الديـن الحـق
أخــي:
تحدثنا في رسائلنا عن الدين الحق ، واستعرضنا ما يجب أن تكون له من الخصائص، ومايلزم أن تثبت له من الممّيزات، وأردنا للعقل الحصيف -وحده- أن يكون هو الحكم المصدق في تعيين ذلك الدين على ضوء تلك الخصائص وتلك السمات.
أردنا أن يكون ذلك للعقل الواعي، ولنظرته المجّردة، ولمنطقه الصائب. نعم، وهذه هي عُدّة الدين الصحيح في إثبات حجته ونشر دعوته.
تحدثنا – قبل – عن الدين فما هو الدين ؟ ..
وما جدواه للانسان ؟..
وما وجه اضطراره إليه ؟..
الدين هدف الفطرة، وهي توثق الإنسان بموجود أعلى يلجأ الى كنفه، ويستمدّ من قوته، ويضرع لأوامره وارادته.
وفكرة العقل، وهو يلتمس لكل معلول علة، ويرى وراء كل متحرك محركاً ، ثم وهو يلمس لكل موجود في هذي الحياة قانوناً، ولكل شيء في هذا الملكوت ديناً.
ولبانة الروح، وهي تبتغي لها حصناً تعتصم به من المخاوف، ومأمناً تنجو فيه من المزالق، ومألفاً تأوي إليه من الذبذبة ، وتأنس به من الوحشة.
* * *
هدف الفطرة
الدين هدف الفطرة القويمة وهي تتعلق بقوة كبرى يسترفد منها كل قوي، وقدرة غالبة يتصاغر عندها كل قادر ، وعلم محيط يقبس من نوره كل عالم، وكمال تامّ مطلق يفتقر إليه كل كامل.
وقد جهد علماء تأريخ الأديان ففحصوا الآثار الباقية من تراث الإنسان القديم، وفحصوا الأجناس البدائية الموجودة من بني الإنسان ، وفحصوا أحوال الطفل وأفعاله في سنيه الأولى، ودأبوا في الفحص وفي المقارنة بين النتائج، وثبت لدى كثير منهم ثبوتاً لايقبل الشك والخدشة: أن التديّن غريزة، وأن التعلق بالغيب الأعلى حكم الفطرة .
وإثبات هذه الحقيقة من هذا السبيل شاقّ مجهد ، تستبعده العاّمة من الناس ، وتستغلي ثمنه، وللقرآن الكريم – في إثباتها – مسلك هو أقرب وأيسر وأسرع لتحصيل اليقين، وأبعد عن التشكيكات التي يوجّهها بعض الافكار نحو المسلك المتقدم الذي اعتمده علماء تاريخ الأديان.
والقرآن يقّرر أنها حقيقة عامة، تشمل جميع أصناف البشر، من سلف منهم ومن يأتي، واقرأ – ان شئت- قوله تعالى :
(وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا : بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين)(1).
أسمعت ؟ إنه اعتراف طبيعي فطريّ عامّ، تقرّ به الموجودات لخالقها، وتشهد بربوبيته، وتذعـن بالانقياد لأمره، وأنها ركيزة الإيمان في جبلّة الإنسان، وقد أودعها الله فيه لتكون دليلاً له على الحقيقه الكبرى : حقيقة الربوبية.. تسوقه الى الاعتراف بها، وتمنعه عن الغفلة عنها، وتدفعه إلى الجدّ في طلب الدلالة عليها، هذا ما تقوله الآية الكريمة.
إن المرء قد تزيغ بفكرته الأهواء عن سواء الصراط فيلحد، وقد تميل به الأوهام والأساطير والمؤثرات فيشرك، ولكن لن يغفل – أبداً – عن اصل الفكرة، وإن بعدت به بدائيته عن المدنية، بل وإن شردت به المدنيات الكافرة عن الدين، وهذه الركيزة التي أودعت في جبلّة الإنسان هي التي تمنعه عن الغفلة، وبها يقيم الله الحجة عليه فيقطع معاذيره.
إنها ثابتة في سريرة كل فرد، فعلى م يذهب بعيداً في طلبها والفحص عن آثارها؟!.
على م يضرب في بطون التاريخ . ويبحث في مجاهل الغابات وصوامت الآثار ؟!.
إنها قائمة بين جوانحه ، فليطلبها هنا إذا أراد الوقوف عليها.
وقد استقصى الإنسان غرائز الحيوان وحاجات النبات والمعادن(2)، وأحصى ضرورات كل صنف وكل فصيلة منها ، فعلى م يتجاهل غرائز نفسه، ويتقصّى الاخبار والآثار في التماس الدليل البين عليها ؟!.
وأمر الفطرة، وأمر الغريزة أبين من ذلك وأوضح . والحيوان والنبات والمعادن ذاتها لا تلتبس عليها غرائزها، ولاترتاب في احكامها ، ولاتتردد في الاستجابة لها، وآبن آدم وحده هو الذي يرتاب في امر نفسه ويطلب الدليل عليه.
ذلك أن بعض التقاليد والعادات قد يكون عميق الجذور في المجتمع، فيكتسب -من أجل ذلك- قيمة اجتماعية كبيرة ، ويكون له -بتبع ذلك- رصيد مكين في نفوس الأفراد، ويلتبس على الناس أمره بالغريزة، ويفتقرون في تمييزها عنه إلى الدليل .. إلى فحص ظواهرها عند الأجناس البدائية الموجودة، وإلى فحص الآثار الباقية التي تدلّ عليها عند الإنسان القديم ، وإلى فحص شواهدها من أفعال الطفل الصغير ، فإن هذه الأصناف أقرب الى الفطرة، وسلوكها وأعمالها أدلّ ما يكون عليها.
* * *
مسلك القرآن لاثبات غريزة الدين
ومسلك القرآن لإثبات غـريزة الدين : أن يجّرد الإنسان عما يعارض الفطرة ، أو يميل بها، أو يرين عليها، تجريداً كاملاً، بحيث يتركه لجبّلته وحدها، ليستمع بنفسه حكمها الصريح فيها.
والشدائد التي تنوب الإنسـان في هذه الدار، والمضائق التي يقع في لهواتها هي التي تفرده إلى فطرته الأصلية المؤمنة، فلايجد إلاّ حكمها، ولايعي إلاّنداءها .
نعم ، وفي ظلمة هذه الشدائد، وفي ضيق هذه المعاطب يحسّ المرء إحساساً قوياً أن شعاع الايمان، وروح الأمل يندفقان – معاً – في قلبه من ينبوع فطرته.
وكلما كانت الطارقة أمضّ ألماً، وأشد وقعاً ، كانت الفطرة تحت ضغطها أصرح قولاً، وأرفع نداءاً .
والقرآن يصّور هذه الحالات الطارئة في كثير من آياته، ويحضر للإنسان هذا الواقع الوجداني، حتى يكاد يحسّه إحساساً، ويستمع حكم فطرته فيه، ولايمتري ولا يرتاب.
فقال في سورة الإسراء مثلاً :
(ربّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله، إنه كان بكم رحيما. واذا مسّكم الضّر في البحر ضّل من تدعون إلاّ اياه ، فلما أنجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفورا)(3).
وقال في سورة النحل :
(وما بكم من نعمة فمن الله ، ثم إذا مسّكم الضر فإليه تجأرون . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم برّبهم يشركون)(4).
والسياق في كلا القولين الكريمين متشابه متماثل، والمقصد الأول فيهما هو تعريف الإنسان أن الله -وحده – مصدر كل خير يصل اليه، وهو كافي كل سوء يصرف عنه، فهو موئله في كل حالاته، ليس له ملجأ سواه، ولا مدبّر لأمره غيره، والنعماء والضراء -اللتان يتقلب بينهما المرء طوال حياته- كلتاهما سبيل له إلى معرفة رّبه وايقانه بتدبيره، وتقلّبه بينهما -راضياً كان أم آبياً- دليل لا مفر للإنسان من قبوله على أنه عبدٌ خاضع لا يملك نفعاً ولاضراً ، الا أن يريده له ربه فيقدره عليه، وييّسر له أسبابه.
وازجاء الفلك في البحر لتبتغي من فضله نعمة ورحمة، يتوقّف إيجاده على تسخير مئات من قوانين الكون، وتيسير مئات من قواه وطاقاته، ثم تفهيم الإنسان كيف يفيد من كل أولئك.
ومسّ الضر للفلك التي تجري في البحر يكفي لحصوله أن يتَبدّل أحد هذه القوانين التي سخّرتها يد القدرة، او تنقص إحدى هذه الطاقات، وتبدل القوانين، وانتقاص الطاقات، لا يكون كذلك إلاّ بأمر، ولا يكون الاّ لاستدعاء نظام كونيّ غالب، واقتضاء سنّة طبيعية ثابتة .
أقول: ومسّ الضر للفلك يكفى لحصوله أن يتبدل قانونٌ واحد من مئات القوانين المسخرة، أو ينتقص طاقة من مئات الطاقات المسيّرة، فاذا البحر ظلام قاتم ، وموج متراكم، وأعاصير وشدائد تعمى فيها الجهات، وتوصد أبواب النجاة.
وفي سورة يونس :
(هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بهم بريح طيبة، وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنو أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق…)(5).
وصوت الفطرة السليمة، وتعلقها باله الكون القادر القاهر، لايخفت أبداً، ولا ينقطع في حال، ولكنه يتضح للإنسان وضوحاً كاملاً عند وقوعه في أمثال هذه الغمرات .. حين يخمد في وعيه كل صوت للحياة إلا صوت الفطرة ، وحين تنقطع عنه كل صلة إلاّ صلته بربّه، وحين ينبتّ كل أمل بيديه إلا أمله الله وإغاثته.
* * *
تعلق الممكن بعلة وجوده
ومن ناحية أخرى، فالفاقة الشديدة التي تنطوي عليها ذات الكائن الممكن لا تزال تلحّ وتلحف، وتولّي وجهها إلى موضع احتياجها .. إلى الغنيّ المطلق الذي يملك سدادها، وهي في أمثال هذه المضائق تكون أشد ظهوراً. ومن أجل ذلك تكون اكثر الحاحاً واقوى تعلقاً .
.. في هذا الموقف العصيب الشديد ينفرد المرء الى ربّه فيشعر بصلته الذاتية العريقة العميقة تشدّه إليه، وتعلّقه به، وتوّمله لطف تدبيره، وجميل رعايته.. يشعر بها -وبعملها هذا- شعوراً ذاتياً عميقاً هو أقوى من الحسّ، فيمّد يديه بالرجاء ويطلق لسانه بالدعاء .
* * *
والصلة الذاتية التـي ذكرتها : هي صلة كل معلول بعلته التي توجده وتبقيه وتدبّره في وجوده وبقائه.
والشعور الذاتي الـذي ذكرته : هو شعور الإنسان بهذه الصلة .. بهذه النسبة التي أمدته بالوجود، وبروافد الوجود.
وقلت عنه: إنه ذاتي، لأن الشعور بهذه الصلة عين الشعور بالذات.
وقلت: إنه أقوى من الحسّ، لأن هذه الصلة ذاتها مبدأ كل إحساس للإنسان ومصدر كل إدراك .
أخي: وقد تتساءل : لماذا أختار أسلوب الفلسفة هنا، وانا اروم تعليل هذه الظاهرة التي تدركها الفطرة ببساطة ويسر، وتؤمن بها ولا تشك فيها. وماذا اصنع انا فهذه هي اساليب الفكر اذا اراد أن يدقق في التعليل؟.
وقد تعجب أذ أقول –عن هذه الصلة التي تدركها الفطرة- : إنها صلة كل معلول بعلته، وأنها مبدأ كل إحساس للإنسان، ومصدر كل إدراك .
ثم أقول أخيرا : لأن الشعور بهذه الصلة عين الشعور بالذات ..
وقد تعجب فتقول : إذا كانت الصلة التي تدركها الفطرة هي صلة الذات بعلّتها التي أوجدتها، فكيف يكون الشعور بها عين الشعور بالذات ؟ .. وكيف تكون الصلة بين الذات وعلتها هي عين الذات؟ !!.
والواقع أن إضافة العلّة الى المعلول إنما هي ايجادها اياه، ولا واقع للصلة بينهما غير ذلك، وقبل أن تتحقق فالمعلول معدوم، فوجود المعلول هو ذات وجود صلته بعلته، واضافته اليها. وهذا ما تختص به العلة والمعلول دون سائر الاشياء المتضائفة.
وهذا بحث رغبت أن أشير به الى وجه التعليل فاضطرني الى شيء من التعقيد.
قلت: في أمثال هذا الموقف العصيب ينفرد المرء الى ربه، ويشعر بصلته الذاتية تشده اليه، وتعلقه به، وتؤمله لطف تدبيره، فيمُدّ يديه بالرجاء، ويطلق لسانه بالدعاء.
وهذا منطق الغريزة ومنطق الفطرة، ومنطقهما لا يخادع، ولا يلتوي، أرأيت غريزة كذبت صاحبها في يوم من الأيام ؟ ..
ودعوة الغريزة تعني أن الشيء الذي تدعو إليه ضروري للإنسان، ضروري لنوعه أو لشخصه .. لبقائه أو لغايته .