بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلوات التامة الزكية المباركة على سيد الأولين والآخرين، محمد وآله الطيبين المنتجبين.
وبعد فهذه مواضيع جدت مع العصر الحديث في ما جد فيه من أشياء وأمور، طلب مني إخواني في الله أن انظر في أحكامها في الشريعة الإسلامية المقدسة، حسب ما ظهر لي من قواعدها وموازينها، الواردة في فقه أهل البيت المطهرين عليهم السلام، وقد حررت في هذه الأوراق نتائج نظري في هذه المسائل المستحدثة، لتكون لي ولإخواني في ديني تذكرة وتبصرة، ومن الله سبحانه اسأل لي ولهم دوام التوفيق والسداد في العلم والعمل، والنجاة والفوز في الدنيا والآخرة انه سميع الدعاء مجيب النداء.
ربنا اتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شيء قدير.
محمد أمين زين الدين
وهو اتفاق يحصل في الغالب بين شركة أو دولة من احد الجانبين، وشخص أو أشخاص من الجانب الآخر، يلتزم الشخص بموجب هذا الاتفاق: أن يدفع للشركة مبلغا محددا من المال، يسلمه إليها دفعة واحدة، أو يقسطه أقساطا معينة ومرتبة حسب ما يتراضى عليه الطرفان من التقسيط والمواعيد.
وتتعهد الشركة للشخص في قبال ذلك بأن تدفع له أو لورثته مبلغا من المال يعوضه عن خسارته عند حدوث خطر يودي بحياته، أو مرض يلم به، أو عند حدوث حادث يتلف أو يعيب بسببه بعض ما يملكه، حسب ما يوضحه الطرفان في بوليصة التامين ويعينانه في الوثيقة. ولذلك فقد يكون التامين على حياة ضد موت مثلا. وقد يكون على صحة، ضد مرض أو عجز، وقد يكون على مال منقول أو غير منقول، ضد حريق أو سرقة، أو غيرهما من الطوارئ، وقد يكون على نقل تجارة أو مال في بر أو بحر أو جو، وقد يكون على وسيلة من وسائل النقل: سيارة أو طائرة، أو سفينة، وقد يكون على أشياء أخرى تشبه ذلك مما تتعرض في بقائها أو عملها للأخطار والطوارئ، ويمكن أن يكون المتعهد في التامين شخصا تتوفر فيه الكفاءة والمقدرة على ذلك.
المسألة 1:-
الظاهر صحة هذه المعاملة ونفوذها على المتعاملين، فيلزمهما الوفاء بها حسب ما يتفقان عليه من اللوازم، ويوقتان له من المدة.
والتامين – على الأقوى – عقد من العقود يشتمل على الإيجاب والقبول، يمكن للطرفين أن يوقعاهما باللفظ إذا أحسنا التعبير عن جميع بنود المعاملة باللفظ، ولكنهما في الغالب يقعان بالفعل، ولا مانع من ذلك.
فيدفع وكيل الشركة المفوض ( بوليصة التامين) إلى الشخص المستأمن بعد اتفاقهما على المعاملة وشروطها ويكون دفعه إياها بقصد الإيجاب، فيوقعها الشخص المستأمن، ويكون توقيعه عليها قبولا للمعاملة.
ويمكن أن يكون توقيع ( البوليصة) من الشخص المستأمن إيجابا منه للمعاملة ويكون دفع الوثيقة إليه من وكيل الشركة بعد ذلك قبول للإيجاب، وعلى أي النحوين اجري العقد بين الطرفين كان صحيحا، ووجب الوفاء به بمقتضى آية الوفاء بالعقود.
المسألة 2:-
يصح للطرفين بعد أن يتفقا على تعيين المبلغ والأقساط والشروط أن يجريا معاملة التامين بينهما بصورة الهبة المعوضة، فيقول الشخص المستأمن لوكيل الشركة حينما يدفع له قسط التامين، وهبتك هذا المبلغ من المال، على شرط أن تتدارك خسارتي إذا حدثت لي الحادثة المعينة التي اتفقنا عليها، ويقبل الوكيل ذلك عن الشركة.
المسألة 3:-
ويمكن لهما أن يجريا المعاملة بصورة المصالحة بينهما، فبقول الوكيل للمستأمن: صالحتك على أن تدفع للشركة المبلغ المعين على أن تعوضك الشركة عن الخسارة التي تحدث عليك إذا حدثت لك حادثة التي اتفقنا عليها، فيقبل المستأمن ذلك، أو يكون المستأمن هو الموجب، ووكيل الشركة هو القابل. والمعاملة صحيحة نافذة على أي وجه أجريت من الوجوه المذكورة.
المسألة 4:-
وللتامين صورة أخرى غير الصورة المتقدم ذكرها وتسمى هذه الصورة (التامين بالتقابل)، وهي أن يتفق أشخاص معينون فيؤسسوا ما بينهم شركة خاصة يسهم فيها كل واحد منهم بدفع مبلغ من المال ليتكون من مجموع هذه الأسهم راس مال مشترك وغرضهم من تأسيس هذه الشركة أن تقوم بتعويض ما يحدث من خسارة تحصل لأحد الأعضاء المشتركين إذا ألمت به أو بماله حادثة ما.
وهذا النوع من التامين صحيح كذلك إذا أجريت المعاملة فيه على صورة عقد الشركة المعروف في الشريعة، واشترط في عقد الشركة التأمين لكل عضو من الأعضاء فتعوضه الشركة عن خسارته إذا حدثت له الحادثة في نفسه أو في ماله، ويكون الشرط نافذا وإذا كانت هذه الشركة المؤسسة مخولة من قبل الأعضاء في الاكتساب، فاكتسبت براس المال وربحت كان الربح بين أعضائها بنسبة ما للعضو من سهم في راس المال.
المسألة 5:-
إذا خشيت شركة التامين على نفسها من وقوع بعض الأخطار عليها فأرادت أن تؤمن نفسها عند شركة أخرى لتعوضها هذه عن الخسارة التي قد تحدث لها، أمكن لها ذلك فتجري مع الشركة الثانية معاملة التامين باحدى الصور المتقدم ذكرها، وتصح منها.
المسألة 6:-
إذا أرادت الشركة أن تنقل بعض عملائها الذين أجرت هي معهم معاملة التأمين إلى شركة ثانية، أو أرادت أن تدخل الشركة الثانية في عقدها مع العملاء ليكون التعويض عن خسائرهم مفروضا على الشركتين معا، لم يصح لها ذلك إلا برضى العملاء، فيفسخ العقد الأول، وتجري المعاملة مع الشركة الثانية أو مع الشركتين معا بعقد جديد.
وهي معاملة جرى عليها عرف أصحاب المتاجر والحوانيت ومحلات الكسب في الأزمنة الأخيرة، فهم يعتبرون أن المستأجر الأول للحانوت أو المحل حقا عرفيا في ذلك الحانوت أو المحل، بعد أن يستأجره من مالكه، ويصبح أحق به من غيره، وليس للمالك إخراجه من ذلك المحل بغير رضاه، وان انقضت مدة الإيجار المتفق عليها بينهما، وليس له الزيادة عليه في بدل الإيجار، ونتيجة لذلك فلهذا المستأجر في نظرهم أن يتفق مع شخص آخر فيتنازل له عن ذلك المحل، ويأخذ منه مبلغا معينا بينهما عوضا عن تنازله، ويخلى له عن المحل بمقدار الأجرة السابقة التي كانت بينه وبين المالك دون زيادة، ويكون للمستأجر الجديد نفس الحق الذي كان للمستأجر الأول، وليس للمالك الاعتراض على ذلك.
هذا هو موضوع السرقفيلة، ولهذا الموضوع صور مختلفة وأحكام في الشريعة الإسلامية تختلف باختلاف صوره فلتلاحظ المسألة الآتية.
المسألة 7:-
الصورة الأولى: أن يجري عقد الإجارة بين المالك والمستأجر الأول من غير أن تجري بينهما معاملة أو شرط في شان الاختصاص والحق المذكور، فلم يذكرا في العقد سوى إجارة الموضع من ذلك الشخص المدة المعينة بينهما ببدل الإيجار المعين، فيجب على الطرفين في هذه الصورة الوفاء بعقد الإجارة مادامت المدة، فاذا انتهت المدة فليس للمستأجر حق في البقاء في المحل إلا باجارة جديدة أو إذن من المالك بالبقاء، وللمالك الحق أن يزيد في بدل الايجار إذا شاء، وللمستأجر أن يقبل بالزيادة فيبقى في الموضع وان لا يرضى بها فيخلى عنه، وليس له أن يتنازل إلى مستأجر غيره إلا إذا رضي المالك.
المسألة 8:-
الصورة الثانية: أن يشترط في عقد الإجارة بين المالك و المستأجر الأول أن للمستأجر حق البقاء في المحل بعد انتهاء مدة العقد، وليس للمالك إجباره على الخروج منه، وان للمستأجر أن يجدد عقد الإجارة بعد انقضاء المدة كما أجرى في المرة الأولى وليس للمالك أن يمتنع من ذلك أو يزيد عليه في بدل الإيجار.
فيجب على المالك أن يفي للمستأجر بالشرط، ونتيجة لذلك فيجوز للمستأجر أن يتنازل لشخص آخر عن البقاء في المحل ليستأجره من المالك إذا رضى باجارته، ويجوز للمستأجر أن يأخذ من ذلك الشخص مبلغا من المال يتفقان على مقداره عوض تنازله هذا، فيستحق المستأجر هذا المبلغ منه، سواء رضي المالك بإجارة المحل منه أم لا.
المسألة 9:-
الصورة الثالثة: أن يتفق المالك و المستأجر الأول على أن يؤجره المحل مدة سنة كاملة بمائة دينار مثلا، وان يدفع المستأجر للمالك غير ذلك مبلغ ألف دينار، ويجعل المالك للمستأجر في قبال ذلك أن يكون له حق البقاء في المحل بعد مدة العقد إذا شاء، وان يكون بدل الإيجار محددا بمائة دينار عن كل سنة يمكثها المستأجر في المحل دون زيادة ولا نقيصة، وأن يكون له الحق في أن يتنازل لغيره عن حقه في المحل فيؤجر المحل عليه، وان تكون للشخص الذي يتنازل له المستأجر نظير الحقوق المذكورة التي كانت للمستأجر.
وإذا تمت المعاملة بين الطرفين كذلك، جاز للمستأجر أن يتفق مع شخص ثالث فيتنازل له عن حقه ويأخذ منه عوض تنازله مبلغا من المال سواء كان بمقدار ما دفعه للمالك أم اقل أم أكثر.
وإذا تنازل له المستأجر كذلك، وجب على المالك أن يعامله معاملة المستأجر الأول.
المسألة 10:-
المبلغ الذي يقبضه المالك من المستأجر عوضاً عن الحقوق التي جعلها له في عقد الاجاره كما مر بيانه في المسألة السابقة يعد من أرباح المالك السنوية فيجب الخمس في ما زاد منه ومن سائر أرباحه على مؤنة سنته.
المسألة 11:-
ما يدفعه المستأجر للمالك (السرقفيلة) التي سبق بيانها في المسالة المتقدمة يعد بالنسبة إليه من مؤن التجارة، فلا يجب عليه إخراج خمسه إذا كان من أرباح سنته تلك، وكذلك ما يدفعه المستأجر الثاني للمستأجر الأول من السرقفيلة، وكذلك الحكم في كل مستأجر لا حق يدفع السرقفيلة للمستأجر قبله إذا كان يدفعه على النهج المتقدم بيانه.
المسألة 12:-
إذا دفع المستأجر المبلغ المتقدم ذكره إلى المالك أصبحت السرقفيلة حق من حقوقه وعدت قيمتها من أرباحه في تلك السنة، فإذا زادت قيمتها مع سائر أرباحه عن مؤنته في السنة وجب علي إخراج خمس الزائد، سواء كانت قيمتها مساوية للمبلغ الذي دفعه إلى المالك أم زادت عليه أم نقصت عنه.
وإذا تنازل في أثناء سنته لشخص آخر عن حقه في المحل واخذ منه عوض السرقفيلة تعلق الخمس بهذا العوض وانتقل حق السرقفيلة إلى المستأجر الجديد، وشمله الحكم المتقدم في المستأجر الأول، وهكذا الحكم في كل مستأجر يأتي في سلسلة إذا انتقل الحق إليه من سابقه على الوجه المذكور.
قد تطرأ في المرأة حالات معينة يعرفها الطب، تمنع نطفة الزوج أن تأخذ مستقرها من جهاز المرأة التناسلي إذا ادخلت فيه على النحو المألوف، فلا توجب لها التلقيح والحمل، وقد تكون الحالة الحادثة آتية من الزوج نفسه، لضعف فيه أو مرض ونحوهما، فتحتاج المرأة إذا أرادت الحمل إلى التلقيح الصناعي.
والتلقيح الصناعي هو أن يدخل ماء الرجل في الجهاز التناسلي للمرأة بواسطة أنبوب أو إبرة حاقنة ونحوهما حتى يصل الى المنطقة المرادة من الجهاز فيحصل به التلقيح للبويضة وتحمل منه المرأة. والغالب ان القائم بعملية التلقيح يترصد مواعيد نزول بويضة المرأة إلى الرحم، أو إلى موضع قريب منه، حتى يكون التلقيح مضمونا او مظنونا، ونحن ها هنا نتعرض لأحكام هذا التلقيح.
المسألة 13:-
يجوز ان تلقح المرأة بنطفة زوجها، وإذا انعقدت هذه النطفة وحصل حمل فحكم الطفل الذي يولد حكم سائر الأولاد الذين يتولون من الزوجين على النهج الطبيعي المألوف سواء كان النكاح بينهما دائم أم منقطعا.
وبحكمها الامة حين تلقح بنطفة مالكها، اذا لم تكن متزوجة، او محللة لشخص اخر، او ذات عدة من رجل آخر، ولم تكن مشتركة بين ذلك السيد ومالك آخر، ولا مكاتبة، ولم تكن مشركة ولا وثنية ولا مرتدة.
وكذلك الامة المحللة للغير اذا لقحت بنطفة من حللت له.
المسألة 14:-
لا يجوز ان يكون القائم بعملية التلقيح المرأة غيرها وغير من يحل له لمسها والنظر الى عورتها، سواء كان رجلا ام امرأة.
نعم اذا امكن له ان يقوم بعملية التلقيح من غير لمس ولا نظر لما يحرم ولا وقوع في محرم آخر، فالظاهر الجواز.
المسالة 15:-
يحرم تلقيح المرأة بماء رجل لا يحل له وطؤها، وان رضي الزوج بذلك، بل وإن باشر عملية التلقيح بنفسه، ويحرم تلقيحها – اذا كانت أمة غير مزوجة، و لا محللة – بماء غير سيدها، وان أذن السيد بذلك، الا اذا قصد بذلك تحليلها لصاحب النطفة وكانت في موضع يصح فيه التحليل.
المسألة 16:-
اذا لقحت المراة بنطفة غير من يحل له وطؤها تلقيحا صناعيا فحملة منه، الحق الولد بها وبصاحب النطفة وجرى عليه حكم سائر أولادهما، وان اثمت المرأة بالتلقيح اذا كانت مختارة في اجرائه، واثم صاحب النطفة اذا كان علما مختارا في ذلك.
المسألة 17:-
اذا ساحقت المرأة ضرتها بعد ان جامعها الزوج فدخلت بسبب ذلك نطفة الزوج في جهاز الضرة حملت منه، ألحق الولد بالاب والام التي حملت به وان اثمت المرأتان بما اكتسبتا، واذا زنى الرجل بامراة، ثم ساحقة الزانية زوجة الرجل، فانتقلت بسبب ذلك نطفة الرجل الى زوجته وحملت منه فالولد لهما وان ارتكب الرجل والمرأتان تلك الكبائر العظيمة.
المسألة 18:-
قد تكون لبعض النساء حالات ثابتة أو مؤقتة، يعجز فيها جهاز المرأة التناسلي عن الاحتفاظ بالجنين طيلة أيام حمله، فتجهض بعد فترة قصيرة أو طويلة من الحمل، وقد يعجز الجهاز عن صيانة الجنين أو عن تغذيته فيموت في بطنها، وتطر الى القائه، وقد اخترع العلم الحديث جهازا صناعياً ينوب عن الجهاز الطبيعي في المرأة في احتضان الجنين وصونه وامداده بما يحتاج اليه من غذاء وحرارة وطاقة، حتى يستكمل نموه ويستتم فترة حمله، فينقل الجنين بعد ايام من انعقاده في بطن امه وقبل ان يحل موعد الخطر الى هذا الجهاز الصناعي ليحتضنه ويقوم بتغذيته وتنميته الى ان يحين وقت ولادته، فيستخرج منه.ولا اشكال في جواز ذلك، بل ولا ريب في رجحانه، اذا كان فيه حفظ لحياة الجنين وحياة امه من الاخطار، وربما يستخدم هذا الجهاز كذلك في حالات الاختيار تفاديا عن الأتعاب والالام والمضاعفات الاخرى التي تسببها طول الحمل وثقله وانفاق الطاقات والام الوضع للمرأة، فينتقل جنينها بعد عدة ايام من حمله في بطنها الى جهاز وتكفي بذلك عن المتاعب، والظاهر جواز ذلك.
ويجوز في الحالات الاولى الضرورية ان يتولى الطبيب الحاذق عملية النقل المذكورة اذا لم توجد الطبيبة التي تقوم بذلك، واما في الحالات الاخيرة غير الضرورية فلا يجوز ان يتولاها الرجل الا اذا امكن له القيام بالعمل من غير نظر ولا لمس لما يحرم، بل وكذا المرأة، فيتولاها الزوج اذا كان ممن يمكنه ذلك ولو بارشاد الخبير، فاذا لم يستطيع الزوج لم تجر العملية.
وقد يسميه بعض الناس تنظيم النسل، وهي رغبت شاعت في كثير من الأوساط، وتنوعت الوسائل لتحقيقها، وانقسم الناس في دعوة اليها والتنديد بها، واختلف الداعون اليها في أساليب الدعوة.
فالاقتصاد السليم في رأي فريق من الناس يدعو إلى تنظيم الحمل فاذا كثر النسل وتضخمت العائلة اضطرب الاقتصاد ولم تكف الموارد لسد الحاجة.والتوجه الصحيح للتربية الناجحة في رأي آخرين يدعو الى تنظيم الحمل فاذا كثر الولد لم يستطع الأبوان ان يوجها الى ابنائهما بالتوجيه المثمر المجدي في تربيتهم وتوجيههم. والتوزع العاطفي في راي جماعة يدعو الى تقليل الحمل فاذا كثرة الأطفال توزعت العاطفة، ولم يملك الأبوان وافراد الأسرة ان ينظروا الجميع بمنظار واحد، فينشا بسبب ذلك الاختلاف بين الاطفال وتنشأ الاحقاد والأضغان. وهكذا، فالخيال يمد والدعوة تمتد. وشارك الطب والصيدلة في الامر فوضعا ايدي الناس انواعا من الحبوب، وانواعا من المستحضرات وانواعا من الوسائل لهذه الغاية.
ويرغب بعض الازواج في منع زوجته الجديدة من الحمل ليتمتع بجمالها وبشبابها مدة اطول، بعد ان نال قسطا من الذرية من زوجته الاولى، اما ان تحرم هذه الجديدة – بسبب رغبته- من الذرية فهذا مالا يفكر به الزوج، او لا يريد التفكير به، وترغب بعض الزوجات الشابات ان تمنع نفسها من الحمل، للتفادي من الام الحمل والولادة واتابعهما كما تسمع من صديقاتها ومن بعض النساء المتقدمات في السن، ثم لا تلفت ولا تأسف الابعد فوات الاوان.
واما التعلق بالاقتصاد فهو فكرة قديمة في الزمان، وقد تكرر في القران ذكر الذين يقتلون أولادهم خشية إملاق، ولقد كان الإنسان وحشيا وحيوانا حين ما قتل اولاده بالسيف او الخنجر لهذه الغاية، ولكنه اصبح يعد لطيفا وحكيما حينما يقتلهم بالاقراص والحبوب للغاية نفسها!!
وحديث التربية يتعلق به المستسلمون، الذين يستكثرون بذل بعض الجهد في تربية أطفالهم، والا فمن المعلوم ان التمرن في تربية الطفل بعد الطفل يسهل امرها على المربي الناجح، وأما العاطفة فأمرها أوضح، فان العاطفة التي لا تضيق عن العديد من الأحباء والأصدقاء والأرحام وأطفالهم، لا يمكن أن تضيق عن أطفال المرء نفسه، اذا هو أحسن النظر، وأحسن الاندفاع والتصرف مهما كثر عددهم.
وعلى أي حال فقد كانت هذه الرغبة الشائعة مثارا لسؤال كثير من الناس عن حكم الشريعة فيها وتبيين ما يجوز منها وما يمنع.
المسألة 19:-
لا يجوز للمرأة ان تتناول الاقراص والحبوب المانعة للحمل، ولا استعمال غيرهما من الوسائل المانعة، بعد انعقاد النطفة في رحمها وحصول التلقيح وتحقق مبادئ نشوء الجنين، فان استعمال ذلك يوجب قتل الجنين وسقوطه، سواء رضي الزوج بذلك أم لا، واذا تناولت شيئا من ذلك فمات الجنين وجب عليها دفع الدية المقررة شرعا للجنين، نطفة أم علقة أم مضغة، ام غيرهما من اطوار نشوء الجنين، حسب ما فصل في كتاب الديات من فقه اهل البيت (ع).
تنبيه:-
المراد بموت الجنين هو انعدام طاقة النمو الطبيعي فيه، وان كان ذلك قبل زمان ولوج الروح فيه، فاذا انعدمت الطاقة ووقف النمو فقد مات الجنين ووجبت الدية على قاتله، وان تأخر سقوطه أو احتاج الى تدخل الطب في إخراجه.
المسألة 20:-
يشكل جواز استعمال الوسائل التي تمنع حمل المرأة مطلقا ما دامت في الحياة، من دون حاجة تضطرها الى ذلك، ومثال الحاجة الملزمة به: ما اذا اصابت المرأة قرحة أو علة احتاجت معها الى اجراء عملية تستأصل فيها بعض اجزاء الجهاز او تسد المجرى، وتوجب لها العقم، او احتاجت الى تناول أدوية فعالة تفسد المبيض أو تعطل نمو البويضات فيه ما دامت الحياة، أو نحو ذلك. وفي غير هذه الحالات الضرورة فالاحوط لها ان لا تستعمل الحبوب والوسائل التي تمنع حملها ما دامت في الحياة وان رضي الزوج بذلك ورغب فيه.
المسألة 21:-
يجوز للمرأة أن تتناول الحبوب المانعة للحمل مؤقتا عند طروء بعض الحالات الصحية التي تحتم عليها أن تؤخر فرصة امكان الحمل، كما اذا عرض لها مر ض أو ضعف يتضاعف أثر عليها مع وجود الحمل، فيجوز لها أن تتناول الحبوب، حتى تبرأ من المرض وتقوى من الضعف ثم تتركها.
المسألة 22:-
الظاهر أنه يجوز للمرأة أن تتناول الحبوب المانعة من الحمل مؤقتاً، اخيارا، وفي الحالات العادية لها، تفاديا عن تتابع الحمل، أو لغير ذلك من الغايات، والاحوط ان يكون ذلك برضى الزوج، والاولى لها في هذه المسألة وفي سابقتها ان تسترشد الطبيب الموثوق عما اذا كان استعمال الحبوب المانعة يسبب لها بعض الاثار غير المحمودة، وعن النوع الذي يرجح لها أن تستعمله وعن المدة التي ينبغي أن لا تزيد عليها، فيكون تناولها بارشاده.
المسألة 23:-
يجوز للرجل ان يعزل عن زوجته عند جماعها، حتى اذا كانت حرة ودائمة، اذا كان ذلك برضاها او كان قد اشترط عليها في عقد التزويج بها ان يعزل عنها في الجماع، ويجوز له كذلك أن يعزل عنها اذا لم تأذن ولم يشترط عليها في عقد التزويج، ولكن العزل في هذه الحال يكون مكروها، واما اذا كانت امة أو كانت متمتعا بها فيجوز العزل عنها من غير كراهه.
والعزل عن المرأة هو أن يخرج ذكره منها في جماعها فيقذف ماءه في الخارج، وبحكم ذلك أن يستعمل الكيس الخاص الذي اعد حديثا لمثل هذه الغاية، فيلبسه الذكر قبل الجماع فاذا جامع كان إنزاله فيه، ثم يخرجه مع الذكر بعد الفراغ، وهو احدى الوسائل القديمة لمنع الحمل وان لم يكن مضمونا.
ملاحظة:
ذكر بعض الاطباء ان للمرأة فرصة معينة، سماها الطبيب ( فترة الأمان)، فاذا جامعها الزوج في هذه الفترة لم تحمل.
وخلاصة ما ذكره في بيان ذلك:أن الميعاد المحدد لنزول بويضة المرأة من مبيضها هو منتصف ما بين الحيضتين من الزمان، فاذا كانت المدة المعتادة للمرأة ما بين نهاية حيضها السابق وابتداء حيضها اللاحق هي اثنان وعشرون يوما مثلاً، فآخر اليوم الحادي عشر من هذه المدة هو الموعد المحدد لنزول البويضة، والفترة التي تبقى فيها البويضة بحسب العادة سليمة صالحة للقاح هي ثلاثة أيام، فاذا لم تلقح في هذه الفرصة فسدت، والفترة الممكنة لاخصاب المرأة وتعرضها للحمل هي هذه الايام الثلاثة، والايام الثلاثة السابقة عليها، ذلك ان الحوين المنوي الذي يقذفه الرجل يبقي سليما صالحا للتلقيح ثلاثة أيام، وهي أقصى مدة يعيش فيها الحوين، فاذا جامع الرجل زوجته في الايام الثلاثة التي تعيشها البويضة او الايام الثلاثة التي تسبقها أمكن حصول التلقيح، وهذه هي (فترة الاخصاب) كما يقول.
والايام المتقدمة على ذلك، والايام المتأخرة عنه، لا يمكن أن يحصل فيها تلقيح، لفساد البويضة، أو لموت الحوين، وهي (فترة الامان) كما يرى هذا الطبيب.
وهو رأي يعتمد على التخمين، فلا يكون من الوسائل المضمونة لمنع الحمل.
المسألة 24:-
يجوز للمرأة أن تتناول الحبوب التي تؤخر نزول الحيض عليها عن عادتها المحددة لها، لتتم الصوم في شهر رمضان مثلا فلا تفتقر الى الافطار فيه، او لتكمل عمرة التمتع وحج التمتع كما أمرت بها، فلا ينقلب نسكها الى حج افراد، او لغير ذلك من المقاصد.
المسألة 25:-
يحرم تشريح بدن الميت المسلم وتقطيع أجزائه وإذا جرحه احد أو شق بطنه أو قطع بعض أوصاله، أو قطع بعض أعضائه، أو بعض أجهزته، أو بعض عظامه، أو كسرها، وجبت عليه الدية المقدرة شرعا لذلك الشيء و المذكورة في كتاب الديات، وبحكم الميت المسلم الطفل الميت المتولد من أبوين مسلمين أو من أبوين أحدهما مسلم، والمجنون الميت الذي يكون أبواه مسلمين أو يكون أحدهما مسلما، وكذلك اللقيط الذي يوجد في دار الإسلام ولم يعرف نسبه، فلا يجوز تشريحه ولا قطع جزء منه.
المسألة 26:-
يستثنى من حرمة تشريح بدن الميت المسلم ومن بحكمه، ما إذا توقفت على تشريحه حياة احد مسلم، ومثال ذلك ما إذا ادعى بعض أولياء الميت انه مقتول بالسم أو بنحوه من الأسباب التي تخفى على عامة الناس وارتقب أن تحدث من ذلك فتنة توجب إراقة دم وجعلت كلمة الفاصل في ذلك للطبيب الموثوق، وتوقفت معرفة سبب الموت على تشريح بدن الميت ولا طريق سوى ذلك، فيجوز للطبيب تشريح البدن ليعرف سبب الموت ويقول كلمته في الأمر.
المسألة 27:-
لا يسقط الحكم بحرمة تشريح الميت المسلم إذا أوصى هو قبل موته بأن يشرح بدنه بعد الموت، ولكن إذا شرحه أحد بعد الموت كما أوصى لم تجب عليه الديه.
المسألة 28:-
يجوز أن يشرح بدن الميت الكافر سواء كان كتابيا أم غيره من أصناف الكفار وبحكمه الطفل أو المجنون إذا كان كلا أبويهما كافرين، وكذلك الحكم في الميت المشكوك في إسلامه وكفره، فيجوز تشريح بدنه.
المسألة 29:-
إذا توقف تعلم علم الطب على تشريح بدن الميت، ولم تكف عنه وسيلة أخرى ولم يوجد بدن ميت كافر أو مشكوك الإسلام والكفر، ولم يمكن التعلم بالحضور عند من يشرح الميت وهو ينظر إليه، جاز حين ذاك تشريح بدن المسلم، ويجب أن يقتصر مع ذلك على مقدار الضرورة التي يقتضيها التعلم، ولا تسقط الدية بذلك عن المباشر للتشريح، وإذا كان الميت قد أوصى في حياته بتشريح جسده بعد موته فلا دية له.
المسألة 30:-
إذا توقف تعلم علم الطب على النظر إلى العورات المحرمة أو لمسها كالفروع التي تختص بأمراض الأجهزة البولية أو الأجهزة التناسلية، أو التوليد، ولم تكف عن النظر، واللمس وسيلة أخرى يضعها العلم بأيدي الطلاب. لهذه الغاية كالأجهزة الصناعية، جاز حين ذلك النظر واللمس للعورات المحرمة،كما يجوز للطبيب النظر واللمس كذلك عند الفحص والعلاج للأمراض التي تتعلق بها ويجب أن يقتصر مع ذلك على مقدار الضرورة التي يقتضيها التعلم، أو يقتضيها الفحص والعلاج، ولا تجوز الزيادة على ذلك.
ويسمى كذلك عملية التجميل، وهو عملية جراحية يقوم بها جراح مختص، يعوض فيها عن جزء مفقود من بدن الإنسان الحي بجزء مماثل له من بدن الإنسان آخر، حي أو ميت، يضعه في موضع الجزء المفقود من بدن ذلك الإنسان ليقوم مقامه ويؤدي وظيفتة العضوية.
مثال ذلك: أن تقطع إحدى شفتي الإنسان فتوضع مكانها شفة مماثلة من بدن إنسان ميت، أو تقلع إحدى عينيه، فتنتقل إليه عين مماثلة من إنسان آخر، أو تبتر إحدى كفيه أو إحدى قدميه، ويعوض عنها بكف أو قدم مماثلة.
المسألة 31:-
ذكرنا في المسألة الخامسة والعشرين: انه يحرم قطع بعض أوصال الميت المسلم، أو بعض أعضائه، أو بعض أجهزته، أو بعض عظامه، وذكرنا انه تجب في قطع أي جزء من أجزائه الدية المقدرة لذلك الجزء شرعاً.
ونتيجة مقطوعة لذلك، فلا يجوز أن يقطع شيء من أجزائه ليرقع به بدن المسلم الحي، إلا إذا توقفت على ذلك حياة المسلم، فيجوز قطع العضو والترقيع به حين ذاك، ويجب على من يباشر قطع العضو دفع ديته وإذا كان الميت قد أوصى بذلك في حياته لم تجب الدية في هذه الصورة.
المسألة 32:-
إذا ارتكب الإنسان هذا المحرم، فقطع الجزء الذي أراده من بدن الميت، أثم بذلك، ولزمته الدية كما ذكرنا،وجاز أن يرقع به بعد القطع بدن الحي، وإذا تم الترقيع به، وبرء الجرح الذي تقتضيه العملية أصبح ذلك الجزء عضوا من بدن المسلم الحي وشملته جميع أحكامه فيكون طاهر إذا خلا من النجاسات العرضية، ويجب غسله في الاغسال الواجبة، ويجب غسله أو مسحه في الوضوء الواجب إذا كان من أعضاء الوضوء.
المسألة 33:-
ذكرنا في المسألة السابعة والعشرين: أن حرمة تشريح الميت المسلم وحرمة قطع أعضائه وأوصاله لا تسقط بوصية قبل أن موت بأن يشرح بدنه أو تقطع أعضاؤه بعد موته، نعم تسقط ديته إذا كان قد أوصى بذلك، فلا دية على من قطع عضوه وان كان آثما بذلك.
المسألة 34:-
يجوز قطع أي عضو يراد من بدن الميت الكافر أو مشكوك الإسلام و الكفر، ويجوز أن يرقع به بدن المسلم الحي، فإذا أجريت العملية وألتام الجرح، أصبح ذلك العضو جزءا من بدن المسلم الحي، وحكم بطهارته إذا خلا من نجاسة عرضية، وشملته أحكام المسلم الحي، فيجب غسله في الاغسال الواجبة، ويجب غسله أو مسحه في الوضوء الواجب إذا كان من أعضاء الوضوء تغسل أو تمسح، ويستحب غسله في الاغسال والوضوءات المستحبة، وكذلك تجري عليه أحكام التيمم إذا كان من أعضائه، ويجوز أن يقطع العضو من بدن الطفل الميت إذا كان متوالد من كافرين، ليرقع به بدن طفل مسلم حي، تجري عليه الأحكام المتقدمة بعد الترقيع والتئام الجرح.
المسألة35:-
لا يجوز قطع شيء من الأعضاء المهمة من بدن إنسان حي ليرقع به بدن مسلم حي، وان رضي الشخص المقطوع منه بذلك، أو عوض عنه بالمال، سواء كان مسلما أم كافرا، ذميا أو معاهدا. ويجوز أخذ أجزاء غير مهمة إذا رضي المأخوذ منه بقطعها من بدنه كقطعة من اللحم يرقع بها نقص في الشفة أو في موضع آخر، وإذا اريد تعويضه عنها بالمال فالاحوط أن يكون ذلك على وجه المصالحة.
المسألة36:-
المراد بالأعضاء المهمة من بدن الإنسان هي ما يوجب فقدها نقصا ملحوظا في جسد ذلك الشخص كاليد والرجل والعين، والقدم والكف، فضلا عما إذا كان نقصها يوجب خطرا أو موتا محققا، فلا يجوز قطع شيء من ذلك وان رضي الشخص الذي يؤخذ من، كما ذكرنا.
والظاهر انه يجوز اخذ الكلية الواحدة من المسلم الحي لتوضع لمسلم آخر، إذا شهد الطب بأن نقص الكلية الواحدة منه لا يسبب خطرا عليه ولا يوجب نقصا ملحوظا في الوظيفة التي يقوم بها جهازه، وهي في الوقت ذاته تنقذ المسلم الأخر من الخطر معلوم.
فيجوز للشخص أن يتبرع بها للآخر، إذا شهد له الطب بذلك، وإذا اريد التعويض عنها بالمال فالاحوط أن يكون على وجه المصالحة كما تقدم.
المسألة 37:-
الظاهر انه يجوز قطع الأعضاء حتى المهمة من الإنسان الحي إذا كان كافرا محاربا لترقيع بدن المسلم الحي بها، فإذا رقع بدن المسلم بعضو منه، جرت فيه الأحكام السابقة في المسألة الرابعة والثلاثين.
المسألة 38:-
يجوز أخذ الدم للمريض الذي يحتاج إليه من المسلم وغير المسلم إذا رضي المأخوذ منه بذلك، وتجوز المعاوضة عليه بالمال ببيع أو صلح أو غيرههما، ويحسن التبرع به للمحتاجين والمرضى ممن لا يضر بهم ذلك، وإذا ادخل في أوردة المريض وجرى الدم في بدنه عد من دمه ولحقه حكمه، وان كان مأخوذ من كافر نجس العين.
وهي عملة ورقية درجت على استعمالها عامة الدول في عامة البلاد، واستبدلت بها عن مسكوكات الذهب والفضة، ومصدر مالية هذه الأوراق هو اعتبار الدولة التي تحكم البلد، أو البنك الذي تعتمده الدولة في هذت الأمر، أو الهيئة الخاصة التي تخولها الدولة ذلك، فتصبح الأوراق بسبب هذا الاعتبار نقدا رسميا للدولة تقوم به الأشياء، وتجري به المعاملات في بلاد تلك الدولة وقد تتعدى إلى خارجها بمقدار ما للدولة من مكانة ونفوذ.
وللعملة غطاء تعتمد عليه الدول في اعتبارها لأوراقها النقدية، وهذا الغطاء قد يكون ذهبا وفضة تملكها الدولة وتدخره في خزائنها مسكوكين، أو غير مسكوكين، وقد يكون ذهبا تودعه في بنك عالمي مع دول أخرى تشترك معها في الإيداع في ذلك البنك، وقد يكون غطاء من ثروات طبيعية تمتاز بها بلاد الدول من نفط وكبريت وغيرهما من المعادن.
المسألة 39:-
لا تجب الزكاة في الأوراق النقدية إذا ملك المكلف منها قيمة النصاب في الذهب أو الفضة أو أكثر، وحال عليها الحول وهي في ملكه وتصرفه، وهو واضح جدا في البلاد التي يكون غطاء العملة فيها من النفط والكبريت ونحوهما من الثروات الطبيعية، فان الأوراق ليست في نفسها ذهبا ولا فضة، ولا عوضا عنمها.
وكذلك في البلاد التي يكون غطاء العملة فيها من الذهب والفضة غير المسكوكين، فان الزكاة إنما تجب في الذهب والفضة المسكوكين.
وكذلك الحكم في البلاد التي يكون رصيد العملة فيها من الذهب والفضة المسكوكين، فان الورق النقدي في هذه البلاد وان كان عوضا عن الذهب والفضة المسكوكين، إلا أن الذهب والفضة المذكورين ليسا في يد المكلف بحيث يتمكن من التصرف فيهما طول الحول، وهذا احد شروط وجوب الزكاة، ولذلك فلا تجب على المكلف فيه الزكاة.
المسألة 40:-
ما ذكرناه في المسألة المتقدمة من عدم وجوب الزكاة في الأوراق النقدية إذا بلغ ما يملكه المكلف منها قيمة النصاب، لا يعني انه لا يكفي دفع الأوراق النقدية قيمة للزكاة التي تجب عليه في أحد النصب الزكوية الأخرى.
فإذا كان المكلف مالكا لنصب زكوي من احد الغلات أو الأنعام أو النقدين ووجبت عليه الزكاة فيه، وأراد أن يدفع قيمة الزكاة من الأوراق النقدية فانه يصح له ذلك ويجزيه عن الواجب، وهذا واضح ونحن نذكره للتنبيه.
المسألة 41:-
لا يجوز ان يقرض المكلف غيره عددا من الاوراق النقدية بشرط الزيادة، فيقرضه مائة دينار عراقي مثلا الي مدة سنة بمائة وعشرين دينارا عراقيا، فان ذلك من الربا المحرم، وتحرم الربا في القرض لا يختص بالذهب والفضة، ولا بالمكيل والموزون، بل يشمل حتى المعدود، فلا يجوز ان يقرض الانسان غيره عشرين بيضة من بيض الدجاج مثلا الى مدة شهر باثنين وعشرن بيضة منها، ولا يختلف هذا الحكم باختلاف رصيد العملة الورقية.
المسألة 42:-
يجوز بيع عدد معين من الاوراق النقدية بأكثر منه من عملة واحدة، اذا كان الرصيد الذي اعتمدت عليه الدولة في اصدار تلك العملة من الثروة الطبيعية في بلادها كالنفط وشبهه، ومثال ذلك: أن يبيع الرجل على غيره خمسين دينار عراقيا مثلا بأربعة وخمسين دينار عراقيا، فيصح هذا البيع منه ولا يكون التفاضل بين العوضين من الربا الممنوع في المعاملة.
وذلك لان العملة نفسها ليست من المكيل والموزون، وهي بهذا الاعتماد لا تكون عوضا عن أحدهما، والربا الممنوع في المعاملة مشروط اولا: بان يكون العوضان من جنس واحد، وثانيا: بان يكون الجنس من المكيل والموزون، والشرط الثاني مفقود في المعاملة المذكورة، فلا مانع من البيع المتقدم ذكره.
وكذلك الحكم اذا كانت مالية العملة مستندة الى اعتبار الدولة ونفوذها فقط ولم يكن لها رصيد آخر، من ذهب وفضة او من ثروة طبيعية، كالعملة الورقية التي تصدرها بعض الدول أيام الحروب العامة، فيجري فيها الكلام المتقدم سواء بسواء.
تنبيه:-
قد تكون لدى المكلف اوراق نقدية من العملة المتقدم ذكرها في المسألة السابقة، ويكون له غرض خاص بابدال هذه الاوراق باكثر منها من العملة ذاتها الي مدة معينة، وقد بينا في المسألتين المتقدمتين: ان ذلك لا يصح اذا اجريت المعاملة بنحو القرض، ويكون اخذ الزيادة فيها من الربا المحرم، ويجوز ذلك اذا اجريت المعاملة بنحو البيع، ويحل له أخذ الزيادة ولا يكون من الربا الممنوع، فلابد للمتعاملين اذا ارادا اجراء المعاملة بينهما ان يلتفتا الى ما يقصدان في انشاء معاملتهما، فان قصدا بها البيع الى اجل حل ذلك، وان قصدا بها القرض الى مدة لم يحل كما يقول سبحانه: واحل الله البيع، وحرم الربا.
المسألة 43:-
اذا كان لعملة رصيد من الذهب والفضة مسكوكين او غير مسكوكين، مخزونين عند الدولة او في بنك عالمي معين، وقد اعتمدت الدولة عليهما واصدرت اوراقها النقدية عوضا عنهما، سواء كانت الدولة او المؤسسة المخولة من الدولة قد تعهدت لمن يملك هذه الاوراق بان تعطيه العوض من الذهب والفضة اذا شاء، ام تتعهد له بذلك، اذا كانت العملة كذلك اصبحت الورقة منها عوضا عن الذهب والفضة، والمعاملة بها معاملة بالذهب والفضة.
ونتيجة لذلك فلا يصح ان يباع عدد من هذه الاوراق باكثر منه من هذه العملة نفسها، لان الذهب والفضة اللذين تحكي عنهما الورقة مما يكال ويوزن، سواء كانا مسكوكين ام غير مسكوكين فتكون الزيادة في الثمن من الربا الممنوع في المعاملة، فيبطل البيع.
وهذا كله على الاحوط في هذا الصنف من العملة الورقية، فان من المحتمل القريب ان يكون الرصيد الذهبي والفضي الذي اعتمدت عليه تلك الدولة واصدرت بسببه اوراقها، انما هو اعتماد دولي خالص وليس اعواضا للاوراق، والورقة انما هي نقد رسمي اصدرته الدولة اعتماد على ما لديها من رصيد مخزون، وليست عوضا عن ذهب او فضة فيكون سبيل هذه العملة سبيل العملة التي ذكرناها في المسألة السابقة.ويسند هذا الاحتمال ويقويه ما تذيعه الاذاعات العالمية عن اسعار الذهب صعودا ونزولا بالعملات المختلفة للدول الكبرى، وبعض العملات المحلية ولو كانت العملة الورقية عوضا عن مقدار معين من الذهب لما اختلف سعر الذهب فيها ولا في العملات المرتبطة بها وان اختلفت قيمته في العملات الاخرى، ويسنده ويقويه كذلك ما تذيعه الاذاعات عن ارتفاع اسعار العملات وهبوطها بعضها عن بعض حتى مع وقوف الذهب على سعر واحد. ولكن هذا كله انما يسقط الاحتمال الاول في أكثر العملات العالمية الموجودة ولا يسقطه في جميعها.
فلا يترك الاحتياط في العملة التي يظن ان الدولة قد اعدت الذهب والفضة عوضا عن الاوراق وليس مجرد اعتماد، ويصح البيع في ما عدا ذلك من العملات مع التفاضل.
المسألة 44:-
لا يشترط في صحة بيع الاوراق النقدية بعضها ببعض ان يحصل التقابض، بين المتبايعين قبل ان يفترقا، فان ذلك انما هو شرط في صحة بيع الصرف، وهو بيع الذهب والفضة بعضهما ببعض، سواء كانا مسكوكين ام غير مسكوكين، وليس منه بيع الاوراق، وان كانت نقودا، فلا يبطل البيع اذا افترق المتبايعان قبل التقابض، ولا يترك الاحتياط في العملة المذكورة في المسألة المتقدمة.
المسألة 45:-
ربما تصدر بعض الحكومات عملة ورقية تنفق في بلادها وبعض البلاد الاخرى، ويكون رصيد هذه العملة مبالغ تملكها الحكومة من عملة ورقية لبعض الدول الكبرى، تودعها حكومة ذلك البلد في احد البنوك العالمية، او يكون الاعتماد على تعهد احدى الدول الكبرى بعملة تلك الحكومة، فتكون تلك المبالغ المودعة، او المتعهد من الدول الكبيرة هو رصيد المعتمد لتلك العملة.
ولا تجب الزكاة في هذه العملة كما تقدم في نظائرها ويصح ان يباع عدد من هذه الاوراق بأكثر منه من هذه العملة ولا يلزم منه الربا، فهي ليست مما يكال او يوزن ولا عوضا عن الذهب والفضة، وليس بيع بعضها ببعض من بيع الصرف، فلا يشترط فيه التقابض قبل ان يفترق المتبايعان، نعم يجري فيها ربا القرض، فلا يجوز ان يقرض الانسان غيره عددا منها بشترط الزيادة كما تقدم في غيرها.
المسألة 46:-
اذا وجد الانسان اوراقا نقدية في طريق او في موضع عام، ولم يعرف مالكها وليس عليها يد امينة، فهي لقطة كسائر الاموال الضائعة التي يجدها كذلك، فتجري عليها احكام اللقطة.
وليست فاقدة العلامات المائزة التي يمكن الملتقط ان يتعرف بسببها عل المالك، فعدد الاوراق مثلا، وكونها من الفئة ذات الدينار الواحد او نصف دينار، او الخمسة دنانير او العشرة او الخمسة والعشرين دينارا، وكونها في حافظة نقود وصفتها كذا، او في كيس لونه كذا، او في خرقة او منديل وصفهما كذا، كل هذه واشباهها علامات يمكن الملتقط ان يتعرف بسببها على مالك الاوراق، فلا فرق من هذه الجهة بينها وبين غيرها من النقود والمسكوكة التي تضيع من اصحابها وتجري عليها احكام اللقطة.
المسألة 47:-
لا فرق بين لقطة الاوراق النقدية وغيرها في الاحكام، فاذا وجدها في الحرم المكي حرم عليه اخذها، واذا اخذها كان اثما وضامنا، الا اذا كان اخذه اياها بقصد التعرف بها فلا يأثم ولا يضمن حين ذاك، واذا اخذها كذلك وجب عليه ان يعرف بها سنة كاملة من يوم التقاطها، فاذا هو لم يعرف مالكها وجب عليه على الاحوط ان يتصدق بها عن مالكها، والاحوط كذلك ان يكون تصدقه بها باذن الحاكم الشرعي، ولا يجوز للملتقط ان يتملكا بعد انتها التعريف، الا اذا كان فقير فيجوز له تملكها بنية الصدقة عن المالك بأذن الحاكم الشرعي كما ذكرنا.
واذا وجد اللقطة في غير الحرم وكانت للقطة علامات مائزة يمكنه ان يتعرف بسببها على المالك وجب عليه ان يعرف بهامدة سنة كامله من يوم الالتقاط، فاذا تمت السنة مع التعريف ولم يعرف مالكها تخير بين ان يتصدق بها عن المالك، وان يبقيها في يده امانة لمالكها يحفظها له كما يحفظ ماله.
ويجوز له ان يتملكها، فاذا عرف صاحبها بعد ذلك فعليه ضمانها له، فيردها عليه اذا كانت موجودة، ويرد عليه مثلها اذا كانت تالفة، وليرجع الى كتاب اللقطة في بقية المسائل التي تتعلق بها.
المسألة 48:-
اذا كان الانسان مدينا لاحد بملغ من الاوراق النقدية، ثم الغت الدولة اعتبار تلك الاوراق، وجب عليه ان يدفع لدائنه قيمة ما عليه من الاوراق يوم التلف، وهو اليوم الذي الغي فيه اعتبارها وقبل ان تسقط عن الماليه، من غير فرق بين ان يكون الدين ثمنا لمبيع اشتراه منه في الذمة او وفاء مال استقرضه منه الي اجل او بدل عين ضمنها له بالغصب او بالاتلاف،أوبغيرذلك من أسباب شغل الذمة بالمال،ولااعتبار بالقيمة التي قد تكون لها بعد ذلك عند بعض الناس الذين يقتنونها ويحتفظون بأمثالها لأنها آثار أوللتاريخ أوللفن .
المسألة 49:-
يجوز المرور في الشوارع والأرصفة والطرق التي تفتحها الدولة أو توسعها من أملاك الناس ودورهم ومحلاتهم ، سواء أعوضت الدولة أهل الأملاك عما أخذته منهم بالمال أم أخذته منهم بغير تعويض ، وسواء أكانت المحلات والدور مملوكة أم موقوفة ، كالمساجد والحسينيات والموقوفات العامة أو الخاصة ، فيجوز للناس المشي والاجتياز فيها بعد أن تصبح شوارع وطرقاً وأرصفة ولافرق بين أن تكون أرض الشارع والرصيف قد بلطت بالقير والزفت والاسمنت ونحوها أم لم تبلط.
المسألة 50:-
لايجوز ابتياع ما يفضل عن الشارع من أرض الدور والمحلات المملوكة الابرضى أصحابها التي كانت لهم واذا اشتريت أوبنيت محلات أو دكاكين أو غيرذلك بدون رضى أصحابها فهي مغصوبه.
المسألة 51:-
ما يفضل عن الشارع من أرض المسجد المهدوم لايخرج عن كونه مسجدا وان صغرت مساحته ، وتجري عليه أحكام المسجد ، فلا يجوز تنجيسه ، ويجب تطهيره اذا تنجس ،الا اذا تعذر ذلك أو لزم منه الحرج ، ويحرم مكث الجنب والحائض والنفساء فيه .
المسألة 52:-
ما يبقى من الحسينية المهدومة للشارع ان أمكن جعله حسينية صغيرة ينتفع بها على النحو الذي أراده الواقف في أصل الوقف ، وجب جعله كذلك ، وان لم يمكن ذلك ، بحيث زال عنه عنوان الحسينية ، صح بيعه والمعاوضة عليه ،وان امكن انتفاع الوقف به في جهة أخرى ، وكذلك اذا طرأ على تلك الزيادة أحد المسوغات الأخرى لبيع الوقف ، فيجوز بيعها .
وكذلك الحكم في الموقوفات الأخرى العامة أو الخاصة اذا أخذ منها للشارع وبقيت منها فضلة ، فان أمكن الانتفاع بهذه البقية على النهج الذي عينه الواقف في أصل الوقف ، تعين العمل بها كذلك ، وان لم يمكن ذلك ، وعلم من الشواهد والقرائن أن مقصود الوقف مطلق الانتفاع للجهة الموقوف عليها ، صح أن تجعل هذه البقية دكاكين أو محلات ، تؤجر وتصرف حاصلاتها على الجهة التي أرادها الواقف ،واذا طرأ أحد المسوغات لبيع الوقف صح بيعها والمعاوضة عليها ،ويلاحظ لبيان ذلك ما ذكرناه في كتاب التجارة في مسوغات بيع الوقف .
المسألة 53:-
اذا جاز بيع ما يفضل من الحسينيات أو الموقوفات الأخرى التي تهدمها الدولة للشوارع ، فالمتولي لبيعها هو الحاكم الشرعي أو وكيله ، واذا كان الوقف على أشخاص معينين كالوقف على الذرية ،فالأحوط أن يرجع في بيعه الى كل من الحاكم الشرعي والموقوف عليهم .
المسألة 54:-
اذا بيع الموقوف أو عوض عنه بمعاوضة أخرى غير البيع كالصلح ونحوه ، فالأحوط أن يشتري بثمنه ملكاويقفه على نهج الوقف الأول .
المسألة 55:-
يجوز المرور في الشارع الذي تتخذه الدولة أو توسعه من مقبرة المسلمين ، سواء أكانت المقبرة عامة في البلد أم خاصة بفرد أو أسرة ، وسواء أكانت مملوكة سبلها مالكها ليدفن فيها المسلمون موتاهم ، أم موقوفة عليهم لذلك ، أم مباحة ، والأحوط ترك المرور والاستطراق في الشارع حتى تسوى أرضه وتهدم الشواهد والعلامات والأبنية التي تكون للقبور .
المسألة 56:-
اذا استملكت الدولة قسما من مقبرة المسلمين ، فأخذت بعضه للشارع ، وبقيت منه فضلة أرادت أن تجعلها دورا أوحوانيت ومحلات ، فان كان الموضع خاليا من القبور وكانت المقبرة مباحة جاز للانسان أن يتملك الموضع ويجعله دارا أو محلا ، واذا كان الموضع محجرا لم يجز تملكه الا باذن صاحبه الذي حجره لنفسه ، واذا كان الموضع يحتوي على قبور ومدافن للموتى ، لم يجز تملكه حتى تبلى أجساد الموتى المدفونة فيه وتتلاشى .
واذا كانت المقبرة مملوكه ، لم يجز لأحد تملك شيء منها الا برضى مالكها ، سواء كان الموضع الذي يريد تملكه خاليا من القبور أم لا . واذا كان الموضع يحتوي على قبور ومدافن للموتى لم يجز تملكه وان رضى مالكها الأول واذا كانت المقبرة موقوفة وكانت الفضلة خالية من القبور جرى فيها حكم الزيادة من سائر الموقوفات ،وقد تقدم بيانه في المسألة الثانية والخمسين ،واذا كان الموضع يحتوي قبور ، لم يجز بيعه ، وان طرأ عليه بعض مسوغات بيع الوقف .
المسألة 57:-
لا يجوز أن يستولي الانسان على شيء من مقبرة المسلمين ليتخذ منه دارا أو محلا أو حانوتا ، ويمنع المسلمين من الدفن فيها ، وخصوصا اذا كان الموضع الذي يريد الاستيلاء عليه يحتوي على قبور للموتى ، فانها بعد أن جعلت مقبرة واعتبرت كذلك يكون حق الدفن فيها عاما لمن يريد الدفن فيها من المسلمين ، فلا يجوز منعهم من هذا الحق ، بل تكون الأرض ذاتها متعلقا لحقهم ، فيكون الاستيلاء عليها لغير الدفن غصبا محرما ، وان كان الموضع خاليا من القبور بالفعل ، واذا دفن أحد فيه كان موضع جسد ذلك الميت المسلم ملكا له ما لم يبل جسده ويتلاشى ويصبح معدوما ، فلا يجوز تملك الموضع قبل ذلك فانه اغتصاب محرم .
المسألة 58:-
اذا منعت الدولة من الدفن في المقبرة، او ترك الدفن فيها لبعض الموانع الاخرى وكانت المقبرة مباحة، جاز الاستيلاء على المواضع الفارغة منها من القبور، وجاز اتخاذها دورا ومحلات للسكنى والاجارة، وسقط حكم التحجير اذا كانت محجرة للدفن.
واذا كانت مملوكة، فالامر فيها لاربابها، واذا كانت موقوفة جرى في مواضع الفارة منها حكم الموقوفات المتقدم بيانه.
واما مواضع القبور فلا يصح تملكها قبل ان تبلى الاجساد المدفونة فيها وتتلاشى، سواء كانت المقبرة مباحة ام مملوكة ام موقوفة.
وهو وسيلة تستخدمها بعض الشركات والمؤسسات لمساعدة مشاريع تقوم بها او تتبناها، وهذه المشاريع قد تكون انسانية او خيرية، وقد لا تكون كذلك.
فتطبع الشركة او المؤسسة باسمها وبشعارها الخاص بها اوراق متسلسلة الارقام تدعو فيها الى مساندة المشروع الذي تريد، وتجعل للورقة ثمنها خاصا من النقد ، تبيع الورقة به ، على من يريد الاشتراك في المساعدة ، وتتعهد الشركة أو المؤسسة بأنها ستقرع بين المشتركين الذين يشترون هذه الأوراق ويدفعون أثمانها ، فمن تعينه القرعة منهم ، فان الشركة تدفع له جائزة من المال ، قدرها (كذا دينارا ) وقد تجعل الجوائز متعددة ، فللفائز الأول جائزة أولى بمبلغ (كذا ) ، وللفائز الثاني جائزة ثانية بمبلغ (كذا ) ، وهكذا بحسب ما يقتضيه اهتمام الشركة بالمشروع ، وسعة دائرة الاشتراك ، وكثرة ثمن الورقة ، وقد تكون الجائزة جهازا معينا مثلا ، أو سيارة من فئات خاصة أو غير ذلك من الأمور المرغوب فيها بين الناس .
والشركة تعلن عن تعهدها بذالك في أوراق اليانصيب ، وتوزعها على من يريد الاشتراك في الصفقة، فعلى الفرد منهم ان يدفع الثمن المعين للورقة ، وعلى الشركة أو الموزع أن يدفع له الورقة ذات الرقم الخاص بها ، وعلى المشترك أن يحتفظ بالورقة وبالرقم المعين فيها ، لتكون سندا له اذا واتاه النصيب فعينته القرعة من بين ألوف المشتركين .
المسألة59 :-
السبيل لتصحيح هذه العملية أن يدفع المشترك القيمة المعينة لورقة اليانصيب ، بقصد التبرع للمشروع وخصوصا اذا كان انسانيا أو خيريا ، ولا يقصد به شراء الورقة لما سنذكره في المسألة الآتية ، فاذا عينت القرعة اسمه بعد ذلك ، ودفعت له الجائزة فان كانت الشركة أهلية جاز له قبول الجائزة منها ، فان الشركة تدفع اليه ما لها برضاها ، ولا مانع من قبوله ، وان كانت مؤسسة حكومية ، كان المال المدفوع اليه من مجهول المالك فتتوقف إباحته له على استيذان الحاكم الشرعي أو وكيله .
المسألة 60 :-
ليست ورقة اليانصيب عملة ورقية تعتبرها الدولة نقدا ، أو شيئا تتوقف عليه مصلحة عامة ملحوظة للدولة وللناس على السواء كطوابع البريد وطوابع المال ، فتكون من أجل ذلك لها قيمة مالية ، وليست لها في نفسها قيمة تذكر ، ولذلك فيكون شراء المشترك اياها بالثمن المحدد لها معاملة سفيهة ، واذا هو اشتراها لاحتمال أن يفوز بسببها بالحصول على الجائزة التي تدفعها الشركة كانت المعاملة غررية، وقد تكون في بعض صورها ربوية وعلى أي الحالين فالمعاملة عليها باطلة لا تنفذ .
تنقسم البنوك المعروف وجودها في بلاد المسلمين الى عدة أصناف :
1- بنوك أهلية، وهي التي يقوم بانشائها جماعة من أهل البلاد المسلمين، فيشترك كل واحد منهم بدفع سهم واحد أو أكثر من المال الذي أرادوا جمعه لتمويل البنك، حتى يجتمع من مجموع هذه السهام رأس المال المحدد، أو المفتوح لكل من يريد الاشتراك، ويؤسس منه البنك ليقوم بأعماله وحركته الاقتصادية كسائر البنوك، وقد يشترك معهم غير المسلم في المساهمة، وهذا لا يعني أن البنك أصبح لغير المسلمين بعد أن كان الأكثر منهم، فلا يختلف الحكم بذلك، وتقسم الأرباح بين المشتركين على نسبة ما يملكه المشترك من السهام في رأس المال. وقد يتفق أن يكون البنك الأهلي كله لشخص واحد فيضع هو رأس ماله ويقوم بتأسيسه وتمويله وتكون له أرباحه .
2- بنوك حكومية ، وهي التي تؤسسها الحكومات المسلمة في البلاد ، فهي التي تضع رأس المال وتنشئ المؤسسة ، وتعين موظفيها وعمالها ، وتشرف على حركتها ، وتقوم باللوازم التي تحتاج اليها المؤسسة في نشاطها وبقائها .
3- بنوك مشتركة بين الأهلين والحكومة ، فيسهم كل منهما بمقدار من رأس المال ، وعلى ذلك يتم الانشاء وتسير الأعمال وتقسم الأرباح .
4- وقد تفتح في البلاد فروع لبنوك مسلمة ولكنها أجنبية ، فرأس مالها ومؤسسها من بلاد مسلمة اخرى ، وهي كذلك اهلية ، وحكومية ،ومشتركة ، ولا يختلف حكم هذه عما تقدم ، فللأهلية منها حكم البنوك الأهلية في البلاد ، وللحكومية والمشتركة حكم نظيرها في البلاد ، وكذلك اذا جرت المعاملة مع هذه البنوك في بلادها .
5- وقد تفتح في البلاد فروع لبنوك غير مسلمة ، فتكون رؤوس أموالها لغير المسلمين حكومية أو أهلية أو مشتركة ، وتقوم بأعمالها وحركتها الاقتصادية كسائر المؤسسات في البلد .
والخط الذي تسير عليه هذه الأصناف كلها متحد في الغالب ، وهو أخذ الفائدة من العميل حين يقترض من البنك مبلغا من المال ، ودفع الفائدة اليه حين يقرض البنك ويودع ماله فيه ، فيسأل الناس عن اخذ هذه الفوائد أو دفعها الى البنك ، وهي من الربا المحرم في شريعة الاسلام ، ويسألون عن اعمال يقوم بها البنك في حركته الاقتصادية لمساعدة عملائه ويأخذ منهم بازاء ذلك شيئا معينا من المال ، ويسألون عن أمور تشابه ذلك في معاملة البنك مع الناس ومعاملتهم معه .
6- وقد تفتح بنوك ومصارف اسلامية ، ومثل هذه المؤسسات لا ينبغي السؤال عنها ، فان هذه المؤسسات اذا كانت اسلامية كما تقول ، فان معنى ذلك انها تسير على الخط الذي وضعته الشريعة الاسلامية للاقتصاد والعمل فيه فهي لا تعترف بالربا المحرم ولا تتعامل به ولا تقترب من الأموال المحرمة في الإسلام ولا من الاعمال المحرمة فيه أبدا .
واذا كان الأمر كما تقول ، فلا اشكال في صحة التعامل معها .
المسألة 61:-
لا يجوز الاقتراض من البنك بشرط الزيادة ، لأن ذلك من الربا المحرم ، ولا فرق في هذا الحكم بين البنك الاهلي وسائر البنوك والمؤسسات والمقرضين , وانما ذكرنا البنك الأهلي لأنه مورد حديثنا في المقام واذا كانت المعامله مع البنك الأهلي او ما يشبهه من المؤسسات والمتاجر الأهلية , والمقرضين فيمكن التخلص من الربا بأحد هذه الوجوه الآتي بيانها :-
1- ان تجري المعاملة بصورة البيع , فيشتري الشخص من البنك بضاعة لها قيمة معينة باكثر من قيمتها بمقدار الفائدة التي يطلبها البنك , فيشتري منه سلعة قيمتها مائة دينار مثلاً بمائة وعشرة دنانير الى مدة سنة،فإذا قبض العميل السلعة من البنك وتملكها بالبيع باعها منه او من غيره بمائة دينار نقداً, فيكون قد قبض مائة دينار نقدا واشتغلت ذمته للبنك بمائة وعشرة دنانير الى سنة.
2- ان يشتري العميل من البنك سلعة قيمتها عشرون دينار مثلا بثلاثين دينارا حاله او مؤجلة، ويشترط على البنك في عقد البيع: ان يقرضه مائة دينار من غير فائدة الى مدة سنة، فاذا تم البيع واقرضه البنك مائة دينار وفاء بالشرط كان للبنك في ذمة العميل مائة دينار عوض القرض وحصل منه على الفائدة بالربح من قيمة المبيع.
3- ان يبيع العميل على البنك سلعة باقل من قيمتها المعروفة لها بمقدار الفائدة ويشترط على البنك في عقد البيع ان يقرضه المبلغ المعين بينهما مثلا بمثل الى مدة سنة فاذا تم البيع وقبض البنك السلعة وتم القرض كما اشترط كان القرض قد تحقق من غير فائدة، وملك البنك الفائدة بالربح من السلعة المبيعة.
4- ان يقرضه البنك المبلغ الذي اراده ولا يشترط عليه الزيادة، ويهب المقترض مقدار الفائدة للبنك هبة مستقلة لا دخل لها في القرض، فلا يكون من الربا وللعميل ان يهب مقدار الفائدة للبنك اولا ويشترط عليه في عقد الهبة ان يقرضه المبلغ الى المدة المعينة مثلا بمثل، فاذا اقرضه كما اشترط حصلت النتيجة المتقدمة من غير ربا.
5- اذا كان المبلغ الذي يريد الشخص ان يقترضه من البنك من الاوراق النقدية وكان من الصنف الذي تعتمد الدولة في اصداره واعتباره على الثروة الطبيعية في بلادها، فيصح للبنك ان يبيع على الشخص المقدار الذي اراده بمثله مع الزيادة، فيبيع عليه مائة دينار معينة مما يملكه البنك بمائة وعشرة دنانير تبقى في ذمته الى مدة سنة، فتصح المعاملة بيعا لا قرضا ولا يكون ذلك من الربا المحرم في المعاملة لان الثمن والمثمن ليسا من المكيل والموزون، وقد بينا هذا في مبحث الاوراق النقدية في المسألة الثانية والاربعين.
المسالة 62:-
الوديعة هي المال الذي يتركه الانسان عند غيره لينوب عنه في حفظه من التلف والسرقة وغيرهما، وعقد الوديعة هو الايجاب والقبول الذي يستنيب به الرجل صاحبه في حفظ وديعته، فيقبل صاحبه منه هذه الاستنابة وهذا الايتمان.
فالوديعة في حقيقتها امانة بيد المؤتمن يجب عليه حفظها، ولا يجوز له التصرف فيها ولا التفريط فيها وفي حفظها، ويكون صدور ذلك منه موجبا لضمانها اذا تلفت او سرقت او تعيبت، وهي بغير تعدّ ولا تفريط لا تكون مضمونة على الامين، فاذا تلفت عنده او سرقت لم يجب عليه دفع بديلها، واذا تعيبت لم يجب دفع ارشها.
واذا تصرف المستودع فيها، فباع واشترى وربح لم يصح ذلك الا باجازة المالك وإذنه، وإذا أجاز، فالارباح كلها لمالك الوديعة، ولا يستحق المستودع منها شيئا.
هذه هي الوديعة، وتفصيل هذا المجمل من احكامها يراجع في كتاب الوديعة وكتاب البيع من الفقه الاسلامي، وهذه الاحكام واللوازم لا تتنفق مطلقا مع الوديعة المعروفة في البنوك، فان الوديعة في نظام البنوك – بعد ان يتم ايداع المبلغ من العميل – تكون ملك للبنك الذي اودعت فيه، يعمل فيها ما يشاء وتكون ارباحها له، ولا يستحق المودع منها شيئا، غير الفائدة التي يدفعها له البنك، سواء كان الايداع ثابت ام متحركا.
ويراد بالايداع الثابت ان تكون للوديعة مدة معينة بين العميل والبنك، فلا يلزم البنك بوضعها تحت طلب صاحبها قبل ان تنتهي المدة المعينة، ولا يحق لصاحب الوديعة ان يطلبها من البنك او يطلب شيئا منها قبل انتهاء المدة، و الايداع المتحرك ان يكون البنك ملزما بوضع المبلغ تحت طلب المودع فيدفع له منه ما اراد متى اراد.
ومعنى ما تقدم ان صاحب الوديعة قد ملك البنك المبلغ الذي اودعه اياه، فيكون للبنك حق التصرف فيه وتكون الارباح له، وان على البنك ان يدفع عوض المبلغ للمالك بعد انتها المدة اوعند الطلب، و اذن فهو اقراض للبنك وان سمي في نظام البنوك ايداعا، والفائدة التي يدفعها البنك لصاحب المال انما هي فائدة القرض.
المسألة 63:-
لا يجوز للشخص ان يقرض البنك بشرط الزيادة، وقد تقدم في المسالة السابقة ان الايداع في البنك انما يعني اقراضه، فاذا كان الايداع بشرط الزيادة كان محرما سواء كان شرط الزيادة صريحا ام ضمنيا، بان يكون ذلك معلوما لكل من الطرفين وقد تبانيا في عقد القرض بينهما عليه، وان لم يذكراه صريحا، فتكون الزيادة المشترطة ربا محرما.
ويمكن لهما التخلص من الوقوع في الربا باحد الوجوه التي تقدم بيانها في المسالة الحادية والستين.
ولا يحرم اقراض البنك والايداع فيه اذا لم تشترط فيه الزيادة، اما بان يصرح المقرض والمودع لصاحب البنك او وكيله المفوض بانه لا يريد الفائدة، واما بان يبني في نفسه على عدم الزيادة، وانه يريد الفائدة الى صاحب البنك او وكيله اذا دفعت اليه.
تنبيه:-
اذا اراد العميل ان يجري احد الوجوه المتقدمة للتخلص من الربا في اقتراضه من البنك او في اقراضه او ايداعه، فلا بد وان يجري المعاملة مع صاحب البنك او مع وكيله المفوض، ولا يكفي ان يجريها مع احد الكتاب او الموظفين في البنك اذا لم يكن مفوضا من المالك.
وقد ذكرنا في ما تقدم ان البنوك الاجنبية اذا كان مؤسسوها ومالكوا راس مالها من الاهالي المسلمين فلها حكم البنوك الاهلية المسلمة في البلاد فتجري فيها الاحكام السابقة في القرض والاقراض والايداع.
المسألة 64:-
لا يجوز الاقتراض من البنك الحكومي بشرط الزيادة، لانه من الربا المحرم، كما تقدم في البنك الاهلي، ولا تجري الوجوه التي ذكرناها للتخلص من الربا مع البنك الاهلي، ويجوز للشخص ان ياخذ المبلغ الذي يدفعه له البنك فيباح له التصرف فيه باذن الحاكم الشرعي او وكيله الماذون من باب المال المجهول مالكه. فاذا انتهت المدة المضروبة وطالبه البنك بالتسديد العوض دفع اليه المبغ مع الزيادة القانونية، اذا لا يمكنه التخلف عن ذلك قانونا.
المسالة65:-
لا يجوز اقراض البنك او الايداع فيه بشرط الزيادة فهو من الربا المحرم، وله ان يودع المال فيه ولايشترط الزيادة بان يبني في نفسه على عدم الزيادة، واذا دفع البنك المبلغ اليه مع الفائدة عند المطالبة بالوديعة او بمال القرض جاز له ان ياخذهما منه باذن الحاكم الشرعي كما تقدم في المسالة السابقة.
وكذلك الحكم مع البنك الحكومي لبلد مسلم اخر فتجري فيه احكام المسالتين.
المسألة 66:-
تجري الاحكام المتقدمة في المسالتين السابقتين في البنك المشترك بين الحكومي والافراد في كل من الاقتراض والاقراض والايداع، فيراعى تطبيقها على النهج المتقدم بيانه، وكذلك البنوك المشتركة بين الحكومة والافراد المسلمين من بلاد اخرى.
المسالة67:-
لا يجوز للمسلم ان يقترض من بنوك الكفار بشرط الزيادة، فان حرمة الربا تشمل المعاملة التي تقع بين المسلم والكافر، اذا كان الدفع للفائدة هو المسلم. واذا كان البنك الذي يراد الاقتراض منه اهليا، فيمكن للمسلم ان يتخلص من الوقوع في الربا معه باحد الوجوه التي تقدم بيانها في المسالة الحادية والستين.
المسالة68:-
يجوز للمسلم ان ياخذ المبلغ الذي يدفعه له البنك الحكومي او البنك المشترك من بنوك الكفار لا بعنوان الاقتراض، ولا يحتاج في اباحة التصرف فيه الى اذن الحاكم الشرعي، واذا انتهت المدة التي عينها البنك وطالبه بالعوض والفائدة ولم يمكنه الا التسديد جاز له ان يدفعهما للبنك.
المسالة 69:-
يجوز للمسلم ان يقرض بنوك الكفار وان يودع ماله فيها بشرط الفائدة، ويجوز له اخذ الفائدة منها، فانه لا ربا بين المسلم والكافر اذا كان المسلم هو الذي ياخذ الفائدة سواء كان البنك اهليا ام حكوميا ام مشتركا.
المسالة70:-
يجوز للمسلم اخذ الفائدة من الكافر، سواء كان الربا في معاملة ام قرض اذا كان الكافر غير ذمي، والاحوط لزوما عدم جواز المعاملة الربوية والقرض الربوي بين المسلم والذمي، ولكن اذا جرى ذلك بينهما، جاز للمسلم ان ياخذ الفائدة اذا كان دين الذمي يبيح ذلك، لقاعدة الالزام.
المسالة 71:-
التوفير هو ان يودع الشخص ماله في البنك او في مؤسسة اخرى بشرط الفائدة وبقصد توفير المال وحصول الربح عليه، فهو نوع من الايداع وقد تقدم بيان حكمه.
فاذا كان البنك الذي يريد الشخص اجراء المعاملة معه اهليا مسلما لم يجز ذلك، الا اذا اجريت المعاملة معه على احد الوجوه التي تقدم بيانها للتخلص من الربا.
واذا كان حكوميا أو مشتركا بين الحكومة والأفراد المسلمين ، لم يجز ذلك ولكن اذا حصل الإيداع ، ودفع البنك اليه الفائدة ، فله أن يأخذها بأذن الحاكم الشرعي من باب المال المجهول مالكه .
واذا كان من بنوك غير المسلمين جاز للمسلم الإيداع فيه بقصد التوفير وجاز له أخذ الفائدة من البنك وهكذا حكم التوفير في المؤسسات الأخرى التي قد تتبنى هذا المشروع، فالمؤسسة الأهلية اذا كان مالكها مسلماً , لها حكم البنك الأهلي ، والمؤسسة الحكومية لها حكم البنك الحكومي، والمؤسسة التي يكون مالكها كافرا أو تكون لحكومة كافرة يكون لها حكم بنك غير المسلمين .
المسألة 72:-
الحساب الجاري في نظام البنوك هو أن يحق للشخص أن يسحب من البنك أي مبلغ يريد ، وهذا الحق ثابت لكل شخص يملك رصيدا في البنك ، بشرط ان لا يزيد المبلغ الذي يريد سحبه على الرصيد الذي يملكه في البنك , وبشرط أن لا يكون ايداعه ثابتا فان هذا لا يحق سحبه من البنك قبل أن تنتهي المدة المعينة في ايداعه وقد يكتسب بعض الأفراد ثقة خاصة عند البنك ، فيسمح له ان يسحب مبلغاً يزيد على رصيده المودع له في البنك , او يسحب مبلغاً او مبالغ معينة , ولارصيد له في البنك , ويسمى هذا :(السحب على المكشوف ), ولكنه يحتسب على الشخص فوائد على المبلغ او المبالغ التي يسحبها من غير رصيد .
ولا شك في ان هذه الفوائد التي يحتسبها عليه من الربا في القرض وهو محرم في الإسلام ويمكن التخلص من ذلك اذا أجريت المعاملة على احد الوجوه التي ذكرناها للتخلص من الربا , وهذا اذا كان البنك للأهالي المسلمين , واذا كان حكومياً او مشتركاً روعي ماذكرناه في المسألة الرابعة والستين.
المسألة 73 :-
قد يكون للشخص رصيد مالي في بنك البلد , ويحتاج الى مبلغ من المال يستلمه هو او وكيله في بلد آخر , فيعطيه البنك صكا يحوله به او يحول وكيله على بنك البلد الآخر , ليدفع له المبلغ الذي يريد , ويأخذ من الشخص مقداراً معيناً من المال , ويصح ذلك بأحد وجوه :
1- ان يحول البنك عميله على البنك الآخر بالمبلغ المعين وفاء لدين العميل الثابت على البنك , ويأخذ البنك الزيادة منه : لأنه قام له بخدمة تستحق المكافأة , فتكون الزيادة اجرة له على العمل , او جعالة له من العميل , ولأنه قام بتسديد الدين في بلد آخر كما طلب العميل منه ، وكان من حقه أن لا يجيبه الى ذلك ، ولا سيما اذا كان التسديد من عملة أخرى .
2- أن يبيع البنك المبلغ المعين –اذا كان من الأوراق النقدية – على العميل، بمقداره من العملة مع الزيادة التي يطلبها البنك ، ويحوله على بنك البلد الآخر ليقبض منه المبيع ، ويتقاضى البنك الثمن من رصيد العميل الموجود في البنك .
3- أن يحضر البنك المبلغ المطلوب من الأوراق النقدية , ويضيف اليه الزيادة التي يطلبها البنك ، ويدفع جميع ذلك للعميل وفاء لبعض دينه على البنك ، فاذا قبضه العميل وتملكه من البنك ، باع الجميع على البنك بمقدار المبلغ بدون زيادة ، بشرط ان يحوله بالثمن على البنك الآخر فتصح المعاملة والتحويل ويملك البنك الزيادة المذكورة ، ولا فرق في هذه الصورة وسابقتها بين أن يكون المبلغ المحول به من العملة نفسها أو من عملة ورقية أخرى .
المسألة 74 :-
قد يطلب الشخص من البنك أن يدفع له قرضا بمبلغ معين في بلد آخر، ويجيبه البنك الى ذلك ، فيحوله بالمبلغ الذي يطلبه على بنك ذلك البلد الآخر ، ويأخد منه زيادة معينة بازاء هذه الخدمة التي يقوم بها ، فتكون الزيادة أجرة له على العمل ويصح أن يجعلها الشخص جعالة له على ذلك ولا سيما اذا كان المبلغ المحول به من عملة أجنبية عن عملة بلد البنك المحيل .
ويمكن أن تجري المعاملة بينهما بنحو البيع ، فيحضر البنك المبلغ الذي أراده العميل وتضاف اليه الزيادة التي يريدها البنك ويقرض جميع ذلك للعميل فاذا قبضه العميل وتملكه باعه على البنك بمقدار المبلغ بدون الزيادة واشترط عليه أن يحوله بالثمن على البنك الآخر ، فيتم القرض ويصح البيع والتحويل ويملك البنك الزيادة .
المسألة 75:-
قد يدفع الشخص الى البنك مبلغا من المال ، ويطلب منه تحويله بهذا المبلغ على بنك في بلد آخر ، فيقوم البنك له بهذه الخدمة , فيحوله بالمبلغ على البنك الذي أراد ، ويأخذ منه مقدارا من المال ، فيصح هذا التحويل ، ويستحق البنك هذه الزيادة لقيامه بهذه الخدمة ، أما بأن يعتبرها الشخص أجرة له على عمله أوجعالة ، ولا سيما اذا كان التحويل بعملة اجنبية غير العملة التي دفعها للبنك.
1- ويمكن أن تجري المعاملة بنحو البيع، فيضيف الشخص الزيادة التي يطلبها البنك الى المبلغ الذي بيده، ويبيع المجموع على البنك بمقدار المبلغ بدون الزيادة، بشرط أن يحوله البنك بالثمن على بنك البلد الآخر.
2- ويصح للشخص أن يدفع المبلغ الذي بيده الى البنك بعنوان القرض، فيحوله على البنك الآخر بالمبلغ وفاءا بدينه، ويأخذ البنك الزيادة من الشخص، ولا يكون ذلك من الربا المحرم في القرض، فان المحرم في القرض هي الزيادة التي تؤخذ فيه لمصلحة الدائن، والزيادة هاهنا انما يأخذها البنك وهو المدين، فلا يشملها التحريم.
المسألة 76:-
قد يعلم البنك أن لهذا الشخص رصيدا ماليا في بنك آخر، وليس لذلك البنك فرع أو معاملة في هذا البلد فيقرض البنك ذلك الشخص مبلغا من المال، ويحوله الشخص بالمبلغ على البنك الآخر الذي أودعه ماله، فيصح هذا القرض وهذا التحويل ويجوز للبنك أن يأخذ من الشخص زيادة معينة أجرة أو جعالة لقيامه بهذه الخدمة، ولانه قبل من الشخص أن يقوم بتسديد الدين في بلد آخر.
المسألة 77:-
صك البنك يعني ورقة خاصة يحول فيها العميل حامل الصك ( زيد بن عمرو ) على البنك بالمبلغ المذكور في الصك، وهو يأمر فيه البنك بأن يدفع المبلغ المعين لحامل الصك، ويجريه من رصيده الموجود في البنك، وقد يكون الصك تحويلا للشخص من البنك على بنك آخر في البلد او في الخارج.
وقد لا يتمكن الشخص الذي سجل باسمه التحويل من استلام المبلغ بنفسه من البنك المعين، فيرجع في ذلك الى تاجر ن او الى مصرف او بنك آخر، ويوقع له في ظهر الصك، ويدفع له البنك او المصرف او التاجر ذلك المبلغ المعين، ويقبض منه الصك ليستلم ما فيه من البنك الذي عليه التحويل، عوضا عما دفعه لحامل الصك ويتقاضى بازاء ذلك مقدارا معينا من المال من ذلك الشخص.
وتصح المعاملة بأن يحضر البنك الذي تجري معه المعاملة مبلغا من المال يساوي المبلغ المحول به في الصك, ويبيعه على حامل الصك بمقداره مع الزيادة التي يطلبها منه، فاذا تم البيع وقبض الشخص جميع المبيع ، دفع الشخص الى البنك مقدار الزيادة وهو بعض الثمن ، ودفع اليه الصك بعد ان يوقع في ظهره ، ووكله في ان يستلم بالنيابة عنه ما في الصك من البنك المحول عليه، ثم يقبضه لنفسه بقية للثمن في المعاملة .
ويمكن للبنك أن يدفع له ما يساوي المبلغ المذكور في الصك قرضا بدون زيادة ويدفع الشخص اليه الصك ويوكله في أن يقبض بالنيابة عنه ما في الصك من البنك المحول عليه، ثم يقبضه لنفسه وفاء للقرض، ويهبه الشخص مقدار الفائدة هبة مستقلة لا دخل لها في عقد القرض كما ذكرنا في المسألة الحادية والستين.
ويمكن ان تجري كذلك بعض الوجوه المذكورة هناك لتصحيح المعاملة بصورة القرض.
المسألة 78:-
قد يكون الانسان مدينا لاحد البنوك في خارج البلاد أو لاحدى الشركات هناك بمبلغ من المال ، فيدفع الى بنك بلده ما يساوي ذلك المبلغ من نقد بلده ويطلب منه ان يحيل دائنه بالمبلغ المذكور على فرعه الموجود في بلاد الدائن او على وكيله هناك ، فيكتب له صكا بتحويل الدائن بالمبلغ كما أراد .
فيكون العميل قد حول دائنه على بنك بلده بالمبلغ المعين ، ثم يكون البنك قد حول هذا الدائن على فرعه في تلك البلاد أو على وكيله هناك بالمبلغ او بما يعادله من عملة بلاد الدائن . ولا ريب في صحة المعاملة ، ويجوز للبنك المحيل أن يأخذ من العميل شيئا من المال بازاء ذلك . فان من حق البنك أن يمتنع من تسديد دينه في بلد آخر وبغير تلك العملة ويضاف الى ذلك أن الفائدة المعينة انما يأخذها البنك وهو المدين فلا يشملها دليل تحريم الربا , فانه الفائدة التي تكون للدائن كما ذكرنا سابقا.
تحصيل الصكوك والأوراق التجارية
المسألة 79:-
قد يستلم الانسان صكا من بعض معامليه أو من بعض المصارف يحوله فيه على أحد البنوك بمبلغ معين من المال في بلده أو في الخارج ، ولا يرغب ذلك الانسان ان يحصل ما في الصك بنفسه ، فيدفع الصك الى البنك الذي يتعامل معه ، ليقوم بتحصيل المبلغ ، فيتصل البنك بالبنك المحول عليه ويذكر له الصك ، ورقمه وتاريخه ومصدر التحويل ، وحامل الصك والمبلغ المحول به ، وغير ذلك ، حتى يحصل المبلغ لعميله ، ويدونه في حسابه أو يدفعه اليه نقدا ، ويتقاضى على ذلك عمولة معينة.
ولا ريب في صحة هذه المعاملة ، فان حامل الصك حين دفع الصك الى البنك يكون قد وكله على تحصيل ما فيه وايصاله اليه ، ويكون قد استأجره على ان يقوم له بهذا العمل ، فيكون المبلغ الذي يأخذه البنك منه أجرة مثلية له على العمل ، أو يكون دافع الصك قد جعل ذلك المبلغ جعالة له على هذه الخدمة .
المسألة 80 :-
قد تكون للانسان ديون مالية على بعض الناس ، ولديه أوراق تجارية ( كمبيالات ) تثبت هذه الديون عليهم وتعين مقاديرها ومواعيد استحقاقها ، فاذا قرب ميعاد استحقاق الدين في بعض الأوراق ، دفع الورقة : ( الكمبيالة ) الى البنك ليقوم له بتحصيلها .
فيرسل البنك الى الشخص المدين اخطارا قبل حلول الموعد يذكر له فيه المبلغ والدائن وتأريخ الورقة وتاريخ استحقاقها ، وان الدائن قد دفع الورقة الى البنك ليقوم بتحصيلها ، ليكون على علم من جميع ذلك ، فاذا حل موعد الاستحقاق طالبه بالمبلغ ، فاذا حصل منه المبلغ أدرجه في حساب الدائن اذا رغب في ذلك أو دفعه اليه نقدا ، وأخذ من الدائن عمولة معينة على عمله .
ولا ريب في صحة المعاملة ، فان الدائن حين قدم الورقة الى البنك يكون قد وكله على مطالبة المدين وقبض المبلغ منه وايصاله اليه وقد استأجره على ذلك او جعل له جعالة عليه ، فتكون العمولة التي ياخذها البنك اجرة مثلية له على الوجه الأول ، وجعالة على الوجه الثاني .
ملاحظة :-
إنما يحكم بصحة العملية المذكورة من البنك ، وجواز أخذه الأجرة أو الجعالة عليها : اذا طالب البنك بالدين وحده وحصله للدائن ، ولا تصح العملية اذا هو طالب بالمبلغ وبفوائده الربوية .
المسألة 81 :-
تتضمن ( الكمبيالة ) بحسب المعتاد اعتراف المدين للدائن بالمبلغ المعين فيها ، وانه ملزم بوفائه بعد المدة المعينة ، وقد تتضمن بالاضافة الى ذلك ، ان للبنك عند حلول موعد الاستحقاق أن يقتطع المبلغ المذكور من حسابه الجاري في البنك ، ويدفعه للدائن نقدا أو يدخله في حسابه الجاري في البنك .
ومعنى هذا التخويل للبنك : أن المدين قد حول دائنه على البنك بالمبلغ ليدفعه له من رصيده المالي الموجود فيه ، فيلزم على البنك في هذه الصورة ان يقوم بذلك ، ولا يجوز له ان ياخذ بذلك عمولة من الدائن ، لان البنك انما يسدد بذلك دينه .
وكذلك اذا حول المدين دائنه على البنك بصك غير الكمبيالة او بلسانه اذا اعتمد البنك على ذلك. وانما تصح المعاملة على الوجه المتقدم في المسالة السابقة اذا لم يكن للمدين رصيد مالي في البنك أو لم يحول دائنه على البنك بالمبلغ وان كان يملك فيه رصيدا.
المسألة 82 :-
قد تحتاج شركة مساهمة الى بيع بعض سهامها، كما اذا استقال أحد الأعضاء منها، وكما اذا كان بعض الأعضاء يملك في الشركة أكثر من سهم واحد، واحتاج الى بيع بعض سهامه، وقد تحتاج الشركة الى بيع بعض السندات، كما اذا كانت لها أوراق تجارية تثبت لها ديونا مؤجلة على بعض المتعاملين معها، واحتاجت الى نقد حاضر.
قد تحتاج الشركة الى ذلك، فتوسط البنك في بيع هذه الأشياء، فيعلن البنك ذلك لعملائه، ويتولى البيع عن الشركة، ويأخذ منها عمولة يتفقان عليها.
وتصح المعاملة اما بأن تهب الشركة للبنك مقدار العمولة المتفق عليها، وتشترط عليه في عقد الهبة أن يبيع لها الأسهم والسندات المعينة، واما بان تستأجره على بيع الأسهم والسندات، وتدفع له مقدار العمولة المعينة بدلا عن الإيجار. واما بان تدفع له مقدار العمولة جعالة له اذا قام بالبيع، وانما يستحق البنك المبلغ المحدد منها، هبة او اجرة او جعالة اذا حصل منه البيع بالفعل، ولا يستحق ذلك بمجرد التصدي والإعلان.
المسألة 83 :-
انما تصح المعاملة بأحد الوجوه المتقدم بيانها، اذا لم تكن المعاملات التي تقوم بها الشركة، والحصص التي تسهم فيها، والسندات التي تثبت ديونها تعتمد على الربا المحرم في الاسلام، واذا كانت كذلك فلا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا تصح معاملة البنك مع الشركة على ذلك.
المسالة 84 :-
ذكرنا في المسألة الثانية والأربعين وما بعدها أنه يجوز بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض مع التفاضل في العدد وان كانت من عملة واحدة، ولا يلزم من ذلك الربا المحرم في المعاملة، لان ذلك مشروط بأمرين: ان يكون المثمن والثمن من جنس واحد، وأن يكون الجنس من المكيل أو الموزون والعملة الورقية ليس مما يكال او يوزن، ويجوز كذلك مع اختلاف العملة، كالدينار العراقي بالدينار الكويتي أو الدولار الأمريكي وغيرهما ، فيصح للبنك أو الصراف أن يبيع عشرة دنانير عراقية باحد عشر دينارا عراقيا الى مدة شهر مثلا ، ويصح ان يبيع عشرين دينارا كويتيا بخمسة وعشرين دينارا بحرانيا ، وهكذا .
نعم، الأحوط أن يجتنب بيع العملة التي يكون رصيدها ذهبا أو فضه، ويظن أن الدولة جعلت الذهب والفضة اعواضا للأوراق النقدية وليس مجرد اعتماد، فلا يباع عدد من اوراق هذه العملة بأكثر منه أو أقل من العملة نفسها، ولا يبدل عدد من هذه العملة بعدد من عملة أخرى، تماثلها في الشرط المذكور مع التفاضل بين العوضين . وأما بيع هذه العملة بغير ذلك فيجوز مطلقا.
المسألة 85 :-
المسكوكات الفضية أو النحاسية أو النيكلية وشبهها، انما يتعامل اهل العرف العام فيها بالعد لا بالوزن، ولا يلتفتون الى الوزن ابدا بل يجهل اكثرهم مقادير وزنها وهي كذلك في مختلف البلدان ومختلف الدول. فهي عندهم من المعدود لا من الموزون، وان كانت موادها مما يوزن ولذلك فالاصح انه لا تجري على هذه المسكوكات أحكام الربا في المعاملة حين ما تصرف الى أبعاضها أو تباع بسكة اخرى من جنسها وان تفاضلت في الوزن، فالروبية حين ما تصرف بنصفى روبية فالمعاملة صحيحة وان كانت الروبية تنقص عن النصفين في الوزن أو تزيد عليهما ، وكذلك اذا صرف الريال الفضي بنصفى ريال ، أو صرفت الروبية بالريال فيصح الصرف لأن الجميع من المعدود وان تفاضلت في الوزن .
وبهذا تختلف هذه المسكوكات عن المسكوكات الذهبية، فان عامة أهل العرف ينظرون في التعامل بها الى مقادير ما فيها من الذهب وخصوصا عندما تباع بسكة ذهبية اخرى ، فهي عندهم من الموزون فلا يجوز بيعها بجنسها مع التفاضل في الوزن بين العوضين كما هو الحكم في سائر الموزونات والمكيلات .
واذا كان العوضان من الفضة أومن الذهب فلا تصح المعاملة حتى يحصل التقابض بين المتعاقدين قبل ان يتفرقا ، فان ذلك شرط في صحة بيع الصرف .
الكمبيالات انما هي أوراق تجارية تثبت ان المبلغ المذكور فيها دين لحامل الكمبيالة على موقعها، وليست في نفسها ورقة نقدية ذات قيمة تباع بها وتشترى، ومن اجل ذلك فلا تبرأ ذمة المدين بمجرد التوقيع في الكمبيالة وتسليمها الى الدائن، وان تلفت الورقة في يده أو سرقت، ولا تبرأ ذمته اذا دفع للدائن كمبيالة تتضمن دينا للمدين على شخص آخر ولا تبرأ ذمة المدين كذلك اذا أعاد الدائن اليه الورقة الموقعة باسمه لبعض الأغراض ما لم يكن المدين قد أدى اليه الدين الذي تحتويه ، أو أبرأ الدائن ذمته منه ، أو حوله المدين بالمبلغ على غيره حوالة صحيحة نافذة . ولا تبرأ ذمة المدين كذلك اذا دفع الى الدائن مبلغا من المال يساوي مبلغ الدين، حتى يفهمه – ولو بالقرائن – انه وفاء للدين، بل يكون المبلغ المدفوع امانة في يدة الدائن، وتبقى ذمة المدين مشغولة بمبلغ الدين، وهذا كله واضح لا ينبغي الأشكال فيه.
وخصم الكمبيالة الذي نتحدث عنه هنا ونتعرض لحكمه، هو ما يدور بين حاملي الكمبيالات والبنوك أو المصارف أو الناس الآخرين، من تنزيل الكمبيالة عند البنك أو المصرف مثلا بأقل من المبلغ المذكور فيها ، قبل حلول الموعد المعين ، فاذا دفع البنك ذلك الى حامل الكمبيالة حولت الكمبيالة باسم البنك وأصبح هو الدائن ، فيتسلم المبلغ تاما من المدين بعد حلول الموعد .
والكمبيالات التي تتعارف بين الناس ويتداولون التنزيل فيها ، على نوعين :
1. كمبيالات تدل على دين حقيقي ثابت لحامل الورقة على موقعها.
2. وكمبيالات مجاملة تدل على معاملة صورية لا واقع لها، ولا دائن في الحقيقة ولا مدين، وانما كتبت لتنزل وتقضى بها حاجات مؤقتة بين حامل الورقة والمدين الصوري والطرف الثالث الذي يقضي حاجتهما ويستفيد من التنزيل.
المسألة 86 :-
يجوز خصم الكمبيالة التي تحتوي على دين حقيقي ثابت لحامل الورقة في ذمة المدين ( الموقع في الورقة ) ، اذا اجريت المعاملة بصورة البيع .
والصورة هي أن يبيع الدائن على البنك أو على التاجر المبلغ الذي يملكه في ذمة المدين قبل أن يحل موعد استحقاق المطالبة به بثمن أقل منه نقدا ، فاذا كان مبلغ الدين الذي تحتوي عليه الورقة مائة دينار مثلا ، وهو مؤجل الى سنة من تأريخها ، فيجوز للدائن ان يبيع هذا المبلغ على البنك مثلا بخمسة وتسعين دينارا يدفعها البنك الى الدائن نقدا ، فاذا جرى البيع بينهما كذلك كان المشتري وهو البنك مالكا للمبلغ المذكور في الورقة وهو المائة دينار بالثمن الذي نقده للدائن وهو الخمسة والتسعون دينارا ، فاذا حل موعد الاستحقاق اخذ المبلغ تاما من المدين.
وصحة هذه المعاملة تتوقف على أمرين تجب مراعاتهما:
الأول: ان يكون المبلغ الذي تحتوي عليه الورقة من الأوراق النقدية، فان المبلغ اذا كان من الذهب مثلا، كان من الموزون، فلا يصح بيعه اذا كان الثمن من جنسه مع التفاضل بين العوضين لأنه ربا.
واذا كان المبلغ من الفضة المسكوكة كانت المعاملة من الصرف، فلا تصح مع كون الثمن مؤجلا, فان بيع الصرف يشترط في صحته التقابض قبل التفرق، فيبطل بدون ذلك.
والشرط الثاني: ان يكون الثمن الذي يدفعه البنك الى الدائن نقدا، فإنه اذا كان مؤجلا كذلك بحسب الفرض بطل البيع، لأنه من بيع الدين بالدين.
المسألة 87: -
لايجوز خصم الكمبيالة اذا أجريت المعاملة بين الدائن والطرف الثالث بصورة القرض , فإذا كان للرجل دين على رجل آخر بمائة دينار الى مدة ستة اشهر , بموجب كمبيالة تثبت له ذلك , فلا يجوز للدائن ان يستقرض من البنك او من التاجر خمسة وتسعين دينار معجلة , ويحوله على الدين , ليستوفي منه المبلغ المذكور في الكمبيالة وهو المائة دينار عند حلول موعد الاستحقاق فإن ذلك من الربا المحرم .
المسألة 88:-
قد اوضحنا ان كمبيالات المجاملة لا تدل على دين حقيقي ثابت في ذمة موقع الكمبيالة لحاملها , وانما تحكي عن دين صوري , وقد كتبت كذلك لتنزل وتقضى بالمبلغ الذي يحصل من هذا التنزيل بعض الحاجات المؤقتة .
وخصم هذه الكمبيالة يمكن حصوله بأحد وجهين , وكلاهما بصورة البيع :
الأول:ان تجري المعاملة بين البنك وحامل الكمبيالة: (الدائن الصوري ) , فيبيع البنك عليه خمسة وتسعين دينارا يدفعها إليه نقداً , بمائة دينار مؤجلة الى مدة اشهر (المدة المعينة) في الكمبيالة , فإذا تم هذا البيع كانت الخمسة والتسعون دينارا ملكاً (للدائن الصوري) , وملك البنك في ذمته مائة دينار , ودفع الى البنك الكمبيالة ليستلم بموجبها المبلغ من (المدين الصوري )عند حلول موعد الاستحقاق , وكان ذلك حوالة من الدائن على المدين (الصوريين) , ويكون توقيع المدين , الموجود في الكمبيالة قبولاً منه لهذه الحوالة .
واذا اراد الدائن ان يملك المدين الملغ الذي اشتراه من البنك, باعه الخمسة والتسعين دينارا, بمائة دينار تبقى في ذمته ديناً الىموعد الاستحقاق, فيملك بذلك المبلغ الذي اشتراه, ويصبح مديناً حقيقياً بالمائة دينار بعد أن كان مدينا صوريا، وعليه أن يسلمها للبنك في موعد الاستحقاق بمقتضى التحويل.
ويجوز للدائن أن يدفع اليه الخمسة والتسعين دينارا بنحو القرض فيكون مدينا له بهذا المبلغ وحده ولا يجوز أن يأخذ منه الزيادة لانها من الربا ، فاذا حل موعد الاستحقاق وطلب البنك دينه أخذ من المدين خمسة وتسعين دينارا ، ووجب على الدائن أن يدفع الزيادة منه فيتم المبلغ مائة دينار ويدفع وفاء لمدين البنك .
المسألة 89 : -
الوجه الثاني لخصم هذه الكمبيالة أن تجري المعاملة بين البنك والمدين ، فيبيع عليه البنك خمسة وتسعين دينارا معجلة بمائة دينار مؤجلة الى موعد الاستحقاق في الكمبيالة كما تقدم مع الدائن ، وللدائن أن يتولى اجراء المعاملة مع البنك بالوكالة من المدين ، ويتم الخصم على نهج ما سبق .
واذا أراد المدين بعد ذلك أن يملك الدائن المبلغ ، باعه الخمسة والتسعين دينارا التي انتقلت اليه بالشراء من البنك ، بمائة دينار مؤجلة في ذمة الدائن الى الموعد المعين ، فيملك الدائن المبيع ويكون مدينا بمائة دينار ، ويجري فيه القول المتقدم في المسألة السابعة والثمانين .
واذا دفع اليه الخمسة والتسعين دينارا بنحو القرض كان الحكم فيه على نهج ما سبق أيضا في المسألة المتقدمة .
المسألة 90 : -
لا يجوز خصم هذه الكمبيالة اذا أجري بنحو القرض من البنك سواء أجري ذلك مع الدائن ام مع المدين ، بأن يقرض البنك أحدهما خمسة وتسعين دينارا ، ويأخذ منه الكمبيالة محولة باسم البنك ليستوفي بموجبها مائة دينار عند موعد الاستحقاق ، فان ذلك من الربا في القرض .
المسألة 91 : -
قد يكون للرجل دين حاضر على شخص آخر ، فيطلب المدين من الدائن أن يؤخره الى اجل ، ويدفع له بأزاء ذلك زيادة في المبلغ ، أو يطلب الدائن ذلك من المدين ، رغبة منه في الزيادة ، ومثال ذلك أن يكون الدين مائة دينار حاضرة ، فيطلب المدين أو الدائن : أن يؤجل الدين الى ستة أشهر ويكون الدين مائة وعشرة دنانير ، والحكم هو عدم الجواز في كلتا الصورتين .
وقد يكون الدين مائة دينار مثلا ، مؤجلة الى شهر ، فيطلب المدين من الدائن أن يزيده في الأجل ويزيده هو في المقدار ، فيكون الدين مائة وعشرة دنانير مثلا الى ستة اشهر ، أو يطلب الدائن ذلك من المدين رغبة في الزيادة ، والحكم ايضا هو عدم جواز ذلك في كلتا الصورتين .
وقد يكون الدين مائة دينار مثلا مؤجلة الى شهر ، فيطلب المدين من الدائن أن يؤجله في ثمانين دينارا من الدين الى ستة أشهر ويعجل له بازاء ذلك عشرين دينارا من الدين ، أو يطلب الدائن ذلك من المدين لحاجته الى النقد الحاضر ، والحكم هو عدم جواز ذلك في كلتا الصورتين أيضا .
المسألة 92 : -
قد يكون للرجل دين مؤجل على شخص الى مدة شهر أو أكثر ، ويطلب الدائن من المدين أن يعجل له وفاء الدين ، ويسقط هو للمدين بازاء ذلك مقدار من الدين بصلح أو ابراء ، أو يطلب المدين ذلك من الدائن ، والحكم هو جواز ذلك في كلتا الصورتين .
وقد يكون الدين مؤجلا ، وهو من الأوراق النقدية أو شبهها مما لا يكال ولا يوزن ، فيطلب الدائن من المدين أن يبيع عليه الدين بأقل منه حاضرا ، فيبيعه المائة دينار المؤجلة بثمانين دينارا حاضرة ، أو يطلب المدين ذلك من الدائن ، والحكم جواز ذلك في كلتا الصورتين .
المسألة 93 : -
اذا كان للرجل دين من الأوراق النقدية في ذمة رجل آخر ، فيجوز لهما اذا اتفقا ، أن يحولا المبلغ الذي في ذمة المدين الى عملة ورقية أخرى ، وأن لم يتقابضا ، فاذا قال الدائن للمدين حول ما أملكه في ذمتك من الف دينار كويتي الى الف دينار عراقي ، وقبل المدين ذلك صح وتحول الدين من عملة الى عملة حسب ما اتفقا عليه من المبلغ .
قد يتعهد أحد لجهة معينة، حكومية أو أهلية أن يقوم لها بانشاء مشروع معين، كبناء مدرسة أو مستشفى، أو دار حضانة، أو غير ذلك، وتوضع له المواصفات بين الطرفين، والتصاميم الهندسية، وتعين لانشائه مقادير المال، والاقساط التي تستوفى بها المبالغ، والآجال التي تدفع بها الأقساط والمدة التي ينجز بها المشروع، وغير ذلك من الملابسات، ويتم التعهد والالتزام بين المتعاقدين.
وتشترط الجهة على المتعهد ( المقاول) في عقد المعاملة: أن يقدم لها ضمانا ماليا، يعوضها عما أصابها من خسائر، اذا اتفق أن المتعهد ( المقاول ) نكل فلم يقم بما تعهد به، أو انسحب قبل أن يتم المشروع، او كان ما صدر منه مخالفا لما عليه في العقد بينهما، وتطلب منه كفيلا معتمدا يكفله بذلك.
والمتعارف في ذلك ان يرجع المتعهد الى البنك ليكفله بذلك للجهة المتعهد لها، فاذا كان المتعهد (المقاول ) موثوقا عند البنك أصدر البنك كتابا الى الجهة يتعهد فيه بانه كفيل للمتعهد وضامن للمبلغ الذي تطلبه الجهة منه اذا هو لم يقم بانجاز المشروع حسب ما اتفق عليه الطرفان.
ومن المتعارف كذلك ان البنك يأخذ من المتعهد مبلغا معينا من المال بازاء كفالته وتزويده بهذا المستند.
المسألة 94 : -
تصح هذه المعاملة بين الطرفين اذا أجريت بينهما بنحو عقد الاجارة أو الصلح، وذكرت في العقد البنود التي يتفقان عليها بينهما، وذكرت فيه الشروط التي تشترطها الجهة على المتعهد، أو يشترطها المتعهد ( المقاول ) على الجهة، ويجب على كل واحد منهما الوفاء بالعقد وبما التزم به لصاحبه من شرط وضمان. ويجب على المتعهد ( المقاول ) أن يتولى انشاء المشروع اما بالمباشرة بنفسه أو بتهيئة العمال الذين يباشرون العمل حسب ما يتفق عليه الطرفان.
ويجب عليه كذلك أن يقدم الضمانات التي اشترطتها الجهة المتعهد لها، والكفالة التي طلبتها، ويجب على الجهة المتعهد لها أن تفي له بكل ما التزمت به في العقد من بنود، ودفع مبالغ، وأقساط، ومواعيد والتزامات.
المسألة 95 : -
تصح كفالة البنك أو المصرف أو التاجر للمتعهد ( المقاول ) في ضماناته والتزاماته للجهة المتعهد لها حسب ما يتفق عليه الكفيل والمكفول ، وترضى به الجهة المكفول لها ، وتتأدى هذه الكفالة بالايجاب من الكفيل والقبول من الجهة المتعهد لها ولو بالكتابة ، ثم تزويد المكفول بمستند الكفالة الذي يصدره البنك الكفيل وتعتمد عليه الجهة المكفول لها .
المسألة 96 : -
يجوز للبنك أو الصراف أو التاجر اذا قام بكفالة المتعهد ( المقاول ) عند الجهة المتعهد لها: أن يأخذ من المتعهد المبلغ الذي اتفقا عليه من المال عوضا عما قام به من كفالة، أما بأن يجعله الطرفان أجرة للكفيل على العمل، واما بأن يكون جعالة له على قيامه به.
المسألة 97 : -
اذا لم يقم المتعهد بانجاز المشروع للجهة المتعهد لها حسب ما اتفقا عليه في المعاملة بينهما وجب عليه أن يدفع المبلغ الذي اشترط عليه في العقد ، واذا هو لم يف به رجعت الجهة المتعهد لها الى البنك ( الكفيل ) فأخذت منه ذلك وفاء بكفالته وضمانه ، فاذا دفعه البنك
( الكفيل ) الى الجهة المتعهد لها رجع به الكفيل الى المتعهد ( المقاول ) فأخذه منه ، فان تعهد البنك وكفالته انما كانا بطلبه فعليه ضمان المبلغ .
من المعروف أن الحكومات لا تسمح لأحد باستيراد أي بضاعة من الخارج الى البلاد، ولا لتصديرها من البلاد الى الخارج الا بتوسط البنك، وسبب ذلك ان الحكومات – محافظة على اقتصاد البلاد – لا تسمح بتحويل المال الى الخارج الا باذنها وتحت اشرافها ، ومن البيَن ان الاستيراد لا يكون الا بتحويل الثمن الى الجهة المصدرة وكذلك التصدير ، فان المصدر لا يمكنه ان يستلم ثمن البضاعة من التاجر الذي يشتريها الا من طريق البنك .
ولذلك فلابد لأي تاجر أو جهة تريد استيراد بضاعة من أن تطلب من البنك أن يفتح لها اعتمادا مستنديا لذلك ، وكذلك الشركة أو التاجر الذي يريد التصدير .
فالتاجر الذي يريد استيراد البضاعة، عليه أن يتفق أولا مع الشركة المصدرة لتلك البضاعة أو وكيلها، فيعينان نوع البضاعة التي يطلبها التاجر، وأوصافها، والشروط التي يشترطها التاجر أو تشترطها الشركة، والمقادير المطلوبة، والأسعار المحددة، فاذا تم الاتفاق بينهما وتبادلا ارسال القوائم: رجع التاجر المستورد الى البنك، فأطلعه على الاتفاق وطلب منه فتح الاعتماد، ودفع اليه بعضا من ثمن البضاعة، فيبتدئ بعد ذلك دور البنك في العمل فيتصل بالشركة المصدرة، ويدفع لها ثمن البضاعة كاملا، وتسجل البضاعة باسم البنك وتشحن ويتم تصديرها والتأمين عليها وارسالها .
فاذا وصلت البضاعة المرسلة، وعلم البنك بوصولها أعلم التاجر المستورد بذلك، فاذا حضر هو أو وكيله سلم اليه البنك مستندات البضاعة، ودفع الى البنك ما بقي عليه من الثمن، وهو القسم الذي دفعه البنك من ماله الى الشركة، ثم حول البنك البضاعة من اسمه الى اسم التاجر ، وأخذ منه مبلغا معينا بازاء خدماته وأعماله التي قام بها للمستورد ، وأخذ منه فائدة لبقية الثمن التي دفعها البنك من ماله الى الشركة ، من يوم تسليمه المبلغ الى الشركة الى يوم قبضه من التاجر .
المسألة 98 : -
يصح أن تجرى هذه المعاملة بين التاجر المستورد والبنك، بنحو عقد الاجارة فيستاجر التاجر البنك ليقوم له بالأعمال المتقدم ذكرها حتى تصل اليه البضاعة وتسجل باسمه ويجعل المبلغ المعين الذي يطلبه البنك أجرة له على ذلك.
وأما الفائدة التي يأخذها البنك لبقية الثمن التي دفعها من ماله للشركة، فالظاهر أنها ليست من الربا المحرم فيجوز للتاجر دفعها ويحل للبنك أخذها، فان البنك لا يقرض المال المذكور للتاجر المستورد وانما يدفعه الى الشركة من ماله بأمر التاجر حين طلب منه فتح الاعتماد، فيجب على التاجر ان يدفع للبنك عوض ذلك المال، لانه السبب في نقله الى ملك الشركة، فاذا طلب البنك على هذا المال فائدة فهي ليست فائدة على قرض فلا تكون محرمة.
المسألة 99 : -
ويصح أن تجري المعاملة المذكورة بين التاجر المستورد والبنك بنحو عقد الجعالة ، فيجعل التاجر المبلغ المعين الذي يطلبه البنك منه جعالة للبنك اذا قام له بالعمل حتى أتمه وأكمل الاستيراد ، وقد تقدم حكم الفائدة .
المسألة 100 : -
ويصح أن تجرى المعاملة بينهما بصورة عقد البيع، فيحضر البنك المقدار الذي يحتاج اليه في ثمن البضاعة من عملة بلد التصدير، فيبيع ذلك على التاجر المستورد بما يعادله من عملة بلد الاستيراد ويضيف اليه المبلغ الذي يطلبه البنك من المستورد بازاء أعماله وخدماته، ويضيف اليه كذلك الفائدة التي يطلبها لبقية الثمن التي تبقى في ذمة المستورد الى وقت التسليم، فيكون جميع ذلك ثمنا للمبيع ، فاذا تم البيع كذلك ، وأصبحت العملة المبيعة ملكا للمستورد أخذها البنك ليدفعها الى الشركة المصدرة ثمنا للبضاعة وملك البنك في ذمة المستورد جميع ثمن هذا المبيع ، وملك في ضمنه المبلغ الذي يطلبه من المستورد وملك معه الفائدة فانهما جزء من ثمن هذه الصفقة ، وعلى المستورد أن يدفع ذلك كله للبنك عند وصول البضاعة وتسجيلها باسمه .
المسألة 101 : -
لا تصح هذه المعاملة اذا أجريت بين البنك والمستورد بنحو القرض، وصورة ذلك ان يقرض البنك التاجر المستورد بقية الثمن بشرط الفائدة ثم يقبضه هو بالوكالة عنه ليدفعه الى الشركة ثمناً للبضاعة حين تصديرها , فإن ذلك يكون من الربا المحرم , ولذلك فلا تصح المعاملة ولا يجوز للبنك أخذ العمولة عليها .
المسألة 102 :-
الاعتماد في التصدير كالاعتماد في الاستيراد, فكلاهما توسيط للبنك في اتمام العملية, فيتعهد البنك بموجب الاعتماد بقبض البضاعة وايصالها وتأدية ثمنها وما يرتبط بذلك وما يتوقف عليه من اعمال , فيصح بأحد الوجوه المتقدم ذكرها وتلحقه احكامها .
المسألة 103 :-
قد لايكون للشركة أوالجهة المصدرة وكيل أوفرع في بلد الاستيراد, ليتفق معه المستورد على البضاعة التي يريدها, فيطلب المصدر أو المستورد وساطة البنك, فيرسل المصدر الى بنك ذلك البلد قوائم البضاعة الموجودة لديه والمشتملة على أوصافها وكمياتها وأسعارها, ويطلب منه عرضها على المستوردين هناك, فإذا عرضها البنك وقبلها المستورد تفاهم مع المصدر بالمخابرة أوالمراسلة أو بواسطة البنك, فإذا حصل الاتفاق بينهما فتح الاعتماد. ولاريب في ان البنك يستحق على المصدر بعمله هذا عمولة معينة غير ما يستحقه بفتح الاعتماد.
وكذلك الشأن في المستورد فإنه قد يرسل الى البنك قوائم البضاعة التي يرغب فيها ويذكر أوصافها وكمياتها ويطلب منه ان يعرضها على الشركة المصدرة, فإذا عرضها البنك ورغب المصدر اتصل بالمستورد وبدأ التفاهم بينهما, واستحق البنك بذلك من المستورد العمولة المعينة.
المسألة 104 :-
اذا وصلت البضاعة الى الميناء وأعلم البنك بذلك, أخبر المستورد بوصولها, ليحضر هو أو وكيله فيسلمه البنك مستندات البضاعة, ويدفع هو للبنك بقيمة الثمن وتسجيل البضاعة بإسمه ويسلمها له ويعين لذلك موعدا, فإذا لم يحضر المستورد في الموعد أو وكيله ولم يتسلم البضاعة قام البنك بخزن البضاعة وحفظها على حساب المستورد الى أن يستلمها, وعليه أن يدفع الى البنك أجرة معينة لقيامه بذلك, وليس له الامتناع من ذلك, فإنه أحد شروط البنك على المستورد في فتح الاعتماد, وكذلك الحكم على الجهة المصدرة اذا اتفق لها نظير ذلك فخزن البنك البضائع على حسابها, فعليها ان تدفع له الأجرة لقيامه بخزن البضائع وحفظها وفاء بالشرط.
المسألة 105 : -
اذا تخلف مالك البضاعة: ( المستورد أو المصدر ) عن استلامها ودفع المبالغ المستحقة للبنك عليه، فان البنك يحدد له موعدا، وينذره بأنه اذا لم يتسلم البضاعة في الموعد المعين، ولم يدفع للبنك ديونه المستحقه عليه، فان البنك يتولى بيع البضاعة ويستوفي ديونه من أثمانها.
والظاهر جواز ذلك للبنك، فانه أحد الشروط التي يأخذها البنك على التاجر في العقد الصادر بينهما في فتح الاعتماد، فيكون البنك وكيلا عنه بموجب هذا الشرط في بيع البضاعة وقبض ثمنها ويصح هذا البيع ويملكها المشتري.
المسألة 106 : -
ما ذكرنا من أحكام المعاملة مع البنك انما تجري في البنوك الأهلية، واما البنوك الحكومية والمشتركة، فتتوقف صحة المعاملة على اجازة الحاكم الشرعي كما ذكرناه سابقا في المسالة الرابعة والستين وما بعدها.
المسألة 107 : -
قد يعزم الانسان على السفر الى بلد معين أو الى عدة بلاد، وهو يحتاج في سفره الى مقادير من المال، ويخشى على المال اذا صحبه معه من التلف أو الضياع، فيرجع في ذلك الى البنك ويدفع له مبلغا من المال، فيزوده بكتاب الى بنك معين أو الى بنوك عالمية أن يسددوا له حاجته من المال، بمقادير لا تتجاوز حدا يعينه لهم في الكتاب، ويسمى هذا الكتاب في عرف البنوك خطاب الاعتماد، ويأخذ البنك من ذلك الشخص عمولة معينة بازاء تزويده بهذا الخطاب. والظاهر صحة هذه المعاملة، فان الشخص قد اقرض البنك بحسب المفروض قرضا لا زيادة عليه، والعمولة التي تؤخذ منه انما هي فائدة ترجع الى البنك وهو المدين، فلا يشملها دليل التحريم كما سبق بيانه.
المسألة 108 : -
لا يجوز للانسان الدخول في العمل للبنك اذا كان العمل هو اجراء المعاملات الربويه، أو ضبطها وتدوينها، أو التسهيل لها، أو كان من الأعمال المحرمة الأخرى، كشراء البضائع المحرمة وبيعها، وغير ذلك مما هو محرم في شريعة الاسلام ، ولا يجوز له أخذ الأجرة على هذه الاعمال .
ويجوز له الدخول في أعمال البنك غير المحرمة، كما يجوز له أخذ الأجرة عليها، فاذا كان من البنوك الأهلية أو بنوك غير المسلمين أخذ الأجرة من البنك، واذا كان من البنوك الحكومية أو المشتركة احتاج في قبض الأجرة منه وفي صحة التصرف فيها الى اذن الحاكم الشرعي.
المسألة 109 : -
لا يجوز للانسان الدخول في العمل اذا كان بعضه مباحا وبعضه محرما، وكان البعض المحرم جزءا ملحوظا من وظيفته التي يستحق بها الأجرة من البنك، واذا لم يكن العمل المحرم جزءا ملحوظا في الوظيفة لم يحرم عليه الدخول فيها، وحرم عليه ذلك العمل نفسه.
المسألة 110 : -
اذا كان عمله في المعاملات الربوية وكانت مهمته هي توجيه هذه المعاملات واجراؤها على الوجوه الصحيحة في الاسلام، بحيث لا يجري مع العميل معاملة محرمة، لم يكن في دخوله بأس، بل كان مثابا ومأجورا على ذلك ان شاء الله تعالى.
المسألة 111 : -
تصح الصلاة في الطائرة اذا تمكن المكلف فيها من تعيين القبلة، واستطاع أن يأتي بالصلاة تامة بواجباتها وشرائطها، وتجزيه، فلا تجب عليه اعادتها اذا نزل من الطائرة وان كان الوقت باقيا. واذا لم يستطع الاتيان بالصلاة التامة، وكان في سعة من الوقت بحيث يمكنه أن يأتي بالصلاة التامة بعد نزوله من الطائرة قبل أن يخرج الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة ولم يجز له الاتيان بها في الطائرة في أول الوقت، ولم تجزه اذا صلاها كذلك، سواء كان الخلل في صلاته لعدم تعيين القبلة أم لعدم امكان الاستقبال أم لفقد بعض الشرائط أو الواجبات الاخرى ، ولو لعدم الاستقرار او الاستقلاال في القيام أو في الركوع أو السجود ونحو ذلك .
المسألة 112 : -
اذا ضاق على المكلف وقت الصلاة وهو في الطائرة وجب عليه أن يأتي بالصلاة بما يمكنه منها، فاذا عين القبلة في جهة وجبت عليه الصلاة الى تلك الجهة، واذا لم يحصل له ذلك اعتمد على الامارات والعلامات التي توجب الظن، فاذا ظن في جهة انها القبلة صلى اليها واذا لم يمكنه ذلك صلى الى أربع جهات على الأحوط ، واذا ضاق الوقت الا عن صلاة واحدة صلاها الى أي جهة شاء ، واذا لم يمكنه الصلاة مستقرا أو مستقلا في قيامه أو في ركوعه أو سجوده لاضطراب الطائرة ، صلى معتمدا على شيء أو بما يمكنه كما يفعل المعذور في غير الطائرة .
المسألة 113 : -
اذا كان المكلف في سعة من الوقت، ولكنه علم أنه لا ينزل من الطائرة ولا يتمكن من الصلاة التامة قبل أن يخرج الوقت، جاز له أن يأتي بالصلاة في الطائرة في أول وقتها بما يستطيع من صلاة المعذور, فاذا استمر به العذر حتى خرج وقت الصلاة أجزأته صلاته التي اتى بها، واذا اتفق انه نزل من الطائرة قبل أن يخرج الوقت وتمكن من الاتيان بالصلاة التامة وجبت عليه اعادة الصلاة.
المسألة 114: -
إذا دخل وقت الصلاة على المكلف، وتمكن من الإتيان بالصلاة تامة الأجزاء والشرائط، فأخر صلاته متعمدا حتى دخل الطائرة، فاضطر إلى أن يأتي فيها بصلاة المعذور أتى بالصلاة كذلك، ولا يترك الاحتياط بقضاء هذه الصلاة بعد نزوله من الطائرة، وخصوصا إذا كان يعلم من أول الأمر انه لا يتمكن في الطائرة إلا من صلاة المعذور، وان كان الظاهر صحة صلاته.
والحمد لله حق حمده في المبدأ والختام وصلواته الدائمة على سيد رسله وآله أجمعين.
محمد أمين
طبع في شهر رجب 1407 ه.
الموافق شهر مارس 1987 م.