كتاب الوصية
[ كتاب الوصية ] وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول : في الوصية وشروط الموصي
الفصل الثاني : في المال الموصى به
الفصل الخامس : في بعض أحكام الوصية
[ الفصل الاول ] [ في الوصية وشروط الموصي ]
[ المسألة الاولى: ] الوصية على الظاهر اسم مصدر بمعنى
العهد، من قولهم: وصاه يوصيه توصية، إذا عهد إليه، أو من قولهم: أوصاه يوصيه ايصاءا،
وموارد استعمال الكلمة في الكتاب الكريم وفي السنة المطهرة، وفي الادب العربي على الاكثر
تشهد بذلك ولا تخرج عنه، واما احتمال أن تكون مصدرا من قولهم: وصى الشئ إذا اتصل، أو
قولهم وصى الشئ بالشئ إذا وصله به، فلا يخرج عن كونه مناسبة لفظية خالصة باعتبار ان
الرجل بوصيته يصل تصرفه في حال حياته بتصرفه بعد موته، ولا دلالة في موارد استعمال
الوصية الآنف ذكرها على ارادة ذلك.
[ المسألة الثانية: ] الوصية قد تكون تمليك عين لاحد،
كما إذا أوصى الرجل لزيد أن يعطى مبلغا من المال، أو يعطى داره المعينة، وقد تكون تمليك
منفعة، كما إذا أوصى له بأن تؤجر الدار مدة سنة أو سنتين وتدفع له اجارتها، أو بأن
يسكنها كذلك، أو بأن تكون منفعة الدار له سواء استوفاها بالسكنى أم بالتأجير، وقد تكون
تحريرا من الملك كما إذا أوصى بعتق عبده، وقد تكون وصية بوقف دار أو أرض، وقد تكون
وصية بنقل حق إلى غيره، أو باسقاط حق أو بابراء ذمة من دين، وقد تكون عهدا إلى أحد
بتجهيز الموصي بعد موته أو بدفنه، أو بقضاء واجبات أو بأعمال مستحبة أو بأداء أمانات
أو ديون، وقد تكون جعلا لوصاية أو ولاية على مال أو على قاصرين، وغير ذلك، فهي على
ضروب كثيرة.
[ المسألة الثالثة: ] يجب على المكلف أن يبادر في امتثال
الواجبات المضيقة، ولا يجوز له تأخيرها عن أوقاتها المحددة لها شرعا، سواء كانت من
الواجبات لله سبحانه، أم كانت من الواجبات للناس، كالاثمان والاعواض والامانات والحقوق
التي اشترط على الانسان في عقد لازم أن يفي بها في أول الاوقات الممكنة، والاثمان والاعواض
والامانات والحقوق التي اشترط لها وقت محدد لا سعة فيه، والودائع والاموال التي ضربت
لها مدة معينة، وانقضت مدتها، فيجب على المكلف ردها إلى أهلها ولا يسوغ له تأخيرها
عن أوقاتها المضبوطة بعد حضورها.
[ المسألة الرابعة: ] تتضيق الواجبات الموسعة على الانسان
إذا ظهرت له امارات الموت، لكبر السن وضعف القوى، وترادف الامراض الدالة بحسب العادة
على دنو الاجل وقربه، فيجب على المكلف ان يبادر إلى الاتيان بما عليه من واجبات وفرائض
اشتغلت بها ذمته، كصلوات أو صيام أو واجبات أخرى تركها، أو أتى بها باطلة، وأداء أخماس
أو زكوات وجبت عليه ولم يمتثل أمرها، ووفاء نذور مطلقة أو كفارات أو مظالم وجبت عليه
ولم يأت بها أو أتى بها على غير وجهها الصحيح، وغير ذلك من المفروضات التي تساهل فيها
أو عصى أمرها ولزمه قضاؤها. وتتضيق الواجبات الموسعة كذلك إذا اطمأن المكلف بأنه إذا
أخر الاتيان بها لم يتمكن بعد ذلك من الوفاء بها وامتثال أو امرها لكثرة الشواغل أو
لتزايد الضعف عليه وان لم تظهر له امارات الموت، فتجب عليه المبادرة إلى امتثالها مع
الامكان والقدرة.
[ المسألة الخامسة: ] يجب على الانسان رد أموال الناس
وودائعهم الموجودة لديه وديونهم التي حل وقتها إذا طالبه أهل الاموال والودائع والديون
بها، فتجب عليه المبادرة بردها إليهم، ويجب الرد كذلك إذا انقضت مدة الاستيداع أو العارية
والمضاربة وحلت مواعيد الديون كما تقدم ذكره. وإذا لم يطالب أهل الاموال والودائع الموجودة
بتسليمها أو لم تنقض مدتها لم يجب عليه المبادرة بالرد، الا ذا خاف ضياع أموالهم، أو
خاف عدم أداء ورثته بعد موته، فيجب عليه ردها إلى أهلها عند ذلك.
[ المسألة السادسة: ] إذا لم يتمكن المكلف من امتثال
ما وجب عليه من الواجبات المضيقة أو الموسعة في حياته وكانت مما يجب قضاؤه، وجب عليه
أن يوصي بقضائها عنه بعد موته، وكذلك الفوائت من الواجبات التي وجب عليه قضاؤها ولم
يقضها، فيجب عليه أن يوصي بقضائها بعد موته، سواء كان فوتها لعذر أم لغيره عذر، كالصوم
والصلاة التي تركها عامدا أو أتى بها باطلة. وهذه الواجبات وان كانت مما لا تقبل النيابة
فيها حال حياة المكلف، الا ان النيابة فيها صحيحة بعد الموت، فتجب الوصية بها والاشهاد
عليها والاستيثاق منها إذا علم ان ورثته لا تنفذ الوصية الا بذلك، وكذلك الواجبات المالية
التي وجبت عليه ولم يؤدها كالزكاة والخمس والكفارات والنذور والمظالم وشبهها.
[ المسألة السابعة: ] إذا كانت لديه أعيان موجودة من
أموال الناس وودائعهم، لم يطالبوه بها في حياته أو لم تحل أوقات تسليمها إلى أهلها،
أو طالبه أهلها بتسليمها ولم يدفعها إليهم لعذر أو لغير عذر، وجب عليه أن يوصي بأدائها
إلى أهلها، إذا علم أن الوارث لا يردها الا بالوصية، ويجب عليه أن يشهد على الوصية
ويستوثق منها. إذا توقف انفاذ الوصية على ذلك، وكذلك الديون والاموال والحقوق التي
تكون في ذمته، سواء كانت مؤجلة في حال حياته أم غير مؤجلة، فتجب الوصية بها والاعلام
بها والاشهاد والاستيثاق إذا توقف الاداء على ذلك، ومنها الضمانات والجنايات والديات
التي وجبت عليه. وإذا كانت ودائع الناس وأموالهم وديونهم عليه مثبتة موثقة، وعلم بأن
ورثته من بعده يقومون بادائها ووفائها لم تجب عليه الوصية بها.
[ المسألة الثامنة: ] قد مر في ما تقدم أن الوصية تقع
على ضروب كثيرة، أشرنا إلى بعضها في المسألة الثانية، ولم نذكر الباقي لان مقاصد الموصي
وانحاء الايصاء يعسر ضبطها في عدد معين، فهي تعم كل ناحية مباحة تتعلق بالموصي في نفسه
ماله، أو حقوقه وجميع شؤونه التي يمكن له التصرف فيها، وهي على وجه العموم تكون على
قسمين: تمليكية وعهدية. ويراد بالوصية التمليكية: أن يجعل الموصي شيئا من تركته أو
من منافع أمواله أو من حقوقه القابلة للنقل، ملكا لشخص معين أو لاشخاص معينين، أو لعنوان
معين ذي أفراد كالفقراء وطلاب العلم، أو لجهة معينة كمسجد أو مشهد أو حسينية، أو مستشفى
أو ميتم أو مدرسة أو ملجأ، وشبه ذلك، فهي وصية بالملك أو بالاختصاص. ويراد بالوصية
العهدية: أن يلزم الموصي وصية أو وارثه أو غيرهما بفعل أو بشئ يتعلق به أو بماله أو
بشئ من شؤونه، فيأمر بتجهيزه بعد الموت على وجه يريده مثلا، أو يأمر بدفنه في مكان
خاص أو عام، أو يعهد بأن يستناب عنه من بعده من يقوم له ببعض الواجبات عليه، أو ببعض
الاعمال المندوبة، أو بأن يعتق عبده أو توقف داره أو تباع أرضه، أو يعين شخصا يوكل
إليه التصرف في ثلثه وتطبيق وصاياه، أو يجعله وليا على يتاماه، وما يشبه ذلك من التصرفات
التي تهمه.
[ المسألة التاسعة: ] الاقوى أنه لا يعتبر القبول في
صحة الوصية سواء كانت عهدية أم تمليكية، وسواء كانت تمليكا لشخص أو أشخاص معينين، أم
تمليكا لنوع ذي افراد، كما إذا أوصى بداره للفقراء أو لطلاب العلم أو لذرية الرسول
صلى الله عليه وآله، فإذا أنشأ الموصي وصيته على الوجه المطلوب صحت ونفذت، وان لم يحصل
القبول من الشخص أو الاشخاص الذين أوصى لهم بالملك أو بالاختصاص، أو من ولي النوع الموصى
له، فالوصية من الايقاعات لا من العقود على الاقوى. نعم، يشكل الحكم بصحة الوصية التمليكية
أو بعدم صحتها إذا رد الموصى له الوصية، ولذلك فلابد من مراعاة الاحتياط في تطبيق آثار
الوصية وعدم تطبيقها بعد رد الموصى له اياها، وسيأتي التعرض لتفصيل ذلك في ما يأتي
ان شاء الله تعالى.
[ المسألة العاشرة: ] لا يشترط القبول في صحة الوصية
العهدية كما لا يشترط في الوصية التمليكية، سواء أريد به القبول من الموصى إليه، أم
القبول من الموصى له، كما إذا عهد الموصي إلى وصيه أن يعطي زيدا بعد موته مقدارا من
المال، فلا يعتبر في صحة هذه الوصية أن يقبل الموصى له وهو زيد، فإذا مات الموصي استحق
زيد المال الموصى به وان لم يحصل منه القبول، كما لا يعتبر في صحة الوصية أن يقبل الموصى
إليه ذلك. نعم، يشكل الحكم بالصحة أو بعدمها إذا رد الموصى له الوصية، فلابد مع رده
اياها من مراعاة الاحتياط كما تقدم.
[ المسألة 11: ] تتحقق الوصية بأن تنشأ بأي لفظ يكون
ظاهرا في المراد، فلا يشترط في صحتها أن تنشأ بلفظ خاص، أو بلغة خاصة، ويكفي في تحققها
ان تنشأ بأي فعل يكون ظاهرا في انشائها أيضا، من اشارة مفهمة، أو كتابة ونحو ذلك حتى
في حال الاختيار والقدرة على النطق، فإذا كتب كتابا بخطه وتوقيعه، وعلم بأنه انما كتبه
وصية ليعمل بها بعد موته، كان ذلك وصية يجب تنفيذها، وكذلك إذا كتب غيره الكتاب وقرأه
عليه قراءة تامة أو قرأه الموصي نفسه ورضي بما فيه وأقره اقرارا كاملا وأمضاه بتوقيعه
في الكتاب وتصديقه له أو وضع خاتمه فيه، أو أشار اشارة مفهمة، تدل على قبوله والرضا
بجميع ما يحتويه.
[ المسألة 12: ] إذا شهدت بينة عادلة بأن زيدا قد أوصى
بكذا، وأخبر زيد نفسه بأنه لم يوص، فان كان ذلك عن نسيان لطول المدة مثلا، أو لخشية
منه من بعض النواحي التي يحذرها، صدقت البينة ووجب العمل بالوصية التي شهدت بها، ولم
يلتفت إلى قوله، وان كان ذلك عدولا منه عن الوصية التي شهدت بها البينة سقطت وصيته
الاولى، وإذا شهد العادلان بأنه لم يوص، وقال هو: اني قد أوصيت، فان كان قوله هذا انشاءا
لوصية جديدة أو كان اقرارا بوصية لم يطلع عليها الشاهدان عمل على قوله، وان كان لمجرد
أمر توهمه لم يلتفت إلى قوله.
[ المسألة 13: ] لا تتحقق الوصية العهدية الا بوجود شخص
معين يقع منه انشاء العهد، وهو الموصي، وأمر خاص يعهد به الموصي لينفذ بعد موته، وهو
الموصى به، وقد يعين الموصي شخصا خاصا يعهد إليه بأن يكون هو المنفذ من بعده للوصية،
وهو الموصى إليه، ويقال له الوصي في الاكثر. ولا تتحقق الوصية التمليكية الا بوجود
شخص ينشئ التمليك بعد موته، وهو الموصي، وشئ تتعلق به الوصية والتمليك وهو الشئ الموصى
به، وشخص أو أشخاص يكون التمليك لهم بعد موت الموصي، وهم الموصى لهم.
[ المسألة 14: ] يجوز للوصي أن يرد الوصية في حال حياة
الموصي، سواء كانت الوصية عهدية أم تمليكية وإذا ردها كذلك وبلغ الموصي رده في وقت
يمكن للموصي أن يجعل له وصيا غيره، سقطت وصايته إليه ولم يجب عليه العمل بها. وإذا
كان رده للوصية بعد موت الموصي، لم يؤثر رده شيئا ولزم عليه العمل بالوصية، وكذلك الحكم
إذا ردها قبل أن يموت الموصي، ولم يبلغه ان الوصي رد وصيته حتى مات، فلا تسقط الوصاية
بذلك، بل وكذلك إذا أوصى إليه ولم يبلغ الوصي بأن زيدا قد أوصى إليه الا بعد موت زيد
الموصي، فيجب عليه العمل بالوصية، ولا يصح له ردها.
[ المسألة 15: ] الاحوط للوصي لزوما ان لا يرد الوصية
في حال حياة الموصي إذا علم ان الموصي لا يتمكن من الوصية إلى شخص غيره، سواء كان عدم
تمكنه من ذلك لعدم وجود من يوصي إليه، أم كان لعجز الموصي عن الوصية ولو بالاشارة.
[ المسألة 16: ] إذا سقطت وصاية الوصي في الفرض الاول من المسألة الرابعة عشرة
ولم يجب عليه العمل بها فلا يعني ذلك سقوط الوصية من أصلها إذا لم يعدل الموصي عنها
فيجب على الورثة انفاذ ما فيها عدا وصاية الوصي المذكور.
[ المسألة 17: ] الاقوى كما سبق ذكره في المسألة التاسعة
أن الوصية من الايقاعات لا من العقود حتى إذا كانت الوصية تمليكية، فلا يشترط في صحتها
قبول الموصى له، فإذا أنشأ الموصي وصيته وملك الشخص الموصى له شيئا من تركته، ثم مات
الموصي ولم يصدر من الموصى له قبول ولا رد للوصية، ملك الشئ الموصى به بالموت على الاقوى.
[ المسألة 18: ] إذا رد الموصى له وصية الرجل بتمليكه
شيئا من مال، فللمسألة صور تجب ملاحظتها. الصورة الاولى: أن يرد الشخص الموصى له الوصية
في حال حياة الموصي، والظاهر انه لا أثر لهذا الرد وحده، فإذا مات الموصي، ولم يصدر
من الموصى له قبول ولا رد بعد الموت ملك الشئ الموصى به كما تقدم. الصورة الثانية:
أن يقبل الموصى له الوصية في حال حياة الموصي ثم يرد الوصية بعد موته، ولا أثر لهذا
الرد أيضا فلا تبطل الوصية به ويكون الشئ الموصى به ملكا للموصى له. الصورة الثالثة:
أن يقبل الموصى له الوصية بعد أن يموت الموصي ثم يردها بعد ذلك ولا أثر لهذا الرد المسبوق
بالقبول كذلك فلا تبطل به الوصية. الصورة الرابعة: ان لا يقع من الموصى له قبول للوصية
في حال حياة الموصي ولا بعد موته، ثم يرد الوصية بعد ذلك، والحكم في هذه الصورة بصحة
الوصية أو ببطلانها مشكل، فلابد فيها من الاحتياط برجوع الورثة إلى المصالحة مع الموصى
له بعد رده للتخلص من الاشكال.
[ المسألة 19: ] لا يشترط في صحة الوصية التمليكية أن
يقبض الشخص الموصى له المال الموصى به، فإذا أنشأ الموصي وصيته ثم مات، صحت وصيته،
وملك الموصى له المال وان لم يقبضه بعد، وإذا رد الوصية بعد موت الموصي وقبل القبول
والقبض، توجه الاشكال المتقدم، واحتاج الورثة في التخلص منه إلى الاحتياط بالمصالحة.
[ المسألة 20: ] إذا أوصى صاحب المال للرجل بشيئين من
ماله في وصية واحدة، فقبل الموصى له ملك احد الشيئين ورد الوصية في الآخر، صحت الوصية
ونفذت في تملك الشئ الذي قبله الموصى له، سواء كان قبوله في حال حياة الموصي أم بعد
موته، واشكل الحكم في الشئ الآخر الذي رد الوصية به، إذا كان رده بعد موت الموصي ولم
يسبقه قبول لذلك الشئ، واحتاج ورثة الموصي فيه إلى المصالحة مع الموصى له، كما تقدم.
وكذلك الحكم إذا أوصى له بشئ واحد، فقبل الموصى له بعضه ورد الوصية في البعض الآخر،
فتصح الوصية في البعض الذي قبل الوصية به ويشكل الحكم في البعض الذي رده، ويحتاج فيه
إلى الاحتياط. وإذا علم من القرائن أن الموصي انما قصد في انشاء وصيته تمليك المجموع
على نحو وحدة المراد والمطلوب، لم يصح التبعيض المتقدم وأشكل الحكم في الجميع واحتيج
فيه الا الاحتياط.
[ المسألة 21: ] لا يصح لورثة الموصي إذا مات مورثهم
أن يتصرفوا في العين التي أوصى بها، بل يجب عليهم الانتظار فإذا قبل الموصى له المال
الموصى به ملكه بالوصية، وإذا رده بعد موت الموصي ولم يقبله احتاجوا إلى التخلص من
الاشكال فيه بالتراضي والمصالحة معه.
[ المسألة 22: ] إذا مات الشخص الموصى له قبل وفاة الموصي،
كانت الوصية لورثة الموصى له، كما دلت عليه معتبرة محمد بن قيس، الا إذا رجع الموصي
فعدل عن وصيته لمورثهم، وإذا هو لم يرجع في وصيته حتى مات، ملك ورثة الموصى له الشئ
الموصى به بعد موته ولم يتوقف ملكهم لذلك الشئ على قبولهم، وإذا رد هؤلاء الورثة وصية
الموصي بعد موت مورثهم الموصى له أو ردوها بعد موت الموصي وقع التردد والاشكال المتقدم
واحتيج إلى المصالحة، والتراضي للتخلص من الاشكال.
[ المسألة 23: ] إذا مات الموصي في الفرض المتقدم، انتقل
المال الموصي به إلى ورثة الموصى له، وظاهر النصوص ان انتقال المال إليهم يكون من الموصي
نفسه لا من مورثهم الموصى له، ولكن قسمة المال بينهم يكون على حسب ميراثهم من مورثهم.
[ المسألة 24: ] الظاهر من النصوص أن المال الموصى به
في الفرض المتقدم ينتقل من الموصي إلى ورثة الموصى له الموجودين حين موت مورثهم الموصى
له، لا إلى وارثه حين موت الموصي، فالحكم به هو المتعين.
[ المسألة 25: ] إذا مات الموصى له قبل أن يموت الموصي
كما هو الفرض في المسائل المتقدمة وانتقلت الوصية إلى ورثة الموصى له على حسب مواريثهم
من مورثهم كما ذكرنا في المسألة الثالثة والعشرين، فإذا كانت العين الموصى بها أرضا
أو كان فيها أرض وكانت للموصى له زوجة لم ترث زوجته من الارض وورثت من النخيل والشجر
والبناء وغيرها غير الارض.
[ المسألة 26: ] إذا قبل بعض ورثة الموصى له بالوصية
وردها بعضهم صحت الوصية في نصيب من قبل منهم، واشكل الحكم في نصيب من رد الوصية منهم،
فيحتاج إلى المصالحة معه للتخلص من الاشكال، وإذا علم من القرائن أو وصية الموصي كانت
بالمجموع على نحو وحدة المطلوب اشكل الحكم بالصحة في الجميع، واحتيج إلى المصالحة معهم
كافة.
[ المسألة 27: ] إذا كان المال الموصى به من الاشياء
التي تكون من الحبوة، كالسيف والمصحف والخاتم، ومات الشخص الموصى له قبل وفاة الموصي،
فالظاهر عدم انطباق الحبوة عليه، فلا يختص به الولد الاكبر للموصى له.
[ المسألة 28: ] إذا أوصى الموصي بشئ من تركته للفقراء
أو للعلماء أو للسادة أو غير ذلك من العناوين ذات الافراد، لم تتوقف صحة الوصية على
قبول الافراد أو قبول وليهم كما تقدم، ولا يكون رد الموصى له مانعا من صحة الوصية،
فإذا رد الوصية بعض الفقراء أو بعض العلماء في المثال المتقدم بعد وفاة الموصي لم تبطل
الوصية ولم يجر الاشكال السابق في الموصى له إذا رد الوصية بعد موت الموصي، وحتى إذا
انحصر الفقراء أو العلماء في أفراد معينين، فردوا الوصية بعد موت الموصي لم تبطل الوصية
ولم يجر الاشكال، ولم يحتج إلى الاحتياط بالمصالحة.
[ المسألة 29: ] يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصي
بالغا، فلا تصح وصية الصبي غير البالغ، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الصبي قد بلغ عشر
سنين تامة وكان عاقلا، وكانت وصيته في وجوه البر والمعروف، كما إذا أوصى ببناء مسجد
أو عمارته، أو بالانفاق على الفقراء أو الايتام أو معالجة المرضى المحتاجين، أو بصلة
أرحامه وذوي قرباه وتمليكهم بعض أمواله أو بشئ من سائر الخيرات والمبرات العامة أو
الخاصة، فالاقوى صحة وصيته ووجوب تنفيذها، ولا يختص الحكم بالصحة بوصيته لارحامه. ولا
تصح وصيته إذا لم يكمل عشر سنين، أو كانت وصيته في غير الوجوه المذكورة.
[ المسألة 30: ] يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصي
عاقلا، فلا تصح وصية المجنون سواء كان جنونه مطبقا أم كان أدوارا، إذا أوصى في دور
جنونه، وتصح وصيته إذا أوقعها في دور افاقته، ولا تصح وصية السكران وهو في حالة سكره.
ولا تبطل وصية الشخص إذا أوصى وهو عاقل ثم طرأ له الجنون أو عرض له السكر أو الاغماء
وان استمر به الجنون أو السكر أو الاغماء حتى مات. [ المسألة
31: ] يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصي مختارا، فلا يصح وصيته إذا كان مكرها
عليها، ويلاحظ في معنى الاكراه وما يتعلق به، ما فصلناه في المسائل المتعلقة بذلك من
فصل شرائط المتعاقدين في كتاب التجارة وغيره من كتب المعاملات.
[ المسألة 32: ] لعل الراجح صحة الوصية من السفيه وان
كان محجورا عليه إذا كانت وصيته في وجوه المعروف والخير ولم يخرج فيها عن الموازين
التي يتبعها العقلاء في وصاياهم، وإذا كانت خارجة عن موازينهم المتعارفة في ما بينهم
فالظاهر عدم صحة وصيته وان كانت في سبل الخير والمعروف.
[ المسألة 33: ] تصح وصية المفلس وان كانت وصيته بعد
أن حجر الحاكم على أمواله وذلك لان الدين يخرج من التركة قبل الوصية، فلا تكون وصيته
مضرة بحقوق الغرماء وديونهم، ولكن أثر وصيته لا يظهر الا إذا ارتفع الفلس عنه قبل موته،
أو قلت ديونه عن تركته بسبب ابراء ذمته من بعض الغرماء أو لتبرع بعض الناس بوفاء بعض
ديونه.
[ المسألة 34: ] يشترط في صحة الوصية أن لا يكون الموصي
قاتلا لنفسه، والمراد بقاتل نفسه هنا من يفعل في نفسه فعلا يؤدي إلى هلاكه وموته، فيرمي
نفسه بطلقة نارية في موضع قاتل مثلا، أو يضرب نفسه ضربة قاتلة بسيف أو خنجر أو غيرهما،
أو يشرب سما، أو يلقي بنفسه من موضع شاهق أو يحدث في نفسه شيئا غير ذلك يقطع أو يظن
معه بالموت، فإذا فعل ذلك بنفسه متعمدا، ثم أوصى قبل أن يموت لم تصح وصاياه التي تتعلق
بالمال.
[ المسألة 35: ] إذا فعل شيئا من ذلك بنفسه مخطئا أو
ساهيا غير عامد لم تبطل وصيته، وكذلك إذا فعل ذلك وهو يظن السلامة من الموت، أو فعل
ذلك لا بقصد قتل النفس، بل بقصد أمر آخر، أو كان الفعل لا يؤدي إلى الموت غالبا فاتفق
ذلك معه على خلاف المتعارف، فلا تبطل وصيته في هذه الفروض.
[ المسألة 36: ] إذا أحدث في نفسه بعض هذه الامور القاتلة
بحسب العادة، ثم عافاه الله منها، ولم يمت لم تبطل وصيته إذا كان قد أوصى بعد أن ارتكب
ذلك من نفسه، سواء كانت وصيته بعد المعافاة أم قبلها، بل وان كان قاصدا قتل نفسه حين
ما ارتكب الفعل.
[ المسألة 37: ] إذا ارتكب أحد هذه الافعال ليقتل نفسه،
ثم عوفي ولم يمت، وأوصى وصيته بعد المعافاة منه ثم انتكس في مرضه الاول ومات في السبب
الاول عرفا، بطلت وصيته ولم تصح.
[ المسألة 38: ] لا تصح وصية قاتل نفسه إذا كانت الوصية
تتعلق بالمال كما ذكرنا في المسألة الرابعة والثلاثين وتصح وصاياه التي تتعلق بتجهيزه
ودفنه وصلاته وصومه وأموره الاخرى التي لا تتعلق بالمال.
[ المسألة 39: ] لا تلحق منجزات قاتل نفسه بوصيته في
البطلان، فإذا وقف شيئا من ماله منجزا أو وهبه أو باعه على وجه المحاباة أو فعل فعلا
آخر من أنواع المنجزات قبل الموت لم يبطل ذلك التصرف في ماله واخرج من أصل تركته.
[ المسألة 40: ] إذا أوصى الرجل أولا ثم قتل نفسه بعد
الوصية لم تبطل وصيته بقتل نفسه بعدها، وان كان مصمما على قتل نفسه بعد انشاء الوصية.
[ المسألة 41: ] يصح للاب أن يوصي إلى أحد بأن يكون وليا
من بعد موته على أولاده الاطفال غير البالغين إذا لم يكن لهم جد للاب، ويصح للجد أبي
الاب أن يوصي إلى أحد بأن يكون وليا من بعد موته على أطفال ولده غير البالغين كذلك
إذا لم يكن لهم أب، وإذا كان لهم جد فلا يصح للاب أن يجعل لهم من بعده وليا غير الجد،
وإذا كان لهم أب فلا يصح للجد أن يجعل لهم وليا من بعده غير الاب، سواء كان الجد بواسطة
واحدة أم بأكثر، وإذا لم يكن للاطفال أب ولا جد ولا وصي منصوب من أحدهما فالولاية عليهم
في أموالهم ومعاملاتهم للحاكم الشرعي، ولا يصح للحاكم الشرعي أن يوصي إلى أحد من بعد
موته بأن يكون وليا على الاطفال، بل تكون الولاية عليهم من بعده للحاكم الشرعي الآخر.
[ المسألة 42: ] لا ولاية للام على أولادها الصغار ولا
على أموالهم وان كانت رشيدة مأمونة، فلا يصح لها التصرف في أموالهم ومعاملاتهم، الا
إذا جعلها الاب أو الجد قيمة بعد موته على ذلك، أو نصبها الحاكم الشرعي ولية على أمورهم،
وحيث لا ولاية للام بنفسها على أولادها فلا يصح لها ان تنصب من بعدها وصيا عليهم وعلى
أموالهم.
[ المسألة 43: ] إذا أوصى رجل ببعض ماله لاطفال زيد القاصرين
وجعل على المال الموصى به وليا من قبله يتولى التصرف في المال عنهم والصرف في شؤونهم،
صحت وصيته لهم بالمال ولم تصح وصيته على المال بالولاية والقيمومة بل يكون أمر المال
الموصى به لابيهم أو لجدهم لابيهم إذا كان أحدهما موجودا، وللوصي المجعول على الاطفال
من قبل أحدهما إذا كانا معا غير موجودين، وللحاكم الشرعي إذا فقدوا جميعا.
[ المسألة 44: ] يجوز للرجل أن يوصي ببعض ماله لاطفال
زيد القاصرين، ويشترط في وصيته أن يكون المال بيد الوصي الذي يرتضيه ما دام الاطفال
صغارا حتى يبلغوا سن الرشد، فيملكهم وصيه المال بعد بلوغهم فتصح الوصية والشرط، فإذا
بلغ الاطفال الحلم ورشدوا ملكهم وصيه الامين المال الموصى به، سواء كان أبوهم وجدهم
موجودين أم ميتين. وإذا اشترط الموصي أن يكون المال بيد وصيه وهو يتولى صرفه على الاطفال
من غير تمليك لهم، ففي صحة هذا الشرط اشكال إذا كان المراد ان الوصي يتولى الصرف على
الاطفال من غير مراجعة للاب أو الجد أو للحاكم إذا كانا غير موجودين.
[ الفصل الثاني ] [ في المال الموصى به ]
[ المسألة 45: ] يشترط في الوصية التمليكية أن يكون
الشئ الذي يوصي به الموصي مما له نفع مقصود يعتد به العقلاء، وتتعلق به أغراضهم، ويعد
الشئ بسبب ذلك مالا في انظارهم، ويصح أن يكون عينا مشخصة خارجية، فيوصي الرجل لغيره
بداره المعينة أو ببستانه المعين، ويصح أن يكون كليا في الذمة أو كليا في المعين، فيوصي
له بعشرة أمنان من الحنطة مما تنتجه المزرعة أو تشترى له من التركة، أو يوصي له باحدى
الآلات أو الاجهزة المتماثلة من صنع معمل واحد الموجودة في مخزنه أو التي تشترى له
من السوق، ويصح أن يكون دينا، فيوصي له بدينه الحال أو المؤجل الذي يستحقه في ذمة زيد،
ويصح أن يكون منفعة معينة فيوصي له بسكنى داره المعلومة مدة محددة، ويصح أن يكون منفعة
كلية فيوصي له بمنفعة احدى المبردات أو احدى المدفئات الموجودة لديه، ويصح أن يكون
حقا معلوما قابلا للنقل فيوصي له بحق التحجير الثابت له في الارض المعينة أو بحق الاختصاص
الموجود له في الشئ المعين، ويصح أن تكون العين الموصى بها موجودة بالفعل، وأن تكون
معدومة بالفعل ولكنها متوقعة الوجود في ما يأتي، فيوصي له بالجارية الموجودة أو بالدابة
أو بالشجرة المعينة، أو يوصي له بما تحمله الجارية أو بما تحمله الدابة أو بما تثمر
الشجرة إذا كان الحمل والاثمار فيها مرجوا، ويصح ان يوصي له بسيارته المسروقة إذا كان
استرجاعها متوقعا.
[ المسألة 46: ] لا يشترط في الامر الموصى به أن يكون مما يصح تملكه، ولذلك
فتصح الوصية بكلب الزرع وكلب الحائط وكلب الماشية، وان قيل بعدم ملكيتها، ويكفي في
صحة الوصية وجود منفعة محللة في الشئ يرغب فيها العقلاء ويعدونه بسبب وجود تلك المنفعة
فيه مالا، ولا تصح الوصية بالحشرات لعدم الفائدة المقصودة فيها، ولا بكلب الهراش كما
عليه المشهور، وتصح الوصية به إذا وجدت له منفعة محللة، وتصح الوصية بالخمر والخنزير
وان كانا غير مملوكين إذا وجدت لهما منفعة محللة كالتخليل في الخمر، وقد وجدنا من يربي
الخنزير في اصطبلات الخيل، وظاهره ان لوجود الخنزير معها جدوى ملحوظة في تنشئة الخيل
أو في تنقية الاصطبل، وكالتسميد وشبهه في الحيوانات الميتة ولا تصح الوصية بالشئ إذا
لم تكن له فائدة، أو انحصرت فائدته بالمنفعة المحرمة.
[ المسألة 47: ] لا تصح الوصية بالمنفعة المحرمة، وان
كانت للعين منافع أخرى محللة إذا لم تكن تلك المنافع هي المقصودة بالوصية، ومثال ذلك:
ان يوصي لاحد بمنفعة الجارية المغنية، ليستمع إلى غنائها أو لينتفع باجارتها لذلك،
فلا تصح الوصية بها، وان كانت للجارية منافع محللة، ولكنه أوصى بالمنفعة المحرمة، أو
يوصي له ببعض آلات اللهو أو المقامرة، لينتفع باستعمالها في النواحي المحرمة أو باجارتها
لذلك، وإذا أوصى له بمنافعها مطلقا وكانت لها منافع محللة صحت الوصية وانصرفت إلى المنافع
المحللة خاصة، وإذا أوصى بمنافعها المحلل منها والمحرم صحت الوصية بالمحلل وبطلت في
المحرم، وإذا انحصرت منافع العين بالمحرمة بطلت الوصية.
[ المسألة 48: ] لا تصح الوصية بالحقوق غير القابلة للنقل
إلى غير صاحبها التي جعلت له شرعا، كحق القذف، وحق الشفعة لغير الشريك، وحق الاستمتاع
بالزوجة لغير زوجها، وحق القسم لغير الزوجة، وأمثالها من الحقوق. ولا يصح أن يوصي الانسان
عن نفسه بمال لغيره، ومثال ذلك: أن يوصي الرجل لزيد بدار مملوكة لعمرو إذا مات الموصي
نفسه، وإذا أوصى الرجل عن عمرو مالك الدار وصية فضولية، فملك زيدا دار عمرو إذا مات
مالكها، وأجاز عمرو وصيته، لم يبعد الحكم بالصحة فيملك الموصى له الدار إذا مات مالكها.
[ المسألة 49: ] لا تصح الوصية العهدية بعمل ثبت تحريمه
في الاسلام، سواء كان تحريمه لمنافاته للعقيدة الثابتة في الدين ولوازمها المعلومة،
أم كان لمباينته للاخلاق الزكية التي يدعو إليها الاسلام، أم كان لمخالفته للاحكام
الثابتة في الشريعة، فإذا أوصى الموصي بشئ من ذلك أو بصرف ماله في شئ منه كانت الوصية
باطلة لا يجب تنفيذها بل يحرم على الوصي والورثة العمل بها، ومن أمثلة ذلك ان يوصي
باعانة ظالم على ظلمه، أو يوصي باعانة فاسق على فسقه، أو بصرف شئ من ماله في ذلك.
[ المسألة 50: ] لا تصح الوصية بأعمال لا تتعلق بها الاغراض
الصحيحة من الناس، ومثال ذلك: أن يوصي بأفعال سفهية، أو عابثة لا تجدي فائدة ولا منفعة
في انظار العقلاء، أو يوصي بصرف ماله فيها.
[ المسألة 51: ] إذا أوصى الرجل بعمل من الاعمال وهو
يرى أنه عمل سائغ بحسب اجتهاده أو تقليده، وكان العمل غير جائز في رأي الوصي بحسب اجتهاده
أو تقليده، لم يجب على الوصي تنفيذ الوصية، بل لا يجوز له تنفيذها. وإذا اتفق الامر
بعكس ذلك، فأوصى الموصي بأمر لا يسوغ بحسب اجتهاده أو تقليده، وكان ذلك العمل سائغا
عند الوصي بحسب اجتهاده أو تقليده نفذت الوصية، ولزم الوصي العمل بها.
[ المسألة 52: ] إذا أوصى الانسان إلى غير وليه بأن يباشر
تجهيزه بعد موته، فيغسله بنفسه ويكفنه ويصلى عليه، أو أوصى إليه ببعض ذلك، وقبل الشخص
منه هذه الوصية، صحت وصيته إليه، ووجب عليه أن يقوم بالعمل الذي أوصاه به ولم يحتج
الى أن يستأذن من الولي عندما يقوم بالعمل، والولي هنا هو الوارث الشرعي لذلك الموصي،
سواء انفرد بميراثه أم اشترك معه غيره، وسواء كان نصيبه في الميراث كثيرا أم قليلا.
وإذا أوصى الرجل إلى ذلك الغير بأن يكون وليا له في أمر التجهيز أو في بعضه، جاز للوصي
أن يرد الوصية مادام الموصي حيا، فإذا رد الوصية في حياته وبلغه رده لم تثبت الوصية،
وإذا هو لم يرد الوصية حتى مات الوصي، أو ردها ولم يبلغ الموصي رده حتى مات، وجب على
الوصي تنفيذ الوصية ولزم الاستيئذان منه في التجهيز إذا أراد أحد القيام به ولا يستأذن
من الولي، والاحوط أن يستأذن من كليهما، وتراجع المسألة الستمائة والخمسون وما قبلها
من كتاب الطهارة، فقد أوردنا هذه الاحكام فيها مع بعض التفصيل.
[ المسألة 53: ] تخرج الديون التي تكون على الانسان من
أصل تركته بعد موته، سواء أوصى بوفائها عنه أم لم يوص، والمراد بالدين المال الذي تشتغل
به الذمة اشتغالا وضعيا، سواء كان لله أم للناس. فمن الدين الزكاة والخمس عند استقرارهما
في الذمة، ومنه رد المظالم، والكفارات المالية والنذور المالية بعد استقرارها في الذمة
كذلك، ومنه حجة الاسلام والحج الواجب بالنذر على الاقوى. ومن ديون الناس الاموال التي
يقترضها الرجل وتشتغل ذمته باعواضها، وأثمان الاشياء التي يشتريها نسيئة وتبقى في ذمته
مؤجلة أو غير مؤجلة، والمبيعات الكلية التي يبيعها سلفا، والاعواض في المعاملات التي
يجريها مع الناس وتبقى الاعواض في ذمته إلى أمد أو إلى غير أمد، وما يضمنه لغيره من
دين أو بدل متلف أو أرش معيب، أو دية جناية وغير ذلك، فتخرج جميع هذه الديون من أصل
تركة الميت وان استوعبتها جميعا. وليس من هذه الديون التي ذكرنا أنها تخرج من الاصل:
ما يلزم الانسان من الكفارات المخيرة، والنذور غير المالية، والواجبات الاخرى غير المالية،
كالصلاة والصوم إذا اشتغلت ذمة الانسان بقضائها، فلا تخرج من أصل تركته إذا مات، بل
تخرج من ثلثه إذا أوصى بها.
[ المسألة 54: ] انما تنفذ الوصايا من ثلث تركة الميت
خاصة، سواء كانت الوصية تمليكية أم عهدية تبرعية، ولذلك فيشترط في صحة الوصية أن لا
يزيد المال الموصى به على ثلث التركة، وإذا زاد ما أوصى به على الثلاث توقفت صحة الوصية
بالزائد على اجازة الوارث، فإذا أجازها صحت الوصية به جميعا ونفذت وإذا لم يجزها صحت
الوصية بمقدار الثلث منه وبطلت في الزائد. ويراد بالعهدية التبرعية أن يعهد الانسان
إلى وارثه أو وصيه بأن يتبرع بعده بشئ من ماله لاحد أو لنوع أو لجهة معينة، فيقول:
ادفعوا لزيد بعد موتي مائة دينار مثلا، أو يقول ادفعوها للفقراء، أو للمسجد أو المشهد
المعين، أو انفقوها في اقامة العزاء، أو في اطعام المساكين، أو في الزيارة، فيعتبر
فيها كما يعتبر في الوصية التمليكية ان لا يزيد المال الموصى به على ثلث التركة، وإذا
زاد عليه جرى فيه الكلام السابق، ولا فرق في الحكم المذكور بين الوصية في حال الصحة
أو في حال المرض. والوصية العهدية التبرعية قسم من الوصية التبرعية وسيأتي ذكرها في
المسألة الثامنة والسبعين وما بعدها ان شاء الله تعالى.
[ المسألة 55: ] قد يوصي الموصي بكسر مشاع من تركته،
فيقول: ملكت أخي عليا ربع ما أتركه بعد وفاتي من المال، أو يقول: ملكته ثلثه، أو نصفه،
وتطبيق الحكم الآنف بيانه في المسألة المتقدمة واضح جدا، فان كان الكسر الذي أوصى به
لاخيه هو الثلث أو أقل منه، صحت الوصية وملك الموصى له المال الموصى به بعد الموت،
ووجب على الموصي وعلى الورثة تنفيذها، وان كان الكسر الموصى به اكثر من الثلث، صحت
الوصية بمقدار الثلث، وبطلت في ما يزيد عليه وهو السدس في المثال الاخير المتقدم إذا
لم يمض الورثة الوصية به. وقد يوصي بعين خاصة من التركة، فيقول: ملكت أخي عليا بعد
موتي داري المعلومة أو بستاني المعين، وتطبيق الحكم: أن تقدر قيمة مجموع التركة، وتقدر
قيمة العين الخاصة التي أوصى لاخيه بها، وتنسب قيمة العين إلى قيمة المجموع، فإذا كانت
بمقدار ثلثها أو أقل، نفذت الوصية في جميع العين، وإذا زادت قيمتها على ذلك صحت في
مقدار الثلث من قيمة المجموع وأخذت من نفس العين، وتوقفت صحتها في الزائد عن الثلث
على اجازة الورثة، فتصح إذا أجازوها، وتبطل إذا ردوها. وقد يوصي الموصي بمقدار معلوم
من المال، فيقول: ملكت أخي عليا ألفي دينار من تركتي بعد موتي، أو يقول: ملكته مائتي
وزنة من الحنطة، وتطبيق الحكم أن تقدر قيمة مجموع التركة، وينسب مقدار المال الموصى
به في المثال الاول ومقدار قيمته في المثال الثاني، إلى قيمة مجموع التركة، فتنفذ الوصية
في مقدار الثلث وفي ما هو أقل منه، وتتوقف صحتها على امضاء الورثة في ما يزيد عليه.
[ المسألة 56: ] التركة التي يكون بلوغ مقدار ثلثها هو
المدار في صحة الوصية وعدم صحتها - فإذا كان المال الموصى به بمقداره أو أقل منه كانت
الوصية به صحيحة، وإذا زاد عليه لم تصح الوصية في الزائد منه الا باجازة الورثة - هي
ما يخلفه الموصي من الاموال وغيرها بعد موته، لا ما يوجد لديه منها حين وصيته، فان
أموال الموصي قد تزيد بعد حال الوصية وقد تنقص، والمدار على مقدارها حال الموت، بل
على ما يلحق بها بعد الموت في بعض الحالات ويعد من التركة شرعا، وان كان قبضه بعد الموت،
وهي ديته إذا قتل أو جرح، وسيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى في المسألة الثانية والستين،
فالتركة هي المجموع منها ومما يتركه الموصي حين موته. فإذا أوصى الموصي لاخيه علي -
كما ذكرنا - بنصف تركته، وكان نصف تركته يوم الوصية يبلغ ألفي دينار، ثم كثرت أمواله
بعد ذلك، فأصبح المال الذي أوصى به وهو الالفان بمقدار الثلث أو أقل منه حين ما مات،
نفذت الوصية وصحت بالمال الموصى به ولم تحتج إلى اجازة الوارث، وان كانت زائدة على
ثلثه حين الوصية. وإذا أوصى له بثلث تركته، وكان في يوم وصيته يبلغ ألفي دينار، ثم
نقصت أمواله بعد الوصية فكانت الالفان بمقدار نصف التركة حين الموت، صحت الوصية بمقدار
الثلث منها فحسب، وتوقفت صحتها في ما زاد على الثلث وهو السدس على اجازة الوارث فيه.
وإذا أوصى الموصي لاخيه بداره المعينة، وكانت قيمة الدار في يوم الوصية تبلغ قيمة نصف
التركة، ثم زادت أموال الموصي أو نقصت قيمة الدار، فأصبحت تساوي مقدار ثلث تركته يوم
موته أو أقل، صحت الوصية بالدار ولم تفتقر إلى اجازة الوارث، وان كانت زائدة على الثلث
يوم وصيته. وإذا أوصى له بالدار وكانت قيمتها في حال الوصية بمقدار الثلث من أمواله
الموجودة عنده حين الوصية أو أقل، ثم نقصت أمواله أو زادت قيمة الدار، فأصبحت قيمتها
بمقدار نصف التركة حين الوفاة، صحت الوصية بمقدار ثلثه في وقت الوفاة وتدفع إلى الموصى
له من الدار الموصى بها نفسها، ولم تصح الوصية في ما زاد على الثلث الا إذا أجازها
الوارث. وإذا أوصى لاخيه بمبلغ ألفي دينار، وكان ذلك بمقدار النصف من التركة في يوم
الوصية، ثم كثرت أموال الموصي، فأصبح الالفان الموصى بهما بمقدار الثلث من التركة حال
الموت أو أقل منه نفذت الوصية وصحت، وإذا نقصت الاموال فأصبح الالفان الموصى بهما بمقدار
نصف المال الموجود لديه حين الموت صحت الوصية بالثلث، وتوقفت في الباقي على الاجازة.
وإذا دلت القرائن على تخصيص الوصية بأعيان مخصوصة، اختصت الوصية بها ولم تشمل الاعيان
والاموال التي تتجدد للموصي بعد الوصية، واختصت بمقدار الثلث من تلك الاعيان المخصوصة،
وتوقفت في ما زاد عن ثلثها على اجازة الوارث. وإذا تبدلت تلك الاعيان الخاصة التي اختصت
بها الوصية، سقطت الوصية ولم يجب تنفيذها. وإذا حفت الوصية بأمور تصلح للقرينية وتوجب
الاجمال في مراد الموصي منها فلم يعلم انها تختص بالاعيان الموجودة حين الوصية، أو
تعم الاموال والاعيان التي تدخل في ملك الموصي بعد الوصية وقبل الموت، كان الحكم أيضا
كما تقدم، فلا تشمل الوصية الاموال المتجددة وتختص بالاعيان الخاصة التي يعلم بتعلق
الوصية بها قطعا. وتجري الاحكام السابقة، فتكون الوصية بمقدار الثلث من تلك الاعيان
وتتوقف في ما زاد على الاجازة وتسقط الوصية إذا تبدلت الاعيان.
[ المسألة 57: ] إذا أوصى الرجل بما يزيد على ثلث تركته،
توقفت صحة الوصية في المقدار الزائد على اجازة وارث الموصي - كما ذكرنا ذلك مرارا -
فإذا أجاز الوارث الوصية بعد موت مورثه الموصي، صحت الوصية بلا ريب ووجب تنفيذها، وكذلك
الحكم إذا أجازها في حال حياة الموصي واستمر على اجازتها حتى مات فتصح الوصية في الصورتين.
وإذا أجاز الوصية في حال حياة الموصي ثم ردها في حال حياته، فالاقوى أيضا صحة الوصية
ولا حكم لرده وان استمر عليه حتى مات مورثه الموصي، وكذلك إذا أجاز الوصية في حياة
الموصي ثم ردها بعد موته. وعلى وجه الاجمال فلا أثر لرد الوارث للوصية إذا سبقت منه
الاجازة لها، سواء كانت الاجازة السابقة والرد اللاحق لها في حال حياة الموصي أم بعد
موته، ولا أثر كذلك للرد السابق في حال حياة الموصي إذا لحقته الاجازة في حال حياته
أو بعدها. وإذا رد الوارث الوصية بعد موت الموصي ولم تسبقه اجازة منه قبل الموت ولا
بعده، بطلت الوصية ولم تنفذ، وكذلك إذا رد الوصية في حال الحياة واستمر على ردها إلى
ما بعد الموت، فلا تصح الوصية أيضا إذا لم تسبق رده اجازة، وكذلك إذا لم تصدر من الوارث
اجازة ولا رد للوصية في حياة الموصي ولا بعد موته، فلا تصح الوصية. وإذا رد الوارث
الوصية بعد موت الموصي ثم أجازها بعد ذلك ففي صحة الوصية في هذه الصورة اشكال، ولا
تترك مراعاة الاحتياط فيها.
[ المسألة 58: ] اجازة الوارث لوصية الموصي بما يزيد
على ثلثه، هي أن يمضي الوارث الوصية وينفذها، ولذلك فلابد وأن ينشئ امضاءه وتنفيذه
بقول أو فعل يدل عليه، فيقول: أجزت الوصية أو أنفذتها مثلا أو يدفع الزيادة للموصى
له، ولا يكفي في الاجازة أن يرضى بالوصية في قلبه وتطيب نفسه بملك الموصى له للمال.
[ المسألة 59: ] تصح الوصية في الزائد على الثلث بمقدار
ما يحصل من اجازة الوارث وتنفيذه، فإذا أجاز الوصية بجميع الزيادة صحت في الجميع كذلك،
وإذا أجازها في البعض صحت بمقدار ذلك البعض وبطلت في الباقي. ومثال ذلك: أن يوصي الموصي
لاحد بألف وخمسمائة دينار مثلا، ويكون مقدار ثلثه من التركة ألف دينار فقط، فان اجاز
الوارث الوصية بجميع الخمسمائة الزائدة صحت كذلك، وان اجازها في مائة دينار أو مائتين
صحت في ما أجاز، وبطلت في الباقي.
[ المسألة 60: ] إذا تعدد وارث الموصي، وأجاز بعضهم الوصية ولم يجزها الآخر،
صحت الوصية في نصيب الوارث المجيز من الزيادة على الثلث، وبطلت في نصيب الوارث غير
المجيز منها، ومثال ذلك: أن يوصي الموصي لاحد بألف وستمائة دينار، ويكون ثلث الموصي
من تركته ألف دينار فحسب، ويكون له ولدان، فإذا أجاز أحد الولدين ولم يجز الآخر صحت
الوصية في نصيب الولد الذي اجاز الوصية وهو نصف الستمائة، وبطلت في نصيب الثاني منها،
وإذا كان له ولد وبنت، فان أجاز الولد ولم تجز البنت صحت الوصية في أربعمائة دينار
وهي نصيب الولد المجيز، وبطلت في مائتين، وهي نصيب البنت، وان أجازت البنت ولم يجز
الولد صحت الوصية في مائتين وهي نصيب البنت، وبطلت في الباقي وهو نصيب الولد.
[ المسألة 61: ] إذا أجاز الوارث وصية مورثه الموصي في
ما زاد على الثلث، صحت الوصية وان كانت الاجازة متأخرة عن الوصية مدة طويلة اشهرا أو
سنين، كما إذا أوصى الموصي، ولم يجز الوارث حتى مات الموصي بعد سنين من انشاء الوصية،
فتصح الوصية بذلك، فلا يعتبر في الاجازة أن تكون على الفور، على الاقوى.
[ المسألة 62: ] إذا قتل الرجل خطأ أو عمدا شبيها بالخطأ، فالدية التي تؤخذ
له من القاتل أو من قبيلته، تحتسب من تركته بعد الموت، فتضاف إلى سائر أمواله الموجودة،
ويخرج من مجموع ذلك ثلثه الذي تخرج منه وصاياه، وكذلك إذا قتل عمدا، وصالح أولياؤه
القاتل عن حقهم على الدية فان الدية المدفوعة تكون من التركة.
[ المسألة 63: ] إذا نصب الرجل شبكة للصيد في حياته،
ووقع السمك أو الطير فيها بعد وفاته، أشكل الحكم باحتساب ما تصيده الشبكة من تركة الميت
كما تحتسب الدية، لتوفى منها ديونه ووصاياه، فلابد فيه من الاحتياط بالمصالحة والتراضي.
[ المسألة 64: ] إذا تميزت أموال الميت من أموال غيره
ولو على سبيل الاجمال وعلم ما يدخل في عنوان التركة مما لا يدخل، أخرجت من هذه التركة
أولا: الديون والواجبات التي اشتغلت بها ذمة الميت اشتغالا وضعيا حسب ما فصلناه في
المسألة الثالثة والخمسين، ثم احتسب الثلث مما يبقى من التركة بعد ذلك، فيكون هذا هو
المورد التي تخرج منه وصايا الميت التمليكية والعهدية. وليس المراد من قولنا: أخرجت
الديون والواجبات من التركة أولا، أنه يجب اخراجها بالفعل، بحيث لا يصح اعتبار الثلث
الا بعد اخراج الدين، بل المراد ان اعتبار الثلث يكون بعد استثناء مقدار ما يفي بالديون
والواجبات من التركة، سواء أخرجت بالفعل أم تأخر اخراجها، ونتيجة لذلك فيمكن ان توفى
الديون، وتنفذ الوصايا في وقت واحد إذا علمت المقادير، وعلم مقدار الثلث.
[ المسألة 65: ] إذا ابرأ الدائن ذمة الميت من دينه بعد
موته، لم يجب وفاؤه من التركة، فلا يستثنى منها مقدار ذلك الدين عند اعتبار الثلث،
وكذلك إذا تبرع أحد بأداء دين عن الميت، فلا يستثنى مقدار ذلك الدين من التركة عند
اعتبار الثلث، ونتيجة لذلك فإذا أبرئت ذمة الميت من جميع ديونه، أو تبرع عنه المتبرعون
بوفاء ديونه جميعا، أخرج الثلث من جميع التركة.
[ المسألة 66: ] يجوز للموصي أن يعين ثلث تركته في عين
مخصوصة منها، فيقول: هذا البستان أو هذه العمارة ثلثي من جميع ما أملكه، فإذا عينه
كذلك تعين، ولم يجز للورثة تبديله بعد موته، وإذا عينه ثم ظهر بعد الموت انه أكثر من
ثلث التركة، فان أجاز الورثة وصيته في الزائد نفذت في جميع العين، وان لم يجيزوها،
قومت العين واختص الثلث منها بمقدار قيمة ثلث التركة واقعا، ورجع الباقي من العين ميراثا.
وإذا ظهر أن ما عينه أقل من ثلث التركة، فان كان ذلك في حياة الموصي جاز له أن يمضي
وصيته، فيختص حقه بالعين وان كانت أقل من الثلث، ويصح له أن يبدل الوصية، وأن يضيف
إلى العين ما يكمل له مقدار الثلث من عين أخرى، وإذا ظهر أنه أقل من ثلث التركة بعد
موت الموصي، اشكل الحكم في اضافة غير العين المخصوصة إليها، الا أن يرضى الورثة بذلك،
أو تكون وصايا الميت أكثر من العين التي عينها للثلث، فيجب انفاذ الوصايا حتى يتم الثلث
أو يعلم ان مقصود الموصي هو الوصية بمقدار الثلث واقعا أو تدل نفس وصيته على ذلك. وكذلك
الحكم إذا فوض الموصي تعيين ثلثه إلى الوصي، فإذا عينه بعد الموت بحسب وصيته تعين ولم
يتوقف على ان يرضى الورثة بتعيينه. وإذا استبان بعد ذلك ان العين التي عينها الوصي
للثلث أكثر من ثلث التركة، جرى فيه التفصيل المتقدم ذكره في هذه الصورة من تعيين الموصي،
وإذا استبان ان العين أقل قيمة من ثلث التركة، فالظاهر انه يجوز للوصي تبديل تعيينه،
بل يجب عليه ذلك إذا كان التفاوت بمقدار لا تشمله وصية الموصي بتفويض التعيين إليه.
[ المسألة 67: ] إذا أوصى الموصي بثلثه من التركة ولم
يعينه في عين مخصوصة، ولم يفوض أمر تعيينه إلى الوصي من بعده كانت التركة مشتركة بينه
وبين الورثة على وجه الاشاعة، ولا يتعين الثلث في عين مخصوصة من التركة الا برضى الوصي
والورثة جميعا.
[ المسألة 68: ] تصح الوصية من الموصي وان لم يقصد بها
أنها من ثلثه الذي يخصه من التركة، من غير فرق بين الوصية التمليكية والعهدية، فإذا
أوصى لاحد من الناس أو لجهة من الجهات بمبلغ من المال أو بشئ من الاشياء التي يملكها
أو عهد إلى وصيه أو يتبرع من بعده لذلك الشخص أو لتلك الجهة بشئ ولم يلاحظ أن ما أوصى
به يكون من ثلثه أو لم يلتفت إلى ذلك - ولعل هذا هو الغالب في وصايا عامة الناس - صحت
منه وصيته إذا كانت بقدر الثلث أو أقل منه، وإذا كانت أكثر من الثلث صحت في مقداره
وتوقفت في ما زاد عليه على اجازة الوارث، فان أجاز الوصية به صحت وان لم يجزها بطلت،
كما هو الحكم في كل وصية.
[ المسألة 69: ] إذا أوصى الموصي لاحد أو لجهة بشئ من التركة على النحو الذي
ذكرناه في المسألة السابقة، وقصد في وصيته أن المال الذي أوصى به يخرج من ثلثي الورثة،
بحيث يبقى ثلثه الذي يختص به من التركة سليما من النقص، توقفت صحة هذه الوصية على اجازة
الورثة، فان أجازوها صحت وان لم يجيزوها بطلت، ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون قد
أوصى بثلثه أيضا قبل تلك الوصية أو بعدها أو لم يوص بالثلث.
[ المسألة 70: ] إذا أوصى الموصي بشئ من التركة على الوجه
المتقدم ذكره، وقصد في وصيته ان المال الموصى به يخرج من جميع التركة لا من الثلث وحده،
فللمسألة صورتان: الصورة الاولى: أن يوصي بهذه الوصية وحدها، ولا يوصي بثلثه أصلا لا
قبل هذه الوصية ولا بعدها، فيقول: أوصيت لعبد الله بداري المعلومة بحيث تعطى له من
أصل تركتي لا من الثلث وحده، والظاهر صحة الوصية في هذه الصورة إذا كان المال الموصى
به بمقدار الثلث أو أقل منه، وإذا زاد على مقدار الثلث، صحت الوصية بمقدار الثلث منه
وتوقفت الصحة في الزائد على اجازة الورثة كما في نظائره التي تكرر ذكرها. الصورة الثانية:
أن يوصي بالوصية الآنف ذكرها، ويوصي معها بثلثه من التركة، فيقول: أوصيت لعبد الله
بداري المعينة بحيث تخرج من جميع التركة لا من الثلث وحده، وأوصيت بثلثي من التركة
لزيد. والظاهر في هذه الصورة بطلان الوصية بثلثي الدار الا إذا أجازها الورثة فتصح
بذلك من الاصل، وتبطل وصيته بثلثه لزيد بمقدار ثلث الدار فيكون هذا المقدار لعبد الله
تنفيذا لوصيته الاولى له بالدار الا إذا اجاز الورثة أن يخرج ذلك من الاصل ايضا، فتصح
الوصيتان حين ذلك.
[ المسألة 71: ] ذكرنا في المسألة الثالثة والخمسين ان
الديون والواجبات المالية تخرج من أصل تركة الانسان، سواء أوصى بها أم لم يوص، ونتيجة
لذلك فإذا أوصى بها الموصي ثم تلف من التركة شئ بعد موته، أو تلف الثلث كله لم يسقط
وجوب اداء الديون والواجبات المالية بذلك، بل يجب اخراجها من الباقي وان استوعب جميع
التركة، وكذلك الحكم إذا غصب بعض التركة غاصب أو سرقه سارق، فيجب اخراج الديون والواجبات
المالية من الباقي.
[ المسألة 72: ] إذا امتنع بعض الورثة عن وفاء ما ينوب حصته من ديون لله أو
للناس لم يسقط وجوب اداء الديون عن غيره من الورثة ولا عنه، فيجب الوفاء عليهم جميعا،
وإذا أدى الوارث الآخر ما ينوب حصة الوارث الممتنع من الدين وكان اداؤه باذن الحاكم
الشرعي له في ذلك جاز له الرجوع على الممتنع بما أدى عنه، وإذا أداه بغير اذن الحاكم
له، اشكل الحكم بجواز الرجوع عليه.
[ المسألة 73: ] إذا عين الموصي ثلثه في عين مخصوصة من التركة أو عينه وصيه
الذي فوض إليه ذلك كما تقدم في المسألة السادسة والستين، ثم تلف الثلث بعد موت الموصي
سقط وجوب العمل بالوصايا المالية التمليكية أو العهدية، وإذا تلف بعض الثلث ولم يف
الباقي منه بتنفيذ الوصايا، سقط وجوب العمل بالوصية في الجملة، ولوحظ في تقديم بعض
الوصايا على بعض أو توزيع باقي الثلث عليها ما سيأتي بيانه في المسائل الآتية ان شاء
الله تعالى، وكذلك الحكم إذا كان الثلث مشاعا في التركة، ثم تلف بعض التركة بعد موت
الموصي، فيؤخذ ثلث بقية التركة وتطبق فيه الاحكام المتقدم ذكرها.
[ المسألة 74: ] إذا علم بأن الرجل أوصى بما يزيد على
مقدار ثلثه أو انه أوصى بجميع تركته في أمور عينها في وصيته ثم مات بعد الوصية، وشك
الوصي أو الوارث في أن الامور التي أوصى بها، هل هي واجبات مالية اشتغلت بها ذمته،
من نذور أو كفارات مالية، فتكون ديونا عليه تخرج من أصل التركة وتكون وصية نافذة، وان
زادت على الثلث ولا تحتاج إلى اجازة من الوارث، أو هي وصايا بغير ذلك، فلا تصح في ما
زاد على الثلث حتى يجيزها الوارث، فالاظهر كونها من الثاني، فلا تصح بما يزيد منها
على الثلث الا باجازة الوارث.
[ المسألة 75: ] إذا أوصى الرجل بأن تدفع عنه مائة دينار
مثلا زكاة، أو قال: ادفعوها عني خمسا، أو نذرا للفقراء أو لطلاب العلم، ثم شك بعد موته
في انها واجبات اشتغلت بها ذمته اشتغالا وضعيا فتخرج من أصل تركته، أو أنه انما أوصى
بها احتياطا استحبابيا لنفسه، فتخرج من ثلثه، فالظاهر من عبارته كونها من الاول، فيكون
تنفيذ الوصية من الاصل.
[ المسألة 76: ] إذا أوصى الانسان بوصية، ثم أوصى بوصية
أخرى تضاد الاولى وتنافيها، فقال: أوصيت بداري المعينة بعد موتي لزيد، ثم قال بعد ذلك.
أوصيت بالدار المعينة لعمرو، كان ذلك عدولا عن الوصية الاولى إلى الثانية، فيجب العمل
على اللاحقة، وكذلك إذا قال: ادفعوا بعد وفاتي هذا الصندوق وما فيه من المال وهو ألف
دينار إلى زيد، ثم قال: أعطوا الصندوق والالف الذي فيه بعد موتي لعمرو، فيجب دفع الصندوق
والمال إلى عمرو، وهكذا إذا تعددت الوصايا أكثر من ذلك وكانت اللاحقة منافية لسابقتها،
فيكون العمل على الوصية المتأخرة. وإذا قال: ادفعوا داري المعينة لزيد، ثم قال: ادفعوا
نصف الدار لعمرو، كانت وصيته الثانية عدولا عن الوصية الاولى بنصف الدار فقط، فيكون
لعمرو نصف الدار عملا بالوصية الثانية، ويكون لزيد نصفها الثاني عملا بالوصية الاولى.
وإذا قال: أوصيت بثلث تركتي لزيد، ثم قال: اعطوا ثلث التركة لعمرو، فان علم ان مراده
بالوصيتين الثلث الذي يختص به الموصي من التركة بعد موته، كانت وصيته الثانية عدولا
عن الوصية الاولى، فيلزم العمل بالثانية كما سبق في نظيره، وان علم من القرائن أو احتمل
احتمالا يعتد به أهل العرف انه يريد بالوصية الثانية ثلثا آخر من التركة غير ثلثه المختص
به كانت الوصية الاولى هي النافذة، ورجع الامر في الوصية الثانية إلى الورثة فان أجازوها
صحت، وان لم يجيزوها ألغيت.
[ المسألة 77: ] ما ذكرناه من الحكم في الوصايا المتضادة،
لا يختص بالوصايا المتعلقة بالمال، بل يعم الوصايا العهدية المتعلقة بغير المال، فإذا
أوصى الرجل بأن يدفن في مقبرة خاصة من بلده مثلا، ثم أوصى بدفنه في موضع آخر أو بنقله
إلى أحد المشاهد المشرفة، فالعمل على الوصية المتأخرة، وكذلك إذا أوصى إلى أحد ان يباشر
تجهيزه بعد موته، فيغسله ويكفنه ويصلي. عليه، ثم أوصى إلى غير ذلك الشخص أن يكون هو
المباشر لذلك، فتكون الوصية الثانية ناسخة للاولى.
[ المسألة 78: ] إذا ذكرت كلمة الوصية التبرعية فالمقصود منها: أن يوصي الانسان
بأمر لم يجب عليه ولم تشتغل به ذمته، ومنها الوصية التمليكية التي سبق ذكرها في أول
كتاب الوصية، ومنها العهدية التبرعية وقد سبق ذكرها في المسألة الرابعة والخمسين، وسيأتي
بعض الاحكام التي تتعلق بها.
[ المسألة 79: ] إذا أوصى الانسان بوصايا متعددة، وكانت
وصاياه كلها بواجبات مالية قد اشتغلت بها ذمته اشتغالا وضعيا، وأصبحت ديونا عليه لله،
كالزكاة والخمس والمظالم وغيرها مما تقدم ذكره في الوصية بالديون أو كانت ديونا للناس
مما تقدم ذكره هناك ايضا، وجب تنفيذ جميعها من أصل التركة، وان زادت على الثلث، أو
استوعبت التركة، ولا يتوقف وجوب تنفيذها على اجازة الورثة وقد تكرر منا ذكر ذلك.
[ المسألة 80: ] إذا أوصى الانسان بوصايا متعدة، وكانت
وصاياه جميعا واجبات غير مالية كالصلاة والصوم، أو واجبات مالية قبل أن تشتغل بها ذمة
الموصي اشتغالا وضعيا تكون بسببه من الديون، كالزكاة إذا كانت لا تزال حقا متعلقا بالعين
الزكوية ثم مات المكلف قبل أن يؤديها، وقبل أن يتصرف في العين الزكوية تصرفا ينقل الزكاة
إلى ذمته، فإذا مات كذلك كانت كسائر الواجبات فإذا أوصى بها أخرجت من ثلثه، وكالخمس
إذا كان بهذه الصفة، وكالمظالم والنذور المالية إذا كانت متعلقة ولم تنتقل إلى الذمة
ونحو ذلك. ومخرج هذا النوع من الوصايا هو الثلث، فان وفى الثلث بجميع الوصايا وجب اخراجها
منه، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بها وأجاز الورثة أن يؤخذ الزائد من أصل التركة وجب
اخراجه من الاصل، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بالوصايا ولم يرض الورثة باخراج الزائد
من أصل التركة، فان كان الموصي قد أتى بالوصايا مترتبة في ذكرها عند الوصية، واحدة
بعد واحدة، فقال في وصيته مثلا: اخرجوا عني مائة دينار لقضاء صلوات سنة تامة، ومائة
دينار لقضاء صوم شهر رمضان، ومائة دينار لاطعام ستين مسكينا كفارة لافطار يوم من شهر
رمضان، فإذا قصر الثلث ولم يجز الورثة كما فرضنا، بدئ بتنفيذ الوصية السابقة من الوصايا
فالسابقة بعدها حتى ينتهي الثلث، ويسقط وجوب العمل ببقية الوصايا بعد انتهاء الثلث،
ويكفي الترتيب الذكري للوصايا وان لم يكن بالحروف الدالة على الترتيب. وان كان الموصي
قد ذكر الوصايا مجتمعة من غير ترتيب، فقال في وصيته مثلا: على قضاء صلوات سنة تامة،
وصيام شهر رمضان، واطعام ستين مسكينا لكفارة الافطار في شهر رمضان، فاخرجوا عني لكل
واحدة منها مائة دينار مائة دينار، فإذا قصر الثلث عن الوفاء بها كافة، ولم يجز الورثة
ان يؤخذ الزائد من الاصل، وزع الثلث على الوصايا بالنسبة، فيدفع لكل واحدة من الوصايا
الثلاث المذكورة في المثال ثلث من الثلث وإذا اختلفت مقادير الوصايا في نسبتها إلى
المجموع، اختلف المقدار المدفوع من الثلث، والامثلة على ذلك غير خفية على الملتفت،
وأمر التطبيق فيها جلي.
[ المسألة 81: ] إذا أوصى الرجل بعدة من الوصايا وكانت
جميع وصاياه تبرعية غير واجبة عليه، سواء كانت تمليكية أم عهدية، فمخرجها جميعا هو
الثلث، كما هو الحال في فروض المسألة السابقة، وتجري فيها الاحكام التي ذكرناها لتلك
الفروض، فإذا كان الثلث وافيا بالوصايا كلها، أخرجت منه جميعا ووجب تنفيذها، وإذا زادت
الوصايا عن الثلث، وأجاز الورثة أن يؤخذ الزائد على الثلث من أصل التركة وجب تنفيذها
كذلك. وإذا زادت الوصايا التبرعية عن الثلث، ولم يرض الورثة باخراج الزائد عليه من
الاصل، لوحظت الوصايا فان جاءت مترتبة في ذكرها بالوصية فتذكر الوصية اللاحقة بعد اتمام
الوصية السابقة عليها، وجب أن يبدأ بتنفيذ الاولى من الوصايا ثم الاولى بعدها حتى يستوعب
الثلث كله، وتسقط الوصايا التي تبقى بعد ذلك عن التنفيذ. وإذا لم يف الثلث بالوصايا،
ولم يجز الورثة أن ينفذ الزائد من الاصل، وكانت الوصايا غير مترتبة في ذكرها بالوصية،
وزع الثلث على الوصايا بالنسبة على الوجه الذي مر ذكره، والامثلة للفروض التي تقع في
المسألة وتطبيق الاحكام عليها، يعرف جليا مما سبق في نظيرها.
[ المسألة 82: ] إذا أوصى الرجل بعدة من الوصايا، وكان بعض ما أوصى به واجبا
ماليا يعد من الديون التي تخرج من أصل التركة وكان بعض ما أوصى به واجبا غير مالي يخرج
من الثلث، ولم يعين الموصي في وصيته أن تخرج وصاياه من الاصل أو من الثلث، وجب أن يخرج
القسم الاول من وصاياه من أصل تركته كما هو الحكم فيه، ثم يعين ثلثه بعد ذلك من بقية
تركته ويخرج منه القسم الثاني من الوصايا، فإذا قصر الثلث عن الوفاء به ورضي الوارث
باخراج الزائد من الاصل وجب تنفيذه كذلك، وإذا لم يجز الورثة ذلك سقط باقي الوصايا
ولم يجب تنفيذه. ومثال ذلك أن يقول الموصي: أخرجوا عني مائة دينار قد اشتغلت بها ذمتي
من الزكاة، وأخرجوا عني مائتي دينار لقضاء صلاة سنتين، ومائتي دينار لقضاء صوم شهرين
تركت صومهما في شهر رمضان من عامين، وكان مجموع تركته ألف دينار، فإذا اخرج الوصي مائة
دينار للزكاة من أصل تركته، بقي منها تسعمائة دينار وثلثها ثلاثمائة، وهي تقصر عن الوفاء
بالصلاة والصيام، بحسب الوصية، فتخرج منه مائتا دينار لقضاء الصلاة، مائة دينار لقضاء
شهر واحد من الصوم، وتسقط الوصية بصيام الشهر الثاني لقصور الثلث عنها، الا أن يرضى
الورثة باخراجها من الاصل، فتخرج منه. وإذا عين الموصي أن يخرج جميع وصاياه المذكورة
من الثلث، وكان ثلثه وافيا بجميعها، وجب أن يخرج الجميع منه كما عين، وإذا قصر الثلث
عن الوفاء بها ولم يجز الورثة أن يخرج الزائد من الاصل، لوحظت الوصايا، فإذا كان الموصي
قد رتب بعضها على بعض في الذكر عند الوصية بها، على النحو الذي بيناه في المسألة الثمانين،
قدم الاولى منها فالاولى بعدها حتى ينتهي الثلث. وإذا بقي من الوصايا شئ بعد انتهاء
الثلث وكان الباقي من الواجبات المالية التي تعد ديونا، وجب ان يخرج من الاصل كما هو
الحكم فيه، ويجب كذلك تتميمه من الاصل إذا وفى الثلث ببعضه وقصر عن بعضه، وإذا كان
الباقي من الوصايا بعد انتهاء الثلث من الواجبات التي لا تعد ديونا، سقطت الوصية به.
وإذا كان الموصي قد ذكر الوصايا جميعا ولم يرتب ما بينها في الذكر وجب أن يوزع الثلث
عليها بالنسبة، ثم يتمم كل واجب مالي منها من أصل التركة.
[ المسألة 83: ] إذا أوصى الرجل بواجبات حكمها الاصلي
أن تخرج من أصل التركة، وبوصايا أخرى تبرعية حكمها أن تخرج من الثلث، ولم يبين في وصيته
أن تخرج هذه الوصايا من الاصل أو من الثلث، بدأ بالقسم الاول منها فأخرجه من الاصل
كما هو حكمه، ثم أخرج ثلث ما بقي من التركة وأخرج القسم الثاني منه، وإذا قصر الثلث
عن الوفاء به أخذ الزائد عن الثلث من أصل التركة إذا أجاز الورثة ذلك، وإذا لم يجيزوه
طبقت الاحكام السابقة فإذا كانت الوصايا مترتبة في ذكرها بالوصية بدئ باخراج الوصية
الاولى من الثلث ثم الاولى بعدها ينتهي الثلث، فإذا انتهى الثلث سقط باقي الوصايا عن
التنفيذ، وإذا كانت الوصايا غير مترتبة وزع الثلث عليها بالنسبة كما سبق في نظائر ذلك.
وإذا ذكر الموصي أن وصاياه تخرج من الثلث، وجب تقديم الواجب على غيره بالتنفيذ من الثلث
على النحو المتقدم من الترتيب أو التوزيع، وإذا بقي من الثلث شئ بعد اخراج الواجبات
صرف الباقي منه في الوصايا التبرعية الاولى منها فالاولى وإذا كانت غير مترتبة قسط
الباقي عليها بالنسبة، وإذا قصر الثلث عن الوفاء بالواجب أو عن اتمامه وجب أخذه أو
تتميمه من أصل التركة.
[ المسألة 84: ] إذا أوصى الرجل بواجبات لا تخرج من أصل التركة، وبوصايا تبرعية،
وجب اخراج جميعها من الثلث، ووجب تقديم الواجبات على غيرها من الوصايا، ويكون تنفيذها
على النهج المتقدم من الترتيب إذا كانت مترتبة في الذكر والتوزيع إذا كانت غير مترتبة،
فإذا بقي من الثلث شئ بعد اخراج الواجبات صرف في تنفيذ الوصايا التبرعية على النهج
المتقدم أيضا من الترتيب ما بينها أو التوزيع ولا يؤخذ للواجبات أو لغيرها شئ من الاصل
إذا قصر الثلث عن اتمامه الا إذا أجاز الورثة أخذه منه.
[ المسألة 85: ] إذا أوصى الموصي بواجبات تخرج من الاصل، وبواجبات غيرها تخرج
من الثلث، وبوصايا تبرعية تخرج من الثلث كذلك، فان لم يبين في وصيته أن الوصايا تخرج
من الاصل أو من الثلث، وجب أن يبدأ بالواجبات التي تخرج من الاصل، فإذا نفذت جميعا
من الاصل، عين ثلث الباقي من التركة، واخرجت منه الواجبات الاخرى، الاول منها فالاول،
بحسب ترتيبها في الوصية، وإذا كانت غير مترتبة في ذكرها بالوصية، وزع الثلث عليها بالنسبة،
وإذا بقي من الثلث شئ بعد اخراج الواجبات، صرف في الوصايا التبرعية، على نهج ما تقدم
من ترتيب إذا كانت مترتبة وتوزيع عليها بالنسبة إذا كانت غير مترتبة. وإذا أوصى أن
تخرج وصاياه كلها من الثلث، قدمت الواجبات على الوصايا التبرعية، ولا خصوصية للواجب
المالي هنا على غيره من الواجبات، فإذا كانت الواجبات مترتبة في ذكرها بالوصية، بدئ
بالاول منها فالاول سواء كان ماليا أم غير مالي، فإذا انتهى الثلث وبقي بعض الواجبات
المالية وجب اخراجه من الاصل وإذا قصر عن اتمامه وجب اتمامه من الاصل، وإذا بقي من
الواجبات الاخرى أو من الوصايا التبرعية شئ بعد انتهاء الثلث سقطت الوصية به. وإذا
كانت الوصايا بالواجبات مذكورة في الوصية بغير ترتيب في الذكر، ولم يف الثلث بها جميعا
وجب توزيعه عليها بالنسبة على النهج الذي تقدم، وإذا دخل على بعض الواجبات المالية
نقص بسبب ذلك تمم من الاصل. وإذا زاد الثلث على الواجبات صرف الباقي منه في تنفيذ الوصايا
التبرعية على النهج المتقدم من ترتيب أو توزيع.
[ المسألة 86: ] إذا أوصى الموصي لاحد وصية تمليكية بثلث
تركته على وجه الاشاعة أو بربعها، صحت الوصية كما تقدم، فإذا مات الموصي ملك الشخص
الموصى له الحصة الموصى بها ملكا مستقرا، وأصبح شريكا مع الورثة في التركة بمقدار الثلث
أو الربع المجعول له، فيكون له من كل عين من أعيان التركة ومن كل شئ من اشيائها ثلثه
أو ربعه على وجه الاشاعة، فإذا نمت التركة أو أنتجت نماءا متصلا أو منفصلا كان النماء
الحاصل مشتركا بين الموصى له والورثة بتلك النسبة، وإذا تلف من التركة شئ أو جزء كان
التلف منهم جميعا بتلك النسبة أيضا، وتبقى الشركة بينه وبين الورثة حتى تحصل القسمة
المميزة لماله عن مالهم، وكذلك الحكم إذا أوصى الموصي للرجل بكسر مشاع غير ذلك كالخمس
أو السدس أو العشر من التركة، فيحصل الملك بموت الموصي وتقع الشركة بينه وبين الورثة
بنسبة ذلك الكسر. ويجرى هذا الحكم في الوصية العهدية أيضا، فإذا أوصى بأن يدفع ثلث
تركته أو ربعها أو خمسها للفقراء أو السادة أو اليتامى، وقعت الشركة بين الورثة والعنوان
الذي أوصى بتمليكه بالنسبة التي حددها في وصيته، وإذا أوصى بصرف ثلث تركته أو ربعها
في مصلحته الخاصة من طاعات وقربات كانت الحصة الموصى بها باقية على ملك الميت فيكون
شريكا للورثة بتلك النسبة من التركة ويكون له من نمائها إذا نمت ويدخل عليه من التلف
إذا تلفت بتلك النسبة أيضا.
[ المسألة 87: ] ذكرنا في المسألة السادسة والستين انه
يجوز للموصي أن يعين ثلث تركته في عين مخصوصة من التركة، فإذا عينه كذلك اختصت العين
بالموصي، ولم يجز للورثة تبديله، وهذا الحكم عام يشمل ما إذا كانت وصيته بالثلث ليصرف
في الخيرات والقربات، فيكون الثلث لمصلحة الموصي نفسه، وتكون العين التي عين الثلث
فيها باقية على ملك الميت نفسه، ويشمل ما إذا كانت الوصية تمليكية، فيملك العين المخصوصة
لشخص من الاشخاص أو يخصصها لجهة من الجهات، وقد ذكرنا هذا في المسألة الخامسة والخمسين،
فتكون العين المخصوصة ملكا للموصى له في الصورة الثانية، وتبقي في ذلك الميت في الصورة
الاولى. ولا ريب في استقرار ملكهما للعين إذا كانت أموال التركة كلها حاضرة، بحيث يكون
الثلثان الآخران منها بأيدي الورثة بالفعل، فالعين المخصوصة ملك مستقر للموصى له في
الصورة الاولى يصح له التصرف فيها ويملك نماءها إذا نمت، ويختص هو بتلفها منه إذا تلفت،
وهي كذلك ملك مستقر للميت في الصورة الثانية بيد وصيه يتصرف فيها كما خوله الموصي،
ويصرفها في الجهات التي عينها من وجوه القربات ويتبع ذلك نماؤها وتلفها. وإذا كان بعض
الاموال من التركة غائبا ليس في أيدي الورثة، اشكل الحكم باستقرار ملك الموصى له أو
ملك الميت لجميع العين مادام ذلك المال غائبا ويحتمل تلفه قبل أن يقبضه الوراث. نعم
لا ينبغي الريب في استقرار الملك للعين بمقدار نصف ما بأيدي الورثة بالفعل من أموال
التركة، فيصح للموصى له أن يتصرف في ذلك المقدار من العين، المجعولة له وكذلك في ثلث
بقية العين فيصح له التصرف فيه. ويجوز ذلك للوصي في الصورة الثانية، ويبقى ملك الموصى
له وملك الميت في بقية العين وهو مقدار ثلث المال الغائب من التركة مراعى بحصوله للورثة
وعدم تلفه عليهم، وهذا على ما يراه المشهور، والمسألة شديدة الاشكال فلا يترك فيها
الاحتياط.
[ المسألة 88: ] إذا أوصى الرجل لاحد بعين مخصوصة من
تركته، ثم أوصى بتلك العين لشخص آخر بطلت الوصية الاولى ووجب العمل بالثانية وقد ذكرنا
هذا في المسألة السادسة والسبعين، فإذا جهل الموصى له السابق من اللاحق وتردد الامر
بينهما رجع في التعيين إلى القرعة وعمل عليها.
[ المسألة 89: ] إذا أوصى الرجل لاحد بمبلغ من المال
وتردد الامر في مقدار المبلغ الموصى به بين الاقل والاكثر: أهو مائة دينار مثلا أو
مائة وخمسون، بني على الاقل، وكذلك إذا أوصى له بأرض أو بعدد من النخيل أو بشئ آخر
وتردد الامر فيه بين الاقل والاكثر، فيبنى على الاقل، وإذا أوصى له بدار أو بدكان ثم
تردد في ان الموصى به أي الدارين، أو أي الدكانين، أو أي النخلتين مثلا، رجع في تعيين
الموصى به إلى القرعة، فيدفع إلى الموصى له العين التي تقع عليها القرعة.
[ المسألة 90: ] إذا قصر ثلث الميت عن تنفيذ وصاياه كلها
ولم يرض الورثة باخراج الزائد من الاصل، قدمت الوصية السابقة على اللاحقة في التنفيذ
إذا كانت مترتبة وقد ذكرنا ذلك في عدة من المسائل، فإذا شك في السابقة واللاحقة من
الوصيتين رجع إلى القرعة في تعيينها، فتقدم الوصية التي عينتها القرعة منهما.
[ المسألة 91: ] إذا أعطى الانسان غيره مبلغا من المال،
وأوصى إليه أن يصرفه عنه بعد موته في وجوه البر، أو في صلة الرحم مثلا، فان علم الوصي
ولو على الاجمال ان المال المدفوع إليه لا يزيد على ثلث تركته الموجودة عند وارثه،
وقبل منه وصيته، وجب عليه العمل بها وان لم يعلم الورثة بذلك، وإذا لم يعلم الوصي بنسبة
المال المدفوع إليه إلى التركة هل يبلغ مقدار الثلث منها أو يزيد عليه اشكل الحكم بوجوب
العمل بها الا إذا علم الورثة به وأجازوا.
[ الفصل الثالث ] [ في الموصى له ]
[ المسألة 92: ] يشترط في صحة الوصية إذا كانت تمليكية
أن يكون الشخص الموصى له موجودا بالفعل حين الوصية فلا تصح الوصية لمن كان ميتا حين
الوصية، سواء كان الموصي عالما بموته أم جاهلا به، فإذا أوصى لاحد يتوهم أو يظن انه
لا يزال موجودا، فظهر بعد ذلك انه كما ميتا في وقت الوصية، كانت الوصية باطلة، بل وان
قطع بوجوده فأوصى له بالمال، واستبان بعد ذلك انه ميت حال الوصية، فالوصية باطلة، ولا
يشترط أن يكون موجودا حين موت الموصي، فيكفي في صحة الوصية له أن يكون موجودا حال الوصية،
وقد تقدم في المسألة الثانية والعشرين ان الموصى له إذا مات في حياة الموصي انتقلت
الوصية إلى وارثه.
[ المسألة 93: ] لا تصح الوصية للمعدوم الذي يحتمل أن
يوجد بعد الوصية، ومثال ذلك أن يوصي الرجل للحمل الذي تحمل به فلانة في المستقبل، أو
يوصي لمن يوجد له بعد هذا من أولاد، أو لمن يوجد لفلان في المستقبل من أبناء. وتصح
الوصية للحمل في بطن أمه إذا كانت حاملا به في حال الوصية وان لم تلجه الروح بعد، ويشترط
في استقرار الوصية له أن تلده أمه حيا، فإذا مات في بطنها بعد الوصية أو ولدته ميتا
كانت الوصية باطلة، وإذا انفصل عنها حيا صحت الوصية وإذا مات بعد انفصاله عنها انتقل
المال الموصى به إلى ورثته.
[ المسألة 94: ] يصح للانسان أن يوصي للمعدوم إذا كانت
الوصية عهدية، ومثال ذلك ان يعهد الرجل إلى وصيه فيقول مثلا: إذا ولد لي من فلانة ولد
أو أولاد فادفع لها في كل عام مائة دينار لتنفقها في تربيتهم، أو يقول: ادفعوا لاولاد
أخي الذين يولدون له بعد وصيتي أو بعد موتي مبلغ كذا، أو اصرفوا عليهم بدل الاجارة
من داري المعينة، فتصح وصيته لهم إذا وجدوا، وان كانوا غير موجودين حين الوصية أو حين
موت الموصي.
[ المسألة 95: ] لا يشترط في صحة الوصية أن يكون الموصى
له مسلما، فتصح الوصية للذمي وللمرتد الملي إذا كان الشئ الذي يوصي به لهما مما يصح
تمليكه للكافر، ولا تصح الوصية للكافر الحربي ولا للمرتد الفطري على الاحوط لزوما فيهما.
[ المسألة 96: ] يشترط في الموصى له الحرية في الجملة،
فلا تصح الوصية لمملوك بملكه شخص آخر غير الموصي وان أجاز سيده أو يوصى له، وإذا كان
مكاتبا مطلقا وقد أدى بعض مال الكتابة وتحرر منه بعضه صحت الوصية له بمقدار ما فيه
من الحرية، فإذا تحرر منه نصفه صح نصف الوصية له، وإذا تحرر ثلثه أو ربعه صح من الوصية
له بذلك المقدار، وأما مملوك الموصي نفسه، فالظاهر صحة الوصية له، وفي المسألة أحكام
وفروض لا نتعرض لذكرها لعدم الفائدة بها في هذه العصور.
[ المسألة 97: ] لا يمنع من صحة الوصية للشخص أن يكون
وارثا للموصي، فيصح للانسان أن يوصي وصية تمليكية لابيه أو أمه أو ولده أو غيرهم من
ورثته، سواء كان الشخص الموصى له صغيرا أم كبيرا وغنيا أم فقيرا، وسواء كان نصيبه في
الميراث قليلا أم كثيرا، فتصح الوصية له في جميع الصور وان انحصر الميراث به. ويجوز
أن يخصص الرجل بعض أولاده بالوصية له دون غيره إذا كانت للموصى له مزية تفضله عليهم
من علم أو تقوى أو غيرهما من موجبات التفضيل، وينبغي الترك في ما سوى ذلك. وإذا كانت
الوصية للبعض دون غيره توجب اثاره الحقد والضغينة بين الاخوة فالاحوط لزوما اجتنابها.
[ المسألة 98: ] إذا أوصى الرجل بشئ من ماله لجهة معدومة
في حالا الوصية، ولكنها متوقعة الوجود في الزمان الآتي، فان كانت وصيته عهدية، كما
إذا قال لوصيه: ادفع مائة دينار في كل عام من مالي للمسجد الذي ينشئه فلان في البلد
بعد مدة، لتصرف في مصالح المسجد بعد وجوده، فتصح الوصية ويجب العمل بها إذا وجد المسجد
المعين، وإذا كانت الوصية تمليكية، فقال: خصصت للمسجد الذي سيقيمه فلان في القرية من
مالي مبلغ كذا، أو عينت له داري أو دكاني المعين، أشكل الحكم بالصحة.
[ المسألة 99: ] إذا أوصى الانسان بشئ من ماله لقرابته،
أو لذوي قرباه، شملت وصيته كل من يعرف بنسبه ومن يتصل به عرفا، سواء تقرب إليه بالاب
أم بالام، وشملت الوارث منهم وغير الوارث، والذكور والاناث والاغنياء والفقراء والكبار
والصغار، الا أن تقوم قرينة أو عرف على خلاف ذلك، فيدل على الانصراف عن بعضهم وعدم
الشمول له، ولا تشمل الوصية من يتصل به بالمصاهرة.
[ المسألة 100: ] إذا أوصى الانسان بالمال لجماعة محصورة
العدد، وكانوا ذكورا، أو كانوا اناثا، أو كانوا ذكورا واناثا شملتهم الوصية جميعا،
ويقسم المال الموصى به بينهم على السواء، فالانثى بقدر الذكر والصغير بقدر الكبير،
الا أن يصرح الموصي بتفضيل بعضهم على بعض في الحصة، أو بخروج بعض أفرادهم من الوصية،
أو تدل القرائن الظاهرة الدلالة على شئ من ذلك، فيكون ذلك هو المتبع، وكذلك الحكم إذا
أوصى بالمال لابنائه وبناته، أو لاخوانه وأخواته، أو لاعمامه وعماته، أو لاخواله وخالاته
أو لاعمامه وأخواله، فيكون الذكر والانثى منهم، والصغير والكبير، والعم والخال، والعم
والخالة، والخال والعمة، سواء في مقادير حصصهم من المال، الا إذا نص على التفضيل.
[ المسألة 101: ] إذا أوصى الرجل لجماعة غير محصورة العدد،
فقال: ثلثي من التركة لطلاب العلم في النجف مثلا، أو للسادة من أهل البلد، وكانوا غير
محصورين في عددهم، فالظاهر من الوصية ان المراد صرف المال في الجماعة الموصى لها، فلا
يجب البسط على الافراد ولا التسوية بين من يعطيه منهم في المقدار، فيكفي دفع المال
الموصى به إليهم كيف اتفق.
[ المسألة 102: ] يستحب ويتأكد الاستحباب ان يوصي الرجل
بشئ من ماله لارحامه وأقربائه الذين لا يصلهم ميراثه، ففي الحديث عن جعفر ابن محمد
عن أبيه (ع): من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرثه فقد ختم عمله بمعصيته، وفي
خبر سالمة مولاة ابي عبد الله (ع) كنت عند أبي عبد الله (ع) حين حضرته الوفاة فأغمى
عليه فلما أفاق قال اعطوا الحسن بن على بن الحسين وهو الافطس سبعين دينارا وأعطوا فلانا
كذا وكذا وفلانا كذا وكذا فقلت اتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة يريد ان يقتلك فقال تريدين
ان لا أكون من الذين قال الله عز وجل الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، نعم يا سالمة
ان الله تبارك وتعالى خلق الجنة وطيبها وطيب ريحها وان ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام
ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم.
[ المسألة 103: ] يصح للانسان أن يعين أحدا لتنفيذ
وصاياه التمليكية أو العهدية من بعده ويجعل له الولاية على ذلك. ويختار لذلك من يشاء
من ورثته أو من غيرهم من الاقارب والاباعد عنه، ويسمى الشخص الذي يعينه: الوصي، والموصى
إليه، ويشترط في صحة الوصاية أن تجتمع في الوصي عدة أمور.
[ المسألة 104: ] الشرط الاول: أن يكون الوصي بالغا على
الاحوط لزوما، إذا لم يكن اعتبار ذلك فيه هو الاقوى فيشكل الحكم بصحة الوصاية إليه
إذا كان صبيا لم يبلغ الحلم، وكان المقصود من الوصية إليه أن يقوم بتنفيذ الوصايا في
حال صباه قبل بلوغه على وجه الانفراد والاستقلال، بل لا تصح في هذه الصورة على الاحوط
كما ذكرنا. وكذلك يشكل الحكم بالصحة إذا أوصى إلى الصبي، وكان المقصود أن يقوم بتنفيذ
الوصايا في حال صباه باذن وليه الشرعي له في التنفيذ، والاحوط الترك، وإذا أوصى إليه
وكان المقصود أن يقوم بتنفيذ الوصايا بعد بلوغه ورشده، فالاقوى الصحة، وخصوصا إذا بلغ
الحلم والرشد قبل موت الموصي أو مقارنا معه.
[ المسألة 105: ] تصح الوصية إلى الصبي مع انضمامه إلى
الكامل، ولهذا الفرض صورتان: احداهما: أن يشترط الموصي أن لا يقوم الكامل بتنفيذ شئ
من الوصايا حتى يبلغ الصبي، فإذا بلغ الصبي ورشد قام مع الوصي الكامل بتنفيذ الوصايا
منضمين، الصورة الثانية: أن يقصد الموصي أن يتصرف الكامل قبل بلوغ الصبي تصرفا مستقلا،
فإذا بلغ الصبي ورشد قاما بالتصرف والتنفيذ منضمين، والظاهر الصحة في كلتا الصورتين.
[ المسألة 106: ] إذا قصد الموصي الصورة الاولى فمنع
الكامل من التصرف قبل أن يبلغ الصبي، واتفق وجود تصرفات لا يمكن تأخيرها إلى حين بلوغ
الصبي كوفاء الديون وايصال بعض الحقوق والودائع، رجع فيها إلى الحاكم الشرعي.
[ المسألة 107: ] إذا تصرف الكامل في الصورة الثانية
فنفذ بعض الوصايا قبل بلوغ الصبي، ثم بلغ الصبي فليس له أن يرد ما نفذه الكامل من الوصايا،
الا إذا أجرى الكامل شيئا يخالف فيه وصية الموصي، فيجوز له رده إلى الوصية.
[ المسألة 108: ] إذا مات الوصي الصغير قبل أن يبلغ مبلغ
الحلم استمر الكامل بوصايته وجاز له الانفراد بتنفيذ الوصايا للموصي، وكذلك إذا بلغ
الصبي وهو فاسد العقل فيستمر الكامل وحده بالوصاية والتنفيذ، والاحوط استحبابا ان يرجع
الى الحاكم الشرعي فيضم إليه وصيا آخر في الصورتين. وإذا بلغ الوصي الصغير الحلم ورشد،
ثم مات بعد ذلك أشكل الحكم باستمرار الكامل على وصايته وحده فلابد في هذا الفرض من
مراعاة الاحتياط سواء باشر بتنفيذ بعض الوصايا مع الصغير بعد بلوغه أم لم يباشر، فيضم
الحاكم الشرعي إليه شخصا آخر.
[ المسألة 109: ] الشرط الثاني مما يعتبر في الوصي أن
يكون عاقلا، فلا تصح الوصية إليه إذا كان مجنونا، سواء كان جنونه مطبقا أم كان أدوارا.
[ المسألة 110: ] المراد من اشتراط العقل في الوصي: أن
يكون عاقلا في الحال الذي يكون فيه موضعا لحكم الشارع بتحقق الوصاية إليه واتصافه بها،
وهو ما بعد الوصية ووفاة الموصي، فلا يحكم الشارع بوصايته إذا كان مجنونا في هذا الحال،
مطبقا أو أدواريا، وتثبت له الوصاية إذا كان عاقلا في هذا الحال، وان كان مجنونا حين
انشاء الوصية، فإذا أنشأ الموصي وصيته إلى الرجل المجنون وهو لا يعلم بجنونه، ثم عافاه
الله وأفاق من جنونه في حال موت الموصي كفى ذلك في وجود الشرط وصحت الوصية إليه، وكذلك
إذا أنشأ الموصي وصيته إليه ان هو أفاق من عارضه وعوفي من جنونه، ثم اتفق له ذلك حال
موت الموصي فتصح الوصاية لوجود الشرط. وكذلك الحكم في شرط البلوغ المتقدم ذكره، وفي
بقية الشروط الآتي بيانها، فالمعتبر ان تتحقق في ما بعد الوصية ووفاة الموصي،
[ المسألة 111: ] إذا مات الموصي بعد الوصية وكان الوصي
عاقلا في ذلك الحال ثبتت الوصية إليه كما بيناه، فإذا عرض له الجنون بعد ذلك بطلت وصايته،
وإذا ارتفع العارض عنه وأفاق من جنونه اشكل الحكم بعودة الوصية إليه وإذا كان الموصي
قد صرح في وصيته بعودة الوصاية إليه إذا هو أفاق بعد الجنون عمل بحسب وصيته.
[ المسألة 112: ] الشرط الثالث مما يعتبر في الوصي: أن
يكون مسلما على الاحوط إذا كان الموصي مسلما، فلا تصح الوصاية من المسلم إلى كافر على
الاحوط كما قلنا، وان كان ذميا أو مرتدا مليا، أو كان قريبا في النسب، أو كان معروفا
بالصدق والامانة في معاملاته، وإذا أوصى الكافر إلى كافر، ثم أسلم الموصي بطلت وصيته
الى الكافر الا إذ أسلم الوصي قبل أن يموت الموصي.
[ المسألة 113: ] لا يشترط في الوصي أن يكون عادلا، ويكفي
في صحة الوصية إليه أن يكون أمينا موثوقا وان كانت وصايته على أداء حقوق الله أو حقوق
الناس أو جعلت له الولاية على قاصرين أو يتامى، أو جعل له التصرف في أموالهم، ومعاملاتهم،
وأولى من ذلك بكفاية الامانة والوثوق ما إذا كانت الوصية إليه تتعلق بانفاق الثلث في
الخير والامور المقربة مما يعود نفعه إلى الموصي نفسه لا إلى غيره.
[ المسألة 114: ] إذا أوصى المسلم إلى مسلم، فارتد الوصي
عن الاسلام بطلت الوصية إليه، سواء كان ارتداده عن فطرة أم عن ملة، وإذا تاب ورجع الى
الاسلام أشكل الحكم بعود وصيته إليه، الا بوصية جديدة إذا كان الموصي لا يزال حيا،
أو يكون الموصي قد نص في وصيته الاولى على عوده إلى الوصية إذا هو ارتد ثم عاد إلى
الاسلام.
[ المسألة 115: ] إذا أوصى الرجل إلى وصي عادل، ففسق
الوصي، فان كان الموصي قد قيد وصيته إليه بوجود العدالة فيه، أو علم من القرائن الحافة
ان ذلك هو المقصود من الوصية إليه، أو كانت القرائن ظاهرة في الدلالة على ذلك ظهورا
يعتمد عليه أهل المحاورة، كانت الوصية إليه باطلة في جميع هذه الفروض، وان لم يعلم
تقييد الوصية بوجود العدالة، ولم يثبت ذلك بوجه معتبر لم تبطل الوصية بعروض الفسق،
وكذلك الحكم إذا أوصى إلى موثوق، فذهبت وثاقته فيجري فيه التفصيل المذكور.
[ المسألة 116: ] لا يتعين على الموصى إليه أن يقبل الوصية،
فإذا أوصى إليه الموصي جاز له ان يرد وصيته بشرط أن يكون الموصي لا يزال حيا، وبشرط
أن يبلغه الرد وهو حي، فإذا ردها كذلك لم تلزمه الوصاية ولم يجب عليه القيام بها، وقد
ذكرنا هذا الحكم وبينا فروضه في المسألة الرابعة عشرة والخامسة عشرة فليرجع اليهما.
[ المسألة 117: ] يجوز للانسان أن يوصي إلى وارثه، ويجوز
له أن يوصي إلى امرأة إذا اجتمعت فيها شرائط الوصية وان كان مكروها، ويجوز له أن يوصي
إلى أعمى.
[ المسألة 118: ] الاحوط لزوما أن لا يرد الولد وصية
أبيه إليه، وإذا كان في رد وصيته عقوق للاب لم يجز للولد ذلك، وكذلك إذا أمره الاب
بقبول الوصية وجب عليه قبولها ولم يجز له الرد، وللام في ذلك حكم الاب.
[ المسألة 119: ] إذا رد الولد وصية أبيه أو وصية أمه
في حياتهما وأبلغهما رده حتى ماتا، لم تثبت وصايته ولم يجب عليه العمل بها وان كان
آثما وعاقا برده للوصية.
[ المسألة 120: ] يجوز للانسان أن يعين له شخصين أو أكثر
لتنفيذ وصاياه، وإذا جعلهما كذلك فقد يصرح في وصيته أن كل واحد منهما وصي مستقل عن
صاحبه، له ان ينفرد عنه بالتصرف والتنفيذ حسب ما يراه، فإذا صرح في وصيته بذلك، صح
لكل واحد منهما أن يستقل بالتنفيذ عن الآخر، وإذا تصرف فليس لصاحبه أن يعترض على فعله
أو ينقض شيئا مما أبرمه الا إذا كان مخالفا لوصية الموصي، ومثله ما إذا دلت قرينة أو
امارة على استقلال كل منهما في وصيته. وإذا لم يصرح الموصي في وصيته، ولم تدل القرائن
على شئ من ذلك لم يجز لاحدهما أن يستقل بالتصرف عن الآخر في شئ من الوصايا، وليس لهما
أن يقتسما الوصايا، أو يقتسما الثلث بينهما، فيختص كل واحد منهما بقسم من الوصايا أو
بقسم من الثلث، بل يشتركان في تنفيذ الوصايا معا ويتازران على ذلك.
[ المسألة 121: ] إذا تشاح الوصيان فلم يجتمعا في تنفيذ الوصايا، تدخل الحاكم
الشرعي في أمرهما، فأجبر الممتنع إذا كان الممتنع أحدهما بعينه، فيجبره على الانضمام
إلى صاحبه، وإذا امتنع الطرفان نظر الحاكم في السبب المانع لهما من الاجتماع فإذا لم
يجد لهما مانعا من أن ينضما أجبرهما معا على الانضمام، وإذا وجد أن لاحدهما المعين
مانعا دون الآخر أجبر الشخص الذي لا مانع له فيضمه الى صاحبه، وإذا وجد أن لكل منهما
مانعا، انضم الحاكم نفسه إلى أحد الطرفين، فينفذ تصرفه، وتسقط وصية الآخر.
[ المسألة 122: ] إذا أوصى الرجل إلى شخصين ونص على انهما
وصيان على نحو الاستقلال، أو دلت على ذلك بعض القرائن الحافة كما ذكرنا، فإذا سبق أحدهما
في شئ كان تصرفه فيه هو النافذ، ولا يبقى بعده مجال لتصرف الثاني في ذلك الامر، وإذا
تقارنا في التصرف وكان تصرف أحدهما ينافي تصرف الآخر كانا باطلين. ومثال ذلك: أن يوصي
الموصي ببيع داره وانفاق ثمنها في بعض الوجوه فيبيعها أحدهما على رجل ويبيعها الثاني
على آخر في وقت واحد، فيبطل البيعان، ويجوز لهما ان يقتسما الاعمال الموصى بها بينهما،
فيختص كل واحد منهما بشئ منها، ويجوز لهما أن يقتسما الثلث، فيختص كل واحد منهما بالتصرف
في حصته من الثلث. وإذا مات أحد الوصيين في هذه الصورة، أو عرض له ما يوجب سقوط الوصاية
إليه، انفرد الآخر بالوصاية وقام بتنفيذها جميعا.
[ المسألة 123: ] إذا أوصى الرجل إلى اثنين ونص في وصيته
اليهما على انهما وصيان على وجه الانضمام، أو اطلق الوصية اليهما ولم يصرح باستقلال
أو انضمام، لم يجز لاحدهما الاستقلال عن صاحبه كما ذكرنا في المسألة المائة والعشرين،
وإذا مات أحد الوصيين أو عرض له ما يوجب سقوطه عن الوصاية، لم يجز للباقي أن يستقل
بالوصاية بل يضم الحاكم الشرعي إليه شخصا آخر يشترك معه في التصرف والتنفيذ، الا إذا
نص الموصي على غير ذلك فقال مثلا: هما وصيان بعدي على نحو الانضمام ما داما حيين، وإذا
مات أحدهما استقل الآخر، بالوصية.
[ المسألة 124: ] يجوز للرجل أن يوصي إلى أحد يتولى تنفيذ
وصيته مادام ولده فلان صغيرا فإذا بلغ ولده الحلم ورشد كان الولد هو الوصي، وسقطت وصاية
الاول، ويجوز له أن يجعل من بعده وصيين أو عدة أوصياء مترتبين، فيقول: جعلت وصيي من
بعدي على ثلثي وتنفيذ وصاياي أخي سعدا، فإذا مات سعد، أو عرض له ما يوجب سقوط وصايته
فوصيي من بعده أخي سليم، وإذا عرض له بعض ذلك فوصيي ابن اخي علي، فيكون اوصياؤه مترتبين
كما ذكر، وإذا اتفق ان مات الوصي الثاني قبل الاول ثم مات الاول فالوصي من بعده هو
الثالث.
[ المسألة 125: ] يجوز للموصي أن يقسم وصيته أقساما يميز
بعضها عن بعض، ويعين لكل قسم منها وصيا خاصا يتولى تنفيذه، ولا يشترك بعض الاوصياء
مع بعض في أعمالهم، فوصيه على تنفيذ وصاياه التمليكية ولده زيد، ووصيه على الانفاق
في وجوه الخير والبر ولده سعد، ووصيه على شؤون القاصرين من أولاده وتولي معاملاتهم
وأموالهم ولده سليم، أو يقسم ثلثه قسمين أو أكثر ويجعل على كل قسم وصيا يتولى تنفيذ
الوصية فيه.
[ المسألة 126: ] إذا اشترط الموصي في وصيته إلى الرجل
أن يواظب على عمل من الاعمال المحبوبة، أو يتصف بصفة من الصفات لزم ذلك، فإذا هو ترك
ذلك العمل أو ذهبت منه تلك الصفة بطلت الوصية، ومثال ذلك: ان يشترط في وصيته ان يكون
الوصي عدلا أو أن يواظب على الصلاة في أول وقتها، فإذا ذهبت منه العدالة أو انصرف عن
الصلاة في أول الوقت كان الوصية إليه باطلة، ورجع إلى الحاكم الشرعي في تنفيذ الوصية.
[ المسألة 127: ] إذا عجز الوصي عن تنفيذ الوصية لمرض
أو كبر سن أو غيرهما من الاعذار، ضم الحاكم الشرعي إليه شخصا يساعده على تنفيذها، وإذا
بلغ به الامر حتى عجز عن الوصية عجزا تاما لا يرجا زواله، انعزل عن الوصية بذلك فعلى
الحاكم الشرعي أن ينصب وصيا غيره.
[ المسألة 128: ] إذا ثبتت خيانة الوصي، فعلى الحاكم
الشرعي أن يضم إليه وصيا أمينا يمنعه عن الخيانة، فان لم يمكن ذلك، فالظاهر ان الوصي
ينعزل بذلك عن الوصية من غير حاجة إلى عزل، فيجب على الحاكم الشرعي ان ينصب وصيا غيره.
[ المسألة 129: ] ليس للوصي أن ينصب من بعده وصيا على
تنفيذ ما أوصي به إليه، الا إذا جعل الموصي الاول له الحق في أن يوصي إلى غيره، فإذا
مات الوصي وقد بقي من الوصية شئ لم ينجزه، أو مات قبل أن ينجز شيئا من الوصية كان على
الحاكم الشرعي أن ينصب وصيا لذلك. وكذلك الحكم في كل مورد تبقى فيه الوصية بعد موت
الوصي من غير تنفيذ، كما إذا مات الوصي قبل الموصي ولم يعلم الموصي بذلك الى أن مات،
وكما إذا مات الوصي وعلم الموصي بموته ولم يعدل عن أصل وصيته ولم يوص الى شخص آخر فينصب
الحاكم الشرعي في هذه الموارد وصيا لتنفيذ الوصية.
[ المسألة 130: ] الوصي أمين على ما بيده من الاموال
والاعيان التي تتعلق بها وصيته، فلا يضمن ما يتلف أو ينقص أو يعيب منها في يده، الا
إذا تعدى في تصرفه أو فرط، ويحصل ذلك بأن يخالف الوصية فيكون به ضامنا، وإذا تعدى أو
فرط أو خان كان ضامنا لمورد التعدي والتفريط والخيانة إذا حدث فيه تلف أو نقص أو عيب،
وان كان حدوثه بغير اختياره، والظاهر انه لا ضمان عليه في الموارد الاخرى التي لم يقع
منه فيها تعد ولا تفريط ولا خيانة، فلا يضمن ما يتلف أو يعيب فيها.
[ المسألة 131: ] إذا أوصى الرجل إلى وصيين على نحو الانضمام
أو على نحو الاستقلال كما ذكرنا في المسألة المائة والثالثة والعشرين، ثم مات الوصيان
معا قبل أن ينفذا جميع الوصية، وجب أن ينصب الحاكم الشرعي من قبله أحدا على التنفيذ
بعدهما ويجزى على الاقوى أن ينصب وصيا واحدا يقدر على تنفيذها، والاحوط استحبابا أن
ينصب وصيين.
[ المسألة 132: ] قد يعين الموصي لوصيه منهجا خاصا في
وصيته يريد منه تطبيقه والسير على وفقه، فيعين له أعمالا معينة يريد منه القيام بها،
ويحدد مقادير خاصة من الاموال يريد منه انفاقها أو تمليكها، ويذكر له وجوها مخصوصة
أو كيفيات محدودة يطلب منه اتباعها في التنفيذ، فيجب على الوصي اتباع ما حدد له وعين،
ولا يحق له أن يتجاوز شيئا من ذلك، فإذا تجاوزه كان ذلك خيانة توجب الاثم، وتوجب عدم
صحة التصرف كما توجب الضمان.
[ المسألة 133: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد وأطلق الامر
في الوصية، فلم يعين له عملا من الاعمال ولا وجها من الوجوه، ولا كيفية من الكيفيات،
بل قال له مثلا: أنت وصيي على ان تخرج ثلثي من تركتي وتضعه في مواضعه، كان على الوصي
ان يعمل في الوصية بما يراه من من وجوه المصلحة التي تعود إلى الميت الموصي، وإذا دار
الامر بين وجوه من المصلحة وجب عليه أن يقدم ما هو الاصلح منها للموصي، ولذلك فلابد
للوصي من النظر في الوجوه الممكنة منها وبذل الجهد في معرفة ما هو صالح وما هو أصلح،
وما هو أكثر صلاحا وأكبر جدوى منه، وما يحتاج إليه الميت الموصي وما هو أحوج إليه،
وما هو أشد حاجة إليه من ذلك. ولا ريب في اختلاف ذلك بحسب اختلاف أحوال الموتى، واختلاف
حاجاتهم إلى بعض الاعمال دون بعض، فمن الناس من يحتاج إلى الاحتياط عنه بأداء حقوق
مالية، أو تكون حاجته إليها أشد لكثرة تقصيره فيها، ومن الناس من يفتقر إلى الاحتياط
عنه باداء عبادات أخرى من صلاة وصوم وغيرهما، أو يكون افتقاره إليه أكثر لكثرة تقصيره
فيها، إلى غير ذلك مما تكون عليه أحوال الناس المختلفة في التقصير في الواجبات وعدم
التقصير. وقد يحتاج الوصي في تمييز مراتب الحاجة واستبانة ما هو الاصلح والاجدى نفعا
الى الاستعانة بالآخرين ليقدم ما يجب تقديمه، والانسان انما يكلف بمقدار ما يعلم وما
يستطيع، ولكن لابد من النظر وبذل الجهد المستطاع. وإذا دلت القرائن أو العرف العام
بين الناس على ارادة شئ معين من الوجوه كان العمل عليه.
[ المسألة 134: ] قد يقول بعض الناس: وصيي فلان، ولا
يوضح ما يعني من الوصية، أهي وصية بتجهيزه بعد الموت أم بدفنه في موضع خاص يريده، أم
بقضاء ديون للناس عليه، أم باستيفاء حقوق له على الآخرين، أم باخراج ثلث له من تركته،
وفي أي وجه ينفق الثلث إذا أخرج، باداء واجبات شرعية عليه أم بغير ذلك من الوجوه المحتملة،
ولا تدل القرائن الخاصة ولا العامة على تعيين شئ فتكون الوصية لغوا لا أثر لها. وقد
يستعمل هذا النوع من الوصايا عند بعض القبائل، ويكون المتعارف بين تلك القبائل انها
وصية تامة، فالوصي الذي عينه الشخص الموصي يقوم بتقسيم تركته على ورثته على الوجه المطلوب،
ويخرج منها ثلثه، ويبقى الثلث بيد الوصي، ويقوم الوصي قبل ذلك برد أمانات الناس وودائعهم
إليهم، واسترجاع أمانات الموصي وودائعه التي له عند الناس، ويقوم أيضا بوفاء ما على
الميت من الديون إذا كانت عليه ديون، أو يوقع التراضي ما بين الديان والورثة على بعض
الوجوه، ويستوفي ما له على الناس من حقوق إذا كانت له عليهم حقوق، ويقوم مع الورثة
بنقل جنازته إلى بعض المشاهد بما يفي بذلك من الثلث، ويقوم بفاتحته وتوفية شؤونها من
الثلث أيضا، ومما يتبرع به المتبرعون لذلك، وينفق الباقي من الثلث في وجوه الخير، ورد
المظالم بالرجوع إلى أهل المعرفة بذلك أو الرجوع إلى الحاكم الشرعي، فإذا دل التعارف
العام على قصد ذلك في الوصية، صحت ووجب انفاذها فيه. ويشكل الامر في ثبوت ولاية هذا
الوصي على القاصرين من أولاد الموصي، فلابد من الاحتياط بأن يستأذن في تصرفه في أموالهم
ومعاملاتهم وشؤونهم من الحاكم الشرعي، وأن يقيمه الحاكم وليا عليهم إذا ثبتت كفاءته
لذلك، ويوضح له ما تلزم مراعاته في ذلك ليقيم تصرفه على الوجه الصحيح، وان لا ينصب
الحاكم قيما غيره الا باذنه.
[ المسألة 135: ] إذا جعل الرجل لوصيه الحق في أن يوصي
من بعده إلى أحد لينفذ الوصايا التي لم ينفذها، جاز للوصي ذلك، ويكون الوصي الجديد
وصيا عن الوصي الاول لا عن الموصي الاول. ونتيجة لذلك، فإذا أوصى إليه جاز لهذا الوصي
أن يرد وصيته مادام الموصي إليه حيا بشرط أن يبلغه الرد قبل ان يموت كما هو الحكم في
كل وصية، وجاز للموصي أن يعدل عن وصيته إليه قبل الموت أيضا. وإذا كان الموصي الاول
قد خول وصيه في أن ينصب وصيا آخر عن الموصي نفسه، فلا يبعد الحكم بصحة ذلك أيضا، ويكون
الوصي الجديد وصيا عن الموصي الاول، فلا يجوز للوصي الاول عزله أو الرجوع في وصيته،
ويشكل الحكم بجواز رد الوصي الثاني للوصية وعدم قبولها، لان المفروض موت الموصي الاول.
[ المسألة 136: ] لا يجوز للوصي أن يعزل نفسه عن الوصاية
بعد أن مات الموصي ولم يردها في حياته، أو ردها ولم يبلغه خبر الرد حتى مات كما تكرر
ذكره، ولا يجوز له أن ينقل الوصية من نفسه إلى غيره، بعد أن لزمته ووجب عليه العمل
بها مادام حيا، وتلاحظ المسألة المائة والتاسعة والعشرون، والمسألة المائة والخامسة
والثلاثون في ما يتعلق بالوصية بعد موته.
[ المسألة 137: ] إذا أوصى إليه الموصي وثبت من صيغة
الوصية أو من القرائن الحافة بها أن الموصي لا يعتبر ان يقوم الوصي بمباشرة تنفيذ الوصية
بنفسه، بل ظهر أن المقصود أن ينجز الوصي ذلك بعمل نفسه أو بعمل غيره تحت اشرافه ورعايته،
جاز للوصي في هذه الصورة أن يفوض تنفيذ الوصية كلها أو تنفيذ بعضها إلى غيره، ويجعله
وكيلا مفوضا في التصرف والانجاز عنه، وخصوصا إذا كان الشخص الذي يوكل الامر إليه أبصر
منه بطرق التنفيذ وبموارد التطبيق وأدق في ملاحظة الامور، ومراعاة المصلحة للموصي وما
هو الاصلح، ويكون عمل هذا الوكيل المفوض عملا للوصي الذي اعتمد عليه بالواسطة وقياما
منه بالوصية التي وجب عليه انجازها، ويجوز له ان يفوض ذلك إلى شخص واحد كما يصح له
أن يوكله إلى أشخاص متعددين، فوجد مثلا ان العمل في الوصية متعدد الجوانب وكل جانب
منه يقتضي الايكال إلى خبير يقوم بانجازه على الوجه الاتم أو الاقرب.
[ المسألة 138: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد وعين له مصارف
المال الموصى به، والجهات أو الاشخاص التي يصرف المال فيها، ونسي الوصي المصارف المعينة
للمال، فقد يتردد بين جهات غير محصورة، فلم يدر انه أوصى بصرف المال في الفقراء أو
في السادات أو في اليتامى أو في طلاب العلم أو في مصالح المساجد وهكذا، وحكمه في هذه
الصورة أن يصرف المال الموصى به في وجوه البر التي يحتمل أن الموصي قد عينها له في
الوصية، ولا يكفي صرفه في الوجوه غير المحتملة من وجوه البر، وكذلك إذا تردد بين أشخاص
غير محصورين، فينفق المال في وجوه البر على الاشخاص الذين يحتمل شمول الوصية لهم. وقد
يتردد الوصي بين جهات محصورة العدد أو بين أشخاص محصوري العدد، ولا يبعد أن يكون الحكم
في ذلك هو الرجوع إلى القرعة، فيصرف المال في الجهة التي تعينها القرعة من تلك الجهات،
وعلى الشخص الذي تعينه القرعة من أولئك الاشخاص.
[ المسألة 139: ] قد يوصي الانسان إلى أحد ويجعل على
وصيه ناظرا يشترط على الوصي أن يكون ذلك الناظر مشرفا على عمله بالوصية وعلى تنفيذه
لها، فإذا قبل الوصي الوصية والشرط، أو علم بالوصية المشروطة ولم يردها حتى مات الموصي،
أو ردها ولم يبلغه خبر الرد حتى مات، لزم الوصي أن يعمل بالوصية وان يطلع الناظر على
عمله حتى يكون عالما بتنفيذ الوصية، ولا يصح له أن يعمل بها بغير علم الناظر واطلاعه،
وإذا فعل كذلك كان مخالفا للوصية المشروطة، وكان عمله بغير اذن الموصي. والغرض من نصب
هذا الناظر هو أن يحصل الوثوق بأن الوصي قد انجز الوصية حسب ما قرر الموصي، فإذا خالف
الوصي الوصية اعترض عليه.
[ المسألة 140: ] لا موضوعية لرأي هذا الناظر نفسه، فلا
يجب على الموصي أن يتبع رأيه في التنفيذ، بل المدار أن يعلم بأنه نفذ ولم يخالف، فإذا
كان من بنود الوصية أن يدفع الوصي مبلغا من المال إلى فقير مثلا، وأراد الوصي دفع المبلغ
الى ابراهيم، وكان الناظر يرى أن دفعه إلى خالد أولى أو أرجح، لم يجب على الوصي أن
يعمل برأي الناظر، فإذا دفع المبلغ إلى ابراهيم كما رأى صح تصرفه وليس للناظر أن يعترض
عليه في ذلك، الا إذا كان الدفع إلى ابراهيم يخالف الوصية فيلزم الناظر الاعتراض في
ذلك، ولا يصح للوصي فعله لمخالفته الوصية لا لمخالفة رأي الناظر.
[ المسألة 141: ] وقد يوصي الانسان ويجعل على وصيه ناظرا، ويشترط على الوصي
أن يكون عمله بالوصية موافقا لرأي الناظر وما يرجحه من الامور والمصالح والجهات، فيجب
على الوصي العمل بالوصية المشروطة كذلك فإذا رأى الناظر رأيا أو رجح أمرا وجب على الوصي
الاخذ به والعمل على وفقه، فإذا رآى الناظر أن دفع المبلغ الى خالد أرجح في المثال
الآنف ذكره لزم على الوصي ان يدفع المبلغ إليه، وإذا عمل بغير رأي الناظر كان مخالفا
للوصية المشروطة ولما أذن به الموصي.
[ المسألة 142: ] جعل الناظر على الوصي وصية خاصة إليه
بذلك، فإذا ردها الناظر في حياة الموصي وبلغه الرد قبل موته لم يجب على الناظر القيام
بالنظارة التي أوصى إليه بها، وإذا مات الموصي ولم يرد الناظر وصيته، أو ردها في حياته
ولم يبلغه الخبر حتى مات لزمه القيام بالنظارة كما هو الحكم في الوصية، سواء كان الناظر
من القسم الاول أم من القسم الثاني الآنف ذكرهما، ولا وظيفة له غير ذلك الا أن يضيف
الموصي إليه وظيفة أخرى تتعلق بوصيته.
[ المسألة 143: ] لا تجب على الناظر ممانعة الوصي عن
ان يخون وصيته أو يخالفها أو يفرط فيها، نعم يجب عليه تنبيهه على المخالفة والاعتراض
عليه إذا كان ذلك مما تقتضيه نظارته عرفا، فإذا خان الوصي بعد التنبيه وخالف الوصية
لم يكن الناظر ضامنا ولا آثما. وإذا لزمه التنبيه ولم ينبه ولم يعترض كان آثما ولا
ضمان عليه، وكذلك إذا كان من القسم الثاني ولم يبد رأيه الذي يراه صحيحا كان آثما
[ المسألة 144: ] إذا جعل الموصي على وصيه ناظرا بأحد
الوجهين المتقدم ذكرهما ثم مات الناظر وجب على الوصي الرجوع إلى الحاكم الشرعي ليجعل
عليه ناظرا أو ليقوم له بنفسه بالنظارة.
[ المسألة 145: ] تقدم في المسألة الحادية والاربعين
انه يجوز للاب والجد أبي الاب أن يجعل قيما على أولاده أو أولاد ولده القاصرين، ولا
يصح للاب أن يجعل قيما على أولاده إذا كان الجد موجودا، ولا يصح للجد أن ينصب قيما
على أولاد ولده مع وجود أبيهم، ولا يصح للام أن تجعل قيما على أطفالها حيث لا ولاية
لها عليهم.
[ المسألة 146: ] يشترط في الشخص الذي يجعل قيما على
القاصرين أن توجد فيه جميع الشرائط التي ذكرناها للوصي، ولا يعتبر فيه أن يكون عادلا
بل يكفي فيه أن يكون أمينا موثوقا كما ذكرنا في المسألة المائة والثالثة عشرة، ويشترط
في صحة تصرفه وجود المصلحة فيه فلا يكفي في الصحة عدم المفسدة كما هو في ولاية الاب
والجد.
[ المسألة 147: ] يصح للاب أو الجد أن ينصب قيمين أو
أكثر على أولادهما القاصرين على الوجه الذي بيناه في الوصية إلى أكثر من واحد، فيجعلهما
قيمين على نحو الانضمام أو الاستقلال وتراجع المسألة المائة والعشرون وما يلحق بها،
فان تفاصيل الفروض المذكورة فيها تشمل المقام، ويصح له أن يجعل كلا منهما قيما في جهة
غير جهة الآخر، أو يجعل أحدهما قيما على بعض الاطفال وثانيهما قيما على الآخرين.
[ المسألة 148: ] يجوز لمن ينصب قيما على القاصرين، أن
يجعل على القيم ناظرا يجب ان يطلعه على تصرفه في أمور المولى عليهم وأموالهم، أو ناظرا
يجب عليه أن يعمل برأيه في تصرفاته كما هو الحال في الناظر على الوصي.
[ المسألة 149: ] إذا جعل الموصي قيما على أطفاله القاصرين
وأطلق له الولاية عليهم، ولم يقيدها بجهة معينة، فقال له: جعلتك قيما بعد موتي على
القاصرين من أولادي، جاز للقيم بعد موت الموصي أن يتولى جميع الشؤون التي تتعلق بالمولى
عليهم والتي كانت في ولاية الموصي أيام حياته، فيقوم بتربيتهم وحفظهم وصيانتهم عما
يريب ويشين ويوجههم إلى ما يحسن ويحمد، ويتولى حفظ أموالهم واجراء المعاملات عليها
عند الحاجة من بيع واجارة ومزارعة واستيداع وتعمير وغير ذلك مما يوجب حفظ المال وصيانته
ونماءه وزيادته، ويتولى الانفاق عليهم وعلى من يعولون به ممن تلزمهم نفقته ويستوفي
ديونهم وحقوقهم من الناس، ويفي ما يلزمهم من ديون وحقوق وضمانات وأروش، ويجوز له أن
يؤجرهم لبعض الاعمال التي يحسنون القيام بها مما يليق بهم، ويعالجهم إذا احتاجوا إلى
العلاج، ويسافر بهم إذا رجح أو جاز لهم السفر، وغير ذلك مما يجوز لابيهم أو جدهم أن
يتولاه من أمورهم، ويراجع مبحث أولياء العقد من كتاب النكاح في ما يتعلق بتزويجهم.
[ المسألة 150: ] إذا جعل الموصي قيما على القاصرين،
وعين له جهة أو جهات خاصة يتولاها من أمورهم وترك الباقي من الجهات صح للقيم بعد موت
الموصي ان يتولى الجهة الخاصة أو الجهات التي حددها له الموصي من شؤون القاصرين ولم
يجز له التعدي عنها وعما حدد له فيها، ووجب الرجوع في بقية شؤونهم إلى الحاكم الشرعي
يتولاها هو أو من ينصبه لذلك أو يوكله فيه، ويصح للحاكم الشرعي ان يجعل القيم نفسه
وليا على بقية الجهات إذا ثبتت لديه كفاءته لذلك.
[ المسألة 151: ] يتحدد انفاق القيم على الصبي بعادة
أمثاله في شرفه ومنزلته الاجتماعية في البلد، في كل من المأكل والمشرب والملبس والمسكن،
فإذا زاد القيم في الانفاق من مال الطفل على ذلك كان ضامنا للزائد، وإذا قتر ففاضل
النفقة الذي يحصل من التقتير ملك الصبي. وقد تحدده الضرورة بأقل من ذلك فتجب على القيم
مراعاتها، ومثال ذلك أن يفتقر الغني الشريف ذو المنزلة، فإذا أطعم الصبي أو ألبس كما
تقتضيه عادته وعادة نظرائه لم يتسع لذلك ماله الموجود، وإذا اتسعت أموال الصبي الفقير،
فان أوجب ذلك تحولا في منزلته ومكانته في نظر العقلاء جاز للقيم أن يوسع في الانفاق
عليه وان لم يوجب له شيئا مضى معه على سيرته الاولى.
[ المسألة 152: ] قد تقتضي مصلحة القاصر ان يشتري القيم
له شيئا بأكثر من ثمن المثل، فإذا اشترى له متاعا معينا بمائتي دينار مثلا، وكان المتاع
عزيز الوجود في السوق وقيمته لو وجد مائة وخمسون دينارا، ثم انقطع وجوده في الايام
اللاحقة، وباعه القيم للطفل بثلاثمائة دينار، فربح مائة دينار صحت المعاملات عليه في
شرائه وبيعه. وإذا احتاج الطفل إلى دار يسكنها وهي عزيزة الوجود كذلك، ووجدها القيم
بعد الفحص فاشتراها للطفل بألفي دينار مثلا، لندرتها وشدة الحاجة إليها، وقيمتها في
ذلك اليوم لولا هذه الناحية ألف وثمانمائة دينار، ثم أصبحت بعد ذلك تساوي ثلاثة آلاف
دينار أو أكثر، فالاقوى صحة المعاملة في مثل هذه الفروض، والمدار في الصحة على وجود
المصلحة في نظر العقلاء لا على وجود المصلحة في معتقد القيم نفسه، وقد ذكرنا هذا في
المسألة المائة والعاشرة من كتاب التجارة في فصل شرائط المتعاقدين.
[ الفصل الخامس ] [ في بعض أحكام الوصية ]
[ المسألة 153: ] إذا بلغ الصبي المولى عليه الحلم
ورشد، فطالب القيم بماله الذي كان في يده، وادعى القيم أنه أنفق بعض المال عليه في
أيام صغره، أو أنه أنفق الجميع عليه في تلك الايام، وأنكر المولى عليه انه انفق عليه
شيئا منها، فالقول قول الولي مع يمينه، الا ان يقيم الصبي بينة على صحة ما يدعيه، وكذلك
الحكم إذا ادعى المولى عليه أن القيم قد أسرف في الانفاق عليه، فيكون ضامنا للزيادة
في الانفاق، وانكر القيم انه أسرف، فالقول قول القيم مع يمينه الا أن يثبت الصبي صحة
مدعاه، ويجري مثل ذلك في غير الوصي من الاولياء كالاب والجد إذا اختلف مع المولى عليه
بعد بلوغه في أصل الانفاق أو في الاسراف، وقد مر هذا في المسألة الخامسة والتسعين من
كتاب الوكالة.
[ المسألة 154: ] إذا ادعى المولى عليه بعد بلوغه ورشده
ان القيم قد باع داره أو بعض أمواله من غير ضرورة أو مصلحة تعود إليه في بيعها فيكون
مفرطا ضامنا أو تكون معاملته غير صحيحة وانكر القيم قوله، فالقول قول القيم مع يمينه،
لانه أمين.
[ المسألة 155: ] إذا طالب المولى عليه القيم بالمال
بعد بلوغه ورشده، فادعى القيم انه قد دفع المال إليه بعد بلوغه وانكر المولى عليه ذلك،
فالقول قول المولى عليه المنكر مع يمينه، الا ان يثبت القيم صحة ما يدعيه، ويجري هذا
الحكم في غير القيم من الاولياء إذا اختلف مع المولى عليه في ذلك، وقد مر هذا في المسألة
الرابعة والتسعين من كتاب الوكالة.
[ المسألة 156: ] يجوز للقيم على اليتيم إذا تولى أموره
والتصرف في أمواله أن يأخذ من مال اليتيم مقدار أجرة المثل لعمله، وهذا إذا كان القيم
فقيرا وكان عمله مما له أجرة في نظر أهل العرف، ويشكل الحكم بجواز أخذه إذا كان غنيا،
والاحوط له اجتناب ذلك، وإذا كان العمل مما ليس له أجرة في المتعارف بين الناس لم يجز
للقيم أن يأخذ عليه شيئا سواء كان فقيرا أم غنيا.
[ المسألة 157: ] إذا عين الموصي للقيم أجرة على عمله
في مال اليتيم ثبتت له سواء كان فقيرا أم غنيا، وسواء كانت بمقدار أجرة المثل أم أقل
منها أم أكثر، وأخرجت من ثلث الموصي، وإذا كانت أكثر من الثلث لم تنفذ في ما زاد عليه
الا باجازة الوارث.
[ المسألة 158: ] إذا كانت الاجرة التي عينها الموصي
للقيم أقل من أجرة المثل لعمله وكان فقيرا، فان كان قد قبل بذلك بعد اطلاعه على مقدار
الاجرة، فليس له أن يطالب بأكثر منها، وان هو لم يطلع على مقدار الاجرة أو اطلع عليه
ولم يقبل ولم يرد قبل موت الموصي أشكل الحكم في ذلك، والاستعفاف له أحوط.
[ المسألة 159: ] إذا جعل الانسان أحدا وصيا من بعده على تنفيذ وصاياه، فقد
يصرح في وصيته أن الوصي يتولى العمل بالوصية مجانا من غير أجرة، فإذا علم الوصي بالوصية
كذلك، ولم يرد الوصية، أو ردها بعد موت الموصي أو ردها في حياته ولم يبلغه الخبر حتى
مات، لزمه العمل بالوصية ولم يستحق على عمله أجرة، على اشكال في بعض الصور. وكذلك الحكم
إذا دلت القرينة الحافة على ذلك دلالة ظاهرة عند العقلاء، كما إذا أوصى الرجل بجميع
ثلثه أو أوصى بتقسيمه في وجوه عينها تمليكا أو تبرعا، ولم يبق من الثلث شئ ليعطى أجرة
للوصي، فيجري فيه الحكم المتقدم. وإذا أوصى إليه ولم يصرح بأن يكون عمله بالوصية مجانا،
ولم تدل القرينة على ذلك، وكان عمله مما له أجرة عرفا، استحق عليه أجرة المثل، وجاز
له ان يأخذها من الثلث.
[ المسألة 160: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد أن يصلي عنه
مثلا أو يصوم، لم يجب على الوصي قبول الوصية، وان لم يعلم بها الا بعد موت الموصي،
فلا يجب عليه العمل بالوصية سواء جعل له على العمل أجرة معينة أم لم يجعل له شيئا.
وإذا أوصى إليه أن يصلي عنه أو يصوم أن يحج مجانا، وقبل الوصية بذلك في حياة الموصي
وجب عليه العمل بالوصية ويشكل جواز ردها بعد الوفاة إذا قبلها في حياة الموصي.
[ المسألة 161: ] إذا أوصى الرجل إلى أحد أن يصلي عنه
بعد موته مدة معينة، أو أن يصوم عنه شهرا مثلا أو أن يحج عنه، وعين له أجرة معينة،
فقال له: صل عني مدة سنة بمائة دينار، وقبل منه ذلك في حياته صح ذلك اجارة ولزمه الوفاء
بها، فإذا أتى بالعمل استحق عليه الاجرة المعينة، وكذلك إذا قال له: حج عني بمائتي
دينار وقبل ذلك عنه، وإذا لم يحصل القبول في حياة الموصي، لم تلزمه الاجارة، وكذلك
إذا كانت الاجرة غير معلومة.
[ المسألة 162: ] يجوز للموصي أن يلغي وصيته التي أوصى
بها عن الاعتبار فيسقط وجوب العمل بها ولا يستبدل مكانها وصية أخرى، ويجوز له أن يعدل
عنها إلى غيرها مادام موجودا، فيبدل جميع بنودها التي أوصى بها ببنود جديدة أخرى أو
يبدل بعضها ويبقي بعضا، أو يسقط بعضها ويبقي بعضا، فتلغى وصيته الاولى وتصح وصيته الثانية
إذا كان جامعا للشرائط المعتبرة في الموصي. فيصح له أن يبدل الوصي بوصي غيره أو يضمه
إليه، وأن يبدل الاشياء أو الاعيان أو المقادير التي أوصي بها من المال باشياء أو أعيان
أو مقادير أخرى، وأن يغير الشخص أو الاشخاص أو الجهات التي أوصى لها إلى أشخاص وجهات
غيرها، ويجوز له ان يجعلها تمليكية بعد أن كانت عهدية أو بالعكس، وأن يدخل على الوصية
أو على بعضها تعديلات أو اضافات جديدة يرتضيها. وإذا عدل عن بعضها بقيت الوصية صحيحة
يجب تنفيذها في البعض الآخر الذي لم يعدل عنه، ويجري في الوصية الجديدة التي عدل إليها
كلا أو بعضا أو أجرى التعديل فيها جميع ما ذكرناه من الاحكام والآثار للوصية الاولى.
[ المسألة 163: ] يجوز للموصي أن يعدل عن وصيته بالولاية
على القاصرين، فيبدل القيم بقيم آخر، أو يضمه إليه أو يجعل عليه ناظرا، أو يجعل له
منهجا آخر في تصرفه في أموال الطفل، أو يقيد ولايته عليه بقيود، أو يطلقها من بعض القيود
المذكورة في الوصية الاولى.
[ المسألة 164: ] إذا كان الوصي أو القيم قد رد الوصية
الاولى للموصي فلا يعني هذا انه رد الوصية الثانية التي عدل إليها فإذا هو لم يرد الثانية
حتى مات الموصي وجب عليه العمل بها وان كان قد رد وصيته الاولى.
[ المسألة 165: ] يحصل الرجوع عن الوصية إذا قال الموصي:
رجعت عن وصيتي، أو عدلت عنها أو اسقطتها، أو لا يعمل بتلك الوصية بعد موتي، وأمثال
ذلك من الالفاظ الدالة عليه في متفاهم أهل المحاورة، وقد يحصل الرجوع عنها بالفعل،
كما إذا فعل الموصي فعلا أو أجرى معاملة تضاد الفعل الذي أوصى به، فباع العين التي
أوصى بوقفها، أو بتمليكها لاخيه زيد، أو وكل أحدا في بيعها، وكما إذا أوصى بتمليك ثلثه
لزيد بعد وفاته بعد أن كان قد أوصى بصرفه في الخيرات، أو بالعكس.
[ المسألة 166: ] لا يحدد وجوب العمل بالوصية بمضي مدة
معينة قصيرة أو طويلة، فإذا أوصى الموصي ثم مات بعد ذلك بمدة قليلة وجب تنفيذ وصيته،
وإذا بقي بعد الوصية سنين متطاولة ثم مات، وجب العمل بها بعد موته إذا هو لم يرجع عنها،
ومثله ما إذا لم يعلم برجوعه عنها، فإذا شك في انه رجع عن وصيته أم لا، بني على عدم
الرجوع، ونفذت الوصية.
[ المسألة 167: ] إذا مات الرجل وهو يملي وصاياه أو وهو
يكتبها، وكان تام الشعور في ذلك الحال، وجب تنفيذ كل وصية قد أتم بيانها وانعقد ظهورها
في المعنى المقصود منها، وسقطت الوصية التي لم تتم ولم يتضح جميع المراد منها، الا
أن يكون قد ذكرها أولا تامة للشهود، ثم انقطع عن ذكرها عند الكتابة أو الاملاء، فينفذ
ما تشهد به الشهود.
[ المسألة 168: ] قد تعرض للشخص بعض الاسفار المخيفة
أو بعض الامراض الخطرة فيوصي ببعض ما يهمه من الامور، ويقيد وصيته بالموت في ذلك السفر
أو بسبب ذلك المرض، فيقول: إذا أنا مت في هذا السفر أو في هذا المرض فوصيي من بعدي
فلان، وعليه أن يفعل كذا، فإذا مات الموصي في سفره أو في مرضه وجب العمل بوصيته، وإذا
لم يمت في السفر أو المرض الذي قيد به وصيته، سقطت الوصية ولم يجب العمل بها. وإذا
لم يقيد الوصية بالموت في ذلك السفر أو بسبب ذلك المرض، بل كان خوف الموت فيهما داعيا
له إلى الوصية بما يهمه، كما هو الظاهر من حال الذين يسافرون إلى الحج أو إلى أماكن
أخرى بعيدة وفي طرق غير مأمونة، أو يقعون في أمراض شديدة، فالاقرب وجوب العمل بالوصية
وان لم يمت في سفرة أو في مرضه المعين، بل وان بقي بعد ذلك مدة طويلة، الا إذا عدل
عن وصيته تلك.
[ المسألة 169: ] تثبت الوصية بالقيمومة على القاصرين
أو على أموالهم بشهادة رجلين عادلين، وتثبت كذلك باقرار الموصي نفسه بأنه قد جعل زيدا
قيما على أولاده الصغار أو على أولاد ولده، ولا تثبت بغير ذلك من المثبتات للوصايا
المالية الآتي ذكرها، وكذلك الحكم في الوصية إليه بأن يقوم بتنفيذ وصيته المالية أو
العهدية فلا تثبت الا بالبينة العادلة أو باقرار الموصي، ومثلهما نفس الوصية العهدية
التي لا تتعلق بالمال.
[ المسألة 170: ] تثبت الوصية بالمال سواء كانت تمليكية
أم تبرعية بشهادة مسلمين عادلين، وتثبت بشهادة مسلم واحد عادل مع امرأتين مسلمتين عادلتين،
وبشهادة مسلم واحد عادل مع يمين الموصى له، وهي بهذه المثبتات تشترك مع سائر الدعاوى
المالية المعروفة.
[ المسألة 171: ] تختص الوصية بالمال بأنها تثبت أيضا
بشهادة النساء منفردات عن الرجال، فإذا شهدت بالوصية المالية امرأة مسلمة عادلة ثبت
بشهادتها ربع المال الموصى به، وإذا شهدت بها امرأتان مسلمتان عادلتان ثبت بشهادتهما
نصف المال، وإذا شهدت بها ثلاث نساء مسلمات عادلات ثبت بشهادتهن ثلاثة أرباع المال،
وإذا شهدت بها أربع نساء مسلمات عادلات ثبت بشهادتهن جميع المال الموصى به. وتختص الوصية
بالمال بأنها تثبت بشهادة رجلين من أهل الذمة عادلين كذلك في دينهما، وهذا انما يكون
عند الاضطرار وعدم وجود العدول المسلمين من الرجال والنساء لسفر أو غيره.
[ المسألة 172: ] إذا أقر الورثة كلهم بأن مورثهم قد
أوصى بثلثه أو ببعضه وصية تمليكية لشخص أو لاشخاص معلومين أو أوصى بصرف ثلثه في جهة
أو جهات معينة أو غير معينة وكان الورثة المقرون بالغين راشدين، ثبتت الوصية باقرارهم
ووجب تنفيذها والعمل بها. وإذا أقر بالوصية بعض الورثة دون بعض وكان في المقر منهم
شخصان عادلان أو أكثر، ثبتت الوصية كذلك سواء كانت تمليكية أم تبرعية أم عهدية غير
مالية، ووجب تنفيذ المالية في حصص المقرين وغيرهم حتى حصص القاصرون منهم. وإذا أقر
بالوصية بعض الورثة دون بعض، نفذت الوصية في حصص المقرين منهم، وإذا كان في المقرين
منهم رجل عادل وكانت الوصية تمليكية، أمكن أن يضم يمين الشخص الموصى له إلى الشهادة
ذلك العادل وتثبت بهما الوصية له حتى في حصص الآخرين والقاصرين، وإذا تعدد الموصى لهم
وحلف بعضهم ولم يحلف الآخر ثبتت الوصية لمن حلف ولم يثبت الوصية للآخر، وإذا أقرت بالوصية
المالية من الورثة امرأة مسلمة عادلة نفذت الوصية في حصتها، ونفذت في الربع من حصص
الباقين، وإذا أقرت بالوصية منهم امرأتان مسلمتان عادلتان، نفذت الوصية في حصتيهما
وفي النصف من حصص الآخرين، وإذا أقرت منهن ثلاث نساء عادلات، نفذت الوصية في حصصهن
وفي ثلاثة الارباع من حصص غيرهن، وإذا أقرت بها من الورثة أربع نساء عادلات نفذت الوصية
في الجميع.
[ المسألة 173: ] ليس من الوصية أن ينشئ ايقاعا أو عقدا
ويعلقه على موته، فيقول: داري هذه وقف على الفقراء بعد موتي، أو يقول: وقفت عمارتي
هذه بعد موتي مدرسة لطلاب العلم، أو يقول للمدين: أنت برئ الذمة بعد وفاتي من ديني
الذي استحقه عليك، أو يقول: بعت هذا البستان على زيد بعد موتي بألف دينار، أو ينشئ
غير ذلك من الانشاءات المعلقة على الوفاة، فتكون باطلة للتعليق، ولا تكون من الوصية،
ليجب على الورثة تنفيذها بعد الموت. والوصية الصحيحة أن يعهد لوصيه أو لوارثه أن يتولى
وقف الدار أو العمارة بعد موته، أو أن يبرئ ذمة المدين أو يبيع البستان بعد وفاته،
فتصح ويجب تنفيذها إذا توفرت شروط الوصية.
[ المسألة 174: ] يعتاد كثير من الفقهاء قدس الله أرواحهم
أن يلحقوا في كتاب الوصية حصص غيرهن، وإذا أقرت بها من الورثة أربع نساء عادلات نفذت
الوصية في الجميع.
[ المسألة 173: ] ليس من الوصية أن ينشئ ايقاعا أو عقدا
ويعلقه على موته، فيقول: داري هذه وقف على الفقراء بعد موتي، أو يقول: وقفت عمارتي
هذه بعد موتي مدرسة لطلاب العلم، أو يقول للمدين: أنت برئ الذمة بعد وفاتي من ديني
الذي استحقه عليك، أو يقول: بعت هذا البستان على زيد بعد موتي بألف دينار، أو ينشئ
غير ذلك من الانشاءات المعلقة على الوفاة، فتكون باطلة للتعليق، ولا تكون من الوصية،
ليجب على الورثة تنفيذها بعد الموت. والوصية الصحيحة أن يعهد لوصيه أو لوارثه أن يتولى
وقف الدار أو العمارة بعد موته، أو أن يبرئ ذمة المدين أو يبيع البستان بعد وفاته،
فتصح ويجب تنفيذها إذا توفرت شروط الوصية.
[ المسألة 174: ] يعتاد كثير من الفقهاء قدس الله أرواحهم
أن يلحقوا في كتاب الوصية أحكام التصرفات التي يقوم المريض بتنجيزها في مرضه الذي يموت
فيه ويسمونها بمنجزات المريض، ويلحقوا بها أحكام اقراره بالدين أو ببعض الامور الاخرى،
وقد تعرضنا لتفصيل ذلك وتبيين أحكامه في الفصل الرابع من كتاب الحجر، فليرجع إليه من
يريد. والحمد لله رب العالمين وأفضل صلواته وتسليماته ورحماته وبركاته على سيد المرسلين
وآله المطهرين. حصص غيرهن، وإذا أقرت بها من الورثة أربع نساء عادلات نفذت الوصية في
الجميع.
[ المسألة 173: ] ليس من الوصية أن ينشئ ايقاعا أو عقدا
ويعلقه على موته، فيقول: داري هذه وقف على الفقراء بعد موتي، أو يقول: وقفت عمارتي
هذه بعد موتي مدرسة لطلاب العلم، أو يقول للمدين: أنت برئ الذمة بعد وفاتي من ديني
الذي استحقه عليك، أو يقول: بعت هذا البستان على زيد بعد موتي بألف دينار، أو ينشئ
غير ذلك من الانشاءات المعلقة على الوفاة، فتكون باطلة للتعليق، ولا تكون من الوصية،
ليجب على الورثة تنفيذها بعد الموت. والوصية الصحيحة أن يعهد لوصيه أو لوارثه أن يتولى
وقف الدار أو العمارة بعد موته، أو أن يبرئ ذمة المدين أو يبيع البستان بعد وفاته،
فتصح ويجب تنفيذها إذا توفرت شروط الوصية.
[ المسألة 174: ] يعتاد كثير من الفقهاء قدس الله أرواحهم
أن يلحقوا في كتاب الوصية أحكام التصرفات التي يقوم المريض بتنجيزها في مرضه الذي يموت
فيه .