تعــريف

سيعلم القارئ من مستهّل هذا الكتاب أنه رسالة مفتوحة الى أخ كريم، فاذا هـو استمّر في القراءة قليلاً وجد في الكتاب ذكرى لعهد، وعرف كذلك أنه حلقة من سلسلة، وسيتساءل عـن نبأ ذلك، فلا بد إذن من التقديم، ولابد من التعريف، ليطّلع القارىء على طرف من الحديث، وليكون على علمٍ من قصة الكتاب.

صديقي وصديق القراء ( ط . ظ ) شاب مسيحّي حرّ رفض الباطل عن اقتناع وبيّنة، وطلـب الحق ليقتنع به عن بينه، وهو- حين رفض الباطل، وحين طلب الحق- يحمل روح الوداعـة، ويعتمد على التفكير المنصف، والنقد المنطقي الرصين، ويستمد من ثقافة وأدب مقبولين.

واسميه ( ط. ظ) لأنني لست أعرف له اسماً غير هذا الرمز، وقد درجنا عليه معاً في رسـائلنا، والعجيب أن واسطته في المراسلة ( وهو حانوتي مسلم) كان لايعرف له اسماً آخر.

وأقول: (شاب)، على ما توسّمته من أحاديثه في رسائله، وعلى ما وصفه به واسطته الآنـف ذكره لما سألته عنه .

*  *  *

وقد لخص حديثه بقلمه، قال في رسالته الأولى التي أرسلها إلّي في البصرة بتاريخ 8/ مارت/1956 :

(سيدي، ومن أصلي مخلصاً للرب الهي أن يفتح بتوجيهه بصري، وينير قلبي).

(تحية الدين العظيم المقدس الصحيح، الذي مازلت أطلبه جهد طاقتي من عهد بعيد، منـذ ميزت بذاكرتي بين ماهو حسن وما هو قبيح ، وما هو ضارّ وما هو نافع، بل ومُذ فرقت في شـعوري بين المعقول وغيره.

وتحية جمال الخلق ورحابة الصدر وسعة الأفق التي وجدتها ، وأحسست بها لقداستكم لّما قرأت كتابكم ( من أشعة القرآن ).. ذلك الكتاب الذي وقفتم فيه، ووفقتم لردّ بعـض المتاجرين بالكذب، والمتدينين بالسباب، ويخجلني كثيراً – وعظمة الرب الاله، وذمة الدين الحق –أن يكونوا مـن المسيحيين، بل ويخجل المسيح ذاته – السيد المعظم رسول السلام والوداعة –أن يكون هؤلاء القوم من متبعيه، والمنتحلين له ، والمنتسبين لاسمه الكريم.

(ولكن ياللسّوأة، وياللاسف والأسى الشديد الممضّ لقد صدر ذلك فما الصنع؟).

وتحدث قليلاً في هذا الشأن ثم قال :

(ولتعلم ياسيدي أن غضبي ليس لمحمد، كلا -وإله محمد-، بل انما غضبت للانصاف.. للحق.. للعلم .. للروح الرفيعة … للخلق الكريم السامي … لهذه الحرمات الإنسانية ..يهدرها ويضّيعها هؤلاء الظالمون.

(لقد اطلعت – من قبل هذا- على بعض كلماتهم القارصة، فأسفت كثيراً لصـدور هذه الأقوال، على خبرة وعلمٍ مني بأن التأسّف – مهما كان شديداً – فهو غير مفيد تلقاء هذه الأمـور، ثم قرأت العتاب الممضّ المؤلم الذي وجّهتموه في مؤلفكم ( من أشعة القران)، ووجّهه غيركم من أعلام المسلمين، فخجلت من نفسي وتضاءلت أمام شرفي ووجداني، على دراية مني بأن الخجل ليس يتلافى شيئاً مـمّا حدث بعد ما حدث ) .

ثم قال بعد يسير:

(سيدي، أرجو أن تصغي لهذه القصة، لأنها هي السبب الذي الجأني الى المراسلة .. استمع قصتي، وانظر جيداً فيها ، وانني لواثق بانكم اذا سمعتموها ونظرتم فيها ستجيبونني إلى ما اطلب…أنا واثق جداً ، لما وجدته فيكم من رحابة الصدر في بيان الحق، وتوضيحه لمن يطلبه.

( لقد ولدت من أبوين مسيحيين -بما هو معروف من معنى كلمة المسيحيه بين الناس-، ونشأت في أسرة محافظه متمسّكة بدينها، مذكورة بخير في كنيستها وبين عارفيها، فلهذا كله كان لابـدّ لي من أن أنشأ وأن أترعرع، وأنا من المعتنقين لتلك الديانه، الخاضعين لتلك الكنيسة.

(ولما فرّقت فاكرتي بين المعقول وغيره – كما قلت لقداستكم في أول الكتاب- أمرني عقلي يأن أثبت ديني على أساس ثابت من العلم والمعرفة، وفعلاً حاولت ذلك عن طريق دراسة (الكتاب المقدس) …

(اعف عني ياسيدي فان اسم الكتاب هو ذلك …

(ولااطيل في صفة هذه المرحلة من دراستي فإنها طويلة ومجـهدة في الوقـت نفسه. وأقول -مسجلاً على نفسي وآسفاً -: إن هذه المرحلة – على طولها ومشقتها – قد ذهبت مني أدراج الرياح، وذهب مني – بسببها – زمان أسفت لضياعه.

(تفرض عليّ الكنيسه، والكتاب المقدس، وشراحه، ومن يقوم بنصرته، أن اؤمن بما في هذا الكتاب على أي حال وصورة، إيماناً مطلقاً من غير شرط ولا استثناء، ويحتم عليّ عقلي أن لا أصدق بشيء لاأعقله، ولااعترف بشيء لاأتصوره، وهذا بذاته هو سبب خيبتي في كل محاولاتي التي جربتها عن ذلك الطريق، وهوأيضاً سبب شكيّ وقلقي في كل ماحاولته بعد ذلك.

(وبعد يأسي من النجاح صمّمت على أن أطرق أبواباً أخرى غير ذلك الباب، عسـاها تسعفني بمرامي وبما أريد .

( ولا أخفي على سيدي هنا -وفي هذه المناسبة- ما لقيته من الصعوبة في اقناع نفسـي وافهامها باخفاق طريقها القديم، ولا أخفي أيضاً عليكم ما وجدته من المشقة في إقناعها باللجوء إلى طريق آخر سواه، فقد عزّ علي ذلك حتى وددت أن أرفض كل دين بعد أن بان لي -مع الأسف- قصور ديني الذي ورثته عن آبائي، وأن افرّ من كل طريق بعد ما علمت أن طريقي الذي ألفته نفسي لايؤدّي بي الى المقصود.)

وقال -بعد وصف قصير لحالته النفسية تلك- :

(واخذت طريقي في المسير، وكان أول مصادف لي في طريقي هو القران كتاب المسـلمين، ولقد جرّبت محاولتي مع هذا الكتاب ودراسته، وإنني قد تساءلت – مقدماً وقبل أي شيء: أهو كتاب كالكتب التي ألفتها ثم عفتها؟.

(أهو –كما يقول المسلمون- وحي الله الرب نزل من لدنه في فم محمد وعلى قلبه؟.

(إن غير المسلمين من أهل الديانات الأخرى يجحدون ذلك، ويفرطون في جحودهم أيضاً..

(ماذا ؟! ماذا ؟! .. لأبحث حتى أعلم، لأبحث حتى أعلم ..

( قرأت القرآن مراراً عديدة، وأطلت لنفسي ولفاكرتي الحرية التامة في البحث عنه وعن معانيه، وحفظت عدداً من سوره وآياته، وأغرمت بالاستماع اليه من المذياع، واستعنت على بحثي ببعض كتب اللغه العربية، وأعترف لكم بانه قد اتضح لي -من تجربتي الأولى- أنني لست أمام شيء مـن كتبي السابقة، وانني كلما طال بحثي وزاد تعمقي تمكنت هذه الفكرة من نفسي، وتوطنت في قلبي، وازداد احترامي للكتاب"القران").

ثم قال في آخر رسالته:

(فارسلت اليك -يا سيدي- بكتابي هذا لأنبئك بقصتي ومقصدي، واستأذنك في السؤال عن جملة من الخواطر التي تتردد في ذهني طالباً منك حلها والتوجيه فيها..)

*  *  *

وقد ارسلت اليه في جوابها بتاريخ: 9 مارت.

(أخي في الله، وأمانتي فيه، وعديلي في الصلة به ( ط . ظ ).

(حياك الحق الذي تطلب، وسددك التوفيق الذي تتمنى والغاية التي تترجى.

(عهد قطعه الله عليك أنت يوم آتاك هذه النفس المتطلّعة، وهذا العقل الطموح، وهذه الحرية الفكرية التي لاترضى أن تُستعبد، وهذا الميزان العدل الذي لا يطمع أن يحيف في حكمه مثقال ذرة، ولايسمح أن يظلم من حقه قيد شعرة.. عهد قطعه الله عليك يوم آتاك هذه الهبات أن تطلب الحق ماوسعك الطلب، وان تجاهد لنجاتك ما أمكنك الجهاد، وأن تخلص في طلبك وجهادك ماقدرت على الاخلاص …

(وعهد قطعه الله علّي أنا يوم أسلمتُ له وجهي، ودنْتُ له بعقيدتي، وتعبّدت له بارادتي ..أن أدلّ عليه ماوسعتني الدلالة، وأن انصح له ماقدرت على النصح، وان أخلص له في دلالتي في نصحي ما وجدت إلى الاخلاص سبيلاً.

(كل أولئك أمور تفرض عليك أن تطلب، وتحتّم عليّ أن أجيب، ومن الله العون لك على الطلب ، والإسعاد لي على الإجابة، والمدد لنا – معاً- على بلوغ الغاية:

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وان الله لمع المحسنين(1)).

أخـي:

ليس عجيباً من الإنسان – وهو الذي خلقه الله حرّاً، ويريد له أن يبقى كذلك حراً – .. ليس عجيباً منه أن يتلخص من عقائد أسلافه ومألوفاتهم، مهما كانت لاصقة بالنفس، وعالقة بالشعور، ومرتبطة بالعادة.. ليس عجيباً من أمر الانسان أن يركل هذه جميعاً برجله متى أدرك انها تخالف الحق الصريح، وتباين المنطق الصحيح، بل والعجيب منه -وهو يدّعي الحريه لنفسه- ان لايفعل ذلك.

(قد دلتني لهجتك في كتابك على ثورة نفسية متقدة، تدفع بها القوة الى الظهور، وتمنعها الملابسات أن تنفجر، فلقد أنكرت واستنكرت، ثم رجعت واسترجعت، وانت بارّ محقّ في كل ما صنعت، على أني أنصح لك بالأناة، فللعجلة مغبّة لا تحمد.

(أما هؤلاء المتاجرون بالكذب، المتديّنون بالسباب، فما شأن طالب الحق معهم؟ ، ليأخذ سبيله مجدّاً، وليذرهم في طغيانهم يعمهون، وما شأن السيد المسيح بهم ؟. إنه ليس منهم في شيء.

(وماجرأتهم على محمد بأفحش كذباً من دعوى متابعتهم للمسيح، ولا تقولّهم على الإنجيل بأقل إجراماً من تحاملهم على القرآن .. كل ذلك في نظر الحق سواء بسواء .

(واما الانصاف، والعلم، والحق، وسائر الحرمات التي غضبت من أجلها .... أما هذه المعـاني النبيلة فهي أبعد مرتقى وأسمى منزلة من أن ينالها هؤلاء الظالمون، ومحمد في القمّة من هذه المعاني .… إي وعينيك، إنه في القمة العليا منها..

(أقولها لا لأني مسلم أغار لإسلامي، بل لأني إنسان أفخر بانسانيتي، والمنصفون مـن الناس كافة يعرفون صدق ما أقول.

(لا تعجل في حكمك – أيها العزيز – فتحسبني – بهذا القول – أدعوك إلى الإسلام، فـهذا ما لاأنصحك به قبل أن تستوضح بنفسك فيه، وقد قلت في كتابي ((من اشعة القران)): (إن الاسلام لـن يقبل إيماناً لاينهض على أساس مكين).

( وبعد ان تستوضح السبيل، فان الأمر سيكون إليك ايضاً، فمن أسس الاسلام الثابتة أنه "لا اكراه في الدين(2) ").

(اخي : ولم أعتب أنا، ولم يعتب أحد من أعلام المسلمين لأعمال هولاء الباغين ولأقوالهم، ولكنها حقائق يسجّلها الباحثون من أمثالي ليطلع عليها الأحرار من أمثالك.

(والذي أستغربته منك هو تَبرّمك بالشك، والشك – كما يقول بعض الفلاسفة- باب اليقين، وبينٌ أن البساطة في الجهل خير من التركيب، ودليل ذلك – ومن الامور ما هو غني عن الدليل –أنك تؤمن  بأنك في حالتك الأخيرة أدنى الى الصواب منك في حالتك الأولى .… أليس كذلك؟.

(وغريب ايضاً قولك – أيها الأخ- : إن مرحلتك الأولى من الدراسة قد ذهبت أدراج الرياح، وانك تأسف لها، تأسف لزمان أضعته بسببها.. غريب – وحقك – ذلك،لأن طالب الحق إنما يستبينه ببطلان الباطل، ولابدّ له – للوقوف على ذلك – من جهود يبذلها في البحث، ولابدّ له من زمان يقتله في التنقيب.

(وبعد، فلولا مرحلتك هذه التي تذكرها من الدراسة لم تكن لتصل الى النتائج التي توقن بها الآن، وتحمد الوقوف عليها.

(وعرفت الثقة التي أوليتني بها على البعد، وهو لطف جديد من ألطاف الله علي، إذا كانت ثقتك في موضعها، وحافز كبير لي على العمل بموجب هذه الثقة إن لم تكن صادفت موقعها. وعلى أي حال فنصيحتي هنا: أن لا تلجئك الثقة الى التقصير في البحث، او التقليد في الرأي، فانت من الطلاب الأحرار، ولست أدّعي العصمة لنفسي، وان كنت أدّعيها وأؤمن بها لديني .

(واما رحابة الصدر، وسعة الأفق وسائر المعاني التي توسّمتها فيّ، فائذن لي ان اقول لك: إنها من خصائص ديني، وليست من خصائص ذاتي، ولله المنة علي اذا صح توسّمك فارتسم علـى روحي شبحٌ من هذه الخلال.

(عزيزي وأخي :

(ليكن لك ما تؤثر، فاكتب، وانقد، واستفهم ممدوداً بعون الله، مكلوءاً بحفظه .. اكتب وانقد واستفهم عما شئت والله – سبحانه – هو المستعان …).

وهكذا بدأت الرسائل الممتعة، وبدأ العهد الحبيب، ونشأت الاخوة المؤمنة، وبلغت سلسلة أحاديثنا نيفاً وعشرين رسالة، ثم انقطعت لسفر عرض للاخ الكريم، ثم لم يتجدد العهد، ولم يستأنف الدور ولم أعرف السبب.

نعم، انقطعت المراجعات على كره مني، وعلى ضرورة وكره شديدين منه، ولا بدّ وأن يكون الواقع كذلك، فلقد كانت رغبته في السؤال أشد من رغبتي في الجواب.

*  *  *

هذه القـصة التي وددت ان تتم بعد أن قطعت اكثر الشوط وأوفره عناءاً، وما يدريني فلعل الودية قد كمل نضجها، وآتت أكلها، فقد تركتها قوية النمو، مباركة الغرس، زكية التربة.

وقد يعجب قارئي من قولي عن قصة (ط. ظ)-: إنها قطعت أكثر الشوط، وأوفره عناءاً .. قـد يعجب فيقول: أي شوط هذا ؟ وأي عناء ؟، وهل في طريق الاسلام بُعدٌ ؟ وهل فيه مشقة ؟ !.

ومن ينعم في ظل الاسلام، وينشأ في نعمته، ويغتذي بمعارفه، ويهتدي بقرآنه لابد وأن يقول في الاسلام هذا القول، ويشعر نحوه هذا الشعور… ولكن البعيدين عن هذه النعمة .… المفتقرين الى هذا النور… المتطلّعين بفطرتهم إليه .… من الذي فكّر منا أن يرفع لهم منه قبساً، وأن يضيئ لهم طريقاً؟!.

أمن الحق ان يتركوا سادرين خابطين حتى يطرق الباب منهم طارق؟!.

والآخرون.. الذين لايهتدون الى الباب ليطرقوه، ولايجدون النور الذي يبلّغهم ويكشف الشبهات والعقبات التي وضعت في سبيلهم؟.. من هذا المسؤول عنهم؟. ومن الذي يعنيه القرآن العظيم بقوله ؟:

( ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. الا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك اتوبُ عليهم وانا التواب الرحيم(3)).

ولمن يقول الله في كتابه؟:

( واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، فنبذوه وراء ظـهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس مايشترون(4))..

أهو قصص يسوقه الله لنا لمحض التاريخ ام تحذير يقّدمه لنا للعظة والاعتبار ؟؟.

    محمد أمين زين الدين


 


(1) العنكبوت : 69 .

(2) البقرة : 256 .

(3) البقرة : 159 – 160.

(4) آل عمران: 187 .