عقيدة التثليث
وعلى أي حال ، فان الذي يؤمن بهذا القول ، ويعترف بمدلوله لا يسوغ له ان يقول:
(في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله ، هذا كان فـي البدء عند الله كل شيء به كان ، وبغيره لم يكن شيء مما كان)(1).
أو يقول : ( فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآبُ والكلمة والروح القدس، وهؤلاء هم واحد)(2).
أو يقول: (لكن لنا إله واحد ، الآب الذي منه جميع الاشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ، ونحن به)(3).
لا يسوغ له ان يؤمن بهذه الاقوال ويعتقد صدقها ، ولا يمكن له ان يصدّق كذلك بـأن موسى وهارون وناداب وابيهو وسبعين من شيوخ إسرائيل ( رأوا إله أسرائـيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ، ولكنه لم يمد يده الى اشراف إسرائيل. فرأوا الله واكلوا وشربوا)(4).
أو بأن إشعياء رآه (جالساً على كرسي عال ومرتفع واذياله تملأ الهيكل. السرافيم واقفون فوقه ، لكل واحد ستة أجنحة..)(5).
أو بأن حزقيال بن بوزي رآه في ارض الكلدانيين عند نهر خابور، وان اطنـب في وصف الموكب الالهي والمقبب الذي يحمله الموكب ، والعرش الذي يعتلي ذلك المقبب، والله الذي استوى على ذلك العرش. اقول: وان اطنب في وصف ذلك الموكب بما يزيد عن صحيفتين من هذا الكتاب(6) !!
وما اكثر الذين رأوا الله في كتب العهدين ، وسمعوا حديثه واكلوا وشربوا معه!!.
ثم هي تقول -مع كل ذلك-: (الله لم يره احد قط)(7).
ثم تؤكد الكنيسة ورجالها على الناس ان يؤمنوا ايماناً مطلقاً بهـذه المتناقـضات ، أفليست الذريعة الوحيدة لهم الى ذلك ان يطمسوا على ابصار الناس ويختموا على بصائرهم؟.
لقد آمنت الفطرة ، وآمن البرهان ، وآمن الانسان الحصـيف -بايمانهما- بأن صانع الكون واجب الوجود لذاته. فكيف يتصور – بعد ذلك- ان يكون ثلاثة؟ ، ثم كيف يمكن ان تكون الثلاثة واحداً؟؟!.
أآحاد ثلاثة مستقلة ، كل واحد منهم واجب الوجود لذاته؟.
أأقانيم ثلاثة مؤلفة يتقوّم منها واحد هو واجب الوجود؟.
أثلاثة متعددة متقابلة تنصهر وتذوب ، وتذهب حدودها. وتمّحي مميزاتها ، بـل وتستحيل حقيقتها حتى تعود واحداً بسيطاً لا تعدد ولا تركب فيه؟.
أثلاثة هم ، الله في صورة الآب ، والله في صورة الكلمة ، والله في صورة روح القدس؟.
أواحد يحّل في اثنين ، او اثنان يحلان في واحد فتعمّ الجميع وحدته ، ويستتب عليها سلطانه؟.
أم ماذا؟ ، وكيف يمكن ؟ ، وجميع هذه التصورات يرفضها العقل اشد الرفـض ، ويحكم عليها بالاستحالة لأنها تناقض وجوب الوجود.
تناقض وجوب الوجود لأنها تقتضي تعدداً أو تركباً.
وتناقض وجوب الوجود لأنها تستلزم حدوداً ونهايات.
وتناقض وجوب الوجود لأنها تستدعي تغيراً وتقلباً.
* * *
القرآن وعقيدة التثليث
أخــي :
إن إلـه الكون ليس جسماً ولا مركباً ولا محدوداً ، ولا يحل في شيء ولا يفتقر الى شيء، هذا هو حكم العقل الذي لا يستبدل به سواه..
أما القرآن فانه يقول في رد هذه الاهواء:
(لقد كفر الذين قالوا: ان الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يابني أسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ، انـه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحدٌ وان لم ينتهوا عما يقولون ليمَسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون الى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلـت من قبله الرسلُ ، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر انى يؤفكون. قل اتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضراً ولانفعاً والله هو السميع العليم)(8).
ما هذه؟ ما هذه؟ أهواء تنزلق بالانسان الى الحضيض الأدنى بل إلى الدرك الاسفل.
الله هو المسيح ابن مريم ( وكان الكلمة الله) !.
الله ثالث ثلاثة. ( الأب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد) !.
خيالات ركبوا فيها هواهم وقلّدوا بها سواهم. وإلا فأي دليل يستطيعون إقامته عليها؟.
الأن المسيح خلق دون أب وكان ميلاده خارجاً عن المألوف؟.
وآدم وزوجته حواء خلقا دون أب ودون أم ، وقد اعترفت بذلك كتبهم المقدسة ، فلماذا لا يكونان إلهين كذلك ، ويكون الله خامس خمسة ، او ما شاءت التصورات؟.
(إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون)(9).
أم يقولون: نصّ المسيح على ذلك فوجب عليهم اتباعه بعد ان استبان لديهم صدقه؟ ، وإنه لكذب صراح على الرسول الكريم ، وتشويه قبيح لدعوته المباركة.
(وقال المسيح: يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من انصار).
* * *
كتب العهد الجديد والمسيح
وليس القرآن وحده يشهد ان هذه هي دعوة المسيح ، فأسفار العهد الجديد ذاتها تشهد له بذلك ايضاً ، ففي العدد 28 وما بعده من الاصحاح الثاني عشر من انجيل مرقس أن احد الكتبة (سأله: أية وصية هي اول الكل ؟ ، فأجابه يسوع: ان اول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، وتحبّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك، ومن كل فكرك ، ومن كل قدرتك ، هذه هي الوصية الأولى ، وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك.ليس وصية اخرى أعظم من هاتين).
وفي مواضيع كثيرة من الأناجيل انه كان يلتجئ الى الله في مهماته، ويتضرع إليه ويستغيث به ، ويصلي له.
المسيح رسول ومن قبله قد خلت رسل ، وأمه صديقة ومن قبلها قد خلت صدّيقات وصديقون فبم يستحقان هذه المنزلة دون اسلافهما من الرسل والصدّيقين؟.
وقد كانا يأكلان الطعام ، إذن فهما مفتقران الى الغذاء فكيف يكونان إلهين؟. أليس الاله -كما قلنا – واجب الوجود؟. ثم أليس معنى واجب الوجود أنه المنزه عن الحاجة من كل وجه؟.
(قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم(10)).
* * *
العبادة لله وحده
والعبادة والخضوع إنما يستحقهما الاله العظيم بارئ الكون ، والمتفرد بتدبيره والـذي بيده الضر والنفع ، والقبض والبسط ، والموت والحياة ، وعبادته وتأليهه ، والخضوع لارادته هي الأمر الطبيعي الذي يتحتم ان يكون ، ولا يسوغ الا ان يكون.
إن الكون كله بجميع ما فيه خاضع لحكم الاله ، طيّع لقوانينه، والانسان ذاته خاضع طّيع لحكمه في نواحيه الطبيعية ، ولا يستطيع إلا ان يخضع ، وإلا أن يطيع ، فكيف لا يخضع ولا يؤله حين يصل الدور الى اختياره .. الى القوانين التي يشرعها الله لسعادته ولتكامله في مدارج إنسانيته؟.
والعبادة والتأليه والخضوع هي الاعتراف في العمل –بل وفي القول- لهذا المنعم بعظيم نعمته وكبير منته.. النعمة التي لا تحصى عداً ولا توفى حمداً ، والمنة التي طوقت هذا الكائن قبل ان يوجد وستبقى مطوقة له بعد ان يموت.
هذا هو منطق الفطرة الذي لا يرتاب فيه إنسان ، وإذن فعلى مَ يؤله ما لا يملك له نفعاً ولا ضراً ، بل ولا يملك ذلك لنفسه ، وفي الأناجيل ان المسيح صرخ- وهو علـى الصليب- بصوت عظيم: )إلهي إلهي لماذا تركتني؟)(11).
هذه قوله القرآن الكريم في رد هذه الفرية الأثيمة ، فرية التثليث ، أما قصـة شيوخ إسرائيل ورؤيتهم لله على جبل سيناء فان القرآن يقول في تكذيبها:
(وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقـة وأنتم تنظرون)(12).
القرآن وكتب الله السابقة
أخــي:
أرأيت القرآن كيف يجهد لتنقية شرائع الله عما ألصق بها من أوهام، وتنزيه كتـب الله عمّا نسب إليها من افتراء؟.
وقد انبأ في كثير من آياته بأنه مصدق لما بين يديه منها. فهل عرفت كيف يكون هذا التصديق؟..
إنه يقيم البينة الجلية القاطعة على صدقها.
وإنه ينفي الافتراءات والضلالات عنها.
يقـيم البرهنة القوية الجلية على صدقها. بلى ولولا القرآن لم تملك تلك الشرائع ولا تلك الكتب بينّة مقبولة على إثباتها ، بل ولا على صدق انبيائها.
ولكن القرآن ..
ولكن المعجزة الخالدة التي تحدت العرب كافة والناس اجمعين ، والجن والانس أن يأتوا بسورة من مثلها ، فلم يفعلوا ولن يفعلوا. هذه المعجزة التي اقامها الله برهاناً خالداً لاثـبات شريعته الخالدة ، هي كذلك برهان خالد على صدق شرائع الله وكتبه الاولى:
(قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ابراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، ومـا أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم ، لانفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون)(13).
* * *