كتاب الظهار وتوابعه


[ كتاب الظهار وتوابعه ] وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول : في الظهار

الفصل الثاني : في الايلاء

الفصل الثالث : في اللعان


[ الفصل الاول ] [ في الظهار ]

[ المسألة الاولى: ] الظهار هو أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، ويقصد بقوله انشاء تحريم زوجته على نفسه كما تحرم عليه أمه، وقد كان في الجاهلية احدى الصيغ المعروفة بينهم لتحريم الزوجة، فإذا قال الرجل لزوجته هذا القول حرمت عليه في عرفهم تحريما مؤبدا، وقد حرم الله سبحانه هذا القول في الاسلام، فلا يجوز للرجل أن يقوله بقصد تحريم الزوجة، وجعل له أحكاما تخصه، وسنتعرض لذكرها في هذا الفصل ان شاء الله تعالى. ولا يختص الظهار بالقول المذكور، فمنه أن يسمي المرأة فيقول: هند مثلا علي كظهر أمي، أو يشير إليها فيقول: هذه أو هي علي كظهر أمي، أو يقول: هي مني، أو هي عندي، أو هي لدي، أو هي كظهر أمي إذا قصد بالقول ذلك.

[ المسألة الثانية: ] إذا شبه الرجل زوجته بغير الظهر من أجزاء أمه، فقال: هي علي كبطن أمي أو كفخذها أو كرجلها أو أي جزء من أجزاء بدنها، وقصد بذلك تحريم الزوجة على نفسه كما يحرم عليه ذلك الجزء من أمه، كان ذلك من الظهار وشملته الاحكام الآتية، وكذلك على الاحوط إذا قال لها: أنت كأمي، أن أنت أمي بقصد انشاء التحريم، بل لا يخلو من قوة، ولا يقع الظهار بهذا القول إذا قصد بقوله: أنت أمي أو كأمي، أنها بمنزلة أمه في المنزلة عنده، أو أنها كأمه في السن، أو شك في المقصود من قوله.

[ المسألة الثالثة: ] إذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أختي أو كظهر عمتي أو خالتي، ونحوهن من المحرمات عليه في النسب، كان ذلك من الظهار وثبتت له أحكامه على الاقوى، وكذلك على الاحوط لزوما إذا شبه الزوجة بأحد أجزائهن غير الظهر وقصد به انشاء تحريمها على نفسه، فلا يترك الاحتياط بترتيب أحكام الظهار عليه، ولعل الاقرب الحاق محرمات المصاهرة بالمحرمات من النسب في الحكم المذكور، فإذا قال: هي علي كظهر زوجة أبي، أو كظهر أم زوجتي، أو كظهر فلانة ويعني زوجة ولده كان ذلك من الظهار، وإذا شبه الزوجة ببعض اجزائهن غير الظهر وقصد به انشاء التحريم فلا يترك الاحتياط باجراء أحكامه.

[ المسألة الرابعة: ] لا يتحقق الظهار إذا شبهت الزوجة زوجها مثل هذا التشبيه، فقالت له: أنت علي كظهر أبي أو كظهر أخي أو كظهر ولدي ولا يكون له أثر، وان قصدت بذلك انشاء تحريم الرجل على نفسها.

[ المسألة الخامسة: ] يشترط في وقوع الظهار أن يكون الزوج المظاهر بالغا، فلا تقع مظاهرته إذا كان صبيا، وأن يكون عاقلا فلا أثر لقوله إذا كان مجنونا، وان يكون مختارا وقاصدا، فلا يقع الظهار بقوله إذا كان مكرها أو كان غافلا أو هازلا أو سكران، أو غاضبا غضبا يسلب منه القصد، وإذا ظاهر من زوجته وهو غاضب غضبا لا يسلب منه القصد أشكل الحكم فيه ولا يترك الاحتياط.

[ المسألة السادسة: ] يشترط في تحقق الظهار أن تكون المرأة في حال المظاهرة منها طاهرة من الحيض والنفاس وأن تكون في طهر لم يواقعها الرجل فيه على التفاصيل التي ذكرناها في الفصل الاول من كتاب الطلاق، فلا يقع الظهار إذا كانت المرأة في حال ايقاعه حائضا أو نفساء أو كانت في طهر المواقعة، وكان الرجل حاضرا أو غائبا يمكنه استعلام حالها من الحيض والطهر ولا يشترط ذلك إذا كان الزوج لا يمكنه معرفة حالها كما هو الحكم في الطلاق أو كانت المرأة يائسة أو مسترابة بعد تربص ثلاثة أشهر وقد تقدم بيان ذلك، ويشترط فيه أن يكون الرجل قد دخل بالمرأة، فلا يصح الظهار من المرأة غير الدخول بها ويكفي فيه الدخول دبرا.



[ المسألة السابعة: ] لا يختص الظهار بالمرأة بالعقد الدائم، بل يقع كذلك في المرأة المتمتع بها إذا ظاهر منها زوجها على الاقوى وتجري عليه أحكام الظهار.

[ المسألة الثامنة: ] لا يقع الظهار في يمين، ومعنى ذلك ان ينشئ الرجل الظهار من زوجته ليجعل ذلك ملزما له بفعل شئ أو بتركه، فيقول: زوجتي فلانة علي كظهر أمي ان أنا تركت زيارة أخي في كل جمعة، أو يقول زوجتي علي كظهر أمي ان انا دخلت دار زيد الفاسق بعد اليوم.

[ المسألة التاسعة: ] يقع الظهار بالامة الموطوءة بملك اليمين كما يقع بالزوجة الحرة، فإذا قال السيد لجاريته: أنت علي كظهر أمي وتمت الشروط المعتبرة كان ذلك ظهارا وتعلقت به أحكامه على الاقوى.

[ المسألة العاشرة: ] يشترط في تحقق الظهار أن يوقعه الرجل بحضور شاهدين عادلين يسمعان قوله، فلا اعتبار به إذا أوقعه بغير اشهاد أو كان الشاهدان غير عادلين.

[ المسألة 11: ] ليس من الظهار أن يقول الزوج لامرأته: أنت علي كظهر أبي أو كظهر أخي أو أحد من أرحامه الذكور، وان قصد به تحريم المرأة على نفسه، فيكون قوله لغوا ولا تتعلق به كفارة ولا يجري عليه حكم من أحكام الظهار.

[ المسألة 12: ] إذا ظاهر الرجل من امرأته على الوجه الذي بيناه، واجتمعت في ظهاره جميع الشروط والقيود التي ذكرناها، حرم على الرجل أن يطأ المرأة التي ظاهر منها، وان لم تخرج بذلك عن زوجيته، ولا يحل له وطؤها حتى يأتي بكفارة الظهار قبل الوطء، فإذا هو أراد العود إلى وطء زوجته بعد المظاهرة منها وجب عليه أن يأتي بالكفارة قبل أن يتماسا، وإذا أتى بالكفارة انحل ظهاره وحل له وطء المرأة ما أراد ولم تجب عليه كفارة أخرى بفعله وإذا وطأ المرأة قبل أن يكفر لارادة عوده وحل ظهاره، وجبت عليه كفارة بوطئه للمرأة، ووجبت عليه كفارة أخرى لعوده ولحل ظهاره، وإذا وطأها أكثر من مرة قبل التكفير للعود وجبت عليه الكفارة لكل وطء ووجبت عليه كفارة لعوده، ولم تتداخل الكفارات.

[ المسألة 13: ] إذا ظاهر الرجل من امرأته حرم عليه وطؤها على الوجه الذي ذكرناه، ولم تحرم عليه بقية الاستمتاعات الاخرى بالمرأة من الضم والمس والتقبيل ونحوها على الاقرب.

[ المسألة 14: ] إذا ظاهر الرجل من امرأته حرم عليه وطؤها قبل أن يكفر، وإذا وطأها كذلك وجبت عليه كفارة أخرى بالوطء كما ذكرنا في المسألة الثانية عشرة، وانما تلزمه الكفارة بالوطء إذا كان عامدا بفعله، ولا تجب عليه إذا كان جاهلا أو ناسيا حين الفعل.

[ المسألة 15: ] إذا ظاهر الرجل من زوجته ثم طلقها بعد الظهار طلاقا رجعيا، فهي لا تزال بحكم الزوجة ما دامت في العدة، وحكم الظهار منها لا يزال باقيا، فإذا رجع بها في العدة لم يحل له وطؤها حتى يكفر من ظهاره، وإذا انقضت العدة ثم تزوجها بعد العدة بعقد جديد سقط حكم الظهار وجاز له وطء المرأة ولم يجب عليه التكفير إذا وطأها، وكذلك إذا طلقها طلاقا بائنا وتزوجها بعده بعقد مستأنف بعد العدة أو في أثنائها، فيسقط حكم الظهار لتبدل النكاح، ومثله ما إذا ظاهر من زوجته المتمتع بها ثم انقضت مدة العقد أو وهبها المدة، وتزوجها بعقد جديد دواما أو متعة، سقط حكم الظهار ولم تجب عليه الكفارة إذا وطأ المرأة.

[ المسألة 16: ] إذا ظاهر الرجل من امرأته ثم أراد العود إلى جماعها لم يستقر عليه وجوب الكفارة حتى يعود بالفعل فيجامعها بعد التكفير أو قبله، وإذا جامعها قبل التكفير لزمته كفارتان كما قلنا في المسألة الثانية عشرة. ونتيجة لذلك فإذا ظهرت وأراد العود إلى مواقعة المرأة، ولم يعد بالفعل ثم طلقها حتى انقضت عدتها أو طلقها طلاقا بائنا، سقط حكم الظهار ولم تجب عليه الكفارة بارادة العود السابقة، وكذلك إذا أراد العود إليها ولم يعد بالفعل ثم مات أحد الزوجين، فلا كفارة على الزوج بارادته المتقدمة.

[ المسألة 17: ] إذا ظاهر الرجل من أكثر من امرأة واحدة بلفظ واحد، وقع الظهار منه على كل واحدة من النساء المقصودات بالايقاع، ولزم الزوج حكم الظهار المستقل فيها، ومثال ذلك: أن تكون له عدة زوجات فيقول لاثنتين منهن معينتين: أنتما علي كظهر أمي، أو يقول: فلانة وفلانة علي كظهر أمي، أو يقول مثل ذلك لاكثر من اثنتين مع التعيين أو للجميع، فيصح الظهار من المعينات مع اجتماع الشرائط، وتجب عليه الكفارة إذا أراد العود في كل واحدة منهن، وله أن يفرق بينهن فيكفر ويعود في بعضهن، ويطلق بعضهن، وكذلك إذا ظاهر منهن على التفريق.

[ المسألة 18: ] إذا ظاهر الرجل من زوجة واحدة مرتين أو مرارا متعددة، وقع الظهار منها في كل مرة مع وجود الشروط، ووجبت عليه الكفارة بعدد المرات، سواء تباعدت فترات الزمان التي أوقع فيها المظاهرات أم تقاربت، الا أن يعلم أو تدل القرائن على أن اللاحق من المظاهرات انما هو اعادة للظهار السابق للتأكيد، لا لانشاء ظهار جديد فيكون الاثر



للاول، ولا تتعدد الكفارة، ويشكل الحكم في ما إذا شك في أن الظهار اللاحق مؤكد للاول أو هو ظهار جديد، ولا يترك الاحتياط في هذه الصورة.

[ المسألة 19: ] الكفارة التي تجب على الرجل إذا ظاهر من زوجته ثم أراد العود الى وطئها ومخالفة ظهاره، أو جامعها قبل أن يكفر عن الظهار على ما ذكرناه في المسألة الثانية عشرة، هي: أن يعتق رقبة مؤمنة، ويتعين عليه ذلك مع القدرة، فإذا عجز عن عتق الرقبة ولم يقدر عليه، وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، ويتعين عليه ذلك أيضا، فإذا عجز عن الصيام ولم يمكنه، وجب عليه أن يطعم ستين مسكينا، وإذا تعين عليه اطعام المساكين وأراد الدفع إليهم دفع لكل مسكين منهم مدين من الطعام على الاحوط لزوما.

[ المسألة 20: ] يرجع إلى ما ذكرناه مفصلا في كتاب الكفارات في بيان ما يتحقق به العجز عن عتق الرقبة، وما يحصل به العجز عن صيام الشهرين المتتابعين، وما يعتبر في اطعام المساكين في اشباعهم أو دفع الامداد إليهم، وما يتعلق بالكفارة وبخصالها عند القدرة وعند العجز من أحكام، وغير ذلك مما يتعلق بكفارة الظهار، فذكرها هناك يغني عن الاعادة هنا.

[ المسألة 21: ] إذا ظاهر الرجل من زوجته حرم عليه وطؤها حتى يأتي بالكفارة عن ظهاره وقد ذكرنا هذا أكثر من مرة، ولا يكفي في اباحة الوطء له أن يشرع بمقدمات التكفير، أو يأتي ببعض الكفارة قبل أن يتمها، فإذا اشترى الرقبة المؤمنة ليعتقها، أو وكل غيره في شرائها أو في عتقها عنه لم يجز له أن يجامع الزوجة قبل ان يجري صيغة العتق على الرقبة بالفعل، وإذا ابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين للكفارة أو صام منها أياما، لم يجز له أن يطأ المرأة قبل ان يتم الصيام كله، وإذا وطأها في أثناء الصوم وجبت عليه كفارتان، احداهما للوطء قبل التكفير، والثانية لارادة العود، ولا يكفيه على الاحوط ان لم يكن على الاقوى أن يتم صومه السابق عن احدى الكفارتين، وان صام الشهر الاول وابتدأ بالشهر الثاني، أو كان الوطء ليلا لا نهارا، وكذلك إذا كان فرض الرجل أن يطعم ستين مسكينا لعجزه عن الصيام، فأطعم بعض المساكين ووطأ المرأة المظاهر منها قبل أن يتم اطعام بقية العدد، فتجب عليه الكفارتان، ويلزمه أن يستأنف الكفارة التي حصل الوطء في أثنائها على الاحوط ان لم يكن الاستيئناف هو الاقوى.

[ المسألة 22: ] تقدم في المسألة الثامنة عشرة من كتاب النكاح انه لا يجوز للرجل أن يترك جماع زوجته أكثر من أربعة أشهر، وان ذلك حق من حقوقها الواجبة لها شرعا، ونتيجة لذلك: فإذا ظاهر الرجل من الزوجة وترك وطأها أربعة أشهر أو أكثر، ولم يكفر عن ظهاره ولم يطلقها، جاز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي فيحضره ويخيره بين ان يكفر عن ظهاره ويفي بما يجب عليه لزوجته، وأن يطلقها، فإذا امتنع ضيق عليه حتى يختار أحد الامرين، ولا يجبره على أحدهما.

[ المسألة 23: ] أفتى جماعة من العلماء (قدس الله أرواحهم) بأن الرجل إذا ظاهر من زوجته جاز لها أن ترفع الامر إلى الحاكم الشرعي فيحضره ويخيره بين أن يكفر ويرجع إلى زوجته، وأن يطلقها ويؤجله ثلاثة أشهر للنظر في أمره، فإذا انقضت المدة ولم يختر أحد الامرين حبسه وضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يختار أحدهما ولا يجبره على شئ منهما، وادعى بعضهم الاجماع على ذلك، وظاهرهم ثبوت هذا الحكم وان لم تنقض على المرأة مدة بعد المظاهرة منها، وقد وردت في المسألة رواية موثقة وهي غير وافية الدلالة على جميع ما ذكروه، فليس فيها حبس ولا تضييق، وفيها أن يوقف بعد ثلاثة أشهر ويسأل ألك حاجة في امرأتك أو تطلقها، والحكم من أجل ذلك مشكل.



[ الفصل الثاني ] [ في الايلاء ]

[ المسألة 24: ] الايلاء من الزوجة هو أن يحلف الرجل أن لا يطأ زوجته أبدا، أو يحلف أن لا يطأها مدة تزيد على أربعة أشهر، وهو يريد بذلك اغضاب المرأة أو الاضرار بها، فالايلاء يمين خاص يختلف عن سائر الايمان في القيود والشروط المعتبرة فيه، وفي بعض الاحكام التي تجري عليه وسنوضح ذلك في ما يأتي ان شاء الله تعالى.

[ المسألة 25: ] يختص الايلاء بالزوجة المعقودة بالعقد الدائم، فلا يجري في الزوجة المعقودة بالعقد المنقطع ولا يجري في الامة الموطوءة بملك اليمين أو بالتحليل، ويختص بالمرأة المدخول بها، فلا يجري في الزوجة الدائمة إذا لم يدخل بها الزوج، ولا يكون من الايلاء إذا حلف الرجل ان لا يطأ الزوجة مدة أربعة أشهر فقط أو أقل منها كالشهر والشهرين والثلاثة، ولا يكون من الايلاء إذا حلف على ترك وطء الزوجة لبعض مصالح تعود إليها، كما إذا كانت مريضة يضر بها الوطء أو كانت مرضعة يؤثر الوطء على صحتها أو على لبنها، أو كان الزوج والزوجة يرغبان في ترك الوطء لغاية معينة من تحديد النسل وشبه ذلك.

[ المسألة 26: ] إذا حلف الرجل أن لا يطأ المرأة في الفروض التي ذكرناها في المسألة المتقدمة وكانت شروط انعقاد اليمين موجودة من رجحان متعلق اليمين لمصلحة دينية أو دنيوية تترتب عليه، وغيره من الامور التي ذكرناها في الفصل الاول من كتاب الايمان، انعقد حلف الرجل ولزمه الوفاء به، وحرم عليه الحنث بيمينه ووجبت عليه الكفارة إذا خالف، وإذا لم تتوفر الشروط كان الحلف باطلا.

[ المسألة 27: ] ينعقد الايلاء بالحلف باسم الله العلم المختص به سبحانه، وبالذات



المقدسة، كما إذا ذكر الاوصاف أو الافعال التي لا يشاركه فيها غيره، فقال: والذي نفسي بيده، أو والذي بيده مقاليد الاشياء، أو والذي لا تأخذه سنة ولا نوم، أو وفالق الاصباح، وينعقد بالحلف بالاسماء التي لا تطلق على غيره، كالرحمن والاول ليس قبله شئ، وتراجع المسألة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة من كتاب الايمان.

[ المسألة 28: ] يكفي في تحقق الايلاء أن يأتي باللفظ الدال عرفا على ترك العمل الخاص بين الرجل والمرأة، وان لم يكن صريحا في ذلك، فإذا قال: والله لا جامعت فلانة، أو لا مسستها، أو لا وطأتها، كفى ذلك في تحقق الايلاء، ويصح ذلك وان لم يكن النطق باللغة العربية.

[ المسألة 29: ] يعتبر في الرجل المولي أن يكون بالغا وعاقلا ومختارا وقاصدا، فلا ينعقد الايلاء من غير البالغ ولا من غير العاقل، ولا من المكره غير المختار، ولا من الهازل أو الساهي أو السكران غير القاصد.

[ المسألة 30: ] إذا انعقد ايلاء الرجل من زوجته وامتنع بسبب ذلك عن وطئها، جاز للمرأة أن تصبر على ذلك وتنتظر، ولا تطالب الرجل بشئ، وجاز لها أن تطالبه فترفع الامر إلى الحاكم الشرعي، فيحضر الرجل وينظره أربعة أشهر من حين رفع الشكوى إليه، ليختار في هذه المدة أما التكفير عن ايلائه والرجوع إلى زوجته، وأما الطلاق فإذا انقضت مدة التربص ولم يختر شيئا، أجبره الحاكم الشرعي على اختيار احدهما، وإذا امتنع حبسه وضيق عليه في المطعم والمشرب ليكفر ويفئ إلى زوجته، أو يطلقها، أو يسجن أبدا، ولا يجبر على أحدهما معينا.

[ المسألة 31: ] إذا طلق الرجل زوجته بعد الايلاء منها، فان كان الطلاق بائنا سقط حكم الايلاء كله، فليس للمرأة مطالبة الرجل بالوطء ولا المرافعة معه إلى الحاكم الشرعي بعد ان أصبح أجنبيا عنها، وإذا تزوجها بعقد جديد في العدة أو بعدها، جاز له وطؤها ولم يجب عليه التكفير.

وإذا طلقها طلاقا رجعيا سقط حكم الايلاء في الجملة، ولم يسقط كله، فليس للمرأة أن تطالبه بالوطء أو ترافعه إلى الحاكم الشرعي بعد الطلاق إذا هو لم يرجع بها في العدة، ولا تزول أحكام الايلاء كلها حتى تنقضي العدة، فإذا رجع بها في أثناء العدة لم يجز له وطؤها حتى يكفر، وجاز للمرأة أن تطالبه بالوطء وان ترافعه إلى الحاكم الشرعي، وإذا لم يرجع بها حتى انقضت العدة ثم تزوجها بعقد مستأنف سقطت جميع أحكام الايلاء.

[ المسألة 32: ] إذا وطأ الرجل زوجته بعد الايلاء منها، وجبت عليه الكفارة لحنثه باليمين، سواء كان الوطء قبل مده التربص أم في أثنائها أم بعدها، وسواء كان بعد مطالبة المرأة به وأمر الحاكم الشرعي به على التخيير أم قبل ذلك.

[ المسألة 33: ] كفارة الوطء بعد الايلاء من الزوجة هي كفارة مخالفة اليمين، وهي اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو عتق رقبة مؤمنة، مخيرا بين هذه الخصال الثلاث، فان لم يجد واحدة منها صام ثلاثة أيام متتابعة.

[ المسألة 34: ] يفترق الايلاء عن سائر الايمان بالقيود التي تعتبر فيه دونها، وقد ذكرنا هذه القيود في أول هذا الفصل، وبأنه لا يشترط فيه أن يكون متعلق الحلف راجحا لامر ديني أو دنيوي، أو مباحا متساوي الطرفين كما في الايمان الاخرى، ولذلك فالايلاء ينعقد مع تعلقه بترك وطء الزوجة لاغضابها والاضرار بها، ولا ريب في مرجوحيته، ويفترق عنها بأن مخالفة اليمين فيها محرمة، والحنث بالايلاء جائز، ويكون واجبا إذا انقضت مدة التربص، وطالبت المرأة بحقها الواجب من الوطء، وخصوصا بعد أمر الحاكم الشرعي به على نحو التخيير.

[ المسألة 35: ] إذا آلى الرجل من زوجته أن لا يطأها مدة، ودافع المرأة أو دافع الحاكم نفسه حتى انقضت مدة الايلاء، جاز له الوطء بعدها ولم تجب عليه الكفارة، وان كان آثما بترك وطء الزوجة بعد أن استحقت ذلك شرعا بمضي أربعة أشهر من الوطء السابق.



[ المسألة 36: ] فئة الرجل من ايلائه بالزوجة إذا كان قادرا على الوطء هو أن يطأها قبلا مع الانزال، ولا يكفي الوطء دبرا، ولا غير ذلك من الاستمتاعات الاخرى، وفئته إذا كان عاجزا عن الوطء لمرض أو ضعف أن يظهر عزمه على وطئها متى حصلت له القدرة عليه، ولا تجب عليه الكفارة حتى يطأها بالفعل.

[ الفصل الثالث ] [ في اللعان ]

[ المسألة 37: ] اللعان كما يقول بعض العلماء مباهلة بين الزوج والزوجة تقع في أحد موضعين، أحدهما أن يرمي الرجل زوجته بالزنا، وليس له من الشهداء على ذلك الا نفسه، فيلاعنها ليثبت بذلك صحة قوله، ويدرأ عن نفسه حد القذف، ثم تلاعنه المرأة لتبرئ نفسها من الجريمة وتدرأ عن نفسها حد الزنا، والثاني: ان تلد المرأة طفلا، ويعتقد الرجل أن الولد ليس منه، وليس له من الشهود من يثبت له ذلك، فيلاعن الزوجة لينفي الولد عنه، ثم تلاعنه الزوجة لتثبت بذلك براءتها وبراءة طفلها مما يقول، ولا يشرع اللعان في غير الموردين المذكورين مع الشروط الآتي ذكرها.

[ المسألة 38: ] يحرم على الرجل رمي زوجته بالزنا حرمة شديدة، وقد صرح الكتاب الكريم بحرمة رمي المحصنات من الازواج وغيرهن وجعله سببا موجبا لاقامة حد القذف على القاذف، والحكم بفسقه وعدم قبول شهادته ما لم يتب. وجعل رمي المحصنات المؤمنات الغافلات موجبا للعنة في الدنيا والاخرة، واستحقاق العذاب العظيم، وشدد الوعيد لمن يرتكب ذلك في عدة من آياته الكريمة وقد جعل في السنة المطهرة احدى الموبقات السبع، وهي الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات. ولا يجوز للرجل قذف زوجته بالزنا، لاتيانها بعض الامور التي أوجبت له الريب فيها، أو أوجبت له غلبة الظن بذلك، وحتى إذا شاع ذلك أو أخبره به ثقة، فلا يجوز له القذف نعم، يحسن منه الحذر والتوقي جهده المستطاع، والتخلص من ذلك بالطلاق وشبهه، ولا يؤثر المال أو الجمال على شرفه وسمعته.

[ المسألة 39: ] يجوز للرجل أن يقذف زوجته بالزنا إذا علم بذلك حق العلم، وإذا قذفها كذلك لم يصدق بمجرد قوله، بل تجب اقامة حد القذف عليه فيجلد ثمانين جلدة إذا طالبت الزوجة بذلك، الا إذا أقام البينة التي تثبت هذا الامر وهي أربعة شهود عدول، أو لاعن المرأة لعانا جامعا للشرائط وسيأتي تفصيله ان شاء الله تعالى.

[ المسألة 40: ] يشترط في ثبوت اللعان ان يكون الزوج القاذف لزوجته بالغا عاقلا، فلا يثبت اللعان إذا كان صبيا غير بالغ أو كان مجنونا. ويشترط في ثبوته أن تكون المرأة المقذوفة بالغة عاقلة، فلا يثبت اللعان إذا كانت صغيرة أو كانت مجنونة ويشترط فيه أن تكون المرأة سالمة من الخرس، فلا يثبت اللعان بقذف الخرساء، ويشكل الحكم باشتراط كونها سالمة من الصمم.

[ المسألة 41: ] يشترط في ثبوت اللعان أن يدعي الرجل القاذف لزوجته أنه شاهدها بعينه، فلا يثبت اللعان إذا قذفها ولم يدع المشاهدة، أو كان أعمى لا يبصر، فيجب عليهما اقامة البينة على ما يقولان، وإذا لم تكن لهما بينة عادلة تثبت صحة مدعاهما أقيم عليهما حد القذف.



[ المسألة 42: ] إذا كانت للرجل الذي قذف زوجته بينة تامة تثبت صحة ما يقول، وجبت عليه اقامة البينة ولم يصح منه اللعان.

[ المسألة 43: ] لا يثبت اللعان مع غير الزوجة، فإذا قذف الرجل امرأة أجنبية عنه بالزنا، وجب عليه أن يقيم البينة على ما يقول، وإذا لم تكن له بينة أقيم عليه حد القذف وان كانت المرأة المقذوفة زوجة له سابقا، ولا يثبت اللعان إذا قذف الرجل زوجته المتمتع بها على الاقوى، فإذا قذفها ولم تكن له بينة أقيم عليه حد القدف، ولا يثبت اللعان في الزوجة المعقودة بالعقد الدائم إذا كانت غير مدخول بها، فإذا قذفها بالزنا ولم يقم البينة كان عليه الحد.

[ المسألة 44: ] لا يثبت اللعان بقذف الزوجة إذا كانت مشهورة بالزنا، ولا يثبت الحد على الرجل بقذفها ليدفع الحد عن نفسه باللعان، وإذا قذفها وهي مشهورة بالزنا ولكنها لا تتجاهر به كان عليه التعزير مع عدم البينة وإذا أقام البينة أو كانت المرأة متجاهرة بالاثم فلا تعزير على الرجل بقذفها.

[ المسألة 45: ] يشترط لالحاق الولد بالرجل الذي يولد الطفل على فراشه من زوجته الدائمة أو المتمتع بها أن توجد ثلاثة أمور: الاول: أن يطأ الزوج المرأة بحيث يعلم أنه أنزل ماءه فيها أو يحتمل ذلك، وبحكم ذلك أن ينزل ماءه على فرجها أو حواليه بحيث يحتمل دخول الماء وتسربه إلى الرحم، ويلحق به كذلك أو تستدخل نطفة الرجل في جهاز المرأة بتوسط أنبوب أو أبرة حاقنة أو شبه ذلك من الوسائل التي تعد للتلقيح الصناعي.

الثاني: أن تبلغ المدة ما بين الوطء أو ما هو بحكمه من الامور الآنف ذكرها، وولادة الطفل ستة أشهر أو أكثر، ولا تكون أقل من ذلك.

الثالث: ان لا تتجاوز المدة ما بينهما عن أقصى مدة الحمل، وهو سنة كاملة على الاصح، وقيل تسعة أشهر وقيل عشرة وقد ذكرنا هذا في المسألة الثلاثمائة والخامسة والثمانين من كتاب النكاح. فإذا وجدت هذه الشروط الثلاثة لحق الولد شرعا بالرجل ووجب عليه أن يعترف به، وحرم عليه انكاره ونفيه عن نفسه وان علم ان أمه قد ركبت الفجور، فان ذلك لا يجوز للرجل نفي الطفل مع تحقق شرائط الالحاق، الا إذا علم بانتفائه عنه.

[ المسألة 46: ] إذا علم الرجل حق العلم ان الولد المولود على فراشه ليس ولده لبعض الامور التي أوجبت له العلم بذلك، كما إذا ترك الرجل جماع امرأته مدة طويلة لغيبة أو مرض أو غيرهما، ثم وجد الزوجة حاملا على وجه لا يمكن أن يكون الحمل منه، فإذا حصل له العلم كذلك، وجب على الاحوط أن ينفي الولد عن نفسه باللعان أو بغيره، لئلا يدخل في نسبه من ليس منه وتختل بذلك أحكام المواريث فيأخذ الميراث من لا يستحقه، ويحجب عنه من يستحق، ويختلط الامر في النكاح والنظر إلى المحارم بين ما يحل منه وما يحرم، وفي ولايات أولي الارحام في موارد الولايات وغير ذلك من الآثار والاحكام التي تترتب على النسب الثابت.

[ المسألة 47: ] إذا علم الرجل بأن الولد ليس منه، صح له نفي الولد عنه بلعان أو بغير لعان، بل وجب عليه ذلك على الاحوط، كما قدمنا، ومن الواضح ان انتفاء الولد عن نسب الرجل لا يعني ان الولد قد تكون من الزنا، ولذلك فلا يحل للرجل أن يقدف المرأة بالزنا، أو يقذف الولد بأنه ولد من الزنا، الا إذا حصل له العلم بذلك، فيكون لعانه مع المرأة لكلتا الجهتين، وإذا قذفها بالزنا من غير ان يعلم كان عليه حد القذف.

[ المسألة 48: ] إذا دخل الرجل بزوجته الدائمة، وأحرز وجود الشروط المتقدمة التي يلحق معها الولد بالرجل شرعا، حكم بلحوق الولد به، ولم يسمع منه نفيه إذا نفاه عنه نفسه، ولم ينتف الولد عنه شرعا باللعان، وكذلك الحكم إذا أقر الرجل بأنه قد دخل بالمرأة وبأن الشروط الشرعية لالحاق الطفل به قد تحققت جميعا، فلا يسمع منه النفي بعد اقراره بذلك، ولا أثر للعانه إذا لاعن المرأة، وإذا لم يحرز تحقق الشروط الشرعية في الواقع، ولم يقر الرجل بأنه قد دخل بالزوجة، وبأن شروط الالحاق به قد تحققت، ثم نفى الولد عن نفسه لم ينتف الولد عنه الا باللعان، وهذا إذا كانت الزوجة دائمة. وإذا أنكر الرجل دخوله بالزوجة أصلا، اشكل الحكم بثبوت اللعان، فقد ذكرنا في المسألة الثالثة والاربعين: انه يعتبر في ثبوت اللعان أن يكون الرجل قد دخل بالمرأة، فلا يثبت اللعان إذا قذف زوجته الدائمة من غير أن يدخل بها، ونتيجة لهذا، فإذا زعم أنه لم يدخل بالمرأة أصلا، فقد نفى وجود شرط اللعان.

[ المسألة 49: ] إذا دخل الرجل بزوجته المتمتع بها، وأحرز معه تحقق بقية الشروط كما ذكرنا في الزوجة الدائمة، لحق الولد به شرعا، ولا يسمع منه نفي الولد إذا نفاه عن نفسه بعد ذلك، ومثله ما إذا أقر بالدخول بها وبوجود الشرائط الشرعية لالحاق الولد، فلا يسمع منه النفي بعد اقراره ولا يكون لنفيه أثر شرعي. وإذا لم يحرز وجود الشرائط في الواقع، ولم يقر الرجل بتحققها ثم نفى الولد عنه، انتفى الولد عنه في الظاهر بمجرد نفيه وجحوده ولا يفتقر إلى اللعان ولا يشرع له، وتلاحظ المسألة الثلاثمائة والسابعة والثمانون وما بعدها من كتاب النكاح.

[ المسألة 50: ] يشرع اللعان لنفي الولد من الزوجة الدائمة في الصور الآنف ذكرها، سواء كان الولد لا يزال حملا في بطن أمه أم كان بعد ولاته وانفصاله، بل وان تأخر اللعان عن الولادة ما لم يعترف الزوج بالطفل كما إذا كان غائبا حين ولادته أو كان مريضا أو كان الحاكم الشرعي بعيدا عنه أو لغير ذلك من الاعذار التي توجب التأخير.



[ المسألة 51: ] إذا أقر الرجل بالولد لم يسمع منه انكاره إذا أنكره بعد ذلك، سواء كان اقراره بنسبه صريحا كما إذا قال لبعض اخوانه: لقد رزقني الله في هذا اليوم من فلانة مولودا جديدا، أو قال: وهبني الله من فلانة ولدا وقد سميته محمدا، أم كان اقراره بالكناية، كما إذا بشره أحد بولادته أو هناه به فقال له: سرك الله كما سرني، أو قال: وفقني الله لشكر هذه النعمة، أو أتم الله علي نعمة وجوده بصلاحه، ونحو ذلك من العبارات الدالة على الرضا. ولا يكفي أن يكون الرجل حاضرا عند ولادة الطفل فيسكت ولا ينكر نسبته إليه في تلك الحال، فلا يسقط بذلك حقه من نفي الولد إذا كان يعلم انه ليس منه.

[ المسألة 52: ] يتعين على الاحوط أن يكون ايقاع اللعان بين الزوجين عند الحاكم الشرعي خاصة، ولا يكفي ايقاعه عند من ينصبه الحاكم الشرعي لذلك، وأن يكون اتيان كل من الزوج والزوجة بشهادات اللعان والفاظه بعد القاء الحاكم ذلك عليه وأمره بقولها، فلا يقع اللعان إذا أسرع الزوج فنطق باللعان قبل أن يأمره الحاكم بالقول، أو بادرت المرأة فلاعنت قبل أن يلقي الحاكم عليها كلمات اللعان ويأمرها بقولها، فلا يعتد بقولهما، وعليهما اعادة الايقاع بعد أمر الحاكم لهما على الترتيب.

[ المسألة 53: ] يجب على الاحوط أن يكون الرجل والمرأة قائمين عند ايقاعهما اللعان ونطقهما بالفاظه، بل يلزم على الاحوط أن يكونا معا قائمين من أول لعان الزوج إلى آخر لعان الزوجة، ولا يكفي ان يقوم الزوج وحده عند لعانه، ثم تقوم الزوجة وحدها عند لعانها.

[ المسألة 54: ] إذا قدف الرجل زوجته بالزنا، أو نفى ولدها عن نفسه، وحضر الزوجان عند الحاكم الشرعي للملاعنة وعلم بوجود جميع الشروط المعتبرة، أمر الحاكم الزوج أن يبدأ فيقول: أشهد بالله اني لمن الصادقين في ما قلته من رمي هذه المرأة بالزنا، أو من نفي ولدها عني، ويكرر هذه الشهادة بأمر الحاكم أربع مرات، ثم أمره بعدها أن يقول في المرة الخامسة: أن لعنة الله علي ان كنت من الكاذبين، فيقولها مرة واحدة. فإذا أتم الرجل لعانه، أمر الحاكم المرأة أن تقول: أشهد بالله انه لمن الكاذبين في قوله من القذف بالزنا، أو من نفي الولد عن نفسه، وتكرر هذا القول أربع مرات، ثم أمرها فقالت في المرة الخامسة: ان غضب الله علي ان كان من الصادقين في قوله، وقالت ذلك مرة واحدة.

[ المسألة 55: ] يجب ان يكون التلفظ بشهادات اللعان وكلماته من الرجل والمرأة على الوجه المتقدم، فلا يصح إذا ابدلت منه بعض كلماته أو غيرت بما يرادف أو بما يشبه في المعنى أو في الاشتقاق، ولا يصح إذا قدم بعض الالفاظ على بعض أو حذف بعضها وان كان المحذوف لام التوكيد من قول الرجل: اني لمن الصادقين، أو من قول المرأة: انه لمن الكاذبين، أو ما يشبه ذلك.

[ المسألة 56: ] تجب مراعاة الترتيب في اللعان، فيبدأ الرجل قبل المرأة، ويبدأ الرجل أولا بالشهادات الاربع بالله انه لمن الصادقين، ثم يدعو على نفسه بلعنة الله بعدها ان كان من الكاذبين، وتبدأ المرأة بالشهادات الاربع كذلك، ثم تدعو على نفسها بغضب الله ببعدها ان كان من الصادقين.

[ المسألة 57: ] يجب أن يكون التلفظ في اللعان باللغة العربية، إذا كان الرجل والمرأة قادرين على التكلم بها، فإذا كانا عاجزين ولم يمكن لهما النطق بها صح لهما ايقاعه بغيرها من اللغات.

[ المسألة 58: ] يشكل الحكم بصحة التوكيل في اللعان، بأن يوكل الرجل غيره في أن يجري اللعان عنه مع زوجته حتى تترتب أحكام اللعان على الموكل بلعان الوكيل، أو توكل المرأة أحدا في أن يلاعن الرجل عنها كذلك، وقد سبق هذا التردد منا في كتاب الوكالة.

[ المسألة 59: ] إذا حصل اللعان بين الرجل والمرأة واجتمعت شروطه وقيوده وقعت الفرقة بين الزوجين سواء كان اللعان بسبب القذف أم كان بسبب نفي الولد، والفرقة الحاصلة من ذلك انفساخ عقد لا طلاق، ولذلك فلا يشترط في اللعان ما يشترط في صحة الطلاق، ويجب على المرأة ان تعتد من الزوج بعده، وقد تقدم في مبحث العدد ان عدة المرأة في الفسخ والانفساخ هي عدة الطلاق، والفرقة بين الزوجين على الوجه المذكور هي الاثر الاول الذي يتحقق ويحكم به بعد اللعان.

[ المسألة 60: ] إذا وقع اللعان بين الزوجين على الوجه التام في الشروط والقيود، حرمت المرأة على الرجل حرمة مؤبدة فلا يحل له الزواج بها أبدا حتى بعقد جديد، وحتى بعد انقضاء عدتها منه، وحتى إذا أكذب نفسه في قذفها بالزنا أو كذبت هي نفسها في لعانها، وكذلك إذا كان اللعان بسبب القذف ونفي الولد معا، فتحرم عليه حرمة مؤبدة وإذا كان اللعان بسبب نفي الولد خاصة ولا يشتمل على قذف المرأة بالزنا، ففي ثبوت التحريم المؤبد بذلك الشكال فلا يترك الاحتياط فيه، وان كان القول بالحرمة الابدية لا يخلو من قوة، وقد تقدم ذكر هذا في المسألة المائتين والسادسة والستين من كتاب النكاح، وهذا هو الحكم الثاني من أحكام اللعان.

[ المسألة 61: ] إذا رمى الزوج امرأته بالزنا ولاعنها عند الحاكم الشرعي لعانا تام الشروط والقيود، سقط باللعان عنه حد القدف وثبت على المرأة حد الزنا وهو هنا الرجم لانها محصنة، فإذا لاعنته أيضا وأتمت لعانها على الوجه المطلوب، سقط عنها حد الزنا، ودرئ عنها الرجم، وإذا نكلت ولم تلاعن الرجل أو أتت ببعض شهادات اللعان ونكلت عن اتمامه لزمها الحد، وهذا هو الحكم الثالث من أحكام اللعان.

[ المسألة 62: ] إذا نفى الرجل الولد عن نفسه فقال: انه ليس ولدي، وادعت المرأة أن الولد منه، وتلاعنا لذلك عند الحاكم الشرعي كما ذكرنا، انتفى الولد عن الرجل فلا ينسب إليه، فلا يكون الرجل الملاعن له أبا، ولا يكون الطفل للرجل ابنا، ولا يرث أحدهما من الاخر إذا مات قبله، وانتفى النسب بين الولد ومن يتصل به بالاب، فلا يكون أبو الرجل له جدا ولا تكون أمه له جدة، ولا أخوه للطفل عما، ولا أخته عمة، ولا ولد الرجل له أخا ولا أختا، ولا يرث منهم إذا ماتوا قبله ولا يرثون منه إذا مات قبلهم. وثبت النسب والتوارث بين الولد والام ومن يتقرب بها، فأبوها جده وأمها جدته وأخوانها أخواله وخالاته، وأولاد المرأة من غير ذلك الرجل أخوانه لامه وأخواته، وكذلك أولادها من ذلك الرجل فهم اخوانه لامه وأخواته لها، وليسوا أخوانه لابيه وأمه ويثبت التوارث بينه وبينهم على هذا النهج، وسيأتي تفصيل ذلك ان شاء الله تعالى في فصل ميراث ولد الملاعنة من كتاب الميراث، وهذا هو الحكم الرابع من أحكام اللعان.

[ المسألة 63: ] إذا لاعن الرجل المرأه لنفي الولد عن نفسه، ثم كذب لعانه واعترف بالولد أخذ باقراره، فإذا مات قبل الولد ورث الولد من تركته، ولا يرث هو من الولد إذا مات قبله، ولا يرث الولد من أقرباء الاب شيئا إذا مات أحدهم قبله ولا يرثون منه إذا مات قبلهم، وإذا كذب الرجل نفسه قبل أن يتم اللعان لم ينتف الولد منه ولم يكن للعان أثر.

[ المسألة 64: ] إذا لاعن الرجل امرأته لقذفها بالزنا ثم كذب نفسه بعد اللعان، لم يحد للقذف ولم يحل أن يتزوج بالمرأة أبدا، وإذا كذب نفسه قبل أن يتم اللعان لزمه حد القذف ولم تحرم عليه المرأة، بل ولم ينفسخ نكاحها.

[ المسألة 65: ] يستحب أن يجلس الحاكم الشرعي للعان مستدبرا للقبلة، وأن يوقف الرجل عن يمينه وهو مستقبل القبلة، وأن يوقف المرأة والصبي معها عن يساره وهما مستقبلان أيضا، فيكونان عن يمين الرجل، وان يحضر من يسمع اللعان، فإذا أمر الحاكم الرجل بالقاء الشهادات الاربع واحدة بعد واحدة حتى أتمها، أمره بالسكوت وشرع الحاكم بوعظه وتحذيره مغبة ذلك، وذكره شدة لعنة الله وأليم أخذه وطرده عن رحمته، فإذا أتم وعظه، أمره أن يدعو على نفسه بلعنة الله ان كان من الكاذبين في قوله، ثم توجه بعده إلى المرأة، فأمرها بالقاء شهادات اللعان واحدة بعد واحدة كما تقدم، فإذا أتمت ابتدأ الحاكم فوعظها وخوفها عظيم غضب الله وشدة نقمته، فإذا أتم وعظها وتذكيرها أمرها ان تدعو في الخامسة على نفسها بغضب الله ان كان الرجل من الصادقين في ما قال.

[ المسألة 66: ] إذا قذف الرجل امرأته أكثر من مرة واحدة بأنها قد زنت، لم يجب عليه بذلك القذف المتكرر أكثر من حد واحد، ولم يوجب عليه غير لعان واحد، وإذا قذفها بالزنا فحد لقذفه اياها، أو لاعن المرأة فأسقط عن نفسه الحد باللعان، ثم قذفها بعد ذلك مرة أخرى أو أكثر، فلا يبعد وجوب الحد عليه بهذا القذف وثبوت اللعان مرة ثانية على تأمل.