تحية واعتذار
قصّة
مع القران

مع كتاب من أشعة القرآن.

تحية واعتذار

سيّدي، ومن أصلّي مخلصاً للرب إلهي أن يفتح –بتوجيهه- بصري، وينير قلبي..

تحيّة الدين العظيم المقدّس الصحيح، الذي ما زلت أطلبه جهد طاقتي، من عهد بعيد منـذ ميّزتُ بفاكرتي بين ما هو حسن وما هو قبيح، وما هو ضارّ، وما هو نافع، بل ومذ فرّقت -في شعوري- بين المعقول وغيره..

وتحية جمال الخلق، ورحابة الصدر، وسعة الأفق التي وجدتها، وأحسست بها لقداستكم لما قرأت كتابكم (من أشعة القرآن) ذلك الكتاب الذي قد وقفتم فيه، ووفقتم لردّ فضول بعض المتاجرين بالكذب، والمتديّنين بالسّباب، ويخجلني كثيراً -وعظمة الرب الإله وذمة الدين الحق- أن يكونوا من المسيحيين.

بل ويخجل المسيح ذاته -السيد المعظّم، رسول السلام والوداعة- أن يكون هؤلاء القوم من متّبعيه، والمنتحلين لدينه، والمنتسبين لاسمه الكريم.

ولكن، يا للسوأة، ويا للأسف، والأسى الشديد الممضّ لقد صدر ذلك فما الصنع؟.

ها .. ها .. ما هذا؟، ما هذا الغضب مني؟، ما هذه الثورة؟، فانّ ذلك غير مناسب أبداً مني بوصفي طالباً للصوّاب، وأنا أسجل –لهذه الغاية- أول كتاب.

معذرة -أيها السيد الكريم- فأنا أعترف بأنني قد تعدّيت طريقة الآداب في مراسلتي هذه، فمغفرة، وسماحاً.

ولتعلم -يا سيدي- أن غضبي ليس لمحمّد، كلا، وإله محمد، بل إنما غضبت للإنصاف، للحق. للعلم. للروح الرفيعة. للخلق الكريم السامي.. لهذه الحرمات الانسانية يهدرها ويضيّعها هؤلاء الظالمون.

لقد أطّلعت -من قبل- على بعض كلماتهم القارصة، فأسفت كثيراً لصدور هذه الأقوال، على خبرة وعلم مني بأن التأسف -مهما كان شديداً- فهو غير مفيد تلقاء هذه الأمور.

ثم قرأت العتاب الممضّ المؤلم، الذي وجّهتموه في مؤلفكم: (من أشعة القرآن)، ووجهـه غيركم من أعلام المسلمين، فخجلت من نفسي، وتضاءلت أمام شرفي ووجـداني ، على دراية مني أن الخجل ليس يتلافى شيئاً مما حدث، بعدما قد حدث.

بس، بس، .. قط ، قط.. كفى، كفى. إنني إذا أطلت التكلم عن هذا وشبهه أبعـد كثيراً عن المراد.

قصــة:

سيدي أرجو أن تصغي لهذه القصة، لأنها هي السبب الذي ألجأني إلـى المراسلة .. استمع لقصتي وانظر جيداً فيها، وإنني لواثق بأنكم -إذا سمعتموها ونظرتم فيها- ستجيبونني إلى ما أطلب، أنا واثق جداً، لما وجدته فيكم من رحابة الصدر في بيان الحق، وتوضيحيه لمن يطلبه.

لقد ولدت من أبوين مسيحيين -بما هو معروف من معنى كلمة المسيحية بين الناس- ونشأت في أسرة محافظة، متمسّكة بدينها، مذكورة بخير في كنيسها، وبين عارفيها، فلهذا كله كان لابدّ لي من أن أنشأ ، وأن أترعرع وأنا من المعتنقين لتلك الديانة، الخاضعين لتلك الكنيسة.

ولما فرقت فاكرتي بين المعقول وغيره كما قلت لقداستكم في أول الكتاب- أمرني عقلـي بأن أثـبّت ديني على أساس ثابت من العلم والمعرفة..

وفعلاً حاولت ذلك عن طريق دراسة (الكتاب المقدّس).

أعف عني -يا سيدي- فانّ اسم الكتاب هو ذلك.

ولا أطيل في صفة هذه المرحلة من دراستي فإنها طويلة ومجهدة في الوقت نفسه، وأقـول –مسجلاً على نفسي وآسفاً-: إن هذه المرحلة –على طولها ومشقتها- قد ذهبت مني أدراج الرياح، وذهب مني -بسببها- زمان أسفت لضياعه.

تفرض علي الكنيسة، و (الكتاب المقدس) وشراحه، ومن يقوم بنصرته أن أؤمن بمـا في هذا الكتاب –على أي حال وصورة- إيماناً مطلقاً من غير شرط ولا استثـناء، ويحتّم علـيّ عقلي أن لا أصـدّق بشيء لا أعقله، ولا اعترف بالذي لا أتصوره. وهذا -بذاته- هو سبب خيبتي في كل محاولاتي التي جربّتها عن ذلك الطريق، وهو أيضاً سبب شكي وقلقي في كل ما حاولت بعد ذلك.

وبعد يأسي من النجاح صممّت على أن أطرق أبواباً أخرى غير ذلك الباب ، عساها تسعفني بمُناي وبما أريد.

ولا أخفي على سيدي هنا -وفي هذه المناسبة- ما لقيت من الصعوبة في إقناع نفسي، وإفهامها باخفاق طريقها القديم..

ولا أخفي أيضاً عليكم ما وجدته من المشقة في إقناعها باللجوء إلى طريق آخر سـواه، فقد عزّ علي ذلك، حتى وددت أن أرفض كل دين بعد أن بان لي –مـع الأسف- قصور ديني الذي ورثته عن آبائي، وأن أفرّ من كل طريق بعد ما علمت أن طريقي الـذي ألِفتْه نفسي لا يؤدّي إلى المقصود.

أوه، أوه.. ما هذا الخمول؟، ما هذا الجمود؟!.

أنا حرّ.. أنا حرّ.. كذلك خلقني الربّ إلهي، وإلى ذلك أيضاً تنـزع بي نفسي دائماً وأبداً.

لأفتش. لأفكرّ.. لأسمُ عن هذا الحضيض الوبيء، لأرتفع عن هذه الخسّة والحطّة.. لأكـن في نفسي رجلاً، لأني رجلاً ولدتني أمي.

*  *  *

مع القرآن:

وأخذت طريقي  في المسيرة ، وكان أول مصادفٍ لي في طريقي هو القرآن.. كتاب المسلمين. ولقد جربت محاولتي مع هذا الكتاب ودراسته..

وانني قد تساءلت -مقدماً وقبل أي شيء-: أهو كتاب كالكتب التي ألِفتها ثم عفتها؟.

أهو -كما يدّعي المسلمون- وحي الله الرب، نزل من لدنه في فم محمدٍ وعلى قلبه؟.

إن غير المسلمين من أهل الديانات الأخرى يجحدون ذلك، ويفرطون في جحودهم أيـضاً، ماذا؟. ماذا؟. لأبحث حتى أعلم. لأبحث حتى أعلم.

قرأت القرآن مراراً عديدة، وأطلقت لنفسي ولفاكرتي الحريّة التامّة في البحث عنـه، وعن معانيه، وحفظت عدداً من سِوره وآياته، وأغرمت بالاستماع إليه في المـذياع، واستعنت على بحثي ببعض كتب اللغة العربية..

وأعترف لكم بأنه قد اتضح لي من تجربتي الأولى أنني لست أمام شـيء مـن كتبي السابقة ، وانني كلما طال بحثي، وزاد تعمّقي تمكّنت هذه الفكرة من نفسي، وتوطّنت في قلبي، وازداد احترامي للكتاب.. (للقرآن).

*  *  *

مع كتاب (من أشعة القرآن).

ثم اني دخلت يوماً داراً من دور الكتب في العشار، فوقع بيدي كتاب صغير عنوانه (مـن أشعة القرآن)، فقادني اسم القرآن إلى أن أفحص هذا الكتاب، وقلت: عساني أجد فيه بلاغاً يوصلني إلى الشاطئ المقصود..

وأخذت الكتاب، واكببت على قراءته بإمعان، وأعترف لسيدي الحبر مـرة ثانية أنني قـد وجدت في بحوث هذا الكتاب ومضامينه وإشاراته شيئاً يهضمه عقلي، ويتقبّله فكري، ثم تمنيت -مخلصاً- أن أتصل بمؤلف هذا السِفر، فلعله يبلغني -بتوجيهه- إلى مقصدي وهدفي ..

وبالأخير علمت -من أحد معارفي- بأن مؤلف هذا الكتاب يسكن في قرية من قـرى هذا اللواء(1)، وانه عادَ من مدينة النجف إلى منـزله من زمن قريب، فأرسلت إليك يا سيدي بكتابي، هذا لأنبئك بقصتي ومقصدي، وأستأذنك في السؤال عن جملةٍ من الخواطر التي تـدور وتتردّد في ذهني، طالباً منك حلّها والتوجيه فيها، وبعض هذه –التي أسميها خواطر-  تدور حول مضامين الكتاب (من أشعة القرآن)، وبالطبع جميعها يحوم حول دين الاسلام، وليسمح لـي السيد عن قصوري في اللغة فإني لست من رجال هذا السياق..

هذا وانني قد رمزت إلى نفسي بالحرفين اللذين وضعتهما في موضع التوقيع، وإنما صنعت هذا لأسباب أكره أن أذكرها، وأما الجواب -إذا تفضلّتم به- فيمكنكم أن ترسلوه إليّ بهـذا الرمز أيضاً بواسطة …… في العشار – البصرة.

ولكم الفضل ومزيد الاحترام.

8/مارت/1956   ط . ظ

 

(1) أي لواء البصرة، ويعني بها محافظة البصرة، إذ كانت اللواء هو التسمية الإدارية لها في ذلك العهد.