شبهات حول موقع الدين من العقل

أخي :

لعلي أطلت عليك في شرح هذه الناحية ، وموقف الاسلام هنا أوضح من أن يفتقر الى إطالة شرح. وأعلم جيداً أنك خبرت طبيعة الاسلام، ومن أجل خبرتك هذه اكببت تفحص حقائقه ، وتستبطن هدايته. ولكني أطلت في هذا لأعجبك من بعض كتاب مسلمين…!

أي – وعينيك - إنهم كتاب مسلمون ، لا أشك في ذلك انا ، ولا تشك فيه أنت ، وقد لايشك القارئ معنا أيضاً.

كتاب ومسلمون ، ولكنهم يتحدثون عن الاسلام كما يتحدث الكتاب الغربيون عن المسيحية!!.

يقولون -كما يقول اولئك- : الايمان موضعه القلب، ولامجال فيه للفكر!. بل ويقول بعضهم : ولا موضع فيه للدليل!.

فهل فقه هؤلاء طبيعة الاسلام؟، وهل عرفوا خصائصه ؟!.

إن من عيوب بعض كتابنا انهم لايقتصرون على ما يحسنون، ومن عيوبهم انهم يتركون تراثهم -وان كان نفيساً بل وان كان ضرورياً- ويستبدلون به من تراث غيرهم ، وان كان تافهاً، بل وان كان مضراً مفسداً.

يستبدلون هذا بذلك ، لا لشيء سوى أن يقول الناس عنهم : انهم أحرار لايتعصبون!!.

وقلت: (الكتاب الغربيون) ، لأنهم المصدر الذي اغرى هؤلاء بهذا القول، والا فكتّاب المسيحية الشرقيون والغربيون سواء في حديثهم عن الدين.

وليس في حديثهم عن المسيحية ظلم لها ، ولا افتئات عليها ، فانه شعار رجال الكنيسة أنفسهم اذا تحدثوا عن حقائق دينهم ، او سئلوا عن اسراره . ألم تلمس ذلك بنفسك يوم كنت تبحث عن معاني كتبك الأولى، وتطوف لحل رموزها ، ألم تحدثني عنه في بعض رسائلك؟.

وهو منطق يضطر اليه المسيحيون اضطراراً ، وهو بالاعتذار عن هناة -يشعرون بوجودها في المسيحية - أشبه منه بان يكون وصفاً لدين.

لقد اعيا عليهم أن يوائموا بين المسيحية القائمة والتفكير القويم..

اعيا عليهم ذلك في كثير من عقائد هذا الدين ، وفي كثير من تعاليمه.فما الحيلة ؟.

ماذا يصنعون للعقول الذكية الحرة التي تريد ان تعرف ما به تدين؟.

وارادة العقول هذه ليست شهوة طارئة مبتوتة ، يمكن إخمادها والتغاضي عنـها، وإنما هي فطرة مكينة لاقرار للمرء إذا لم يسعفها ، وقد تحدثت عن هذا قريباً.

هذه العقول تضايقهم في المسألة وتطلب منهم التفسير ، وبعض هذه العقول في رؤوسهم أنفسهم، فهو اشد مضايقة لهم وأكثر إلحافا، فماذا يصنعون؟.

أيعترفون بالأمر الواقع؟ ..

أيقولون : إن هذا الدين عبثت فيه ايد ، واضيفت اليه أوهام ؟..

ولو قالوا ذلك لأنصفوا الحق ، وأنصفوا العقول وأنصفوا الدين.

غير ان الاعتراف بالامر الواقع يفتقر الى شجاعة لا يملكها كل واحد من الناس ، والتسامي في النفس على المألوفات والموروثات منزلة لايطمح اليها ضعفاء القلوب منهم. بل وقد يصدهم الإلف وتقليد الاسلاف ان يدركوا هذه الحقيقة وإن كانت واضحة ، فماذا غير ذلك؟..

ليس لهم وراء ذلك إلا ان يفصلوا الدين عن العقل!.

ان يقولوا -اولا- : الدين من وضع خالق البشر ، فلا يمكن ان تبلغه عقولهم المحدودة.

وأن يقولوا -ثانياً-: الدين إنما يبتغي الايمان ، وموضع الايمان هو القلب ، وإذن فالقلب وحده مقر الدين ، ومهمة الدين هي إصلاحهُ وبث الطمانية فيه وشد علاقته بالله.

وأن يقولوا - أخيراً- : الدين انما يبتغي الايمان ، والايمان شيء لا يكتسب بالأدلة ، وإنما هو انطباع قلبي مكين، وأمره يدور بن الوجود والعدم.

ليس لهم إلا ان يقولوا هذا أو ما يقرب منه.

 أما ان يكون بعض العقول عنيداً شديد اللجاجة ، لاتجدي معه هذه المعاذير ، فلا مناص من ان توضع له خطط خاصة تنفذها محاكم التفتيش ، وقرارات الحرمان ، والوسائل الرهيبة الاخرى التي تملكها الكنيسة.

وهذه النهايات التي صدقتها الوقائع وسجل فضائعها التاريخ توضح للانسان ان المسألة مسألة إرغام على القبول لامسألة هداية وايمان ، والنتيجة العادلة لذلك: أن ينفض العاقل الحرّ يديه منها ، ويوصد ابواب التفكير فيها.

ولكن ما شأننا الآن وذلك؟. لنتبع اقوالهم المتقدمة واحداً واحداً، لنتعرف قيمتها.

*   *  *

الدين لا يبلغه العقل؟

.. الدين من وضع خالق البشر ، فلا يمكن أن تبلغه عقولهم المحدودة.

هذا قولهم الأول ، وموضع المغالطة فيه انه خلط بين عجز البشر عن تشـريع الدين وعجزهم عن فهم حقائقه ، وبون شاسع بين المقصدين.

فان تشريع الدين الوافي بسعادة البشرية ، المصلح لعامة قضاياها، يستدعي إحاطة تامة بجميع شؤون الانسان وارتباطاته ، وبمقادير طاقاته وضروراته، وبالطوارئ العامة أو الخاصة التي تطرأ عليه فتؤثر في مجاري حياته، وتؤثر في أشكال علاقاته.

وعلى الجملة يستدعى إحاطة تامة بشؤون الانسان الفردية والجماعية، في مختلف الاصقاع والازمان ، وبما يقتضي للانسان في جميع هذه الشؤون من توجيه وتهذيب، وما تتطلبه أحواله وطوارئه من علاج وإصلاح ، والاحاطة بكل ذلك مما يمتنع على الأفكار المحدودة، وقد أوضحت هذا في الحلقة الأولى من كتاب (الإسلام)(1).

وهذا غير أن يشحن الدين بالمعميات التي لا يجد العقل الواعي لها وجهاً، ولا يهتدي اليها سبيلاً.

والصفة الأولى هي التي يجب ان تثبت للدين ، والصفة الثانية هي التي يجب ان تنفى عنه.

وها هنا نوعان من المفاهيم تجب التفرقة بينهما.

نوع يستعصي على العقل. لأن الأدوات التي يملكها العقل تقصر عن بلوغه، ولكنه -في الوقت ذاته- يدرك أن ذلك النوع ليس من الأوهام ، ولا من المستحيلات. ونوع ينبو عنه العقل لأنه يجده في عداد احد هذين. والنوع الثاني هو الذي يبادر الى رفضه، ولا يتردد في أمره ، ولا يقبل دليلاً عليه.

أما النوع الأول فان العقل المنصف لايتعجل فيه بنفي ولا باثبات ، بل ينتظر فيه حكم الدليل المثبت أو النافي.

 وهذا هو دأب العقل ، وهذه هي سيرة العقلاء.

إن العقل لا ينكر ما يجهل ، ولو انه انكر لأوصد على نفسه ابواب المعرفة، وخليقته تجاه هذه الامور أن يصابر ويثابر ، ويطلب الادلة ، ويتقصّى في الطلب، وبهذا المصابرة والمجاهدة فتحت له الكنوز ، وحلت له الرموز.

والعقلاء كذلك لايجحدون ما يجهلون ، ورجـوع من يجهل الى من يعلم باب من أبواب المعرفة عندهم ، ولايشكّون في ذلك ولايمترون.

ومن طرق المعرفة عندهم الى هذه المجهولات : نصوص الدين.

النصوص الصحيحة التي لاتقبل الخدشة ولا التأويل.. من الدين الحق الذي لا موقع فيه للريبة ولا منفذ للطعن.

الدين الذي أثبتته الحجج القاطعة ، وعضدته الحكمة الرفيعة.

ذلك ان الدين متى اجتمعت له هذه الخصائص كان دين الله ولاريب، وكانت حـقائقه من وحي الله ولامرية ، ووحي الله لا مكان معه للشكوك والظنون .

نعـم. الدين الذي اثبتته الحجج النيرة القاطعة ، ومحال ان يكلف الله البشر بتصديق دين ما إذا لم يُصحبه حججاً تقتنع بها عقولهم ، وتمتلئ بها نفوسهم ، وتثلج لها صدورهم. ومحال ان يكلف الله البشر كافة بدين ما -بحيث لا يقبل من احدهم ان يبتغي ديناً سواه- ما لم يجعل دلائله قائمة مع الزمان ، موفورة في كل مكان ، تكشف اللبس ، وتنير السبيل وتقطع العذر.

وعـن هذه الحجج المستنيرة يكون الاقتناع الكامل الذي يملأ العقل، والايمان الكامل الذي يفعم القلـب ، والاهتداء الكامل الذي يعم جهات النفس وينير آفاقها. ولا جدوى في ايمان ليس له منبع من الفكر ، ولا اساس من الدليل. ومن أجل الفكر الرشيد والبرهان السديد فرقنا بين عابد الحق وعابد الخرافة.

] ومن يدع مع الله الهآ آخر لا برهان له به فانما حسابه على ربه إنه لا يفلح الكافرون(2) [ .

والايمان الاعمى يكون - في الغالب- اشد نفوذاً واكثر انطباعاً في نفس صاحبه من الايمان البصير. ولعل السبب ان النفس تعوّض بذلك عن قصورها في مجال النظر، ولو بطريقة لا شعورية.

والايمان بالاله الحق وبالدين الصحيح ، أتراه شيئاً واحداً لاتفاوت في مراتبه ، ولا تمايز بين منازل الناس فيه ؟ .

إن الشقة بعيدة جداً بين الايمان الذكي ، والايمان البليد.

 بين إيمان يؤسسه المرء على النظرة الدقيقة الصائبة ، والبرهان النيّر القويم ، وإيمان ينحدر اليه في مواريث الآباء أو يتلقفه من أفواه الأصحاب.

*  *  *

الإيمان موضعه القلب

وقـولهم الثاني : الدين يبتغي الايمان ، وموضع الايمان إنما هو القلب، ونتيجة ذلك أن يكون القلب – وحده – مقر الدين ومجال نشاطه.

والجزء الأول من هذا القول حق لامراء فيه.

الدين يبتغي الايمان ، وكل دعوة صحيحة أو باطلة تبتغي الايمان كذلك.

وكيـف يقوم لها بناء بغير هذه الدعامة ؟. ولكن لماذا يختص الايمان بالقلب اذا كان القلب يعني الناحية الروحية وحدها –كما يريدون -؟. ولماذا يختص الدين بالقلب إذا اختص به الايمان؟.

لماذا يختص الايمان بالقلب اذا كان معناه ذلك ، اليس للعقل كذلك ايمان ؟؟ .

إن الايمان هو التصديق بالفكرة ، أو هو التصديق الكامل الذي يستتبع الخضوع والتسليم لموجبها ، فكيف لايتصف به العقل؟، وكيف لاتتصف به النفس؟.

بل وكيف لايكون من خصائص العقل بادئ بدء ، ثم يعمق ويشع وينتشر ضوؤه فيؤمن القلب بتبعه ، ويؤمن الضمير، وتؤمن العاطفة، وتؤمن الارادة ، ويعم الايمان كل مناحي الانسان؟.

القلب في القرآن

أخــي :

وقد تعود فتذكر لي القلب في القرآن ، وانه ربط به الايمان. واعود فأذكرك أن القلب في القرآن يعني مصدر التفكير للمرء ، ولايعني الناحية الروحية وحدها التي يقصدها هؤلاء.

وهو المراد أيضاً في الروايات الكثيرة التي تذكر الايمان ، وتجعله من صفات القلب ، كحديث الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (الايمان ماوقر في القلوب).

وحتى قول الامام الباقر (عليه السلام): (الايمان ما أستقر في القلب ، وافضي به الى الله ، وصّدقه العمل بالطاعة لله ، والتسليم لأمر الله) ، وأضرابه من الأحاديث التي تحدّد الايمان ، وتذكر الطاعة والتسليم لأمر الله ، والوصلة إليه في ضمن التحديد..

حتى هذه الآثار الشريفة لاتعني بالقلب: المجال الضيّق الذي لا يتسع لجميع مناحي الحياة، ولاتعني بالايمان القوة الخاصة التي لاتهتم الابتهذيب الروح.

إن الاسلام يربط مابين أنظمة الحياة وأنظمة الروح رباطاً وثيقاً لايتفكك ولايهن ، فقوانين الاجتماع في هذا الدين ، ومناهج التعايش قربات تصل العبد بالله، وتفضي به اليه -إذا آمن بها وسلّم لأمر الله فيها، وأطاعه بالعمل على وفقها-.

هذا الايمان العام الذي يعقد كل ناحية من نواحي الانسان بالأخرى، ويصل كل هذه النواحي منه بالله بارئه ومدبره وعالم سره وعلانيته .. هذا الايمان القوي الذي يراد منه تنمية عقل الانسان وتهذيب روحه وتزكية ضميره ، وتقويم غرائزه ومشاعره ، وتنظيم حياته واصلاح كل وجهة منه ، وكل ظاهرة أو خافية فيه ..

هذا الايمان هو الذي يبتغية الاسلام ، ونصوص الكتاب الكريم واحاديث الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، وآثار المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام) ، عن الايمان إنما تعنيه.

*  *  *

لِمَ يختص الدين بالقلب؟

واذا كان الايمان من خصائص القلب كما تعتقد هذه الفئة من الناس فلماذا يلزم أن يكون الدين مختصاً بشؤن القلب ايضاً فلا تكون له يد في الشؤن الحياة ولانظرة في إصلاحها؟.

ان القوانين التي يشرعها المصلحون يؤمنون بها بعقولهم ، أو –كما يرغب هؤلاء- بقلوبهم إيماناً شديداً ، ثم يندفعون هم وأتباعهم يطبقونها في ميادين الحياة فلِمَ لا نتصور مثل هذا في الدين؟، ولمَ نرغب أن يكون الدين اقل فعالية من سائر القوانين؟!.

*  *  *

الايمان لا يكتسب بالأدلة

أما قولهم الأخير : الايمان لايكتسب بالأدلة ، فإنه أشد أقوالهم غرابة، وأكثرها تمحّلاً والتواءاً..

ليكن الايمان انطباعاً قلبياً يوجد أو لايوجد. وليكن ضيّق الدائرة لا يشمل غير علاقة المرء بربه وما يوثقها وما يتصل بها ، فانه لا يمكن أن يوجد دون سبب مؤثر.

وحتى الايمان بالخرافة وبالاسطورة وبالتفاهات والضلالات ، لابد له كذلك من ان تكون له علة موجبة ، غير ان علة الايمان بالخرافة لا محيد من ان تكون خرافة كذلك.

 وإذا كان لابد للايمان من سبب فلِمَ لا يصح أن يكون الدليل احد أسبابه، ليجـيء دور الدين بعد ذلك فيعتبره السبب الوحيد؟.

أخــي :

لقد اطلت عليك ، وعذري عن ذلك ان هذه أوهام أخذت تدبّ في افكار بعض المسلمين ، وقد دسّ لها مغرضون ، وتقبّلها مخدوعون ، ولئن امكن ان تكون لها صورة مقبولة أو منصفة في حديثها عن المسيحية القائمة فلا يمكن ان تقبل أو تعدّ منصفة في حديثـها عن الدين الحق ، وعن دين القرآن بوجه مخصوص.

وقصارى أمر هؤلاء: أنهم يرومون إبعاد دين الله عن منفسح الحياة، وإلباسه ثياب المسوح ، وإلجاءه الى مضايق الصوامع ، ويأبى الله لدينه ولكتابه هذه التحكّمات.

*  *   *


(1) يراجع مبحث ( هل يستطيع الانسان ان يشرع لنفسه نظام التكامل) ص 53 من كتاب ( الاسلام : ينابيعه – مناهجه- غاياته) ط 2 سنة 1978.

(2) المؤمنون: 117.