الديـن والعقـل
أخي:
والفكر اول جهاز من أجهزة الإنسان يستقبل الدين، ويعنى بأمره، واحسب ان هذا من الأمور الجلية، ولاينبغي ان يكون موضعاً لريبة.
أليس الفكر هو الذي يحكم بأن الدين ضرورة للإنسان من شتى نواحيه، لا غناء عنه ولا بدل له؟.
أو ليس الفكر هو الذي يعرّف الإنسان بوجود إله للكون ، وبثبت له توحيده وعلمه وقدرته وحكمته.. يثبت له ذلك بدلالة آياته؟.
وقد قلت: إن الفطرة ترشد إلى ذلك لأول مرة، فما هي الفطرة؟.
أليست هي العقل في انطلاقته الأولى البسيطة المجردة، التي لا تشهد إلا النور، ولا تعرف غير الاستقامة؟.
بلى، إن الفكر هو الذي يستقبل الدين أول مرة، ويمحّص دعوته، ويمتحن حقائقه، ويتبيّن صدقه، وإلا فبماذا يعرف الانسان صادق الأديان من كاذبها، وحقها من باطلها؟.
أليس في الأديان ما هو حق وما هو باطل، وما هو صادق وما هو كاذب؟.
ثم أليس يتعيّن على الإنسان -بحكم الضرورة وحكم البرهان، بل وحكم الأديان ذاتها- أن لا يصدّق منها إلا الحق؟!.
وأول شيء يتناوله الفكر من الدين هي العقيدة، ذلك لأن العقائد هي الأسس التي يقوم عليها بناء الدين، وترسو عليها قواعده، ومن الضروري أن تمتحن الأسس، وتتعرف متانتها قبل أن يقام علها البناء، وتشاد الدعائم.
ولأن العقائد وظيفة العقل المباشرة، فلا محيص له من أن يتقصاها درساً، ويستوعبها تفهماً، ويستعرضها استدلالاً واثباتاً.
وشيء –غير هذا وذاك- هو: أن العقائد الكبرى في الدين لا محيد من أن يكون المثبت لها هو العقل، ولا يمكن إثباتها من طريق الدين ذاته، لأن الشيء لايثبت نفسه، وما تحتوي عليه نصوص القرآن ونصوص الدين الأخرى من وجوه البرهان على إثبات هذه العقائد، فانما هو ضربٌ من الإرشاد.
فإن من الناس من لا يهتدي إلى إقامة الحجّة الوافية، وإلى تأليف مقدماتها الصحيحة المنتجة..
ومن الناس من تلتبس عليه وجوه الدلالة..
ومنهم من تصدّه الألفة للآيات الكونية –مثلاً- عن التفكير فيها والإفادة منها، بل وقد تصدّه عن الالتفات إليها.. فكان من الحكمة أن يقدّم الدين للناس نماذج من الحجج المشرقة كي يهتدي بها الحائر، ويسترشد بها الجاهل، ومن الحطّ من كرامة العقل، ومن الاستخفاف بمنزلته الرفيعة أن يفرض عليه التصديق بما لا يفهم، والتسليم لما لايعلم، ومن الالتواء المهين أن يزوى الدين عن الفكـر، ويزعم –كذباً- أن موضعه إنما هو القلب، وما إيمان قلبٍ لا فكر معه؟!.
وما معنى إيمان لا يسبقه اقتناع فكريّ كامل؟!.
بل وكيف يستطيع القلب أن يقتنع بشيء ما، ويؤمن به وهو بعيد عن الفكر؟!.
وما يسوق رجال الكهنوت إلى هذا الالتواء؟.
إن أوضح شيء يقترن به هو أنهم يخشون الفكر على حقائق الدين الذي يقومون على سدانته.
وما قيمة دين لا تقوى حقائقه أن تثبت لتجارب العقل وتمحيص الفكر؟!..
وما قيمة دينٍ تعوزه الأدلة الكافية المتينة التي تثبت للفكر صدقه، وصدق تعاليمه، وصدق مناهجه، حتى يقتنع الفكر بتلك الحجج ويسلّم؟!..
وما قيمة إيـمان -ولنفرضه قوياً مكيناً يملأ قلب المرء ووجدانه- إذا كان فكره ملحداً أو جاهلاً؟!..
وما حياة نفس تعيش منشقة مقسّمة، يتوزعها قلبٌ مؤمن وفكر ملحد؟!.
إنه التواء مهين لا يقبله مفكّر حر، يريد أن يكون إيمانه راسياً على تفكيره، وملاحظته واقتناعه، وأن يكون دينه ديناً لعقله ولقلبه وروحه، وضميره وإرادته، وسرّه وعلانيته على سواء.
انه التواء شائن، والشواذّ من الناس هم الذين يؤمنون بلا فكر!!.
* * *
القرآن والقلب
أخــي:
وقد تقول لي: إن القرآن ذكر القلب كذلك، وبعثه إلى الاقتناع في أمر الدين، وحثه على الإيمان به، فقال –مثلاً-:
(ذلك لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد)(1).
نعم ان القرآن الكريم ذكر القلب في كثير من آياته ، وذكر العقل في كثير منها كذلك، فقال مثلا:
(ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها. ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون)(2).
(وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره ان فـي ذلك لآيات لقوم يعقلون)(3).
وذكر اللب والفكر أيضاً: (ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ، ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)(4).
ان القرآن ذكر القلب في وفرة من آياته ، وربط به الايمان، وربط به التقوى ، وربط به كثيراً من ظواهر الدين ، ولكنه وصف القلب هذا بانه يفقه، ويعقل ، ويتفكر ، ويتدبّر ، ويرتاب ، ويغفل ، ويعمى ، ويبصر ، وتمر به الخطرات ، وتعترضه البدوات.
وذكر له نعوتاً أخرى كثيرة من النعوت التي يوصف بـها العقل، بل ووصفه بانه يكسب ويتعمد ، فما معنى ذلك؟ ..
أليس معناه انه يعني بالقلب مصدر التفكير والموازنة اللذين يوجهان في الانسان الارادة منه ، ويقودان الحركة؟.
ان القلب في كثير من آيات الكتاب العزيز يعني جهاز التفكير في الانـسان ، وهو كذلك أحد معانية في اللغة.
وبعد ، فالاسلام العظيم أبعد الاديان كافة عن هذه الوصمة وأبرؤها من هذه التهمة ، وما أوفر عديد آيات الكتاب التي تحتم على الانسان ان يتفكر، وان يعي ، وان يقيم ايمانه على التفكير الحر الواعي!!.
وما أوفر عديد آيات الكتاب التي تحرمّ عليه ان يتّبع الهوى ، أو يجنح الى التقليد أو يميل مع الإلف!!. وما أوفر عديد آيات الكتاب التي تحرض الانسان أن يحاكم حقائق الدين وينقد تعاليمه ، شريطة ان يجعل الحكم في ذلك الى ضمير حيّ ، وبرهان قويم!!.