خلق محمدي
إراحة ضمير
صدق الرسول محمد (ص)

خلقٌ محمديّ

سيدي ودليلي ..

وصلني كتابك، ولقد وقفت -حين قرأته- مدهوشاً مبهوتاً بين يدي هذا الخُلق العالي الكريم ، الذي لم أكن أحلم به لأحد من آبائنا الرّوحانيين، وأمام هذه النفس المدرّبة لخدمة الله لِله، وهذا التواضع الكريم للحق في سبيل الحق..

ما أقول شيئاً، بل أقول واعترف بأنه خلقٌ محمديٌّ إسلاميّ قرآني، وإنه دلـيل قطعي على انعكاس تعاليم دين الإسلام وإرشاداته في نفوسكم وطباعكم –أيها المصلحون المخلصون-، وإنك يا سيدي لتملي علي دروساً عملية في الأخلاق والتهذيب .. ما أكبر سعادتي إذا اتخذتها منهجاً لي في ميادين هذه الحياة الصاخبة.

إنك تأمرني -في كتابكم- أن أدع استعمال ألفاظ السيادة والقداسة وغيرها من الكلمات التي تُشعر بعميق احترامي لمقامك .. وإنني لواجم تجاه هذا الأمر، فأمرك لابدّ لي من إطاعته وتنفيذه، وإن آدابي لتحتّم وتفرض عليّ أن أطبقها وأؤدّيها..

..على أني لا أشعر أبداً بأن هذا التفاوت في المنـزلة مما يبعدني عنك في الأحاسـيس، كما اني لأشعر بأن للأخوة حلاوة، وبالأخص ما إذا كانت أخوة في الله –كما شرفتني بها-، وصلاتي الحارة المخلصة إلى الله الرب المجيب أن يجعلني موضعاً وأهلاً لهذا التشريف، ومستحقاً للانتماء إلى هذه الرابطة الكريمة الإلهية.

*  *  *

إراحة ضمير.

سيدي وأخي..

إنك قد خففت عني كثيراً، وأرحت ضميري من أثر الشكوك القـوية والكثيرة التي أقلقت مضجعي حول دراستي، وحول نتائجي التي استفدتها من بحوثي.. وهذا أول فضل سأعترف لك به مدى الحياة..

ثم إنك قد فتحت لي باب التكلّم على مصراعيه، وأمرتني بأن أقول كل ما يدور بخـلدي، وأن أسْأل عن أي شبهة أو مسألة تخطر في ذهني حول الإسلام، وحول نبيّه وكتابه،  وهذا فضل آخر أسجله لك. والله ربي يتولّى جزاءك عني -أيها المحسن-.

وأنا أعلم أن كل ما ذكرته لي في كتابك مما يدعوني إلى دين الإسلام، ويرشدني إليـه إرشاداً قوياً، فما هذه الثقة الكبرى بالدين، والحث على التأمل والتدبر، والنهي عن التقـصير والتقليد -وإن كان تقليداً في سبيل الحق- إلاّ علامات واضحة تهدي السالكين إلى طريق النجاة والسلامة..

وقد نصحتني بأن أكون حرّاً في كلامي، وفي ملاحظاتي، وأعدك بأنّك سوف تجـدني –كما تأمرني- حراً، إلاّ حين تخرجني الحرية عن جادّة الإنصاف ، وإنني لأعلم أن كـل خصلة من الخصال الحميدة لها حد من الحدود، فإن هي تجاوزت حدها فإنها تنقلب إلى ضدها، وبهذا يشهد المثل العربي المشهور على الألسنة..

*  *  *

صدق الرسول محمد (ص).

ولقد كان أول سؤال خطر لي هو ما ذكرته لك في كتابي الأول:

هل القرآن -كما يدّعي المسلمون- من وحي الله الرب، وقد نـزل -من لدنه- في فم محمد، وعلى قلبه؟..

ومعنى هذا السؤال –بعبارة ثانية-: هل أن محمداً –الذي يعترف به الإسلام- نبيّ من أنبياء الله الصادقين، يوحى إليه من الله، وتنـزل الشريعة الإلهية في فمه..؟.

لقد عاودني هذا السؤال لمّا يئست من نجاح طريقي الأول، وتلمّست لي طريقاً ثانياً سواه، وأخبركم أنني أعددت له أجوبة متعددة، ولكنها كلها قاصرة، لا تطمئن إليها نفسي ولست بحاجة إلى ذكرها هنا.

وائذن لي هنا –وفي هذه المناسبة- أن أسجل لك خاطرتي في محمد نبـي المسلمين ورسول القرآن وسيد العرب:

إن محمداً جامعٌ لصفات النبل والنزاهة والشهامة والعظمة الخلقـية والنفسية، وقد اعترف بما ذكرته بعض الكتاب المنصفين من المسيحيين في الشرق والغرب .

هذه عقيدتي العاجلة في هذا الشخص الكريم، وإن رغمت أنوف الكاذبين الشانئين. فالذي يكون كتابه (القرآن) لابد أن يكون –ولا شك- إما نبياً من الأنبياء أو عبقرياً من العباقرة، ولأترك لدورِك التدليل على صدقه في دعوى النبوة..

12/مارت/1956   ط . ظ