تحية وثناء..
لعلك عاذري في هذا التأخير، أو -بالأحـرى- لعل الحق عاذري في ذلك، فـقـد امتّدت بي المعاذير إلى مالم أتوقّع، وانتهت بي إلى ما لا أؤمل، وتوالت العوائق -كما يقولون- يأخذ بعضها برقاب بعض، حتى كان هذا الإرجاء، وكل هذا التفريط.
لقـد كانت الأيام في سفري بطاءً. بِطاءً. وشهرٌ يحول دون أمنية أطول من عـام.
ثم انتهى أمد السفر وحلّ شهر الصيام، ولهذا الشهر رسوم يفرضها الدين، وحقوق يقتضيها الاجتماع، وهي وان لم تستنفد طاقة المرء فإنها تستأثر بنشاطه وتلك حال لا ارتضي أن أقـبل فيها على عمل يجب أن أكرّس له جهدي.
وانسلخ الشهر، ومرت آونة العيد، وأُدّيت واجبات الصوم، وأقيمت مراسم الفطـر، فهـل تأذن لي أن استردّ الحديث؟.. حديثنا الشهيّ الممتع، والذي ينفذ -مع اللذاذة- إلى قرارة النفس، ومع الحكمة إلى أغوار العقل، نعم، ومع الحب إلى أعماق القلب؟.
هل تأذن أن نسترد الحديث، ونستتمّ حلقاته، ونتأثر خطواته ؟، وأثق أن الفصل الزماني الطويل لم يسبب لك تبرّماً في البحث، ولا سأماً بالانتظار..
وأثق -كذلك- ان قراءة (الرحلة المـدرسية) قد سارت بك أشواطاً بعيدة إلى غـايتك النبيلة.. وأثق أنك وقفـت على كثرة من الحقائق، وخلصت إلى وفرة من النتائج.. أثق بهـذا جميعه إذا كانت الفرصة قد واتتك كما تأمل، فامكنتك من دراسة هذا السفر الجليل.
* * *
أخي:
تطلب مني أن أدلّك على صدق القرآن فـي نبوّة محمد، أو على صدق محمد في دعـوة القرآن. وهذا سؤال أراك به تتعجل النتيجة، وتروم اختصار الطريق.
ضروري لمن يبحث عن الإسلام أن يتساءل -قبل أي شيء- عن صدق نبيّه، وعـن صحة كتابه، ولكن ليس من الضروري أن يكون جواب هذا السؤال أولى جهة يقدّمها في البحث..
ومن اليسير أن أجيبك إلى مـا تطلب، فأقيم لك أنصع الأدلة وأقوى البينات على نبـوة نبيّ الإسلام، وعلى صدق كتابه..
..الأدلة التي لا مساغ بعدها للشك، والبينات التي لا موضع فيها للخدشة..
.. من اليسير أن اقيم ذلك -وما أكثر البينات على هذا المدعى- ولكن، مـا وراء ذلك؟. وراء ذلك أن يقودك البرهان النيّر إلى تصديق محمد، وإلى تقديس كتابه..
.. تصديق محمد في جميع ما يقول، وتقديس كتابه في جميع ما يحتوي وتعود محـدود الحرية في امتحان هذه الأقوال، وتمحيص هذه المحتويات..
.. محدود الحرية في ذلك، لأنها أقوال محمد الذي نطق البرهان بعصمته، ومحتويـات القرآن الذي شهدت البينات بصحته..
وهذه نتيجة لا يذمّها العقل لتركيز الإيمان، وتثبيت أسسه..
لا يذمّها العقل أبداً، لأن الأمين -البيّن الأمانة- لا يخون، والصادق -المعلوم الصدق- لا يكذب.. لا يتّصف بذلك أبداً، لأن فرض ذلك يناقض البرهان الصحيح الذي نهض علـى صدقه وأمانته.
.. هي نتيجة لا يذمّها العقل، ولا يمتري في اتباعها العقلاء.. إلا أني رأيتك تنشد النظرة المستوعبة التي تتثبت عند كل خطوة، وتتبين عن كل ظاهرة..
..هذا ما سرت عليه في مرحلتك الأولى من الدراسة، وهذا ما ترغب أن يكون منهـجاً لك في مراحلك الباقية.. أليس كذلك؟.
* * *
تساؤلات مهمّة لابد من الإجابة عنها
على أن هنا أسئلة على الباحث أن يجيب عنها قبل أن ينظر في أي دين، وقبـل أن ينـظر في أديان التوحيد على الخصوص..عليه أن يتساءل أولاً:
هل الدين ضرورة للبشر في هذه الحياة؟.
وما هو الدليل على هذا الإضطرار؟.
ومن الذي يجب أن يتولى وضع هذا القانون؟.
ثم عليه أن يتساءل بعد ذاك:
ألهذا العالم الفسيح المترامي صانع مدبّر؟.
وإذا كان لابد للكون من صانع، فهل هو واحد أو أكثر؟.
وما هو معنى الوحدة التي ننعت بها الصانع إذا كان واحداً؟.
علـى المرء أن يجيب على هذه الأسئلة قبل أن ينظر في أي دين، وعلى ضوء إجابتـه عنها يجب أن يسير في تمحيص الأديان، وأحسب أنه سيكون قريباً جداً من النتيجة الأخيرة إذا وفّق للاجابة الصحيحة على هذه السؤالات.
هذه أمور رغبت أن الفتك إليها، واعتقد انك لا تجهل أهميتها في هذا المجال.
* * *
أما صدق محمد (ص) رسول القرآن فما أكثر الأدلة التي تشهد به للعقل!!، ومـا أنصـع الحجج التي تثبته للانصاف!!.
اقرأ القرآن، وحلّق في أجوائه، وتنقّل بين أفيائه، ودقّق في أساليبه وفي مفرداته وتراكيبه.
قف عند أية سورة من سور هذا الكتاب، واستبن منها موضع كل كلمة، ومـزيّة كـل حالة، وبراعة كل همسة، وجمال كل تصريح، ودقّة كل تصوير، ولطف كل إيحاء.. بل ونغمة كل آية وجرس كل لفظة، ونبرة كل حرف، وذبذبة كل قافية..
..امتحن ذلك حتى في أقصر سورة ثم انظر: أيستطيع بشرٌ أن يبلغ هذا الحدّ من سموّ البيان؟
أقول: امتحن ذلك في أية سورة تختارها من سور هذا الكتاب، ثم القَ ببصرك في المنحدر من هذه القمة الشاهقة، فستجد أقوال عظماء البيان، وصيارفة البلاغة، وأمراء الكلام .. ستجد هذه الأقوال كلها في الحضيض.. نعم في الحضيض..
وشاهد آخر يلمسه كل ذي ذوق أديب: خذ أية قطعة شئت من آثار العـرب البلغاء، ولا استثني أحداً، حتى أقوال محمد، -وأقوال محمد محفوظة مدونة للباحثين-..
..أقول: خذ أية قطعة شئت من الآثار العربية البليغة، وركّب معها آية من القرآن تلابسها في المضمون ثم أتل المجموع، وانظر: ما تحسّ؟.
سترى القطعة العربية –على بلاغتها- تنحطّ وتتصاغر، ثم تخرس وتبكم أمام عظـمة الآية الكريمة..
انظر ذلك جيداً، ثم احكم منصفاً، ايمكن أن تكون هذه البلاغة المخرسة من نسيج بشـر محدود؟.
وأقول: حتى أقوال محمد، لأن الجاحدين يقولون: القرآن من أقوال محمد، والتجربة الصحيحة المجدية في ذلك ان تقارن أقوال محمد بآيات الكتاب.
ولا احيلك إلى التاريخ ، لأدلك على خرس أئمة البيان أمام تحدي القرآن، بل إلى القـران ذاته فقد سجّل ذلك على البلغاء، ليتحدّى الآخرين منهم كما تحدّى الأولين.
اقرأ -إذا شئت معي- الآيتين الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين من سورة البقرة:
(وان كنتم في ريب مما نـزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم مـن دون الله ان كنتم صادقين. فان لم تفعلوا –ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحـجارة اعدت للكافرين.).
حسبي -في هذه الرسالة- بهذه الإيماءة لأوفّر لك فرصة التفكير والتعليق، وللبحث شـرح أبسطه في كتاب آخر إذا رغب أخي في ذلك.
19 مارس 1956 محمد أمين زين الدين