تهاني العبد السعيد
معنى الأخوة في الإسلام وغيره
نقدٌ ثم اكبار
صدق الرسول وحرية الرأي
فكرة حول الاله والدين

تهاني العيد السعيد.

انتهت برهة العيد السعيد -أعني عيد الفطر الإسلامي المبارك الميمون-، وكم كنـت أتمنى من صميم قلبي وضميري أن أقدم –بمناسبته- التهاني الطيبة الجزيلة والتحيـات الخالصة المخلصة للسيد الكريم الذي شرّفني الرب الاله باخوّته، ورفعني ونفعني بإرشاده وعطفه.

نعم، نعم، يا أخي السيد، كم وكم كنت أتمنى أن أقوم بهذا الدّور الصغير مـن أدوار الأخوة الرقيقة التي ما زلت تأخذ بيدي لتنقلني (إلى فضائها الرحب المليء بالحب)، ولقـد انقضت الفرصة وأنا لم أتحقق عودتك من السفر لأحصل على أمنيتي ومرادي.

ولئن فاتني أن أقدّم تحياتي وتهنئتي لمقامك نقداً، فإنني لست أودّ أن تفوتني هذه الأمنيـة نسيئة أيضاً، فتقبّلوا من صغيركم كبير تمنياته لكم في هذه الأيام السعيدة الخالدة، ما خلـد الإسلام العظيم، وكتابه الأعلى (القرآن). وعدتم -كما يرجو طلاب الحقيقة لكم-موفورين- بالصحة، رافلين بالمسرّة والآمال الخصبة، والسعادة التامّة ، الدائمة مدى الأيام.

*  *  *

معنى الأخوة بين الإسلام وغيره

أخي: ليت لي قلماً ومقدرة أتمكن أن أعتمد عليهما -كما أريد- حينما أقصـد أن أعبـرّ عن خوالج ضميري، وخطرات قلبي، فلعلي أوفّي هذه المعاني النبيلة حقّها من الوصـف، أعني معاني الأخوة الكريمة التي نوّهت بها تنويهاً مجملاً في كتبك، ودللت عليها دلالة ليست وافية في رسائلك، والتي هي إحدى فضائل دينكم -دين الاسلام- ومزاياه العظيمة التي تعمّ البشـرية كلها، وتشملها بالرحمة والحنان، ونبذ الفوارق والعنعنات.

ولقد لطم الإسلام بهذا المبدأ خدّ العصبيات، وفقأ عين التكبّر: الرذائل الشائـنة للإجتماع والمجتمع، وقد كانت منتشرة _أشدّ الانتشار- في أنحاء المعمورة، وفي الأماكن، وبين القبائل التي نشأ فيها هذا الدين –على الأخصّ-، وليس من الممكن أن تكون هـذه الصفات العظيمة متولدة عن تلك التربية البدويّة.

ليت لي قلماً ومقدرة أدبية حتى أسجل ما أروم تسجيله، فلقـد احسـست فارقاً كبـيراً جداً بين هذا الروح السامي؛ المتناهي في السموّ، الكبير؛ المتناهي في الكبر، الذي يصـوغه الإسلام شعاراً لأبنائه ومتبعيه، وبين المعاني (القشرية) للأخوة التي يدعو إليها سائر الديانات.

.. فارقاً كبيراً جداً، هو الفارق بين الجوهر لأي شيء، وبين شبحه الموهوم وصورتـه المتخيّلة.

كفى. كفى. إنني لا أقدر أن أطيل في بيان هذا المعنى وان كنت أودّ ذلك كثيراً.

*  *  *

نقد ثم إكبار.

أخي: لقد كانت فرصة سفركم سعيدة وميمونة عليّ أنا، كما هي سعيدة وميمونة على أناس غيري –حسب ما اعتقد-، فلقد هيأتم لي الفرصة الكافية لقراءة جزء من كتاب (الرحلـة المدرسية) قراءة مستوفية، وإنـي إذ أشكر لأخي هذا الإرشاد فإنني –في الوقت ذاته- أسجّل له هذه اليد البيضاء الجديدة، فلقد استفدت –بحق- من هذا السفر العظيم فائدة كبرى لا تقدّر بثمن.

ولا اكتم -في هذه المناسبة- ما وجدته في نفسي عليكم -معاشر المسلمـين- وعلى طبقة المصلحين الروحانيين منكم على الأخصّ..

..فلقد كرهت منكم- واسمح لي يا سيدي أن أقول كل ما في نفسي، فلقد عودتـني دراستي المتواصلة أن أكون صريحاً- .. كرهت منكم الإهمال والاستئثار..

.. الإهمال غير المرتقب لمثل هذا الكتاب المهمّ القيّم، حتى تخرجه المطبعة بهذه الصـورة المزرية التي توجب السأم والملل للقراء، الطالبين للحقيقة فضلاً عن سواهم من الناس (1).

والعجيب أن طباعته -بهذا الشكل- قد كانت في النجف، مركز العلـم والفضيلة الإسلامية!!.

أليس عجيباً -يا سيدي- أن يهمل هذا الكتاب في مدينة النجف كل هذا الإهمال؟!.

.. ثم الاستئثار الذي لم أعهده في شخصٍ يروم نشر الحقيقة الصائبة بين الناس.. أعـني الاستئثار بهذه الحقائق التي لا توجد فيما سوى هذا السفر –فيما أظن-، وهو بهذه القلة وبهــذا الإهمال، حتى أنني لم أجده –بعد البحث الطويل عنه- إلاّ بعناء وإلحاح وسؤال، وبعد مـدة طويلة، فكأنكم –يا سيدي الكريم- تكتبون هذه الحقائق وتطبعونها لأنفسكم وحدكم، حتى كأنكم تجهلون أن شركاءكم من الناس في طلب هذه الأشياء المجهولة كثـيرون، وأن مثل هذه الكتب الباحثة الموجّهة يجب أن تصل إلى أيدي أكبر عدد يقرؤها من الناس.

ثم ماذا؟، ثم لأسكت حتى لا أتعدّى طور الآداب.

*  *  *

لقد كانت فرصة سفركم سعيدة وميمونة عليّ، وإن حرمتني فضل مراسلتكم ، والاستفادة من توجيهكم، فقد درست –في تلك الأيام- هذا السفر دراسة واعية مطبقة، ولحسن الحظ قد صادفت لي فيها سفرة إلى مدينة الموصل، قد استمرّت أربعين يوماً، فسـاعدتني هـذه السفرة على عملي المومى إليه، وكان الكتاب المذكور مؤنسي فيها، حتى في أوقات النــزهة، ولقد فتحت لي مطالعته أبواباً، وسارت بي أشواطاً كما ذكرتم، ومن ينظر هذا الكـتاب يجـد فيه حقائق سافرة ليس يجدها إلاّ من يريد أن يركب رأسه عناداً وتعصباً.

أما البطل المجاهد الكبير –المؤلف- الذي محض الحقائق ومحصها، ثم قدّمـها ظـاهرة مجلوة للقراء ، وهو لا يبغي منهم حمداً على عمله هذا، ولا ذكراً جميلاً، -والدليل على صحــة قولي: أنه لم يدوّن اسمه على الكتاب (كما يصنع المؤلفون)-، فيكفيه بهذا الارتفاع النفسي المثالي ارتفاعاً ، وبجزائه المنتظر من الرب الإله الديّان جزاء.

*  *  *

صدق الرسول وحرية الرأي.

أخي:

إنني ليعجبني –ويستعدني في الوقت نفسه –هذا النصح- والتوجيه، اللذيـن تواليهما عليّ في كل حالة ومناسبة.

.. النصح والتوجيه اللذين لا تتعدى فيهما ما يحدّده العقل والفكر الحصيف، ومـا يدعو إليه التثبت والتأمل.

..تأمرني بلزوم تأخير سؤالي عن صدق محمد وكتابه (القران)، من حيث أن الإجابـة المستوفية على هذا السؤال تسدّ عليّ باب المناظرة في تعاليم الإسلام وأحكامه .. وهي نظرة جدّ وجيهة..

ولكن .. ألا يمكن لطالب الحقيقة أن يسأل من صاحبه أن يقيم برهاناً علـى صدق الرسول محمد وكتابه، ثم إذا أقام له صاحبه البرهان الصحيح القوي على صحة الدعوى، وكمـل للسائل التصديق التام والإيمان بهما، فرض –من جديد- أن الدليل لم يتم على المدّعـى الذي يطلب إثباته، وأن الإيمان والتصديق بهما لم يكملا له -بعد-..

..فرض فرضاً جديداً، ليستقبل –من جديد أيضاً- نظرته وبحوثه في تعاليم الدين؟.

*  *  *

فكرة حول الإله والدين.

وأما السؤالات التي ذكرتموها عن أصل الدين، وعن خالق الأكوان، فإنني قد فكـرّت فيها قبل هذا، وتأدّي بي الفكر إلى نتيجة اقتنعت بها نفسي، وإن كانت -أعني النتيـجة- مجملة غير مفصّلة.

فكرت بأنني قد وجدت بعدما كنت معدوماً، فأفضت بي هذه الفكرة إلى أن لي موجداً، عنه كان وجودي، من حيث اني لم اوجد نفسي حتماً، ولم يوجدني من هو مثلي، وعلـى شاكلتي، والكون الطويل العريض العميق كله –وبجميع أجزائه- على نمطي وطريقتي، لأني أجده وأشعر به يسير مثل سيري، كما وأعلم يقيناً أنه سيقف عند نهايته الأخيرة كما أقف أنا عند نهايتي..

هذه الفكرة –على بساطتها- أوحت إليّ، وأقنعت نفسي اقتناعاً تاماً بأن صانـعاً موجداً صنعني وأوجدني أنا، وصنع الكون كله، وأوجده أيضاً.

ثم فكرت أن هذا الموجد له على مخلوقيه حقوق يجب عليهم أن يؤدوها إليه، فأدّت بي هذه الفكـرة إلى الاعتقاد بأن الدين ضروري للناس كافة ، حيث أن بهِ يؤدّون حقوق الرب الإله، ويعترفون بفضله في صنعهم.

هكذا فكرت، وهكذا اقتنعت نفسي، وأجبت عن الأسئلة..

أما سؤال التوحيد فقد أخرت الإجابة عنه لغموضه عليّ، وإنني أرغب إلى أخـي أن يزيدني في هذه الموضوعات جميعها تشريحاً وتوضيحاً، فقد فهمت –من رسالتك- أن الإجـابة على هذه الأسئلة تنتج أصولاً يجب أن يتبعها الباحث في البحث.

كما وأطمع أن يزيدني شرحاً في بلاغة القران وفاء بوعده المتقدم.

21 مايس 1956   ط . ظ

 

(1) اشرنا في هامش سابق أن هذا كان حين كتابة الرسالة، أما الآن فطبعات الكتاب جيدة الإخراج، موفورة النسخ في جميع أنحاء العالم.