الأخوة الإسلامية مرة أخرى
الإهمال والاستئثار بالمعارف الإسلامية
العقل الإنساني ومنابعه
الدين والعقل

أشـكر لأخي الكريم تهنئته الفواحة بالطيب، وتمنياته المفعمة بالإخلاص بمناسبة عيد الفطر المبارك، وأبتهل إلى الله المجيب أن يطيل له البقاء، ويديم له الهناء.

*  *  *

الأخوة الإسلامية مرّة أخرى.

أخي:

وجدتك تستدرجني ببراعتك إلى التحدث عن الأخوة في الإسلام، وعـن المقارنات والمفارقات فيما بينه وبين سائر الأديان.

والأخوة في دين الإسلام قاعدة ترتبط بكل قواعده، وتمتدّ جذورها إلى جميع جـذوره، وينعكس ظلّها، بل ويستبين أثرها على عامة أحكامه وفروعه.

وهي ركيزة قانون الإجتماع في هذا الدين، ومبدأ تعادل الحقوق والواجبات في شريعـته، فليس من الحق أن يقتضب الحديث فيها اقتضابا .. ولعل المناسبة تقتضيني بسط هـذا الموضوع متى تحدثنا عن النظم الاجتماعية في الإسلام.

*  *  *

الإهمال والاستئثار بالمعارف الإسلامية.

أما كتاب (الرحلة المدرسية) وما أفدت من رشده، ما قبست من علمه، أما هذا فلـم أعجب له، لأني لم أزل أنتظره، ويقيني أنك متى استوفيت الكتاب درساً فستلقاني بوجه لسـت أنكر منه شيئاً، كان الله لي ولك عند أمانينا، ثم شكرَ لك هذا الجهاد، وقبِلَ من أخيك هذا الجهد.

وأما عتبك الجميل علينا –معشر المسلمين-.. واستنكارك منا إهمال هذا الكتاب والاستئثار بحقائقه، فاسمح لي بأن أشاطرك الدعوى، فأسجل علينا بنِصْف منها، وأعتذر لك عن نصف .. اسمح لي بأن اعترف لك بالإهمال، ثم أحتج على تهمة الاستئثار.

أما الإهمال فهو وليد الفوضى التي أسجل بها –آسفاً- على نفسي وعلـى جمـيع إخواني … أقول هذا ثم لا أزيد.

وأما الاستئثار فالصواب أن المسلمين –والروحانيين منهم على الخصوص- لـم يستأثروا بشيء من معارف الدين، ولم يألوا جهداً في نشرها بين الناس ، وإنهم -أجمعين- ليوقـنون بأن الحق امانة في رقابهم ، لا عذير لهم من الله إلا بأدائها.

.. أما أن تكون طرائق النشر ملتاثة غير منظّمة فهذا شيء آخر.

وأما أن يكون أكثر الناس صماً عن دعاء الحق ، بُلهاً عن تعقّل الصواب فهذا شـيء ثالث..

ولـو انفكت جمهرة الناس من لازمة التعصّب، ولو أنها استقبلت وجهة الحق، لكفى بنشر القران نشراً للهدى، وبتدبّره تدبراً للحق، وليست (الرحلة المدرسية)، ولا ماسواها من كتب الإسلام الا شروحاً مختصرة أو مطولة للمعاني التي رمز إليها الكتاب العزيز.

ائذن لي أن أقول هذا، ثم ائذن لي أن أطوي الكلام على هذه الأمور.

*  *  *

أخي:

قد يطول التفاهم بيننا على المنهاج الطبيعي للبحث، وهو إغراق يسير الجدوى..

نصحت لك بتأخير البرهنة على النبوّة، لا لأن البحث عن حقائق الإسلام سيستـقيم مع فرض محمد عارياً عن سمة الرسالة، فهذا التقدير ، إن تم في أكثر حقائق الإسلام فلا يتم في الجميع.

.. بل لأن البحث عن هذه الحقائق سيكون برهاناً مفصّلاً على نبوة محمد (ص)، وهو أعود من البرهان المجمل..

اسمية مجملاً لأنه يثبت صدق محمد في كل قول، ونزاهته في كل عمل.. يثـبت ذلك على سبيل العموم، على أن البرهان المفصّل لا منتدح له من أن يرتدّ إلى العموم أيضاً.

*  *  *

العقل الإنساني ومنابعهُ.

وهذا الجهاز الفكري الذي أودعه خالق الإنسان في الإنسان، لا محيد له من أن يقـف عند نهاية .. لا محيد له من ذلك لأنه محدود القوة، محدود الأفق، محدود الأدوات، فهـو –من أجل ذلك- لايتسع لأن يحيط بغير المحدود.

.. هـو محدود لأنـه طاقـة تختزنها مـادة محدودة، ويتكئ علـى وسائـل محـدودة، وكم هو مُجديه أن يقتبس ويجرّد، وأن يركب ويحلّل، وأن يفترض ويزن؟!.

.. كـم يجديه هذا وهو يستمد من الحسّ، ومن التجربة.. هذين النبعـين الضعيفين، ومنابعه الأخرى لا تفضل هذين بكثير ولا بقليل؟.

عقل الإنسان محدود، وكل جهاز من أجهزته محدود كذلك..

أرأيت البصر؟!..

هذه الأداة العجيبة الأثر، الدقيقة التركيب العظيمة الجدوى.. إنها محدودة الفعل، هـي لا تبصر حتى الأجرام الضخمة إذا نأت عنها بمسافات سحيقة، وهي لا تدرك الذرات الدقيـقة التي تتألف منها الأجسام. ولا الخلايا الصغيرة التي تتقوّم بها الأحياء..

ثم ما يكون عمل هذه الحاسّة لولم تساندها خاصة الإشعاع .. هذا النظام الذي وضعـته حكمة الله في المرتبات؟.

أرأيت السّمع؟..

.. هذه اللاقطة المرهفة التي يعي بها الإنسان نأمة كل صائت، ولهجة كل ناطق.. إنـها محدودة الفعل كذلك، فهي لاتعي ما خفي من الأصوات، ولا ما بَعُدَ منها، وهي لا تملك أن تؤدي عملها ما لم تعضدها تموّجات الأثير.. وهذه الظاهرة التي أهّل الله بهـا لامتداد الأصوات..

*  *  *

ومدت أجهزة العلم أجهزة الإنسان، فضاعفت له مدى البصر والسمع.

فكشفت له المجاهر ما دقّ من المادة، وأدنت له المراقب ما شطّ من الأجرام، وقـرّبت له المذياعات ما نأى من الأصوات، وأمتدّ العقل لامتداد الحسّ، وامتدّ لامتداد التجربـة، ثم لم يبرح -بعدُ- محدوداً، لا يعي ما وراء آلاته، وإن أدرك شيئاً فهو فيه قلق الحكم غامض النتيجة..

أتريد أن أذكر لك أمثلة على ذلك؟..

سل العقل عن حقيقة العقل. وعن ماهية النفس، وعن كنه الوجـود. وعند سر الحياة..

سله عن هذه الأشياء القريبة منه، ستجده أبعد ما يكون عنها!!.

وذلك أنها تستعصي على الحسّ، وتتمرد على التجربة، فَبِأيّ الوسائل يستطيع أن يدركها العقل؟.

إستفته عن هذا وعما يشبهه مما وراء الحسّ ووراء التجربة، فيستعرف لك بأنه عـاجز، وبأنه محدود.

نعم، ومن ثم أحال العقل على نفسه أن يكون هو واضع الدين.

*  *  *

الدين والعقل.

الدين نظام إصلاحي يعمّ الإنسانية جمعاء، بكل صنوفها وألوانها، وبجميع أنحائها واتجاهاتها، فلابد لواضع هذا النظام من أن يحيط بكل ظاهرة وخفية، وبكل طبيعة وغريزة، وبكل اتجاهة وميل، وبكل حدّ من هذه الأمور، وبكل حسَن وقبيح من هذه الحدود..

..لابد لواضع هذا النظام من أن يحيط بكل هذه الأطراف من الإنسانية.. من الإنسانية جمعاء: من غبر منها ومن يأتي، ليتأتّى له وضع الدين الكامل الشامل.

وهذا الأخير بحث أؤثر فيه الإجمال هنا، فقد فصّلته في حديث لي عن الإسلام..

*  *  *

الفكر البشري محدود ولا محيص له من أن يقف عند نهاية، ولا محيص له مـن أن يعجـز عن تعليل بعض الحقائق، وعن استكناه بعض الجهات، وعظمة الديـن الصحيح أن تكون نظرته أوعب وأعمق من نظرة العقل المحدود.

..عظمة الدين الحق أن يمدّ هذا الجهاز ليكمل نقائصه فيسير به إذا وقف، ويبصّره إذا عمي، ويثبّتهُ إذا اضطرب، فهو توجيه للعقل في المعرفة، وتوجيه للارادة في العمل، وتوجـيه للنفس في الخلق، وتوجيه للضمير في الحكم، وتوجيه لكل الغرائز الإنسانية فيما يسوغ لها وما يحظر.. ولكن..

لابدّ للعقل، ولابدّ للإرادة، ولابدّ للنفس، ولابد للضمير، ولابدّ للغرائز.. لابدّ لهذه الأشياء –ورائدها كلها هو العقل- من أن توقن بقيادة القائد، وتثق بدلالة الدليل.. لابدّ لها من ذلك والاكان الاتباع تقليداً أعمى، وكانت المعارف جهلاً مركباً.

واذن، فلابد من البرهان العام التامّ على أمانة ذلك القائد، وعلى سداد تلك القيادة.

لابد من البرهان العام ليثمر للعقل الإيمان الـعام، فـإذا آمن كذلك فقد ضمن سداده في كل خطوة، وسلامته من كل خطأ.

أخي: أرجو أن لا أكون قد أعنتّك في هذا الكتاب، فقد تشعب الحديث، والحديـث شجون على أني لم استوف جواب رسالتك، فلأترك سائر النواحي إلى فرصة أخرى.

24 مارس 1956    محمد أمين زين الدين