سنـن الله فـي الموجودات

 أخــي :

وقوانين الله التي وضعها لتدبير المكونات ، وتنظيم حركاتها قوانين ثابتة مستقيمة.

ثابتة مستقيمة في ذاتها ، فكل قانون منها لا يختلف في مداه ولا يتخلف عن غايتـه ، وثابتة مستقيمة فيما بينها ، فلا يصطدم بعضها مع بعض ، ولا يؤخر بعضها سير بعض ، فللقوانين المتفرقة الخاصة قانون واحد عام يحكمها جميعاً ، ويوائم بين حركاتها.

وقوانين الله هي هذه المجموعة الهائلة من السنن التي تحكم كل رطب ويابس، وكل بسيط ومركب من هذا الكون الفسيح العظيم.

هذه المجموعة الهائلة التي تفنى دونها الأعداد ، وتتناهى الآحاد.

لكل ذرة قانون. ولكل جزيء من جزيئات الذرة قانون ، ولو اننا أخذنا عشرة ملايين ذرة – على ما يقول علماء الطبيعة- ورصفناها صفاً واحداً لبلغ طول ذلك الصف مليمتراً واحداً، فكم نحتاج إذن من ملايين الذرات إذا أردنا أن نجمع منها مليمتراً مربعاً؟!. ثم كـم نحتاج من ملايين الملايين لنجمع منها مليمتراً واحداً مكعباً؟؟!!.

إن العدد هائل وعظيم جداً ، فاذا علمنا ان كل واحدة من هذه الذرات يحكمها قانـون، وان كل جسيم تحتوي عليه الذرة يحكمه قانون ، وان لكل ذرة مع صاحبتها قانون.

أقول: متى علمنا ذلك فقد ادركنا أي ضخامة تتصف بها المجموعة الكونية الكبرى من القوانين ، وادركنا أي يد عليمة قديرة تدبّر هذه المجموعة، وأي حكمة بالغة تدبرها. وادركنا أخيراً ان هذا التدبير الواحد لايمكن ان يصدر إلا عن مدبرّ واحد:

(الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ، فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئاً وهو حسير)(1) .

وهي الطريقة التي اتبعها الموحدون من علماء الطبيعة في اثبات وحدة إله الكون.

ان الانسان يرى الملايين من الجيوش والقوى والمعدات تتحرك بحركة واحدة، فـلا يشك في ان القيادة التي تشرف عليها قيادة واحدة. ويرى مياه المحيط تجري في اتجاه واحد فلا يرتاب في أن القوة التي تسيّرها قوة واحدة.

*  *  *

الدين أحد السنن الكونية

أخــي :

قلت: إن قـوانين الله التي وضعها لتدبير المكونات ثابتة مستقيمة ، فلا تصادم ما بينها ولا تزاحم ، وقد عرفنا -فيما تقدم- أن الدين أحد هذه القوانين ، ومعنى ذلك ، أن الدين لا يمكن أن يتصادم مع شيء من قوانين الكـون أو شيء من قوانين الانسان ، نعم ، وذلك هو مقتضى وحدة المدبرّ، ووحدة الحكمة..

إن الله وحـده هو الذي وضع الدين ، وجعل هذه القوانين ، وحكمته العظيمة هـي التي اقتضت كل ذلك، وعلمه المحيط شامل لها على حدّ سواء. فكيف يتصورّ أن يكون بينـها تخالف، وكيف يمكن ان يقع بينها تنافر؟؟!.

وقلت : إن الحكمة المبدعة أعدت الانسان الى غاية.

أعدت لها طبيعته واشواقه ونزعاته ، وكل غريزة فيه ، وكل جزء منه ، وكل قوة فيه.

والدين الحق ما أرشد الانسان الى هذه الغاية ويسر له سبيلها.

أجل. إن الحكمة المبدعة التي مكنت للحبّة الصغيرة اليابسة ان تكون شجرة كبيرة وارفة الظل ، ملتفة الأغـصان ، شهية الثمر ، دانية القطوف ، ذكية العطر ، وأهلت النطفة المهينـة القذرة ان تصبح حيواناً مدهش الخلقة بديع التركيب ،جمّ الفوائد والمنافع ، يكدح في حفظ نفسه ، ويسهم في بقاء نوعه. إن الحكمة المبدعة التي اعدت كل موجود لغايته ، ويسّرت إليـها سبيله ، وقررت له منهاجه ، أعدت هذا الكائن المفكر المختار الى غاية كبيرة تناسب مقامـه في الحياة ، ومنزلته من المخلوقات.

.. إلى غاية اختيارية كريمة تفترق عن غايته الطبيعية التي يشترك بها مع سائر الأشـياء.

وما خلق الانسان الى نهايته التي بلغها من العلم ، ومثابته التي ادركها من الحضارة ، وما بـدأ يفتتح الأسرار ويتقصّى الأخبار إلا وهو شاعر بهذه المنحة ، معتز بهذه الكرامة. وإن جهل اكـثر الناس حدودها ، وضلوا سبيلها ومناهجها..

وغـرائز الانسان وركائزه كلها قد هيئت لهذا القصد ، وليس من الحكمة ، بل وليس من الحق ، ان يخاف على شيء منها ، وليس من السداد ان تكبت ، وليس من الصواب أن يعمل عمل ، أو يشرع تشريع يؤدي الى كبتها وإخماد جذوة منها ، والدين الذي يسعى الى ذلك يثبت بطلان نفسه.

يثبت بطلان نفسه لمخالفته لحكمة الخالق في التكوين..

ويثبت بطلان نفسه لتنكره لضرورات الحياة وضرورات الانسان.

ويثـبت بطلان نفسه لأن شريعته توجب للانسان الكبت ، وتؤدّي به الى القلق (والعصاب) والى ازدراج الشخصية ، ثم الى انهيارها تحت ضغط هذه العوامل النفسية ، واخـيراً تفقد الانسان غايته التي من اجلها شرع الدين، ووضعت احكامه ورسمت حدوده.

ومنهج الدين الحكيم ان يأخذ بيد الانسان في طريقه السويّ فيصونه عن التردّي ويقوّمه عن الزيغ ويسدّده عن العثار ، ويوفي لكل ناحية منه حقها، ويقف بها على حدها ، وما كـان دين الله ليحيد ، وما كان ليحيف ، وما كان ليقرر معلومات تناقض العلم الصحيح، وما كان ليدعو الى عقائد تأباها الفطرة ويبطلها البرهان ، ما كان ليصنع شيئاً من ذلك فيوقع البشرية في مشكلة لا تحل ، ويسبب لها عناءاً لا يوصف ، وما كان ليصنع شيئاً من ذلك فيوحـي الى الأذهان ان حكمة الله قد تناقضت ، او أن علمه قد قصر.

تعالى الله عن أمثال هذه النسب ، وتنزه دين الله عن مثل هذا الإسفاف.

*  *  *


(1) الملك: 3-4 .