فكرة العقل الواعي
والدين فكرة العقل الواعي وهو يتطلب لكل معلول علة، ولكل حركة محركاً، ولكل تدبير مدبّراً. وهذا ما يسمونه العلماء بقانون السببية. ويقولون -في التعقيب على ذلك-: إن الكون كله وليد هذا القانون .
والعقل لا يشك في ثبوت هذا القانون، ولا يرتاب في عمومه. والقرآن الكريم يحاكم الناس اليه، ويدعوهم الى اتباع خطواته، فيقول في سورة الطور:
(أم خلقوا من غير شيء ؟. أم هم الخالقون ؟، أم خلقوا السماوات والأرض؟، بل لا يوقنون)(1).
ويحدثنا كذلك بأن دعوته إلى تحكيم هذا القانون البدهي العام، والاخذ به هي بذاتها دعوة الأنبياء المكرّمين لأممهم . فيقول في سورة إبراهيم:
(ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، لا يعلمهم إلا الله. جاءتهم رسلهم بالبينات، فرّدوا أيديهم في أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا اليه مريب.
(قالت رسلهم: أفي الله شك ؟ .. فاطر السموات والأرض ؟ ! …..)(2).
اذا كان من المستحيل أن يوجد أي شيء ممكن مالم يكن له سبب يؤثّر فيه الوجود، فكيف لايتطلب هذا الوجود العظيم صانعاً ؟ ! .
وإذا كان من الممتنع أن تتحقق أي حركةٍ في شيء ما، ما لم تكن وراءه علة تدفع به إلى الحركة، فكيف لاتستدعي هذه الحركة الكونية الرتيبة محرّكاً ؟! .
واذا كان وجود التدبير – حتى في صغائر الأشياء ومحقّراتها – يقتضي وجود مدبّر يستند إليه، فكيف لايقتضي هذا النظام العالمي الدقيق وجود واضع لقوانينه، منظم لاشيائه، مدبّر لأموره .
واذا كان الإنسان نفسه حادثاً مصنوعاً لصانع، ظاهر عليه النعم ، وأوجده بعد العدم، فكيف لايجب عليه عرفان هذا المنعم ؟، وكيف لايتحتم عليه القيام بشكره، والوفاء بحقه ؟ ! .
(ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ، الذي أحسن كل شيء خلقهُ، وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالةٍ من ماء مهين . ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون )(3).
هذه بدهيات يؤمن بها العقل ، ويؤمن بوجوب العمل بموجبها، والانتهاء إلى نتائجها، وهي بعض وطائد حكمه في عقيدة الألوهية، وحكمه بوجوب النظر فيها والتفكير في دلائلها.
لابد لكل موجود من قانون
والدين فكرة العقل الواعي كذلك، وهو يلمس لكل موجود في هذا الملكوت قانوناً.
نعم، لكل موجود فيه .. ما عظُم وما صَغُر، ومادقّ وما جلّ .. حتى الورقة في مهبّ الريح، فإنها لاتهوي إلابقانون، ولا ترتفع إلاّ بقانون، ولا تتذبذب الا بقانون.
لكل شي .. حتى الإنسان ..
بلى، حتى الإنسان ، وهل الانسان إلاّ بعض أشياء الكون التي تحكمها نواحيه، لكل شيء قانون معّين، وسبيل معيّن يسلكه إلى نهاية معيّنه، ولا يرتاب في هذا احد من الناس، ولكن بعض الناس يرتابون، بل ويحجدون، و يمعنون في جحودهم اذا نحن سمينا ذلك القانون ديناً، وسمينا الخضوع له اسلاماً:
(افغير دين الله يبغون ؟، وله اسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكـرهاً واليه يرجعون)(4).