أخي في الله، وأمانتي منه، وعديلي فـي الصلة به، حيّاك الحق الذي تطلب، وسدّدك التوفيق الذي تتمنى، والغاية التي تترجى.
عهد قطعته عليك أنت يوم أتاك هذه النفس الطّلوع، وهذا العقل الطموح، وهذه الحريـة الفكرية التي لا ترضى أن تستعبد، وهذا الميزان العدل الذي لا يطمع أن يحيف في حكمه مثقال ذرة، ولا يسمح ان يُظلم من حقّه قيد شعرة..
.. عهد قطعه الله عليك يوم آتاك هذه الهِبات أن تطلب الحق -مـا وسعك الطلب- وأن تجاهد لنجاتك –ما أمكنك الجهاد-، وأن تُخلص في طلبك وجهادك –ما قدرت علـى الإخلاص-، وعهد قطعه الله عليّ أنا يوم أسلمت له وجهي، ودِنتُ له بعقيدتي، وتعبّدت له بإرادتي أن أدل عليه –ما وسعتني الدلالة-، وأن أنصح له –ما قدرت على النصح-، وأن أخلـص في دلالتي، وفي نصحي -ما وجدت إلى الإخلاص سبيلاً-.
كل أولئك أمور تفرض عليك أن تطلب، وتحتّم علي أن أجيب، ومن الله العون لـك على الطلب، والإسعاد لي على الإجابة، والمدد لنا معاً على بلوغ الغاية.
(والذين جاهدوا فينا لنهدِينـّهم سُبُلنا، وإنّ اللهَ لمعَ المحسنين.(1)).
* * *
الانسان الحر وعقائد الأسلاف والمتاجرون بالكذب.
أخي وعزيزي:
ليس عجيباً من الإنسان -وهو الذي خلقه الله حراً، ويريد له أن يبقى كذلك حـراً- ليس عجيباً منه أن يتخلّص من عقائد أسلافه ومألوفاته، مهما كانت لاصقة بالنفس، وعالقـة بالشعور ومرتبطة بالعادة..
ليس عجيباً من أمر الإنسان أن يركل هذه جميعاً برجله متى أدرك أنها تخالف الحق الصريح، وتباين المنطلق الصحيح، بل العجيب منه -وهو يدّعي الحرية لنفسه- أن لا يفعل ذلك.
قد دلّتني لهجتك في كتابك على ثورة نفسيّة متّقدة، تدفع بها القوة إلى الظـهور، وتمنعها الملابسات أن تنفجر، فلقد أنكرت واستنكرت، ثم رجعت واسترجعت، وأنت بارّ مُحقّ في كل ما صنعت.. على اني أنصحك بالأناة، فللعجلة مغبّة لا تحمد.
* * *
أما هؤلاء المتاجرون بالكذب، المتديّنون بالسباب، فما شأن طالب الحقّ معهم؟. ليأخـذ سبيله مجدّاً، وليذرهم في طغيانهم يعمهون..
وما شأن السيد المسيح (ع) بهم؟..انه ليس منهم في شيء، وما جرأتهم على محمد (ص) بأفحش كذباً من دعوى متابعتهم للمسيح، ولا تقّولهم على الانجيل بأقل إجراماً مـن تحاملهم على القرآن … كل ذلك في نظر الحق سواء بسواء.
وأما الإنصاف والعلم والحقّ، وسائر الحرمات التي غضبت من أجلها .. أما هذه المعاني النبيلة، فهي أبعد مرتقى ، وأسمى منـزلة من أن ينالها هؤلاء الظالمون. ومحمد (ص) في القمة من هذه المعاني..
إي -وعينيك- إنه في القمة العليا منها، أقولها لا لأني مسلم أغار لإسلامي، بل لأني إنسان أفخر بإنسانيتي، والمنصفون من الناس كافّة يعرفون صدق ما أقول.
لا تعجل في حكمك -أيها العزيز- فتحسبني -بهذا القول- أدعوك إلى الإسلام، فهـذا ما لا أنصحك به قبل أن تستوضح بنفسك السبيل فيه. وقد قلت في كتاب (من أشعة القرآن) : إن الإسلام لن يقبل إيماناً لا ينهض على أساس مكين.
وبعد أن تستوضح، فان الأمر سيكون إليك أيضاً، فمن أسس الإسلام الثابتة: أنه (لا إكراه في الدين).
أخي:
لم أعتب أنا، ولم يعتب أحد من أعلام المسلمين لأعمال هؤلاء الباغين ولأقوالهم، ولكنها حقائق يسجّلها الباحثون من أمثالي ليطّلع عليها الأحرار من أمثالك.
* * *
والذي استغربته منك هو تبرّمك بالشك، والشك -كما يقول بعض الفلاسفة- بـاب اليقين، وبيّن أن البساطة في الجهل خير من التركيب، ودليل ذلك -ومن الأمور ما هو غنيّ عن الدليل- انك تؤمن بأنك -في حالتك الأخيرة- أدنى إلى الصواب منك في حالتك الأولى..
أليس كذلك؟!.
وغريب أيضاً قولك –أيها الأخ-: إن مرحلتك الأولى من الدراسة قد ذهبـت أدراج الرياح، وإنك تأسف لها، وتأسف لزمان أضعته بسببها..
-غريـب وحقك- ذلك، لأن طالب الحـق إنـما يستبينه ببطلان الباطـل، ولابدّ له –للوقوف على ذلك- من جهود يبذلها في البحث، ولابدّ له من زمان يقتله في التنقيب، وبعد فلولا مرحلتك هذه التي تذكرها من الدراسة، لم تكن لتصل إلى النتائج التي تؤقـن بها الآن، وتحمد الوقوف عليها.
* * *
وعـرفت الثقة التي أوليتني بها على البعد، وهو لطف جديد من ألطاف الله علي إذا كانت ثقتك في موضعها، وحافز كبير لي على العمل بموجب هذه الثقة إذا لم تكن صادفت موقعها..
وعلى أي حال، فنصيحتي هنا: أن لا تلجئك هذه الثقة إلى التقصير في البحث، أو التقليد في الرأي، فأنت من الطلاب الأحرار، ولست أدّعي العصمة لنفسي، وان كنت ادعيها وأومن بها لديني.
وأما رحابة الصدر، وسعة الأفق، وسائر المعاني التي توسمتها فيّ، فائـذن لي أن أقول لك: إنها من خصائص ديني، وليست من خصائص ذاتي، ولله المنّة علي إذا صحّ توسّمك فارتسم على روحي شبح من هذه الخلال.
عزيزي وأخي:
ليكن لك ما تؤثر، فاكتب وانقد، واستفهم ممدوداً بعون الله، مكلوءاً بحفظه.. اكتب وانقد واستفهم عما شئت، والله -سبحانه- هو المستعان، وسأعرّفك بتغير عنواني إذا انتقلت إلى موضع آخر، وسأرشدك إلى تأخير المراسلة إذا اقتضت الملابسات عليّ بشيء من ذلك، ففي عزيمتي سفر قريب، ولكني سأنجز ما أعدك به، بتوفيق الله -سبحانه-.
وأحسب أن السيادة والقداسة -وما إليهما من الألفاظ التي تكثرها في خطابك- مما تفاوت بيننا في المنـزلة، فأرجو أن تبدلها بالأخوة فانها ألمس للقلب، وأدنى إلى الصواب.
10 مارت 1956 محمد أمين زين الدين
(1) العنكبوت: 69.