مع الدكتور أحمد أمين
في
حديث المهدي والمهدوية
المفكر الإسلامي
آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين
( قدس سره )
إصدار الحوزة العلمية للدراسات الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيد رسله محمد وآله، والصفوة المنتجبة من أصحابه، والتابعين لهم بإحسان.
بين يدي الكتاب
صلتي بالدكتور أحمد أمين حرسه الله قديمة يرجع عهدها إلى طويل من السنين، وأتذكر أن بداية هذه الصلة يوم قرأت له كتاب الأخلاق، وأكدتها قراءاتي المتتابعة لمؤلفات الدكتور ومقالاته الكثيرة، واشتدت هذه الصلة حين حررت كتاب ( الأخلاق عند الإمام الصادق) فقد كانت بيننا أحاديث ممتعة لست أنساها، وإن لم يعلم بها الدكتور لأنه لم يقرأ هذا الكتاب.
والصلة حين تنشأ على الأخلاق تكون متركزة على العقل، ومتصلة بأعماق النفس، وفي هذا ما يضمن لها البقاء، ويحفظها عن تسرب الوهن.
على أني- ولست أظلم الحقيقة فيما أقول- توسمت في الدكتور صفة منذ اليوم الأول، وأكدت لي الراءات المتتابعة صحة هذا التوسم، وسيؤكدها أيضا ً ما أقرأه بعد من منتوجات الأستاذ الجليل، لأن هذه الصفة ثابتة للدكتور من دون ريب، ويستحيل أن لا تكون.
توسمت في الدكتور صفة لا يرضاها لنفسه، وماذا عليّ من جحوده لهذه الصفة إذا ارتضاها له عمله، وأكثر الناس ينكرون صفاتهم التي يكرهونها، ويتنكرون لمن وصفهم بها أشد التنكر، وللواقع سلطان نافذ الحكم على المدّعي والمنكِر.
توسمت في الدكتور يوم رأيته ناقدا ً إنه لم يخلق للنقد وإنما خُلق للتاريخ، وكأن الطبيعة هيأته لأن يكون مؤرخا ً كبيرا ً يستعرض التاريخ بحروفه وصروفه، ويستقرء الحوادث أسودها وأبيضها، يلقيها دروسا ً على تلاميذه في الجامعة، ويحررها كتبا ً لقرائه الآخرين، ولكن الطبيعة لم تهيئه لأن يكون ناقدا ً في يوم من الأيام.
أقول: إن الطبيعة لم تهيئه للنقد ولا يشبه النقد، لأني لم أجده موفقا ً في نقوده الكثيرة إلا إذا كان غيره مصدر ذلك النقد، وكان نصيبه منه نصيب المؤرخ من التأريخ.
هذا ما أقوله في الأستاذ بعد تجارب سنين، وهذا ما أتحدّى القاريء إلى تجربته في نقود الأستاذ، على أن ينظر إليه كاتبا ً عربيا ً له محاسنه وله مساويه، وقد يكون في القرّاء من علم ذلك قبلي، فلست أريد الإستيثار بالحقائق وإن كانت حلوة، فكيف بالحقائق المرّة.
أضفت هذا التوسم إلى تلك الصلة منذ سنين، فكانت مطالعاتي لكتب الأستاذ ومقالاته تمد لي هذه الصلة بالقوة وتؤكد لي هذا التوسم بالثبات والرسوخ، حتى أصبحت الصلة صداقة، وانقلب التوسم رأيا ً.
ولست أظن أن الأستاذ يغضب من رأيي هذا لأني لست فيه من الظالمين وليس عليّ من حرج أن أُغضب صديقا ً في الحق، وإن كان هو الدكتور أحمد أمين وقد أوصانا الدكتور في كتاب الأخلاق أن لا نداهن في الحق، وأن لا نغضب على أحد لأنه يقول الحق.
تعرفت إلى الدكتور قديما ً في كتابي الأول، فلست أظن أنه ينكرني إذا التقيت به في كتابي الأخير، لأن صلة الأدباء صلة في العقول، وصلة العقول لا تخضع للزمان ولا للمكان، ولا تقف دونها الحواجز.
وسأجهد أن تكون صلتنا اليوم أشد من صلتنا بالأمس لأن كتابي هذا بجميع فصوله سيحوم حول نظرية من نظريات الدكتور، وسيحاسبه عن فكرة من أفكاره و للقارئ أن يسايرنا إلى الغاية إذا أعجبه هذا اللون من الحديث، وإذا لم تستطع هذه المقدمة أن تغضب الدكتور فأنا ضمين له أن الكتاب لا يستطيع أن يغضبه أيضا ً، لأن كل ما فيه دليل على هذه الدعوى وبرهان على هذا الرأي.
ليقرأ الأستاذ كتابي هذا على أنه تفاهم حول فكرة نقدها الناقد طلبا ً للحق، وأثبتها المُثبت طلبا ً للحق أيضا ً وحاول الكتاب أن يستخلص الحق من بين ذلك الشك وهذا اليقين.
لهذه الغاية وحدها حرّرتُ كتابي والحق يشهد عل ما أقول، والآراء إنما تُؤسس للرد أو للقبول.
( المهدي والمهدوية) عنوان لكتاب جديد حاول الدكتور أن يشرح فيه فكرة المهدي بعض الشرح، وأن يلُمّ بتأريخها كل الإلمام، ولكن قلة المصادر قصرت بالأستاذ عن الغاية، فلم يوضّح في الشرح، ولم يُنصف في التأريخ والكاتب في تفسير العقائد المذهبية إذا اعتمد على التأريخ وحده، أو على ما يكتبه خصوم ذلك المذهب فقد فاته من موضوعه كل شيء، والدكتور يعترف بقلّة المصادر عنده.
ويضاف إلى قلة المصادر قلة تتبع الدكتور لما بين يديه من هذه المصادر، ولو كان شديد التتبع لعلم أن الكتاب الذي بين يديه في شرح قصيدة العلامة بهاء الدين العاملي غنما هو للشيخ أحمد المنيني الحنفي المتوفي سنة 1172للهجرة، وليس هو لناظم القصيدة كما يقول في ص31.
أقول: لو كان متتبعا ً لمصادر البحث في هذا الشرح ما دام يعتقد أن كاتبه أحد علماء الشيعة و لاطلع على الخلاف الشديد بين الشارح والناظم في كثير من أبيات القصيدة، ولتوقف في هذه النسبة التي تسرع بها في كتابه، لم أستغرب لهجة الأستاذ حين يقول عن أئمة الشيعة أنهم يختفون عن الأعين، ويعيشون على الوهم.
لم أستغرب هذا ونظائره من الأستاذ في كتابه الجديد فقد سمعت لهجته القديمة في كتبه الأولى ولست أنتظر منه تغييرا ً في لهج’، أو تعديلا ً في أسلوب، وإذا كان قليل المصادر حين ما كتب فجر الإسلام، وضحى الإسلام، فإنه قليل المصادر أيضا ً حين ما يكتب المهدي والمهدوية، فللهجة هي اللهجة، والمعاذير هي المعاذير، وعلى الله الوصول إلى نهاية المطاف.
لم أستغرب جميع هذا من الأستاذ، ولكني أستغرب جدا ً أن يحاول بعد هذا كله أن يكون من دعاة الوحدة بين المسلمين...أرأيت أسلس من هذه النتيجة لهذه المقدمات.
أما بعد فإني سأستعرض فكرة المهدي من نواحيها الخاصة بالشيعة الإثني عشرية، وإن خَلط الدكتور بين نواحيها الكثيرة، فكوّن من مجموع المُلابسات مزيجا ًعجيباً نتبرأ منه كل طائفة على انفرادها، وهذا أول شيء يؤاخذ به سعادة الدكتور.
النجف 1 ذي الحجة الحرام 1370.
محمد أمين زين الدين