العـقل والعقـيدة
قلت : إن الفكر أول جهاز من أجهزة الانسان يستقبل الدين.
وأول شيء يتناوله الفكر من الدين هي العقيدة.
وأول العقائد التي يتناولها بالتمحيص هي عقيدة التوحيد.
عقيدة التوحيد
لقد اقنعته الفطرة ، واقنعه قانون السببية -الذي لمسه في عامة الأشياء- بأنه لامنتدح لهذا الكون من صانع.. لامنتدح له من ربّ مدبّر.. من إله يدين له ويخضع لأمره ويتّبع إرادته..
لقد اقنعته الفطرة ، وأقنعه قانون السببية بفكرة الألوهية ، واستوضحها استيضاحاً كاملا، وحكم بوجود الاله حكماً لايقبل الريب ، وبقيت فكرة التوحيد -أو التعدد- لهذا الإله الذي لا معدى منه ، ولامحيص من وجوده.
أهو إله واحد، أم إلهان إثنان، أم ثلاثة، أم هم أكثر من ذلك وأكثر؟.
إن الثنوية تقول: إنـهما إلهان ، واهل التثليث يقولون: إنهم ثلاثة، وبعـض الاغريـق يقول، إنهم اكثر من ذلك ، وبعض الطوائف الآخرين تجاوز ذلك حتى اغفل العدّ واضاع الحساب.
أخــي:
ولست مسرفا ولا جائراً في الحكم على اهل التثليث حين نظمتهم في عداد من أشرك ، فهذا هو منطق الواقع الذي لا مفرّ منه وان انكره من أنكر ، وسأوضح بينة هذه الدعوى.
أإله واحد ، أم آلهة متعددون متفرقون؟.
ان الفرض الأول هو الذي يميل اليه العقل بجبلّته ، وهو الذي يرجح لديه -لو ترك له الاختيار في ذلك- ، فهذا الفرض –وحده- يجمع البشرية على مصدر واحد ويوجهها الى غاية واحدة ، وهذه رغبة اثيرة لدى العقل لا يقدّم عليها سواها ان جعل له الاختيار.
وأكذب الفروض جميعاً عنده هو الفرض الأخير ، فرض ان لا يكون للآلهة حدّ ولاعدّ ، فكل شعب وكل قبيلة من الناس ، بل وكل اسرة وكل فرد منهم ، له إله مختص ، فلا يعود الأمر أمر الوهية وربوبية ، بل انحيازات وامتيازات لا سند لها ولا غاية فيها .
ولكن ما غناء هذه التحريات في العقائد التي تتوقف عليها نجاة الانسان؟، فلابد -إذن- من النظرة الحاسمة، من نظرة تكشف اللبس وتنفي الريبة.
* * *
الصلة الأولى للخلق
وتمهيدا لهذه النظرة الكاشفة الحاسمة لنتساءل عما كان يبتغيه العقل حين فكّر فـي خالق لهذا الكون ، وحين اندفع يستنبئ الفطرة ، ويستنطق قانون السببية، ويستجوب الأدلـة الأخرى التي يملكها عن وجود الخالق.
ماذا كان يبتغي لما فكر هذا التفكير ، ثم اندفع يتقصّى الأدلة ، ويستشهد الآثار؟.
ألم يكن تفكيره وبحثه عن وجود سبب أعلى لهذه الموجودات ؟. عن سبب اعلى يحلّ به لغز هذا الكون وترتفع به حاجة هذا الوجود.
سبب أول تردّ إليه جميع هذه الموجودات ، ويستغني هو -بوجوده الذاتي- عن السبب المؤثّر؟.
بلى. ولو ان ذلك السبب كان مفتقراً الى سبب يؤتيه الوجود لما ارتفعت الحاجة ولما حل اللغز ، ولعاد السؤال عن سبب لذلك السبب.
وإذن فالسبب الأعلى -الذي هدت إليه الفطرة ودل عليه قانون السببية- غني بذاته عن سبب غيره يؤتيه الوجود ، ومعنى ذلك: ان وجوده أزلي وذاتي له ، وليس بحادث يمكن له الانفكاك.
وهذا معنى قول علماء الكلام: إله الكون واجب الوجود، وهذا احد الفوارق الكبرى بين الخالق والمخلوق.
وإذن فلا موقع أبداً للسؤال عن خالق لخالق الكون.
* * *
الكمال الذاتي للخالق
وشئ آخر يلزمنا ان نفكر فيه كذلك ، لتتم لنا النظرة التي تضيء لنا الطريق.
ان هــذا الملكوت العظيم زاخر بالكمال -كما هو زاخر بالوجود-، بحيث لاحـدّ لضروب الكمال فيه ، كما لاحد لمظاهر الوجود ، وهو مفتقر الى السبب في اكتـساب كماله كما هو مفتقر الى السبب في اكتساب وجوده ، والعقل لايشك في هذا الحكم البتـة ، وقانون السببية لايختلف فيه.
وإذن فالكون مفتقر الى الخالق في كماله ، كما هو مفتقر اليه في وجوده.
وإذن فخالق الكون يجب ان يكون كاملاً -لأنه يخلق الكمال- كما يجب ان يكـون موجوداً لأنه ينشئ الوجود.
وكمال الخالق كذلك يجب ان يكون أزلياً وذاتياً له ، وليس بحادث يمكن فيه الانفـكاك. لأنه لو كان حادثاً ، ولو امكن انفكاكه ، لافتقر الى سبب يؤتيه.
فهو غني بذاته عن سبب غيره يؤتيه الكمال ، كما هو غني بذاته عن سبب يؤتية الوجود. أي انه واجب الكمال كما هو واجب الوجود.
وهذا أيضاً أحد الفوارق الكبرى بين الخالق والمخلوق.
ووجوب الوجود ووجوب الكمال هذان يستتبعان لازمة لا يتحققان بدونها ، بل ولا يتم معناهما بسواها.
واللازمة -التي لا يتحققان بدونها- ، أو بالأحرى الصفة التي لا يتم معناهما بسواها هي ان خالق الكون يجب ان يكون له مطلق الكمال.
مطلق الكمال الذاتي ، الذي لا تسمو إليه الحدود ، ولا تغيّره الاحوال، ولاتخلقه الازمان. وأقول: خالق الكون يجب ان تكون له هذه الصفة ، لان كماله لو عرف القيود ولو سمت اليه النهايات لكان ناقصاً مبتغياً للمزيد..
ومعنى ذلك انه مفتقر الى علة أكمل منه ، فلا يكون واجب الكمال، ولا واجب الوجود ، ولا يكون هو السبب الاعلى الذي يحلّ به لغز الكون وترتفع به حاجته.
هذه نتائج ينساق إليها الفكر الواعي انسياقا ، إذا ولج فكرة الألوهية من أبوابها الطبيعية، وحكم العقل فيها حكم ضروري لايفتقر فيه الى اكثر من التصور.
* * *
وحدة إله الكون
فالسبب الاعلى للكون لا محيد من ان يكون موجوداً ، وواجب الوجود.
ولا محيد من ان يكون كاملاً ، وواجب الكمال.
ولا محيد من ان يكون وجوده مطلق الوجود ، وكماله مطلق الكمال ..مطلق الوجود والكمال الذاتيين الواجبين الأزليين ، اللذين لا يفتقران الى علة ، ولا ينتهيان الى حدّ، ولا يقفان عند أمد.
وإذا كانت هذه الصفات محتومة لبارئ الكون -ولا مندوحة من ثبوتها له- ، فكـيف يعقل ان يكون اكثر من واحد؟.
إن فرض إلهين للبشر ، أو آلهة متعددين ، يلزمنا أن نفرض حدوداً للوجود، وحدوداً للكمال تميز كل إله منهم عن شركائه. وهذا يعني النقص في كل منهم عن المرتبة القصوى من الكمال ، ويعني الحاجة فيه الى المزيد ، والحاجة الى العلّة..
لخالق الكون مطلق الوجود ، ومطلق الكمال الواجيين، ومطلق الشيء لايقبل التعـدد ولا يقبل التكرار. وهذا حكم لا يرتاب الانسان في صحته بعـد ان يستوضح معناه. ولأذكر لذلك مثالا يوضح لأخي ولقارئي معنى هذا القول.
ان الماء مفهوم واضح ليس فيه خفاء ، يدل على حقيقة واضحة ليس فيها خفاء ، ومن أجل وضوح مفهومه وحقيقته أودّ ان اجعله موضوعا للتمثيل.
ولا يشك الإنسان في كثرة أفراد هذه الحقيقة الواحدة ، وانطباقها على الجرع التي يشربها الانسان منه ، وعلى الصبابة الباقية منه في الكأس ، والقطرة الساقطة منه على الأرض انطباق حقيقي لا تجوّز فيه، ولا فرق بينه وبين الجاري في النهر ، والمائج في البحر ، والافراد الكثيرة الأخرى اين كان موقعها ، وأنى كان زمانها ، وأيا كان لونها أو طعمها.
غير اننا نلاحظ أيضاً ان كثرة الأفراد في هذه الحقيقة إنما تأتي من قبل الحدود التي تطرأ على الموضوع الواحد فتقسمه وتفرّق أجزاءه.
ان الكاس المملوءة في يدي إنما أصبح ماؤها فرداً جديداً لما أتخذ حدوداً جديدة تفصله عن الباقي منه في الاناء الكبير.
والنهر الجاري إنما عدّ ماؤه مصداقاً خاصاً لأنه اتخذ مكاناً خاصاً أبعده عن الموجود في البحر ، ولو اني اعدت مافي الكأس إلى الإناء، ولو أن الجزر أرجع ماء النهر الى البحر لعاد سيرته الأولى فرداً واحداً متماثل الأجزاء منطمس الحدود.
وهكذا في كل فرد وفي كل مصداق. ولو أ ننا استطعنا ان نحذف الحدود والفواصل كلها -من امكنة وأزمنة وألوان وطعوم وغيرها- لأصبحت هذه الحقيقة الواحدة كلها مجتمعة في فرد واحد لاتعداد له ولا تكرار فيه ، ولا يقبل التعدد ، ولا يقـبل التكرار، لأنا فرضنا أن الحقيقة منحصرة فيه، وانحصارها فيه ليس لعدم الأفراد الأخرى، بل لاندماج الحدود وانعدام الفواصل.
وهذا الفرد الواحد الذي انحصرت فيه الحقيقة الواحدة هو مطلق الشيء الذي لا يقبل التثنية ، ألم اقل لك: إنه حكم لا يرتاب الانسان في صحته بعد أن يستوضح معناه؟.
إنه فرد واحد ، ووحدته حقيقية لاعددية.
حقيقة يستحيل معها التعدد ، وليست عددية لان الواحد في العدد لايمتنع أن يكون له ثان وثالث ورابع وعاشر.
وكذلك في كل شيء ، في كل حقيقة مطلقة ، اذا استطعنا ان ننفي عنها الحدود التي تكثّر الأفراد ، وتباين مابين الآحاد.
فاذا وجب أن يكون لخالق الكون مطلق الوجود ، ومطلق الكمال الواجبـين ، فلابد وأن يكون واحداً بهذه الوحدة الحقيقية التي يستحيل فيها التعدد.
على فارق كبير بين هذه الوحدة هنا وبين هذه الوحدة ذاتها في مثال الماء ، وفي سائر الاشياء ، فالوحدة الحقيقية في مطلق الأشياء وان استحال معها التعدد في الأفراد إلا أنها لا يمتنع معها الانقسام الى أجزاء ، أما الوحدة في الوجود الواجب فانها تقتضي استحالة الأجزاء كما تقتضي استحالة الأنداد..
فاله الكون واحد ، بمعنى أنه متنزّه عن الشركاء في الوجود الواجب.
وإله الكون واحد ، بمعنى أنه متنزه عن الأنداد في الكمال الواجب.
وإله الكون واحد ، بمعنى أنه متنـزه عن التركّب والأجزاء.
وإله الكون واحد ، بمعنى أنه متنزه عن النظير في الألوهية ، والظهير في الربوبية.
وإله الكون واحد ، بمعنى أنه متنزه عن شباهة شيء من الموجودات.
إله الكون متنزه عن الحدود والنهايات ، وعن كل صفة تأتي من قبلها أو تتفرع عليها ، ومن أجل ذلك تنزه عن صفات المخلوقين وعن مشابهتهم.
وهو متنزه عن الحاجة في وجوده ، وفي جميع صفاته وشؤونه ، ومن اجل ذلك تعالـى عن النظير والظهير ،وتنزه عن التركب والأجزاء ، أليس كل مركب يفتقر الى أجزائه، والى سبب يسبقه في الوجود ويمنحه صفة التركب؟ .