لبانة الروح اليقظة
والدين بغيه النفس الشاعرة المتطلعة، ولبانه الروح اليقظة المتوثّـبة، وهما تتطلبان حصناً منيعاً من العقيدة، ومقيلاً آمناً من الشريعة .
نعم، فهذا السيل الدافق من الاسئلة التي تزدحم على ذهن الإنسان عن مبدأ هذا الوجود وعن نهايته، وعن سببه وعن غايته، أترى أن الإنسان يهدأ ويقرّ له قرار إذا هو لم يعتدّ لها أجوبة مرضية، تقتنع بها النفس، ويثلج لها القلب ؟ ! .
أترى ان الشاعر الذي أوحى اليه الجهل أن يقول :
|
جئت لا أعلـم من أيـن |
ولكنــــي أتيــت |
|
ولقـد أبصـرت قـد |
مــي طريـقاً فمشـيت |
|
وسابـــقى ماشـياً إن |
شئت هــذا أو آبيـت |
|
كيف جئت ؟ كيف ابصر |
ت طريقـــــــي |
|
لست ادرى |
.. أترى أن هذا الشاعر يعيش سعيداً مطمئناً، ناعم البال، وهذا التساؤل الحائر يلاحقه في كل خطوة، ويفزعه من كل غفوة ؟ ! .
أم تراه يعيش آمناً وهو يفكّر هذا التفكير المبتوت، ويحيا هذه الحياة القلقة، المقطعة الجذور، المفككة الصلات، ويرى الإنسان والحياة وجميع مايحتويه الكون طلاسم ومعمّيات والغازاً مبهمة .
إن القلق والتشكك مفتاح الشقاء والنكد في حياة الإنسان .
أخي : ولاأحسبك تعدّني متجنياً على هذا الشاعر المبدع لـمّا قلت: إن الجهل أوحى إليه أن يقول ذلك، فإن الشاعر ذاته يقول -ويكّرر قوله في آخر كل دور من طلاسمه-: (لست أدري). ويقول في الدور الأخير منها :
|
إنني جئـت وأمضي |
وأنــــا لاأعلم |
|
انا لغـز وذهابــي |
كمجـيئي طلـسم |
|
والذي أوجد هذا الـ |
لغــز لغـز مبهم |
فما تفسير هذا إن لم يكن معناه الجهل ؟ !.
انه يعترف بذلك، ويطلب من ذي الحجى ان لا يجادله فيه.
ولا أحسبك تعدّني متناقضاً لما وصفته بالابداع ، فإبداع الشاعر: أن يحسن تصوير الجهل إذا تحدّث عنه، كما يحسن تصوير العلم إذا تكلم فيه .
* * *
وهذا السيل المتتابع من الأسئلة التي تضايق المرء،و تلاحقه طوال حياته، وتقضّ عليه مضجعه .. أترى في طوق العلم أن يقفه، ويحلّ رموزه، ويكفي هذا المخلوق عناءه ؟ .
إن العلماء في مختبراتهم، وفي أبراجهم، وفي مراصدهم، يعانون من أمره ما يعانيه البدوي في صحرائه الماحلة، والحضري في بلاده الآهلة، والشاعر في خطراته، والفيلسوف في تأملاته، وكل فرد من بني الإنسان، أيا كان صنفه، وأية كانت طريقته في تفكيره.
أم تراه هزلاً أو نافلة بوسع المرء أن ينصرف عنه إلى جدّ الحياة وواجباتها ؟. إن الأمر أبعد من ذلك كثيراً، وأشد وصلة بجذور الحياة، وأذهب في أغوارها .
إنه أمر تفسير حقيقي للحياة، وفهم ذكيّ لحدودها، وتقدير صحيح لمنزلة الإنسان منها، والفرد الذي لايفقه ذلك يعيش – لامحالة – في هذا الكون معيشة الغريب الحائر المستوحش، الذي لايحسّ فيما حوله بصلة تضمّه، ولابقلب يحنو عليه ويأسو جراحه، ويبقى هكذا متلفتاً متلّدداً، لا يـدري ما مصدره وما مصيره، فيذهب الى البحر مثلاً ليسأله :
هل أنا يا بحر منكا ؟
وينطلق إلى الدير … وينطلق الى المقابر.. و .
ويشتد القلق، والتشكك به حتى يبلغ غايته فيقول :
| إنني أشهد في نفسـي | صــراعاً وعـراكا |
| وأرى ذاتي شيــطا | ناً وأحــياناً ملاكا |
| هل أنا شخصان يأبي | ذاك مـع هذا شراكا |
| ام تراني واهـماً فيما | أراه ؟ |
| لست أدري |
نعم، هذا هو سر المسألة، وهذا هو سّر إلحاح طبيعة الإنسان، عليه أن يعرف موقفه الحازم الحاسم فيها.
ولم تركب هـذه الخليقة في ابن آدم لتشقيه وتحزنه، وتبلبل عليه أمره في الحياة، بل لتفهمـه –حق التفهيم- أنه لن يصل إلى الحياة السعيدة الرغيدة إلا بعد حل هذه الرموز .
وليـس حل هذه الرموز بعيداً عن متناوله، فمفاتيحها موجودة في فطرته …. في فكره النيّر الثاقب إذا تجرد عن المثبطات والمعوّقات، وليجرّب إذا كانت لديه رغبة في تجربة .
ثم اقرأ معي - اذا شئت- هذه الآيات الكريمة :
(ألم تر كيف ضرب الله مثلاً، كلمة طيّبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتفكرون. ومثل كلمة خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجُتثّت من فوق الأرض مالها من قرار. يثبت الله الذين آمنو بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله مايشاء)(1).
وقوله ( تعالى ) :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله،ألا بذكر الله تطمئن القلوب ..)(2).
وفي كتابي ( الاسلام : ينابيعه -مناهجه- غاياته ) فصول تتعلق بهذا البحث وتعني ببسطه وتفصيله فارجع اليها اذا رغبت في المزيد .