كتاب الوكالة


[ كتاب الوكالة ] وفيه فصلان:

الفصل الأول : في الوكالة وشرائطها

الفصل الثاني : في بعض أحكام الوكالة


[ الفصل الاول ] [ في الوكالة وشرائطها ]

[ المسألة الاولى: ] الوكالة هي أن يستنيب الشخص غيره في التصرف في أمر أو انشاء التصرف في أمر، أو في امضائه وترتيب الآثار عليه، بحيث يكون تصرف النائب في حياة الشخص المنوب عنه، ويكون الامر قابلا للاستنابة فيه، فإذا كانت الاستنابة في التصرف بعد حياة المنوب عنه كانت وصاية لا وكالة، وإذا كان الامر غير قابل للنيابة فيه لم تصح الوكالة فيه وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله تعالى.
[ المسألة الثانية: ] الوكالة عقد من العقود، ولذلك فلابد فيها من الايجاب من الموكل والقبول من الوكيل، ويصح أن يقع الايجاب فيها بأي لفظ يدل على تولية الوكيل في التصرف المقصود، وعلى استنابته فيه، فيقول الموكل للوكيل: أنت وكيلي في بيع داري المعينة بألف دينار، أو يقول له: وكلتك في ذلك، أو أنبتك، أو استنبتك فيه أو فوضته اليك، أو خولتك أمره، بل يصح أن يقول له: بع الدار المعينة على زيد بكذا، ويصح أن تقول المرأة: زوجني من فلان على ألفي دينار، إذا هي قصدت بقولها جعله وكيلا عنها على انشاء صيغة الزواج ودلت القرائن على ذلك لا على مجرد موافقتها على الزواج والمهر، وكذلك في قوله: بع الدار. ويقع القبول بأي لفظ يدل على رضا النائب بايجاب الموجب، فيقول: قبلت الوكالة أو رضيت، ويصح ان يكون القبول بالفعل، فإذا قال المالك: أنت وكيلي على بيع داري من زيد بألف دينار، فقال الوكيل لزيد: بعتك دار موكلي فلان بألف صحت الوكالة ووقع قبولها بذلك مع ايجاب البيع، فإذا قبل المشتري صح البيع وتم ايضا. وإذا قالت سعاد للرجل: وكلتك على تزويجي من علي بألفي دينار، فقال الوكيل لعلي: زوجتك موكلتي سعاد بألفي دينار، تم القبول ووقع ايجاب التزويج بهذه الصيغة، فإذا قبل الزوج عقد الزواج تم النكاح ايضا.
[ المسألة الثالثة: ] تصح الوكالة بالمعاطاة كما تصح بالعقد اللفظي، ومن أمثلة ذلك أن يدفع المالك للدلال سلعة أو متاعا بقصد توكيله في بيعهما ويقبضهما الدلال منه بقصد قبول الوكالة منه، أو يسلمه داره أو دكانه، بقصد جعله وكيلا في اجارتهما ويتسلمهما الدلال بقصد القبول، وقد جرت سيرة المتشرعة والعقلاء على اجراء أمثال هذه المعاملات والعمل بها. والظاهر أن الوكالة تتحقق ايضا بالمراسلة، فإذا أرسل الانسان إلى أحد كتابا يوكله فيه على انفاذ شئ أو اجراء معاملة ورضي المرسل إليه بذلك كان وكيلا عنه ونفذ تصرفه في ما وكله فيه، وكذلك إذا جعله وكيلا عنه بمكالمة هاتفية أو لاسلكية ونحوهما من وسائل الابلاغ مع القطع بالصدق، ومثله ما إذا بلغه الوكالة والاعتماد عليه على لسان رسول يوثق بصدقه ويطمأن بقوله، فتصح الوكالة وينفذ تصرف الوكيل في جميع هذه الفروض.
[ المسألة الرابعة: ] إذا قال الرجل للمالك: هل توكلني على بيع دارك من زيد بألف دينار مثلا؟ فقال له المالك: نعم، وقصد بقوله: نعم، انشاء الوكالة له بهذا الجواب، فالظاهر صحة انشائه، والاحوط لزوما ان يقول الوكيل: قبلت أو نحوها بعد قول المالك: نعم، ليحصل القبول بعد الايجاب. وكذلك الحكم إذا قال الرجل للمرأة، هل توكلينني في ان أزوجك من فلان على ألفي دينار فقالت: نعم، فيصح منها ايجاب الوكالة له بهذا القول، فإذا قبل الوكيل بعد قولها صحت الوكالة ونفذ تصرف الوكيل، نعم، لابد في صحة ذلك من العلم بأن قولها: نعم بقصد انشاء الوكالة، وليس للدلالة على الرضا بالزواج وحده وإذا شك في ذلك لم تصح الوكالة وكذلك في الفرض السابق.
[ المسألة الخامسة: ] الظاهر انه لا تشترط الموالاة بين الايجاب والقبول في صحة عقد الوكالة، فإذا تأخر القبول عن الايجاب مدة لم يبطل العقد بذلك، كما إذا أرسل الرجل إلى صاحبه رسالة يوكله فيها على ايقاع معاملة ولم تصله الرسالة الا بعد مدة، فإذا وصلت الرسالة، وقبل صاحبه وكالته صحت الوكالة ونفذ تصرف الوكيل وان تأخر قبوله عن الايجاب كل هذه المدة. نعم، يعتبر في الصحة وحدة العقد عرفا، فإذا قال المالك لصاحبه وهما في مجلس واحد: أنت وكيل عني في بيع داري فسكت الوكيل ولم يجب الا بعد شهر مثلا، فقال: قبلت الوكالة منك على بيع الدار، اشكل الحكم بالصحة وخصوصا إذا كانت الوكالة في أمر الفروج، بل الظاهر عدم الصحة إذا لم يكن للتأخير سبب عقلائي، وإذا كان له سبب فلا يترك الاحتياط.
[ المسألة السادسة: ] يشترط في صحة الوكالة على الاحوط أن يكون انشاء العقد فيها منجزا، فلا تصح إذا علق الموكل وكالته على وجود شئ مشكوك، أو على حدوث أمر مرتقب، ومثال ذلك أن يقول الموكل لصاحبه: ان كانت هذه الليلة هي ليلة الفطر، فانت وكيل عني في اخراج زكاة الفطرة من مالي عني وعن أهل بيتي، أو يقول له: إذا ملكني زيد هذه الدار فأنت وكيل على اجارتها أو على وقفها. ويصح له أن يقول لصاحبه: أنت وكيل عني، فإذا كانت هذه الليلة هي ليلة الفطر اخرجت من مالي زكاة الفطرة، وان يقول له: أنت وكيلي فإذا ملكني زيد هذه الدار توليت عني اجارتها، والفارق واضح بين المقصدين، فان انشاء الوكالة في المثالين الاولين معلق على وجود الشرط، فان كانت الليلة هي ليلة الفطر فالوكالة محققة وثابتة، وان لم تكن فلا وكالة، وان ملكة زيد الدار فصاحبه وكيل على اجارتها، وان لم يملكه فلا وكالة، فتبطل الوكالة لان انشاءها مشكوك، ولا تعليق في الوكالة في المثالين الاخيرين، فصاحبه وكيل على كل تقدير ووكالته منجزة، سواء كانت الليلة هي ليلة الفطر أم لم تكن، وسواء ملكه زيد الدار أم لم يملكه، والتعليق انما هو للعمل الذي وكله فيه، فهو وكيل على اخراج الزكاة إذا كانت الليلة هي الليلة المعينة، وهو وكيل على الاجازة إذا ملكه زيد الدار المعينة.
[ المسألة السابعة: ] يشترط في الموكل أن يكون بالغا، فلا يصح توكيل الصبي في كل ما يشترط فيه البلوغ من المعاملات والتصرفات كالبيع والنكاح وسائر الامور التي لا تنفذ فيها معاملة الصبي بغير اذن وليه، وقد تقدم ذكر اشتراط البلوغ في البيع والصلح والهبة، والاجارة والمضاربة والشركة، والرهن والوقف وكثير من المعاملات الاخرى فإذا لم تصح المعاملة من الصبي قبل بلوغه ولم ينفذ تصرفه فيها بغير اذن وليه، لم يصح له أن يجعل فيها وكيلا عن نفسه.
[ المسألة الثامنة: ] تقدم منا في كتاب البيع وفي كتاب الحجر ان الصبي المميز غير مسلوب العبارة في المعاملة، فإذا نظر ولى الطفل في المعاملة على مال الطفل، ووجد المصلحة في البيع أو في الشراء له، وعين الثمن والمثمن مع المشتري أو مع البائع، أمكن للولي أن يوكل اجراء الصيغة إلى الصبي نفسه إذا كان ممن يحسن ذلك، فيجري الصبي صيغة البيع على مال نفسه بالثمن المعين، أو يجري قبول الشراء لنفسه للمثمن المعين، ويكون اجراؤه للصيغة على ماله بالوكالة على الولي. وتصح المعاملة من الصبي المميز كذلك على مال الغير إذا أذن مالك المال للصبي في المعاملة على ماله، ووكله في اجراء المعاملة كلها لا في ايقاع الصيغة فحسب، وان لم يأذن ولي الصبي له بتولي ذلك.
[ المسألة التاسعة: ] يشترط في الموكل ان يكون عاقلا على التفصيل الذي ذكرناه في كتاب البيع وفي كتاب الحجر واشترطناه في سائر المعاملات المتقدم ذكرها، فلا يصح توكيل المجنون في جميع معاملاته في ماله وغير ماله. ويشترط في الموكل ان يكون قاصدا للمعنى الذي ينشئه في صيغة الوكالة، فلا يصح توكيله إذا كان غافلا، أو هازلا أو سكران أو غاضبا غضبا يسلبه القصد، وأن يكون مختارا في فعله، فلا يصح توكيله إذا كان مكرها لا خيرة له في ما يفعل.
[ المسألة العاشرة: ] يشترط في الموكل أن يكون نافذ التصرف في العمل الذي يوكل فيه، فلا يصح توكيله إذا كان محجورا عليه لسفه أو فلس أو غيرهما، فإذا كان سفيها قد حجر عليه عن التصرف في الاموال خاصة لم يصح توكيله في كل معاملة تتعلق بالمال ويجوز له التوكيل في المعاملات الاخرى التي لا تتعلق به كالطلاق ودعاوى الجنايات التي تستوجب القصاص ومطلق الدعاوى التي لا تتعلق بالمال، وإذا كان سفيها قد حجر عليه في ماله وفي نفسه كما فصلناه في كتاب الحجر لم يصح له التوكيل في كل اولئك. وإذا كان مفلسا قد حجر عليه عن التصرف في أمواله الموجودة فليس له التوكيل في ما يتعلق بها خاصة ويصح له التوكيل في غيرها من المعاملات التي تتعلق بذمته وبنفسه. ولا يصح له إذا كان محرما أن يوكل أحدا ان يجري له عقد نكاح أو أن يبتاع له صيدا أو يمسكه له، سواء كان الوكيل محلا أم محرما.
[ المسألة 11: ] لا يشترط على الاقوى في الوكيل أن يكون بالغا، فيصح أن يوكل الصبي المميز في ايقاع صيغ المعاملات إذا كان ممن يحسن القيام بها ويراعي الشرائط المعتبرة فيها، وقد تقدم في المسألة الثامنة انه يصح لمالك المال أن يعتمد على الصبي المميز ويوكله في اجراء المعاملة على ماله إذا كان الصبي ممن يحسن ذلك ولا يختص باجراء الصيغة ولا تتوقف صحة الوكالة ولا نفوذ المعاملة التي يجريها على اذن الولي له بذلك، والظاهر ان ذلك لا يختص بالمعاملة على المال فيصح توكيله في غيرها من المعاملات إذا كان الصبي يحسن القيام بها على الوجه الصحيح. وقد تقدم أيضا: انه يصح لولي الصبي المميز أن يوكله في اجراء صيغة المعاملة على مال الصبي نفسه بعد ان يتم الولي المعاملة ويقوم باحراز شروطها، كما تقتضيه ولايته، ما عدا اجراء الصيغة. نعم، يمنع الصبي من أن يجري المعاملة مستقلا على ماله نفسه بغير اذن وليه وان كانت معاملته موافقة للمصلحة، ويمنع من اجراء الصيغة في المعاملة على ماله أو على نفسه إذا لم يوكله الولى في اجرائها، ويمنع من أن يجعل وكيلا للولي أو لغيره إذا لم يكن مميزا تام التمييز.
[ المسألة 12: ] يشترط في الوكيل أن يكون عاقلا وأن يكون قاصدا للمعنى حين يتولى قبول الوكالة، وان يكون مختارا غير مكره ولا مجبر، وأن يكون نافذ التصرف في العمل الذي وكل فيه، فلا تصح الوكالة له إذا كان سفيها محجورا عليه في تصرفه في نفسه، وإذا كان محرما فلا يجوز لاحد أن يوكله في اجراء عقد نكاح أو أن يبتاع له صيدا أو أن يمسكه له سواء كان الموكل له محلا أم محرما.
[ المسألة 13: ] يجوز للمسلم أن يوكل كافرا أو مرتدا مليا أو فطريا في تولي بعض معاملاته أو في القيام ببعض أعماله، أو في استيفاء بعض حقوقه أو في بعض مخاصماته مع الناس، وان كان الاحوط استحبابا عدم توكيله إذا كانت المخاصمة أو استيفاء الحق من مسلم، ويجوز توكيله في شراء مصحف للمسلم أو شراء عبد مسلم له وخصوصا إذا تسلمهما الموكل المسلم نفسه، ولم تثبت للوكيل الكافر عليهما يد.
[ المسألة 14: ] يجوز للمسلم أن يكون وكيلا لكافر أو مرتد في بعض شؤونه ومعاملاته وأعماله، الا إذا وكله على أمر لا يجوز في الاسلام، ومثال ذلك: أن يوكله في اجراء معاملة ربوية، أو في استيجار أمكنة لبيع بعض المحرمات أو عملها، أو خزنها، أو القيام بأعمال محرمة أخرى، أو وكله في بيع خمر أو خنزير أو شرائهما، وكما إذا وكله في شراء مصحف له على الاحوط لزوما، أو في شراء عبد مسلم له، فلا يتولى المسلم الوكالة عن الكافر أو المرتد في ذلك.
[ المسألة 15: ] لا يحجر على المفلس أن يتصرف في مال غيره إذا أذن له صاحب المال وكان التصرف طبقا للموازين الصحيحة، ولذلك فيصح له أن يكون وكيلا عن الغير في معاملاته وأعماله سواء تعلقت وكالته بالمال أم بغيره. وكذلك القول في السفيه فإذا كان محجورا عن التصرف في ماله، فهو غير محجور عن التصرف في مال غيره مع الاذن، فيصح له أن يتولى الوكالة عن الغير في أمواله وشؤونه، الا إذا كان سفهه موجبا للحجر عليه في التصرف في نفسه أيضا، فلا يصح له أن يتولى الوكالة عن الغير في هذه الصورة.
[ المسألة 16: ] سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الوصية: ان الصبي المميز لا يحجر عن الوصية بماله إذا بلغ من العمر عشر سنين، وكانت وصيته في البر والمعروف وفي وجوه الخير، سواء كانت لارحامه أم لسواهم، فتنفذ وصيته بذلك على الاقوى، ولذلك فيصح له أن يوكل غيره في انشاء الوصية المذكورة، سواء كان الغير الذي يوكله في ذلك كبيرا بالغا أم كان صبيا مميزا قد بلغ عشر سنين.
[ المسألة 17: ] كل شرط من الشروط التي ذكرناها في الموكل أو في الوكيل، كما يجب تحققه في ابتداء الوكالة، فإذا لم يوجد الشرط له تصح الوكالة، فهو كذلك شرط يجب تحققه على الاوط في بقائها، فإذا ارتفع أي شرط منها حكم ببطلان الوكالة على الاحوط احتياطا لا يترك. فإذا جن الموكل بعد أن أتم الوكالة، أو جن الوكيل كذلك كانت الوكالة باطلة، سواء كان الجنون الذي طرأ عليه مطبقا أم أدوارا، وسواء كان عروضه قبل ان يبدأ الوكيل بالعمل الذي وكل فيه أم كان في اثنائه وقبل اتمامه، وكذلك إذا عرض لاحدهما الاغماء، أو طرأ على الموكل سفه أو فلس فحجر عليه عن التصرف في ماله، فيبطل توكيله السابق للوكيل إذا كان متعلقا بالمال وكان الحجر على الموكل قبل ان يتم الوكيل العمل. ومثله ما إذا حجر الوكيل عن التصرف في نفسه، فتبطل الوكالة في هذه الفروض على الاحوط كما ذكرنا، وإذا زال العارض فأفاق المجنون أو المغمى عليه وارتفع الحجر عن المحجور لم تعد الوكالة الاولى ويجوز لهما ان يجددا وكالة أخرى إذا أرادا.
[ المسألة 18: ] يشترط في العمل أو الامر الذي تتعلق به الوكالة أن يكون مباحا، فلا يصح التوكيل في أمر محرم شرعا. ومثال ذلك أن يوكله في غصب مال أحد أو في ضربه أو شتمه من غير حق، أو يوكله في معاملة محرمة أو مخاصمة بغير حق أو في استيئجار محل ليكون مبغى أو معملا يعمل فيه الخمر أو يخزن فيه أو يباع، أو في استيئجار سيارات وعمال لحمله ونقله وشبه ذلك. ولا يصح التوكيل في أمر لا سلطان للموكل على ايقاعه، ومثال ذلك أن يوكل أحدا في بيع مال الغير بغير وكالة ولا ولاية له على المال أو على مالكه.
[ المسألة 19: ] يجوز للانسان أن يوكل أحدا على أخذ ماله من يد الغاصب بالقوة أو بوسيلة أخرى يستطيعها الوكيل، وان كان صاحب المال نفسه غير قادر على أخذ ماله منه والتصرف فيه.
[ المسألة 20: ] إذا كان الفعل غير مقدور للشخص عقلا أو غير مقدور له شرعا، ولكنه يصبح مقدورا له بالفعل بعد حصول أمر معين من الامور، ومن أمثلة ذلك عتق عبد لا يملكه فعلا، فانه غير مقدور له شرعا فإذا اشترى العبد من مالكه أصبح العتق مقدورا له بالفعل وجاز له شرعا، ومن أمثلة ذلك بيع دار لا يملكها بالفعل أو وقفها فان ذلك غير مقدور له شرعا، فإذا اشترى الدار من مالكها صح له بيعها أو وقفها، ومن أمثلته تزويج الرجل بامرأة ذات بعل أو ذات عدة، فانه لا يقدر على ذلك شرعا ولا يصح له الا إذا فارق المرأة زوجها فطلقها أو مات عنها، وخرجت ذات العدة من عدتها، فيجوز له الزواج بها، ومن أمثلة ذلك طلاق امرأة أجنبية عنه، فانه لا يقدر على ذلك شرعا الا إذا تزوج الرجل المرأة، فإذا تزوجها أمكن له طلاقها. والظاهر انه لا يجوز للشخص أن يوكل أحدا على فعل ذلك الامر غير المقدور له بالفعل، فلا يصح له أن يوكله في المرأة المعتدة فعلا ليزوجه اياها بعد انقضاء عدتها، وفي المرأة ذات الزوج ليزوجه اياها بعدأن يطلقها زوجها أو بعد أن يموت عنها، ولا يصح له أن يوكله في طلاق امرأة سيتزوجها، وفي عتق عبد سيملكه وفي وقف دار سيشتريها.
[ المسألة 21: ] يصح للرجل في الفروض الآنف ذكرها أن يوكل احدا في الامرين معا، إذا كان الامر الاول مقدورا له بالفعل، فيجوز له أن يوكل أحدا في شراء العبد المملوك ثم عتقه بعد تملكه، ويوكله في شراء المتاع، وبيعه بعد شرائه ويوكله في شراء الدار ووقفها بعد ملكها، ويوكله في زواجه بالمرأة وطلاقها بعد التزويج إذا وجدها لا تليق به.
[ المسألة 22: ] إذا وكل الرجل غيره وكالة عامة على أن يتولى عنه جميع أموره وأن يتصرف في جميع ما يملك التصرف فيه مما هو موجود تحت قدرته بالفعل وما يتجدد بعد ذلك، صح للوكيل أن يتولى العمل في جميع الفروض المتقدم ذكرها، فإذا اتفق ان خرجت المرأة ذات العدة من عدتها أو فارق ذات الزوج زوجها جاز للوكيل ان يزوج موكله اياهما، وإذا اتفق أن ملك الرجل العبد جاز للوكيل عتقه وبيعه، وإذا ملك الدار جاز للوكيل وقفها واجارتها، وهكذا.
[ المسألة 23: ] الوكالة كما ذكرنا من قبل استنابة للوكيل في أن يوجد الشخص العمل أو الشئ الذي يوكله فيه، ولذلك فيشترط في صحة الوكالة أن يكون العمل أو الشئ الذي يوكل الانسان غيره في ايجاده مما يقبل النيابة. وتوضيح ذلك: أن الاعمال والاشياء التي لاحظها الشارع الاعظم ورتب عليها أحكامها وآثارها قد يكون الشارع قد اعتبر فيها أن تصدر من الانسان بنحو المباشرة بنفسه، فلا تكون وافية بالغاية التي أرادها وجعل الاحكام من أجلها الا إذا صدرت من الانسان كذلك، ومن أمثلة ذلك الصلاة والصيام، المفروض منهما والمندوب في الغالب، والحج والعمرة والطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم في الاكثر، فان الشارع قد اعتبر في هذه الاعمال ان يوجدها المكلف بنفسه بنحو المباشرة عدا ما استثني منها وهو ما يأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى، فيكون هذا النوع من الاعمال والاشياء مما لا يقبل النيابة. وقد تكون مما لم يعتبر الشارع فيها ان تصدر من الانسان بنحو المباشرة، بل لاحظ انه يكفي في صحتها وحصول الغاية المقصودة منها وترتب الاحكام والآثار عليها مجرد صدورها من الانسان ولو بنحو التسبيب، كما هو الحال في اكثر المعاملات والاعمال وفي بعض العبادات، ويكون هذا النوع مما يقبل النيابة.
[ المسألة 24: ] المتبع في تمييز أحد هذين النوعين من الاعمال والاشياء عن الآخر هو ما دلت عليه ظواهر الادلة الشرعية المثبتة لاحكام تلك الاشياء وآثارها وما تدل عليه اطلاقاتها المقامية والقرائن العامة الحافة بها، من الاعتماد في ذلك على فهم المتشرعة وأهل العرف من تلك الادلة فيمتاز بذلك ما يقبل النيابة وما لا يقبلها.
[ المسألة 25: ] لا ريب في ان الصلاة والصيام فرائضهما ونوافلهما مما تجب فيها المباشرة ولا تقبل النيابة والتوكيل عن الحي، الا صلاة الطواف في بعض الموارد الخاصة، ومن أمثلة ذلك الشخص الذي يستطيع حج البيت استطاعة مالية، ويعجز عن الاتيان به لكبر سن أو مرض أو نحوهما، فيجب عليه أن يستنيب من يحج، ويجب على النائب أن يأتي بجميع أفعال الحج وعمرة التمتع إذا كان ممن فرضه التمتع، ومنها طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء، وصلاة الطواف لكل واحد منها. ومنها فروض أخرى في من نسي الطواف أو نسي صلاة الطواف حتى خرج من مكة ولم يمكنه الرجوع ويرجع في بيان جميع ذلك إلى ما كتبناه في مناسك الحج من أحكام ذلك، وقد ذكرنا في مبحث صلاة الاستئجار ان الاقوى صحة النيابة عن الحي في بعض الصلوات المستحبة. ولا ريب في ان الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم مما تجب فيه المباشرة ولا يقبل النيابة والتوكيل إذا كان المكلف قادرا على مباشرة أعمالها بنفسه، واما العاجز فانه تصح له الاستنابة فيها، فيستنيب من يجري الغسلات والمسحات على اعضائه، ويجب عليه ذلك ويستنيب من يعجز عن التيمم من يضرب بيدي المكلف أو بيديه على التراب ويمسح بها على اعضائه وتفصيل أحكام ذلك قد سبق ذكره في مباحث الوضوء والغسل والتيمم في كتاب الطهارة.
[ المسألة 26: ] تجوز النيابة والتوكيل في ايتاء الزكاة، فيصح لمالك المال الذي تعلقت به الزكاة أن يوكل غيره إذا كان الوكيل ثقة في أن يخرج الزكاة من مال المالك ويدفعها للمستحق، وينوي الوكيل ايتاء الزكاة عن مالك المال حينما يدفعها للمستحق، والاحوط ان ينوي المالك ايتاء الزكاة أيضا في ذلك الوقت مع الامكان. ويجوز للمالك أن يعين زكاة ماله في شئ مخصوص ثم يوكل ثقة في ايصال ذلك الشئ إلى المستحق، وينوي المالك ايصال الزكاة إلى الفقير بدفعها إلى الوكيل، والاحوط أن تبقى نية المالك مستمرة حتى يدفع الوكيل المال إلى الفقير. وكذلك الحكم في ايتاء الخمس، فيجوز للمالك أن يوكل الثقة في اخراج الخمس من المال ودفعه إلى مستحقه ويجوز له أن يوكله في الايصال على الوجه الذي ذكرناه في الزكاة وأمر النية في الموردين على السواء وكذلك الحكم في الكفارات المالية، وقد ذكرناه في كتاب الكفارات، وأما الكفارات البدنية فهي مما لا تقبل النيابة والتوكيل فيها.
[ المسألة 27: ] تصح الاستنابة والوكالة في اجراء صيغ العقود جميعا من البيع بجميع أقسامه، والاجارة، والصلح والهبة والمضاربة والشركة والمزارعة والمساقاة، والقرض والرهن والضمان واخواته والنكاح وغير ذلك من العقود اللازمة والجائزة، وحتى في عقد الوكالة نفسه، فيصح للشخص أن يوكل من ينشئ صيغة العقد عنه ايجابا ومن يتولى عنه قبول الايجاب ومن يجري المعاملة عنه بنحو المعاطاة إذا كان العقد مما تجري فيه المعاطاة.
[ المسألة 28: ] تجوز الاستنابة والتوكيل في انشاء الوقف والوصية، وفي الطلاق والعتق، وفي ابراء ذمة المدين من الدين، وفي اسقاط الحق والاخذ به في موارد ثبوته، وفي فسخ العقد عند ثبوت الخيار وأخذ الارش في مواضع ثبوت الارش، ويجوز التوكيل في المخاصمات والدعاوى واثبات الحقوق عند القضاة والحكام ورفع الظلامات.
[ المسألة 29: ] الظاهر أنه يصح للرجل ان يوكل أحدا في الرجوع بمطلقته الرجعية، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني أن ترجع فلانة إلى زوجيتها إذا رأيت شدتها الاولى قد تبدلت إلى ما هو أحسن، أو يقول له: أنت وكيلي في أمر فلانة، فمتى وافقت على السكنى مع عائلتي في الدار فأرجعها إلى زوجيتها، ومثل ذلك ما إذا كانت المرأة مطلقة بالخلع، فيقول الزوج للرجل: أنت وكيل عني في أمر فلانه، فان رجعت هي بما بذلت فارجعها إلى نكاحها. نعم قد يكون التوكيل في الرجوع بها بنفسه تمسكا بزوجيتها كما إذا قال للرجل: أنت وكيل عني ان تقول لها: اني قد رجعت بزوجيتها، فيكون قوله هذا بنفسه رجوعا بها لا وكالة بالرجوع، وهذا انما يكون بحسب القرائن الدالة على المقصود.
[ المسألة 30: ] إذا قال الرجل لغيره: أنت وكيل عني أن تقر لزيد بأن له في ذمتي مائة دينار مثلا، كان قوله هذا بنفسه اقرارا لزيد بالمبلغ المعين وليس توكيلا في الاقرار، والرجل انما هو شاهد عليه بالاقرار.
[ المسألة 31: ] إذا قال الرجل لغيره: أنت وكيل أن تشهد بالوكالة عني بأن هذه الدار ملك لزيد مثلا، فيمكن أن يقال بأن قوله هذا شهادة منه بأن الدار لزيد، والوكيل انما هو شاهد على شهادته بذلك وليست توكيلا في أن يشهد عنه، ولذلك فيشكل الحكم بصحة هذه الوكالة، فإذا كان الامر المشهود به مما لا تقبل فيه شهادة الفرع، أو كانت شهادة الفرع غير تامة الشرائط من العدد والعدالة لم تثبت بها شهادة الاصل.
[ المسألة 32: ] يشكل الحكم بصحة الاستنابة والتوكيل في أن يحلف الوكيل عن موكله يمينا، بحيث تلزم الموكل أحكام حلفه، فيجب عليه الوفاء به وتحرم عليه مخالفته وتلزمه الكفارة إذا حنث به، ويشكل كذلك أن يوكله في ان ينذر بالوكالة عنه نذرا أو يعاهد الله عنه عهدا، أو يوكله في أن يظاهر بالوكالة عنه من زوجته، أو يولي منها بالوكالة عنه ايلاءا، أو يلا عنها، بحيث تلزم الزوج الموكل أحكام الظهار والايلاء واللعان.
[ المسألة 33: ] تصح الاستنابة والتوكيل في التسليم والقبض الذي تقتضيه المعاملات، سواء توقفت عليهما أو على احدهما صحة المعاملة أم توقف عليه لزومها، أم لم يتوقف عليه شئ منهما، وانما هو أمر يقتضيه الجري على المعاملة والترتيب لآثارها، فيجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يوكل أحدا في قبض الشئ الذي استحقه بالمعاملة بينهما، وفي تسليم الشئ الذي استحقه صاحبه بموجبها، كالثمن والمثمن في عقد البيع، والعين المستأجرة وبدل الاجارة في عقد الاجارة، والعين الموقوفة في الوقف، والعين الموهوبة وعوضها في الهبة المعوضة، والعين الموهوبة خاصة في الهبة غير المعوضة، والعين المرهونة في الرهن، والمهر في عقد النكاح، وبدل الخلع أو المباراة في طلاق الخلع أو المباراة، فإذا دفع أحد المتعاملين العوض أو الشئ الذي جرت عليه المعاملة إلى وكيل الآخر وقبضه الوكيل منه برئت ذمته. ويجوز للدائن أن يوكل غيره في استيفاء ما يستحقه في ذمم الآخرين من الديون، ويجوز للمدين أن يوكل غيره في وفاء ما في ذمته من المال، فإذا دفع وكيله المال إلى مالكه أو إلى وكيله المفوض وقبضه منه برئت ذمته، وإذا كان على الدين المدفوع رهن، وقبض وكيله العين المرهونة برئت ذمة المرتهن منه.
[ المسألة 34: ] يجوز للفقير المستحق أن يوكل أحدا في قبض ما يستحقه من الزكاة أو من الكفارات أو من الصدقات أو من الخمس، وينوي مالك المال ايتاء الزكاة أو ايتاء الخمس، أو الكفارة، أو الصدقة عند دفعه المال إلى وكيل الفقير المستحق، وتبرأ ذمة المالك بقبضه المال.
[ المسألة 35: ] حق قسم الليالي بين الزوجات خاص بالزوج وخاص بالزوجات، فلا يجوز للزوج أن يوكل أحدا في تولي قسمة الليالي بين زوجاته، ولا يجوز للزوجة ان توكل غيرها في أخذ قسمتها من ليالي زوجها إذا لم تكن الوكيلة من زوجاته، ويجوز لها أن تهب ليلتها لغيرها من زوجاته أو توكلها في أخذ قسمتها.
[ المسألة 36: ] يصح للرجل أن يوكل أحدا في أن يطلق زوجته منه، ويصح للزوج ان يوكل غيره في ان يوكل من يطلقها، من غير فرق بين أن يكون الزوج حاضرا وقت الطلاق أو غائبا، ومن غير فرق بين ان يكون الوكيل على اجراء صيغة الطلاق عنه رجلا أو أمراة إذا كانت تحسن انشاء الصيغة وتراعي الشروط المعتبرة في الطلاق.
[ المسألة 37: ] الاحوط ان لا يوكل الرجل زوجته في أن تطلق نفسها بنفسها، ولا يوكلها في أن توكل عنه من يطلقها، وان كان الاقرب صحة توكيلها في الصورتين، ويرجع الى ما نبينه ان شاء الله تعالى في مبحث الصيغة من كتاب الطلاق.
[ المسألة 38: ] يجوز للانسان أن يوكل شخصا في أن يحوز له بعض المباحات العامة كالحطب والكلاء والماء والرمل والحجر والحصى والجص والسمك والطير من مواضعها المباحة، فإذا حازه الوكيل بالنيابة عن موكله كانت الحيازة للموكل، وكان الشئ الذي حازه الوكيل ملكا للموكل كذلك، وتراجع المسألة المائة والسابعة والتسعين من كتاب الاجارة.
[ المسألة 39: ] لابد في صحة الوكالة من أن يكون الشئ الموكل فيه معينا، شخصيا، أو عاما أو مطلقا، ولا تصح إذا كان الامر الذي وكله فيه مجهولا غير معلوم، ومثال ذلك ان يقول له: أنت وكيل عني ولا يذكر شيئا تتعلق به الوكالة، ولا تصح الوكالة كذلك إذا وكله على أمر مبهم ومثال ذلك ان يقول له: وكلتك على بعض أعمالي أو على اجراء بعض العقود التي تكون لي، أو وكلتك في بعض ما أملك ولم يعين ذلك البعض الذي وكله فيه.

[ الفصل الثاني ] [ في بعض أحكام الوكالة ]

[ المسألة 40: ] الوكالة التي يوقعها الانسان لغيره قد تكون وكالة خاصة في أمر مشخص معين، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني في أن تبيع هذه الدار المعينة على زيد بألف دينار، أو يقول له: وكلتك على أن تقبض عني ديني الذي أملكه في ذمة عبد الله وهو مائة دينار، أو تقول المرأة لاحد: وكلتك أن تزوجني من ابراهيم على ألفي دينار معجلة، ولا ريب في صحة الوكالة إذا انشئت كذلك، وتم قبولها.
[ المسألة 41: ] يصح أن يوكل الانسان غيره وكالة عامة في موضوع خاص معين، فالامر الموكل فيه عام من حيث التصرف وخاص من حيث موضوعه ومثال ذلك أن تكون للمالك أرض معينة، فيقول لاخيه: وكلتك في أمر هذه الارض وكالة عامة أن تتصرف فيها كيفما تشاء، فان شئت ان تبيعها أو تؤجرها أو توقفها أو تغرسها بستانا أو تبنيها عمارة أو ما شئت من وجوه التصرف التي تراها، فإذا تم القبول جاز للوكيل أن يتصرف في الارض المعينة أي تصرف يريد. واما احتمال ان تكون الوكالة بهذه الصورة أو الصور الآتية من الوكالة العامة أو المطلقة موجبة للضرر على الموكل فيكون ذلك موجبا لبطلانها، فهو مدفوع بأنه يشترط في الوكالة ان يراعي الوكيل المصلحة في ما يقوم به من العمل للموكل، ونتيجة لذلك فلا تشمل الوكالة وان كانت عامة أو مطلقة أي تصرف يوجب ضرر الموكل، بل ولا التصرفات التي لا مصلحة فيها ولا ضرر، ولا تنفذ من الوكيل مثل هذه التصرفات، وسيأتي ذكر هذا الشرط ان شاء الله تعالى.
[ المسألة 42: ] يجوز للانسان أن يوكل غيره في أن يتصرف تصرفا خاصا في جميع ما يملك، فيكون الامر الموكل فيه خاصا من حيث التصرف وعاما من حيث موضوعه بعكس ما فرض في المسألة المتقدمة، ومثال ذلك ان تكون للرجل عدة ممتلكات من الاشياء والانواع المختلفة، ويحتاج إلى بيعها جميعا، فيقول للدلال: وكلتك على أن تبيع لي كل ما أملكه من أرضين وبساتين ودور، وعمارات ومحلات، وفرش، وأثاث، وأمتعة وأجهزة وغير ذلك، فإذا قبل الوكيل صحت وكالته وجاز له بيع جميع ما وكله في بيعه.
[ المسألة 43: ] يصح للانسان أن يوكل غيره وكالة عامة في جميع التصرفات الممكنة، وفي جميع مملوكاته ومعاملاته وأعماله وشؤونه العامة والخاصة، فيقول لمن يعتمد عليه في ذلك: أنت وكيل عني في جميع ما أملكه من أشياء، وما أملك التصرف فيه من معاملة وعمل ومن شؤون، على أن تتصرف في جميع ذلك بأي تصرف تريد، فيكون الامر الموكل فيه عاما من كلتا الجهتين الآنف ذكرهما، فإذا قبل الوكيل هذه الوكالة، جاز له أي تصرف في الجهات المذكورة كلها، فله أن يبيع وان يهب وأن يصالح وأن يقف وأن يتصدق وأن يعتق وأن يطعم وأن ينفق، وله أن يتولى تزويجه وتطليق زوجاته، وأن يوقع جميع ما يجوز للموكل ايقاعه من الاعمال التي تقبل النيابة والتوكيل.
[ المسألة 44: ] يصح للشخص أن يوكل غيره وكالة مطلقة، ويراد بكونها مطلقة انها مرسلة غير مقيدة، وتجري في الوكالة المطلقة نظائر الفروض التي ذكرناها في الوكالة العامة، فان المالك قد يجعل غيره وكيلا عنه في شئ معين من أملاكه ويجعل وكالته فيه مطلقة من حيث التصرف، فيوكله في أن يتصرف في أرضه المعينة بأي تصرف يريده الوكيل، فيجوز للوكيل أن يبيع الارض وأن يهبها، وأن يغرسها، وأن يبنيها عمارة أو دارا أو حوانيت، أو ما شاء من وجوه التصرف. وقد يجعله وكيلا على أن يتصرف تصرفا معينا في شئ من الاشياء التي يملكها، فيوكله على أن يبيع احدى دوره أو محلاته أو بساتينه، ويترك تعيين المبيع لارادة الوكيل، ويكون الامر الموكل فيه هو التصرف المعين وهو البيع في مطلق الاشياء التي يملكها الموكل لا على التعيين. وقد يجعله وكيلا في أن يتصرف أي تصرف يريده في أي شئ أو ناحية من الاشياء والنواحي التي يقدر الموكل على التصرف فيها، فتكون الوكالة مطلقة من كلتا الناحيتين.
[ المسألة 45: ] إذا وكل المالك شخصا في أن يقوم له بأحد أعمال معينة على وجه التخيير بينها، ففي صحة الوكالة كذلك اشكال، والاظهر الصحة، ومثال ذلك أن يقول له: أنت وكيل في أن تبيع لي هذه الدار، أو تؤجر لي هذا المحل، أو تقف لي هذا البستان، فلك ان تختار أي عمل تأتي به من الاعمال المذكورة، فتصح الوكالة على الاظهر، وينفذ العمل الذي يأتي به من الاعمال الثلاثة التي وكله فيها وخيره بينها.
[ المسألة 46: ] يشترط في صحة عمل الوكيل ونفوذه أن يراعي الوكيل مصلحة المالك الموكل، فإذا كانت الوكالة عامة أو مطلقة، فلا يجوز للوكيل أن يقوم بتصرف يوجب ضرر المالك أو يوجب عدم المصلحة له، وان كان ما عمله موافقا لاطلاق الوكالة أو عمومها، ولا ينفذ منه ذلك التصرف الموجب للضرر أو المنافي للمصلحة، الا أن تقوم قرينة على رضى المالك بالتصرف وان أوجب الضرر عليه أو خالف المصلحة، ومثال ذلك ان يعلم ان المالك يريد بيع الدار عاجلا أو خفية وان كان بأقل من ثمن المثل أو بأقل من ثمن شرائها.
[ المسألة 47: ] يجب على الوكيل في تصرفه عن الموكل أن يلاحظ ما تحتوي عليه عبارة عقد الوكالة من اطلاق أو تقييد أو عموم أو تخصيص، وما تدل عليه العبارة بصراحتها أو ظهورها أو بسبب القرائن الخاصة أو العامة الكاشفة عن مراد الموكل فيقتصر عليه ولا يتجاوزه، فقد يوكله المالك على بيع الدار مثلا، وتدل القرائن على أن مقصود الموكل هو انشاء صيغة البيع فحسب، فيقتصر الوكيل على ذلك، ويكون المرجع في تقدير الثمن، وفي تعجيله أو تأجيله، وفي تسليم الدار وقبض الثمن وغير ذلك الى الموكل نفسه، وقد تدل القرائن على ان المراد أن يتولى الوكيل معاملة البيع كلها أو بعضها، فيكون الوكيل هو المعتمد في كل اولئك أو في بعضه.
[ المسألة 48: ] إذا وكل الرجل شخصا ليشتري له سلعة خاصة، وعلم أن ثمن السلعة في السوق عشرة دنانير مثلا فدفع إلى الوكيل المبلغ ليشتري به السلعة، ولما ساوم الوكيل على السلعة قبل البائع منه بثمانية دنانير جاز له شراؤها للموكل بالثمانية، فان عقد وكالته شامل لمثل ذلك عرفا، فيدفع إلى البائع ثمانية دنانير مما في يده ويرجع باقي العشرة إلى الموكل.
[ المسألة 49: ] إذا دفع المالك إلى الرجل سلعة ليبيعها له كان الرجل وكيلا عنه في بيع السلعة، وفي تسليمها للمشتري، بل وفي قبض ثمنها منه إذا كان مالك السلعة غائبا، أو كان حاضرا ولكنه يكره أن يعرف بأنه مالك السلعة مثلا، وعلى وجه الاجمال، فالمدار في اطلاق الوكالة في ذلك وتقييدها على ما يدل عليه ظهور الحال أو ظهور القول.
[ المسألة 50: ] إذا تعدى الوكيل في تصرفه عما حدد له المالك في عقد الوكالة، وعما دلت القرائن على دخوله فيها لم ينفذ منه ذلك التصرف، فإذا كان عقدا من العقود أو كان من الامور الاخرى التي يجري فيها حكم الفضولي، شملها حكمه، فان اجاز المالك ذلك التصرف نفذ، وان لم يجزه كان باطلا. ومن أمثلة ذلك أن يوكل المالك وكيله في ان يبيع داره أو دكانه، فيؤجر الدار أو الدكان بدلا من بيعه، أو يوكله في أن يصالح على الشئ، فيهبه بدلا من الصلح، ومن أمثلة ذلك أن يوكله في بيع الارض من زيد فيبيعه البستان بدلا عنها، أو يوكله في بيع الشئ نقدا فيبيعه نسيئة، أو يوكله في أن يبيع الدار بشرط الخيار إلى مدة فيبيعها بغير خيار ومن أمثلة ذلك أن يوكله في بيع الدار على زيد فيبيعها على عمرو، فلا يصح تصرفه في جميع ذلك ويكون من الفضولي كما ذكرنا. وإذا كان تصرفه مما لا يجري فيه حكم الفضولي، كالطلاق والعتق، وقع باطلا ولم تصححه اجازة الموكل، وقد تعرضنا لذكر المواضع التي يجري فيها حكم الفضولي والمواضع التي لا يجري فيها في عدة مسائل من أبواب المعاملات.
[ المسألة 51: ] إذا عين الموكل للوكيل أن يبيع السلعة في سوق مخصوصة أو بثمن معين أو على مشتر معين، فان دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن وكالته عامة شاملة وان مراد الموكل تحصيل الفائدة وانما ذكر السوق المخصوصة وعين المشتري وعين الثمن لانها أحد الافراد أو لمجرد حصول الفائدة، والرغبة عند عرض السلعة لبيع، لا لخصوصية فيها جاز للوكيل ان يبيع في غير السوق المخصوصة، أو بأكثر من الثمن المعين أو على غير المشتري المعين إذا حصل على الفائدة المقصودة. وان كان للموكل غرض خاص من تحديد السوق أو الثمن أو المشتري وجب على الوكيل الاقتصار عليه ولم يجز له التعدي عن المحدود، وإذا تعدى عنه كان فضوليا، فلا يصح تصرفه الا باجازة المالك، وكذلك إذا احتمل ان له غرضا خاصا من التحديد وكان الاحتمال مما يعتد به العقلاء، فلا يصح للوكيل التعدي عنه.
[ المسألة 52: ] يصح للولي الشرعي على القاصر، كالاب والجد للاب، والوصي من أحدهما والحاكم الشرعي والقيم المنصوب منه، ان يوكل غيره في اجراء بعض المعاملات أو بعض الاعمال التي تقتضيها ولايته على أموال القاصر وعلى شؤونه، فيبيع الوكيل بعض أموال القاصر أو يستدين له بعض المال أو يبني له داره، وهو يفعل ذلك بالوكالة عن الولي لا عن القاصر، ويصح للاب أو الجد للاب أن يوكل أحدا فيجري للصبي أو الصبية عقد النكاح ويراجع فصل أولياء العقد في ما يتعلق بولاية الاب والجد في نكاح المجنون، وفي ما يتعلق بولاية غير الاب والجد في نكاح الصبي والصبية.
[ المسألة 53: ] إذا وكل الانسان شخصا في أن يفعل شيئا بالنيابة عنه، فظاهر الوكالة أن يتولى الوكيل مباشرة الفعل بنفسه، فإذا قال له: أنت وكيل عني أن تبيع لي داري، كان عليه أن يبيع الدار بنفسه، ولا يصح له أن يوكل في البيع شخصا آخر، لا عن نفسه ولا عن مالك الدار، الا إذا كانت وكالة المالك له شاملة لذلك، فيقول له مثلا: أنت وكيل عني في أن تبيع داري بنفسك، أو بأن توكل من يبيعها عنك، أو يقول له: أن تبيعها أنت أو توكل من يبيعها عني، أو يقول له: أن تبيعها أو توكل من يبيعها عني أو عنك. فإذا وكله بالعبارة الاولى كان عليه أن يبيع الدار هو أو يوكل عن نفسه من يبيعها، وإذا وكله بالعبارة الثانية كان عليه أن يتولى البيع بنفسه أو يوكل عن الموكل من يبيعها عنه، وإذا وكله بالعبارة الاخيرة جاز له أن يبيع الدار بنفسه وأن يوكل عنه أو عن المالك من يتولى البيع، وليس له أن يتعدى ذلك، فان هو تعدى فوكل في بيع الدار من غير وكالة من المالك كان البيع فضوليا.
[ المسألة 54: ] إذا أذن المالك للوكيل في ان يوكل غيره أشكل الحكم بجواز التوكيل له بمجرد الاذن فيه، فلابد من ان يوكله في التوكيل كما ذكرنا، وإذا اذن له فوكل، فلا يترك الاحتياط باجراء حكم الفضولي على الوكالة الثانية أو على فعل الوكيل الثاني.
[ المسألة 55: ] إذا جاز للوكيل أن يوكل غيره، فوكله عن المالك، كان الوكيل الاول والوكيل الثاني في عرض واحد، فلا يحق للوكيل الاول أن يعزل الثاني، ويجوز للمالك أن يعزل أيهما شاء عن الوكالة ويبقي الآخر، ولا ينعزل الوكيل الثاني بعزل الاول ولا بموته إذا مات، وسيأتي بيان جواز استقلال أحدهما بالتصرف من غير مراجعة الآخر وعدم جوازه.
[ المسألة 56: ] إذا جاز للوكيل أن يوكل غيره في الفعل، فوكله عن نفسه كان الثاني فرعا عليه ولذلك فيصح للوكيل الاول أن يعزل الثاني عن الوكالة، وإذا مات الوكيل الاول أو انعزل عن وكالته انعزل الثاني، ويجوز للمالك أن يعزل الوكيل الثاني ويبقي الاول، وإذا أتى الاول بالفعل الموكل فيه نفذ تصرفه، وسقطت وكالة الوكيل الثاني بحصول موضوعها، وكذلك إذا أتى الوكيل الثاني بالفعل صح تصرفه وسقطت وكالة الاول والثاني بحصول متعلقهما.
[ المسألة 57: ] يجوز للانسان أن يوكل وكيلين أو أكثر في شئ واحد، فان صرح في وكالته لهما بأن كل واحد منهما وكيل مستقل عن صاحبه ثبتت لهما الوكالة مستقلين كذلك، فيجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف فيأتي بالفعل من غير مراجعة للآخر، وكذلك إذا كان لكلامه ظهور يعتمد عليه أهل اللسان في ذلك، وان كان بمعونة القرائن، فيجوز لكل منهما أن يستقل بالتصرف. وان لم يصرح بالاستقلال ولم يكن لقوله ظهور متبع يدل عليه لم يجز لاحدهما أن ينفرد بالتصرف عن الآخر، سواء كان صاحبه حاضرا أم غائبا، بل وان كان عاجزا عن التصرف، وسواء اشترط الموكل عليهما أن يجتمعا في التصرف أم أطلق وكالته لهما ولم يشترط شيئا.
[ المسألة 58: ] إذا وكل الشخص وكيلين في شئ واحد، واشترط عليهما أن يجتمعا في التصرف، أو أطلق الوكالة لهما ولم يشترط عليهما شيئا كما تقدم، ومات أحد الوكيلين بطلت الوكالة، فلا يجوز للحي الباقي منهما أن يتصرف الا بوكالة جديدة، وإذا وكلهما وصرح لهما بالاستقلال أو كان لكلامه ظهور يدل على ذلك ثم مات أحد الوكيلين بطلت وكالة الميت وبقيت وكالة الموجود.
[ المسألة 59: ] إذا وكل الشخص وكيلا في شئ، ثم وكل وكيلا آخر في نفس ذلك الشئ، فالظاهر من الوكالتين ان كل واحد من الوكيلين مستقل عن صاحبه، فيجوز له أن يتصرف ويأتي بالفعل الموكل فيه من غير مراجعة الآخر، الا ان يشترط عليهما أو على أحدهما الانضمام أو تدل القرينة على ذلك فيتبع الشرط.
[ المسألة 60: ] إذا وكل الرجل وكيلا في بيع سلعة أو متاع وأطلق وكالته، انصرف اطلاق وكالته إلى ان يبيع الوكيل السلعة نقدا، فلا يصح له أن يبيعها بثمن مؤجل، وأن يكون البيع بثمن المثل أو أكثر منه، فلا يصح له ان يبيعها بأقل منه، وان يكون البيع بالعملة المتداولة في البلد، فلا يصح له البيع بغيرها. وإذا وكله في شراء سلعة أو شئ، انصرف اطلاق الوكالة إلى اشتراط أن يكون الشئ الذي يشتريه صحيحا، فلا يصح له ان يتعمد شراء المعيب وان كان أقل ثمنا، وإذا اشترى الشئ فوجده معيبا جاز للوكيل رده بالعيب، وإذا وكله في البيع واطلق وكالته صح له بمقتضى وكالته تسليم المبيع، وإذا وكله في الشراء جاز له تسليم الثمن.
[ المسألة 61: ] الوكالة من العقود الجائزة، فلا يجب الالتزام بها من الموكل ولا من الوكيل، فيصح للوكيل ان يفسخ الوكالة ويعزل نفسه منها، ويجوز للموكل أن يفسخ الوكالة كذلك ويعزل الوكيل، ولا تبطل وكالة الوكيل بمجرد عزل الموكل اياه حتى يبلغه خبر العزل ولو باخبار ثقة واحد، فتسقط وكالته حين ذلك، فإذا تصرف وباع أو اشترى أو أجرى صيغة العقد قبل ان يبلغه خبر العزل كان تصرفه نافذا.
[ المسألة 62: ] إذا وكل الرجل وكيلا في بيع داره مثلا ثم عزله، وباع الوكيل الدار أو أجرى صيغة البيع قبل ان يبلغه خبر العزل كان بيعه نافذا على الموكل كما قلنا، فلا يصح بيع الموكل بعده، وإذا سبق الموكل فباع الدار أو أجرى الصيغة قبل أن يتصرف الوكيل صح بيع الموكل، وبطلت وكالة الوكيل بعد حصول متعلقها. وكذلك الحكم إذا وكلت المرأة أحدا في تزويجها ثم عزلته عن الوكالة، وأجرى الوكيل عقد النكاح عليها قبل ان يبلغه خبر عزله، فيصح عقده وينفذ، ولا يصح عقدها بعده على زوج آخر، وإذا سبقت هي فزوجت نفسها قبل ان يعقد الوكيل المعزول عليها، صح عقدها، وسقطت وكالته بحصول الفعل الموكل فيه.
[ المسألة 63: ] يبطل عقد الوكالة إذا مات الوكيل، أو مات الموكل، سواء علم الوكيل بموته أم لم يعلم، فإذا تصرف فباع الدار التي قد وكل في بيعها مثلا، ثم علم ان الموكل مات قبل البيع كان بيعه باطلا. ويبطل عقد الوكالة إذا جن الوكيل أو جن الموكل جنونا اطباقيا وان لم يعلم الوكيل بجنونه، وكذلك في الجنون الادواري وفي الاغماء، فتبطل الوكالة إذا عرضنا للوكيل أو للموكل على الاحوط في المسألتين. وتبطل الوكالة إذا تلف الشئ الذي تعلقت به الوكالة، ومثال ذلك أو يوكله في بيع سلعة أو دابة، فتتلف السلعة أو تموت الدابة، أو يكون الرجل وكيلا على تزويج امرأة، فيموت أحد الزوجين، وتبطل الوكالة، إذا فعل الموكل الفعل الذي تعلقت به الوكالة، كما إذا وكله على بيع الدار أو بيع السلعة، فباعهما المالك وكذلك إذا فعل المالك فعلا يرتفع به موضوع الوكالة، كما إذا وكل أحدا في بيع مملوك فاعتقه المالك، أو وكله في بيع دار فوقفها المالك أو بالعكس. ولا تبطل الوكالة على الفعل إذا وكل وكيلا آخر على الفعل نفسه، كما إذا وكل الاول على بيع الدار ثم وكل الثاني على بيعها أيضا، فلا تبطل وكالة الاول الا إذا سبق الوكيل الثاني فباع الدار قبل الاول فتبطل وكالة الاول بحصول متعلقها كما تقدم.
[ المسألة 64: ] يجوز للانسان أن يوكل غيره في منازعاته ومخاصماته عند القضاة والحكام إذا لم يكن ظالما في خصومته ومرافعته، ويجوز له أن يكون وكيلا عن غيره في خصومته ومرافعته إذا علم أن موكله غير ظالم في خصومته، سواء كان الموكل مدعيا أم مدعى عليه، وسواء رضي خصمه بتوكيله أم لم يرض، فلا يحق للخصم أن يمتنع عن مرافعة الوكيل ويطلب مرافعة الموكل نفسه. ومما يحسن بل يستحب أن يتنزه أهل الشرف والمقامات الرفيعة عن أن يتنزلوا إلى المرافعات والمنازعات بأنفسهم ويوكلوا أمرها إلى الوكلاء والنواب عنهم.
[ المسألة 65: ] يتولى الوكيل في الخصومة ما يتولاه موكله فيها، فان كان وكيلا عن المدعي: فعليه أن يقوم بنشر الدعوى عند الحاكم، فإذا كانت للمدعي بينة على دعواه ذكرها الوكيل، وإذا طلب الحاكم منه اقامتها أحضرها أقامها، وإذا طلب منه تزكية الشهود زكاهم واقام الادلة على زكاتهم وعدالتهم، وذكر القرائن والوسائل المثبتة للدعوى ثم طلب الحكم من الحاكم. وإذا لم تكن للمدعي بينة على مدعاه طلب عن الحاكم احلاف المنكر، فإذا لم يحلف طلب من الحاكم رد اليمين أو القضاء بالنكول. وإذا كان وكيلا للمدعي عليه، انكر دعوى المدعي، فإذا أقام المدعي بينة طعن وكيل المدعى عليه بالشهود وأقام بينته على جرحهم، وذكر الثغرات والنقائص الموجودة في شهادتهم، وسعى ما أمكنه في نقض دعوى المدعي. وإذا كانت وكالة الوكيل خاصة بالقيام ببعض الجهات اختص عمله بتلك الجهات ولم يتعد ما حدد له في الوكالة وترك باقي الجهات لموكله يقوم بها إذا شاء.
[ المسألة 66: ] قد تنقلب الدعوى في أثناء المرافعة، فيصبح المنكر مدعيا، ويكون المدعي منكرا، ومن أمثلة ذلك أن يدعي زيد على عمرو دينا في ذمته، فيقر له عمرو بالدين ويدعي أنه وفاه، أو يدعي أن زيدا قد أبرأ ذمته من الدين فيكون عمرو مدعيا للوفاء أو للابراء، ويصبح زيدا منكرا لذلك، فعلى وكيل عمرو أن يقوم بأدوار وكيل المدعي التي تقدم ذكرها، وعلى وكيل زيد أن يقوم بدور وكيل المنكر.
[ المسألة 67: ] إذا أقر وكيل المدعي في أثناء مرافعته للمدعى عليه بأمر ينافي دعوى موكله، لم ينفذ اقراره على الموكل، ولم تنقلب به الدعوى، فإذا كان الموكل المدعي يدعي على صاحبه دينا في ذمته، واعترف وكيله على الموكل بأنه قد قبض الدين من المدعى عليه، أو بأنه أبرأ ذمته من الدين أو بأن بينته كاذبة في شهادتها لم ينفذ اقراره ولم تسقط به دعوى المدعى، وبطلت بذلك وكالة الوكيل، فليس له أن يتولى المرافعة في الدعوى نفسها، عند الحاكم ولا عند حاكم آخر، سواء كان اعترافه في مجلس القضاء أم في غيره، وليس للوكيل والموكل أن يجددا وكالة أخرى. وكذلك الحكم في وكيل المدعى عليه إذا اعترف بما ينافي قول موكله، فلا ينفذ اقراره ولا يسقط بذلك قول موكله وتبطل به وكالة الوكيل فلا يحق له الاستمرار في المدافعة أو يجددا الوكالة، فان الوكيل يعترف بأنه ظالم.
[ المسألة 68: ] اطلاق وكالة الوكيل في المخاصمة مع الغير لا يجعل للوكيل حق المصالحة مع الخصم في الدعوى، أو أن يبرئ ذمته من الحق، ويصح له أن يتولى ذلك إذا وكله الموكل فيهما على الخصوص كما وكله في المخاصمة، أو كانت وكالته الاولى عامة شاملة للجميع تصريحا، أو بسبب القرائن الدالة على الشمول لذلك.
[ المسألة 69: ] إذا وكل وكيلين في مخاصمة واحدة، فان صرح في توكيله لهما بأن لكل واحد منهما ان يستقل عن الآخر في الخصومة والدفاع، جاز لهما ذلك، وكذلك إذا كان لعبارته في توكيلهما ظهور يعتد به بأنهما مستقلان وإذا أطلق لهما الوكالة ولم يصرح بأنهما مستقلان أو غير مستقلين، أو شرط عليهما الانضمام والاجتماع في المخاصمة لم يستقل أحدهما عن الآخر فيها، وكان عليهما التشاور والتعاضد بينهما والمراجعة في الفعل الموكل فيه بينهما.
[ المسألة 70: ] إذا وكل الشخص وكيلا معينا وهو في حضور الحاكم أو القاضي على ان يتولى عنه جميع مخاصماته ومحاكماته أو اعترف الموكل في حضورهما بأنه وكل فلانا في جميع ذلك، ثم احضر الوكيل خصما للموكل وأقام عليه الدعوى عن موكله، سمع الحكام منه دعواه ورتب الآثار على قوله. وكذلك إذا وكله الموكل عند الحاكم في مخاصمته مع شخص معين أو اعترف له بالوكالة فيها، ثم أحضر الوكيل خصما وأقام عليه الدعوى عن موكله، ودلت القرائن أنه هو الشخص الذي وكله الموكل في محاكمته فيسمع الحاكم دعوى الوكيل عليه.
[ المسألة 71: ] إذا ادعى الرجل عند الحاكم أن زيدا قد وكله في جميع مخاصماته مع الناس واستيفاء حقوقه منهم، واقام بينة شرعية على ذلك، أو ادعى ان زيدا وكله في مخاصمة معينة وأثبتها بالبينة ثم نشر الدعوى على الخصم المعين، سمع الحاكم دعواه ورتب الآثار على قوله.
[ المسألة 72: ] إذا ادعى الرجل الوكالة عن زيد ولم يقم البينة على قوله، وأحضر الخصم عند الحاكم ولم يصدقه الخصم في دعوى الوكالة، لم يسمع الحاكم منه دعواه إذا نشرها حتى يثبت صحة وكالته بحجة معتبرة شرعا. وإذا أحضر الخصم عند الحاكم فصدقه الخصم في دعوى الوكالة لم تثبت بذلك وكالته عن الموكل، وإذا نشر الدعوى عند الحاكم على الخصم الذي صدقه سمع الحاكم دعواه عليه، فإذا تمت الدعوى وثبت الحق على الخصم ألزم به لاعترافه بصحة الوكالة، وإذا ثبت الحق على الموكل كان الغائب على حجته فلا يلزم بشئ الا ان تثبت وكالة الوكيل عنه بحجة معتبرة شرعا.
[ المسألة 73: ] توكيل الوكيل في اقامة الدعوى على الخصم واثبات الحق عليه عند الحاكم لا يعني توكيله في قبض الحق من الخصم إذا ثبت الحق عليه، فإذا أقام الوكيل الدعوى وأثبت الحق وألزم الحاكم به الخصم جاز للخصم أن يمتنع عن تسليمه للوكيل، وجاز للموكل أن لا يرضى بتسليم الحق له الا أن يصرح الموكل بتوكيل الوكيل في قبض الحق إذا ثبت.
[ المسألة 74: ] إذا وكل الرجل وكيلا في قبض حقه من أحد فأنكر المدين الحق لم يصح للوكيل ان يقيم عليه الدعوى ويخاصمه الا إذا وكله صاحب الحق في اقامة الدعوى واثبات الحق.
[ المسألة 75: ] يمكن للوكيل والموكل أن يتفقا على التوكيل بغير جعل، ويصح للموكل ان يشترط للوكيل على نفسه جعالة للعمل الذي يوكله فيه، فيوكله في بيع الدار أو الارض أو البستان، ويجعل له جعلا معينا إذا هو أنجز العمل الموكل فيه، أو يوكله في محاكمة بعض الخصوم ومرافعته، ويجعل له مبلغا محددا من المال إذا هو أقام الدعوى وأتم المرافعة مع الخصم، ويصح للوكيل أن يشترط لنفسه الجعل على العمل الذى ينوب فيه عن الموكل.
[ المسألة 76: ] إذا اشترط الوكيل أو الموكل الجعل للوكيل، استحقه إذا أتم العمل الموكل فيه، فإذا وكله في بيع أو شراء له الجعل، استحق الوكيل ما شرط له إذا هو أكمل المعاملة الموكل فيها وان لم يقبض الثمن أو المثمن الا إذا اشترط عليه أن يتم المعاملة من جميع جهاتها، وإذا وكله في مرافعة ومنازعة بينه وبين خصم واشتراط له الجعل استحقه الوكيل إذا أتم الدعوى وأنجز العمل، وان لم يقبض الحق المحكوم به، بل وان لم يثبت له الحق إذا كان العمل الموكل فيه والمشروط له الجعالة هو اقامة الدعوى وبذل الجهد في اثبات الحق سواء نجح فيه أم لم ينجح.
[ المسألة 77: ] إذا وكل الرجل الوكيل في أن يقوم له بعمل ولم يشترط له الجعالة، فقام الوكيل بانجاز العمل الموكل فيه كما أراد الموكل، فان كان الوكيل قد قصد التبرع في عمله للموكل، أو دلت القرائن العامة أو الخاصة على أن الموكل قد قصد المجانية لما وكله في العمل لم يستحق الوكيل على عمله شيئا في كلتا الصورتين. وإذا لم يقصد الوكيل التبرع في عمله الذي أتى به، ولم تدل قرائن خاصة ولا عامة على ان الموكل قد قصد المجانية لما وكله في العمل، استحق الوكيل أجرة المثل على العمل الذي اوقعه للموكل، وتراجع المسألة المائتان والسابعة من كتاب الاجارة فان لها صلة بالمقام.
[ المسألة 78: ] إذا وكل الدائن وكيلا في أن يقبض دينه من مدينه، فقال له وكلتك في أن تقبض ديني من زيد، ومات المدين قبل أن يأخذ الحق منه، لم يملك الوكيل بوكالته تلك أن يطالب ورثة المدين بدين أبيهم، الا إذا كان وكيلا بأخذ الحق مطلقا، كما إذا قال له الدائن أنت وكيل في أن تقبض الدين الذي استحقه على فلان، فتجوز له مطالبة الوارث لاطلاق وكالته في أخذ الحق.
[ المسألة 79: ] إذا وكل الدائن زيدا في استيفاء حقه من فلان، ودفع المدين نفسه الى زيد مبلغا من المال ووكله في وفاء دينه من المبلغ، أصبح زيد وكيلا عن الدائن في استيفاء دينه، ووكيلا عن المدين في وفاء ذلك الدين الذي في ذمته، وكانت الدراهم المدفوعة إلى الوكيل امانة للمدين في يده، حتى يقبضها الدائن عن دينه فتبرأ ذمة المدين، أو يقبضها الوكيل عن الدائن إذا كان وكيلا عنه في قبض الدين كما هو وكيل عنه في استيفائه، وإذا قبضها الوكيل كذلك برئت ذمة المدين أيضا، أو يستردها المدين من يد الوكيل قبل ان يقبضها الدائن أو وكيله فتبقى ذمة المدين مشغولة لدائنه، وإذا تلفت الدراهم في يد الوكيل لم يضمنها، لانه أمين الا إذا تعدى أو فرط في امانته.
[ المسألة 80: ] إذا وكل الدائن الوكيل في أن يستوفي دينه من فلان، ودفع المدين إليه المبلغ بقصد وفاء دين موكله، فإذا قبضه الوكيل منه بهذا القصد كان وفاءا للدين وملكا للدائن، وبرئت بقبضه ذمة المدين، ولا يجوز للمدين أن يسترد المبلغ بعد قبضه.
[ المسألة 81: ] إذا دفع المالك إلى الرجل شيئا ووكله في بيعه أو في هبته أو الصلح عليه، أو قبض عينا وكله المالك في شرائها أو قبضها، أو مالا وكله في قبضه أو في ايصاله إلى أحد، فالوكيل أمين لا يضمن ما في يده إذا تلف أو حدث فيه عيب أو طرأ عليه نقص من سرقة وغيرها، الا إذا فرط في الامانة أو تعدى فاستعملها في ما لا يحل له فيكون له ضامنا كما هو الحكم في كل أمين.
[ المسألة 82: ] إذا تعدى الوكيل أو فرط في حفظ ما في يده من العين التي وكل فيها كان ضامنا لها إذا تلفت كما قلنا، ولكن تعديه وتفريطه لا يسقط وكالته في التصرف، فإذا دفع المالك إليه سيارة مثلا وكله في بيعها، فركبها الوكيل أو استعملها من غير حق اثم بذلك وضمن، وإذا سلمت السيارة فلم تتلف ولم تعطب جاز له بيعها بمقتضى وكالته، وإذا باعها الوكيل وسلمها إلى المشتري برئ من الضمان، ولزمه للمالك ضمان المنافع التي استوفاها من العين قبل البيع، فعليه أن يدفع له أجرة مثلها.
[ المسألة 83: ] إذا دفع المالك لرجل مبلغا من المال، ووكله في أن يودعه عند شخص معين، فأودع الوكيل المال عند ذلك الشخص ولم يشهد عليه أحدا عند الايداع، وجحد الشخص المال الذي استودعه الوكيل اياه، فان كان المالك وكل الوكيل في أن يودع المال عند الشخص ويشهد عليه عند ايداعه فقصر الوكيل ولم يشهد كان الوكيل ضامنا للمال لتقصيره ومخالفته للوكالة. وكذلك إذا كانت العادة المتبعة بين أهل العرف أن يشهدوا على الودعي عند ايداعه، فيكون بحكم الاشتراط على الوكيل ويضمن المال بمخالفته، ومثله ما إذا كان عدم الاشهاد عند الايداع مما يعد تفريطا في الامانة بنظر أهل العرف، فيكون الوكيل ضامنا للمال في هذه الصور الثلاث ولا ضمان عليه في غيرها. وكذلك الحكم إذا دفع المال إليه مبلغا ووكله في أن يوصله إلى دائنه فلان ويقضي به دينه فدفع الوكيل المال إلى الدائن ولم يشهد عليه في قبض المال، وانكر الدائن دفع المال إليه، فيجري فيه التفصيل الآنف ذكره في فرض الوديعة وتنطبق أحكامه عليه.
[ المسألة 84: ] إذا وكل الرجل وكيلا في بيع شئ أو في شرائه للموكل، فالظاهر انه يصح للوكيل أن يشتري ذلك الشئ لنفسه من مال الموكل، وأن يبتاع الشئ للموكل من ماله إذا كان الشئ موجودا لديه مع مراعاة مصلحة الموكل، وان كان الاحوط له استحبابا أن يجتنب ذلك وخصوصا مع التهمة، وإذا صرح له الموكل في وكالته بأن يبيع الشئ الموكل فيه ولو على نفسه، وأن يشتريه ولو من ماله فلا ريب في الصحة.
[ المسألة 85: ] إذا ادعى زيد ان المالك قد وكله في بيع الارض المعينة أو الدار المعلومة، وانكر المالك وقوع الوكالة، أو ادعى المالك أنه قد وكل زيدا في البيع وانكر زيد الوكالة، فالقول قول من انكر الوكالة منهما مع يمينه.
[ المسألة 86: ] إذا ادعى الوكيل ان العين التي دفعها المالك إليه ووكله في بيعها قد تلفت في يده، أو ادعى انه باع العين وتلف ثمنها في يده، أو أن الدين الذي وكله في قبضه من المدين قد تلف في يده بعد قبضه منه، وانكر المالك التلف، فالقول قول الوكيل لانه أمين، الا إذا كان متهما فيطالب بالبينة.
[ المسألة 87: ] إذا تلفت العين أو المال في يد الوكيل وادعى المالك أن الوكيل قد تعدى أو فرط في الامانة، فيكون ضامنا لتلفها، وأنكر الوكيل أنه تعدى أو فرط، فلا ضمان عليه، فالقول قول الوكيل مع يمينه لانه منكر، الا أن يكون متهما، فيطالب بالبينة.
[ المسألة 88: ] إذا ادعى الوكيل أنه دفع المال الذي قبضه بالوكالة إلى مالكه، وانكر المالك دفع المال إليه فالقول قول المالك مع يمينه لانه منكر.
[ المسألة 89: ] إذا ادعى الوكيل انه أوقع التصرف الذي وكله المالك فيه، وقال: قد بعت السلعة التي وكلتني في بيعها وتلف ثمنها في يدي بعد البيع، فلا شئ علي، وأنكر الموكل ان الوكيل باع السلعة فتكون عليه غرامة المبيع أو عوضه، فالقول في ذلك قول الوكيل. [ المسألة 90: ] إذا تصرف الوكيل فباع أو اشترى للمالك بمقتضى وكالته عنه، فادعى المالك ان التصرف باطل لانه قد عزل الوكيل، وبلغه الخبر، وأنكر الوكيل العزل، أو ادعى عدم العلم بالعزل، فيكون التصرف ماضيا، فالقول قول الوكيل مع يمينه.
[ المسألة 91: ] إذا وكل الرجل وكيلا في البيع والشراء عنه، فاشترى الوكيل سلعة أو أرضا أو غيرهما فقال الموكل انك اشتريتها لي بوكالتك عني، وقال الوكيل اني اشتريتها لنفسي، فالقول قول الوكيل لانه أبصر بنيته، وكذلك إذا اشترى الوكيل السلعة أو الارض وأراد الثمن من الموكل، فقال الموكل: انك اشتريتها لنفسك فعليك ثمنها وقال الوكيل: اني اشتريتها لك بمقتضى وكالتك لي فالثمن عليك، فالقول قول الوكيل كما في الفرض السابق لانه أبصر بنيته، والاحوط اليمين عليه في الصورتين.
[ المسألة 92: ] إذا اشترى الوكيل للمالك أرضا مثلا أو دارا، وجعل ثمنها نخيلا معينة للمالك أو عينا مشخصة أخرى، وادعى أن المالك قد أذن له بالشراء بهذا الثمن المعين، وانكر الموكل انه اذن له في ذلك، فالقول قول الموكل مع يمينه، فتستعاد عين الثمن إذا كانت موجودة، ويسترد عوضها - مثلها أو قيمتها - إذا كانت مفقودة.
[ المسألة 93: ] إذا زوجه الوكيل امرأة وعين لها صداقا، وأنكر الرجل انه وكله في تزويجه، ولم تكن للوكيل بينة تثبت وكالته في ذلك، فالقول قول منكر الوكالة مع يمينه، ويكون للمرأة المزوجة نصف الصداق على الوكيل، ويجب على الرجل أن يطلق المرأة إذا كان يعلم بصحة الوكالة وصحة التزويج.
[ المسألة 94: ] إذا ادعى الاب أو الجد للاب أنه قد دفع مال الصبي أو القاصر إليه بعد بلوغه ورشده، وانكر المولى عليه ذلك، فالقول قول المنكر مع يمينه، وكذلك الحكم في غير الاب والجد من الاولياء على الصبي أو على المجنون أو السفيه والابله إذا ادعى الولي أنه قد دفع إلى المولى عليه ماله بعد ان ارتفع الحجر عنه وزال حكم الولاية عليه، وانكر المولى عليه دفع المال إليه فالقول قول المنكر مع يمينه.
[ المسألة 95: ] إذا ادعى الولي الشرعي أبا كان أم جدا، أم وصيا، أم غيرهما من الاولياء أنه قد أنفق على القاصر من ماله أو على دوابه أو على بقية شؤونه التي يلزمه الانفاق عليها، في أيام ولايته على القاصر، وأنكر القاصر الانفاق فالقول قول الولي لانه أمين، وكذلك إذا ادعى القاصر ان الولي قد اسرف أو بذر في النفقة عليه فيكون ضامنا وانكر الولي ذلك فالقول قول الولي.
[ المسألة 96: ] إذا كان في يد الوكيل مال للموكل وطالبه الموكل به وكان قادرا على تسليمه، وجب عليه تسليمه إليه أو إلى وكيله في القبض عنه، فإذا أخر التسليم من غير عذر كان ضامنا للمال إذا تلف أو نقص أو حدث فيه عيب، وإذا كان التأخير لعذر، فلا ضمان عليه، كما إذا أخره لانشغاله بواجب شرعي كالحج أو العمرة الواجبين ونحوهما أو لمرض أو لسفر يضطر إليه، أو انشغال في أمر لا يمكنه تأجيله أولا ينبغي لمثله تأجيله كحضور أضياف لا يمكنه التساهل في أمرهم أو لسقوط مطر غزير، ونحو ذلك، فإذا زال العذر المانع وجب عليه التسليم، فإذا أخره بعد زوال العذر كان ضامنا.
[ المسألة 97: ] إذا وكل المالك وكيلا وفوض إليه الامر في المعاملة كلها بجميع جهاتها وتوابعها، كان الوكيل بحكم المالك فيها، فإذا باع عينا بثمن، ووجد المشتري العين مستحقة للغير أو نحو ذلك مما يوجب الرجوع على المالك في عين المبيع، فيجوز للمشتري أن يرجع بذلك على الوكيل، وإذا اشترى شيئا بثمن، ووجد البائع في الثمن ما يوجب رده أو ما يوجب الخيار فيه فيجوز للبائع أن يرجع في ذلك على الوكيل المفوض، وترد عليه العين المعيبة ويؤخذ منه التفاوت مع الغبن، والارش مع العيب، وغير ذلك من توابع المعاملة مع المالك.
[ المسألة 98: ] إذا اختلف المالك والوكيل في اشتراط الجعالة على العمل الموكل فيه وعدمه، فقال الوكيل: اني اشترطت الجعل على ذلك في عقد الوكالة، وانكر الموكل اشتراط ذلك، فالقول قول المنكر مع يمينه، وكذلك إذا تسالما على اشتراط الجعل واختلفا في مقداره فقال الوكيل: هو مائة دينار، وقال الموكل: بل هو ثمانون دينارا، فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه، وإذا ادعى الموكل انه قد دفع الجعالة إلى الوكيل، وانكر الوكيل ذلك فالقول قوله مع يمينه.
[ المسألة 99: ] يجوز لصاحب الدين أن يوكل وكيلا في أن يبرئ ذمة الشخص المدين له، وان لم يعلم الوكيل بل ولا الدائن بمقدار الدين.
[ المسألة 100: ] لا يحق للرجل أن يوكل شخصا غير أمين في التصرف في مال غيره ومثال ذلك: ان يوكله الولي على التصرف في مال القاصر المولى عليه، أو يوكله على التصرف في مال الوقف، أو يوكله الوصي على التصرف في ثلث الميت، أو يوكله الرجل في دفع مال الزكاة أو الخمس إلى مستحقه، فلابد وأن يكون الوكيل الذي يوكله في ذلك أمينا، وإذا وكل فيه غير الامين كان ضامنا، ويجوز له أن يوكل من يشاء على التصرف في ماله وان كان غير أمين.
[ المسألة 101: ] إذا وجد المشتري مال المالك في يد شخص وادعى الشخص انه وكيل عن المالك في بيع ماله جاز له قبول قوله، وصح له أن يشتري المال منه ويرتب الاثر على وكالته، لانه صاحب يد على المال فيقبل قوله، وإذا ادعى الوكالة عن المالك ولم يكن المال في يده لم يقبل قوله، ولم يرتب الاثر عليه، فلا يصح له ان يشتري منه شيئا في ذمة المالك حتى تثبت صحة وكالته عنه بحجة شرعية معتبرة.
[ المسألة 102: ] إذا بطلت وكالة الوكيل بعزله أو بعروض أحد الامور التي تبطل بها الوكالة - وقد تقدم ذكر بعضها في المسألة الثالثة والستين وما قبلها - وكان للمالك الموكل مال أو عين باقية بيد الوكيل، فهي في يده امانة لا يضمنها إذا تلفت أو حدث فيها عيب أو نقص الا إذا تعدى أو فرط فيها، ويجب عليه تسليم الامانة إلى الموكل إذا كان موجودا والى وارثه إذا كان ميتا، وإذا أخر تسليمها من غير عذر كان ضامنا.
[ المسألة 103: ] إذا وكل الرجل وكيلا في شراء شئ، وبطلت الوكالة بعروض أحد المبطلات، واشترى الوكيل الشئ بعد بطلان وكالته، فالمبيع لا يزال باقيا على ملك بائعه وان استلمه الوكيل منه، وكذلك إذا وكله في أن يستقرض له مالا من أحد، فاستقرضه بعد ان بطلت الوكالة، فهو لا يزال ملكا للمقرض، وإذا وكله في قبض دين على أحد فقبضه بعد بطلان الوكالة، فالمال المقبوض ملك لدافعه وهو المدين، ولا يدخل شئ منها في ملك الموكل، وإذا تلف المال في يد القابض كان ضامنا لمالك المال.
[ المسألة 104: ] إذا وكل الانسان غيره في عقد نكاح أو ايقاع طلاق أو وفاء دين، أو تطهير ثوب أو اناء أو دفع زكاة أو خمس إلى مستحقها، فأخبر الوكيل بأنه قد أنجز العمل، فان كان الوكيل ثقة وحصل الاطمئنان بصدقه في خبره فالظاهر صحة ترتيب الاثر على قوله، فتجوز له مقاربة المرأة التي وكله في عقد تزويجها، ويرتب اثر الطلاق على المرأة التي وكله في طلاقها، ويحكم بفراغ ذمته من الدين ومن الزكاة والخمس، ويحكم بطهارة الثوب أو الاناء، وإذا لم يكن الوكيل ثقة أو لم يحصل الاطمئنان بصدق قوله لم يرتب الاثر عليه على الاحوط بل هو الاقوى. وإذا علم ان الوكيل أتى بالفعل وشك في صحة فعله وعدمها بنى على الصحة.
[ المسألة 105: ] إذا شرط الوكيل على الموكل في ضمن عقد لازم أن يجعله وكيلا عنه مطلقا أو في تصرف معين، وقبل الموكل الشرط وجب على الموكل الوفاء بالشرط، فلابد له من توكيله. وإذا اشترط عليه أن يوكله ثم لا يعزله عن الوكالة لم يجز له عزله بعد التوكيل، ومن أمثلة ذلك: أن يشرط المرتهن على المدين الراهن أن يجعله وكيلا عنه في بيع العين المرهونة إذا حل أجل الدين ولا يعزله عن وكالته، فيجب عليه الوفاء بالشرط، وكذلك الحكم إذا شرط الموكل على الوكيل أن يقبل وكالته مطلقا أو في أمر معين وان لا يعزل نفسه عن الوكالة، فيجب على الوكيل الوفاء بالشرط.
[ المسألة 106: ] الظاهر ان الوكالة تتحقق إذا شرطها الوكيل على الموكل بنحو شرط النتيجة في عقد لازم أو شرطها الموكل على الوكيل كذلك، وإذا شرط أن يكون وكيلا لا يملك عزله ثبتت وكالته ولم يصح عزله كما اشترط، وان كنا لا نقول بصحة الشرط إذا كان بنحو شرط النتيجة في سائر العقود، ولكن الظاهر صحة ذلك في الوكالة ونحوها من العقود التي يكفي في صحتها انشاؤها بأي لفظ يدل عليها، فيكون اشتراطها في العقد اللازم انشاءا لها فتصح وتلزم، وقد نبهنا على ذلك في بعض المباحث من كتب المعاملات.
[ المسألة 107: ] إذا شرط عليه في عقد لازم ان يجعله وكيلا عنه، ثم شرط عليه في ضمن عقد لازم آخر ان لا يعزله من التوكيل، وجب عليه الوفاء بالشرطين معا. والحمد لله رب العالمين.