـؤون كلٍّ من الجسد والروح؟.

أمّا بأي هذين تتوثق الصلة وتتأدى الحقوق؟، فأدع الحكم فيه لفطرتك السليمة أيضاً.

وأما التشريح الذي طلبته مني لهذه الأسئلة فاني سانقل لك فصولاً تحتوي عليه مـن كتابي في الاسلام.. سأنقل هذه الفصول وإن طال بها البحث وطالت بها الرسالة.

……………….. (1)

*  *  *

أخــي:

أنا أعلم ان الحديث قد طال وطال، ولكن ما العمل والجواب لا يتأدّى بأقل من ذلك؟.

ورجائي أن تفرد ملاحظاتك على هذه الفصول عن رسائلنا المعتادة، لأن هـذه الفصول جزء من مؤلف غير مطبوع(2)، فالملاحظة عليه هنا توجب عنتاً للقراء –إذا قدّر لرسائلنا هذه من يقرأ-.

وستجد أن الفصول السابقة لم تجبك عن أسئلة التوحيد، وهذا ما آثرت أن تفتـتح عنه حديثاً مستقلاً فيما يأتي –إذا أمدنا الله بالتوفيق-.

*  *  *

إلى أي مدى يجب اتباع العقل للدين؟

وبقي من المخلفات سؤالك الأخير في رسالتك الأخيرة:

..إلى أي مدى يجب اتباع العقل للدين؟.. وفي أي الأشياء يلزم العقل هذا الإتباع؟.

..وأظن أن جوابه واضح جداً من رسالتي المتقدمة التي ذكرت فيها العقل والديـن ، وما كان لأخي –وهو الحصيف- أن يسأل هذا السؤال متى قرأ الرسالة بإمعان.

فقد قلت: عظمة الدين الحق أن يمدّ هذا الجهاز ليكمل نقائصه، فيسير به إذا وقف، ويبصره إذا عمي، ويثبته إذا اضطرب. وقُلت أيضاً: فهو توجيه للعقل في المعرفة، وتوجيه للارادة في العمل. الدين الحق يمد الجهاز الفكري ويرتقي به صعداً في مدارج المعرفة، لا أنه يرجع إلى الوراء، وللعقل البشري آفاق لا يشكّ فيها أبداً، فإذا نصح له أي ناصح -وإن يك ديناً- بنقيض رأيه أو بضدّه فقد أمره بالتقهقر.

.. وهنا نقطة الافتراق..

والعقل البشري -مهما كان محدوداً- فإنه لن يجهل أبداً جهاته الستّ، فإذا أخذ بيده آخذ إلى واحدة منها فإنه -لا محالة- يعلم أي وجهة يريد به القائد، فيتّبع -حينذاك- أو يرفض..

وقلت أيضاً: لابد من البرهان الجليّ على أمانة القائد، وعلى سـداد القيادة.. البرهان الجليّ الذي يثمر اليقين على أمانة القائد في كل حركة يأمر بها، وسداد القيادة في كل مجال تتقدم فيه.

القائد أمين، والقيادة سديدة، وكل ذلك يقينيّ لا ظل فيه للريب.. إذن فبـماذا يمـتري الفكر إذا كان يكره الوقوف؟.

27/مايس 1956  محمد أمين زين الدين

 

(1) البحوث هي من باب (الدين في ينابيعه الأولى) من كتاب (الإسلام: ينابيعه، مناهجه، غاياته) وآثرنا طيّ هذه الفصول هنا لأنها حرّرت لكتاب آخر ولسنا نرغب في التكرار فمن يريد الإطلاع عليه مراجعة الكتاب المذكور.

(2) صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة 1961 بينما كتبت هذه الرسائل عام 1956 كما هو واضح من تاريخها.