حقائق مسلّمة
 سعة مفهوم الديــن ومقارنته بالقانون
هل يجـب الانقياد للدين دون تمييز؟

...الكتاب ملحق لسابقه...

أعتقد أن السيد المبجل يعذرني إذا اعتبرت كتابي هذا ملحقاً لكتابي المتقدم بالأمس ، وتكملة له من حيث أنني لم أقدر في ذلك الكتاب على أن أتم الجواب، وضعف قدرتي الأدبية –على ما أظن- هو السبب في ذلك، لأن الحالة العاطفية الغريبة التي عرضت لي –وأنا فـي أخريات الكتاب- قد منعتني من إكماله، وسدّت عليّ أبواب التفكير. ولو كانت لي مقدرة أدبـية تسعفني بما أطلب لتمكّنت من أن أتغلب على تلك الحالة كما يتغلب الأدباء على مواقفهم فينفذون منها إلى ما يريدون، وعلى كلٍ فاستميح أخي الكريم المعذرة وأطلب عفوه.

*  *  *

حقائق مسلّمة.

أخي وسيدي:

إنك ذكرت لي في كتابك جملة من الحقائق، والحقائق التي ذكرتها واضحة جليّة لا يسـع أحداً يدّعي المعرفة والإنصاف أن يشك فيها.

قلت لي: إنك تخشى أن يطول التفاهم ما بيننا على منهاج البحث، وإنه إذا طال وتشعّب فسيكون إغراقاً لا طائل فيه، وهذا حق، فلنطوه كما تشاء.

وقلت لي: إن دراسة حقائق دين الإسلام وتعاليمه –مع فرض محمد عارياً عن وصف الرسالة والنبوّة- سوف لا تكون دراسة حقيقية لهذه التعاليم، وإذا تمّت في بعضها فإنها لـن تتمّ في الجميع، وهذا حق أعترف به أيضاً، لأن تعرية محمد عن الرسالة والنبوّة معناها تعريـة هذه الحقائق عن صفة الدين، وإنني إنما أبحث عن دين، ونتيجة لهذه الملاحظة الصائبة فلنفرض في مقدمة البحث: أن محمداً رسول ونبي.

ومن الطبيعي أنه ليس معنى فرضنا رسالة هذا الرجل الكريم أننا اعترفنا برسالته حقـاً لأننا في ابتداء الدراسة التي لعلها تؤهلّنا وتوصلنا إلى هذا الاعتراف، بل معنى ذلك: أنا نفرضـها فرضاً مجرّداً يمكننا معه أن نواصل الحديث والبحث.

وقلت: إن الفكر البشر محدود، وهو -من جرّاء هذه الصفة. لا يتمكن مـن تعليل بعض النواحي، بل وقد لا يتمكن من معرفة بعض الأمور..وهذا لا أنكره أيضاً.

*  *  *

سعة مفهوم الدين ومقارنته بالقانون.

إلا أن الشيء الذي لم أستطع أن أفهمه وحدي هـو تفسيركم للدين بهذا التفسير الواسع الذي ذكرتموه في كتابكم إلي، وقد قرأته لكم من قبل هذا بصورة أكثر تفصيلاً في الموضوع الرابع من مؤلفكم (من أشعة القرآن)، كما وقد جعلتم هناك أن هذه السعة والدقة هما المائز الأصيل بين الدين والقانون (1).

والمعروف من معنى الدين أنه نظام روحاني فحسب، بحيـث يكون المهمّ في نظره هو تهذيب الروح وصقلها وتصفيتها من غشاوات المادة، ورفعها عاليـاً، لتقرّب –بطهارتها وتهذيبها- من ملكوت الرب الإله الحق.

وإذا كان هذا المعنى الأخير هو تفسير الدين، فإنه لا يستحيل على العقل أن يكـون واضعاً له مهما كان العقل الانساني محدوداً وضيّقاً، فيستفيد فسطاً مـن تعاليمـه بالتجربة، ويـدرك بعضاً آخر منها بالبداهة، ويقتبس النواحي الباقية من محاسن الأديان الموجودة، ويؤلّف من ذلك المجموع ديناً مستقلاً..

والفارق بين الدين والقانون -إذا كان هذا المعنى هو تفسير الدين-: أنّ هذا (أعـني الدين) ينظر في شؤون الروح وصلاتها، والقانون ينظر في نواحٍ أخرى من السياسة والاقتصاد وغيرها.

*  *  *

هل يجب الانقياد للدين دون تمييز؟

والشيء الآخر الذي اطلب إيضاحه وبيانه من أخي وسيدي هو قوله: (وعظـمة الدين الصحيح أن تكون نظرته أوعب وأعمق من نظرة العقل المحدود..).

..فهل أستطيع أن أفهم من قولكم هذا أن تعاليم الدين يجب الإنقياد إليـها وان خالفت العقل لأن نظرة الدين أعمق، وأنه يلزم على الإنسان أن يؤمن بما يمليه عليه الدين من غير قيد ولا شرط؟..

..إن هذه –بذاتها- هي (خرافة) آبائنا الروحانيين اليسوعيين التي رفضتها غير آسف، وهي هي عين ما استنكرته من كنيستي التي تلقيت وتلقنت ألغازها التي لا تحلّ منذ صباي…

أتقدم إليك بهذا السؤال وأنا أقرّ قولك في الكتاب، فلابد من البرهـان العـام التام على أمانة ذلك القائد، وعلى سداد القيادة، وأجد في هذه العبارة ما يصلح أن يكون جواباً للسؤال، الا أنني أتقدم بسؤالي على رغم ذلك لأعلم إلى أي مدى يجب على العقل اتباعه للدين، وفي أي الأشياء يلزم عليه الاتباع؟.

26 مارس/1956   ط . ظ

 

(1) يشير المرسل إلى ما ذكره المؤلف (قدس سره) في كتاب (من أشعة القرآن) حول الدين وضرورة ان يتعهد دين الانسانية جميع نواحيها إذ قال (رحمه الله)هناك :

(ضروري للدين الذي يطمع أن يكون دين الانسانية جمعاء أن يتعهّد كل ناحية من الإنسانية، وان يراعي كل ظاهرة من ظواهرها، وكل خفيّة من خفاياها.

فللانسانية نواحٍ متباعدة الأطراف متّسعة الآفاق، وللانسان غرائز وطبائع عميقة الجذور، متنوعة الآثار، وله صلات بما حوله من مظاهر الكون، وبمن حوله من أفراد الإنسان، ولهذه الصلات المتنوعة لوازم تفرضها الطبيعة أو تقتضيها الحياة، أو يحميها الاجتماع، ومن الحتم على الدين أن يبسط ملاحظاته على جميع هذه النواحي، وأن يستوعب كل هذه الآفاق، وأن يغلغل نظره في مستور الغريزة، وفي مستكنّ الطبيعة، وفي مختلف الصفات والصلات ثم يوازن ويقارن، ويضع حكمه مستخلصاً من جميع هذه الحقائق، مراعى فيه جميع هذه الجهات..

من الحتم على الدين أن يكون كذلك والا فهو أجبّ أقطع، لا يصلح للبشرية، وإن صلح لجيل منها أو لأمة من جيل.

بهذه الخاصة يفترق الدين عن القانون، فهذا الأخير ضرورة موضعية محدودة، يفرضها الزمن، وتلدها المناسبة، فإذا تحوّل الزمن، وتغيرت المناسبة الغي القانون،  وحالت موادّه، أما الدين فإنه يستخلص أحكامه من واقع الحياة، ومن صميم قوانينها، فهو راسخ يرسوخ الحياة، عامّ بعمومها. قوي بقوتها.

بلى، قد تطرأ طوارئ، وتجدّ أحداث، وهذا شيء يجب على الدين أن يلحظه كذلك، فيعدّ له قواعد استثنائية يفرضها الإضطرار أو يدعو إليها الحرج..

ومن أجل هذه الخاصة في الدين استحال أن يؤخذ من عقل محدود، مهما اتسع أفقه، وبَعُد إدراكه..

.. استحال ذلك لأن العقل الواحد -والعقول المجتمعة- لا يمكن أن تحيط بشؤون الانسانية جمعاء، وبطبائعها كافة لتضع لها الدين القويم الذي يصلح الأجيال، وينظّم الأمم.

نعم، ووجب أن يكون واضع الدين هو الله.. الله الذي خلق الكون، ونظّم طرائقهُ ، وأبدع الانسان، وعلم طبائعه وأحاط بمقاصده وغاياته.

يراجع كتاب (من أشعة القرآن) الطبعة 2 ص26-27 ط دار الزهراء-بيروت.