كتاب الكفارات


[ كتاب الكفارات ] وفيه فصلان:

الفصل الأول : في أقسام الكفارات

الفصل الثاني : في أحكام الكفارات


[ الفصل الاول ] [ في أقسام الكفارات ]

[ المسألة الاولى: ] لم يتعرض الفقهاء قدس الله أرواحهم الطيبة في هذا الكتاب لذكر كفارات الاحرام بالحج أو بالعمرة، وهم يذكرونها مفصلة في كتاب الحج، ويكتفون بذلك عن ذكرها هنا مرة أخرى، ولهم بذلك وجهة نظرهم، ولعل الوجه ان كفارات الاحرام كثيرة ومفصلة، ولها أحكام خاصة بها كثيرة، ولابد من ذكرها جميعا في كتاب الحج لانه مورد الحاجة فيكون ذلك مغنيا عن اعادتها في كتاب الكفارات، وقد ذكر الكثير منها ومن غيرها في كتاب الصوم، والامر في التوجيه سهل.
[ المسألة الثانية: ] الكفارات واجبات خاصة تجب على المكلف عند حدوث بعض الطوارئ ذنب أو غيره، وليس المراد من هذا القول تعريف الكفارة بذلك، بل المراد الاشارة إلى معناها على وجه اجمالي مقدمة لذكر الاقسام والاحكام، وهي على أقسام أربعة نذكرها في المسائل الآتية:
[ المسألة الثالثة: ] القسم الاول من الكفارات: ما تكون فيه خصال الكفارة مترتبة، فلا يجزي الاتيان بالخصلة اللاحقة الا بعد العجز عن الاتيان بالخصلة السابقة عليها، وهي ثلاث كفارات: (الاولى) كفارة الظهار (والثانية) كفارة القتل خطأ، فإذا ظاهر الرجل من زوجته ثم أراد العود إلى مقاربتها وإذا قتل مؤمنا خطأ، وجب عليه دفع الكفارة. والكفارة في كل واحد من الموردين: أن يعتق رقبة مؤمنة، فإذا هو عجز عن تحرير الرقبة ولم يقدر وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا عجز عن صيامهما ولم يستطع وجب عليه ان يطعم ستين مسكينا. (الثالثة): كفارة من أفطر في قضاء صوم شهر رمضان بعد الزوال، فإذا صام المكلف قضاء عما فاته من شهر رمضان وأفطر بعد زوال الشمس من يومه عامدا، وجب عليه أن يطعم عشرة مساكين، فإذا عجز عن اطعامهم وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام، ولا يجب التتابع فيها على الاقوى وان كان ذلك أحوط استحبابا.
[ المسألة الرابعة: ] إذا اشترك رجلان أو أكثر في قتل رجل واحد أو امرأة خطأ، وجب على كل واحد منهم ان يدفع كفارة تامة عن نفسه، ولا يجزيهم دفع كفارة واحدة مشتركة، ولا ينوي كل واحد منهم التكفير عن الجميع.
[ المسألة الخامسة: ] القسم الثاني من الكفارات: ما يكون المكلف فيه مخيرا بين الخصال الواجبة، فأي الخصال أتى بها أجزأته وأبرأت ذمته من الواجب، وهي أربع كفارات. (الاولى): كفارة من أفطر في صوم شهر رمضان، فتناول أحد المفطرات المحللة عامدا من غير عذر مسوغ لذلك. (الثانية): كفارة من حنث بعهده وتعمد مخالفته كما ذكرناه في آخر فصل العهد. (الثالثة): كفارة المرأة إذا جزت شعرها في المصاب. (الرابعة): كفارة من جامع وهو معتكف فأفسد اعتكافه بذلك. والكفارة في كل واحدة من هذه الاربع أن يتخير المكلف بين أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا، فتكفيه أية واحدة أتى بها من هذه الخصال الثلاثة وتبرأ بها ذمته من الكفارة الواجبة عليه.
[ المسألة السادسة: ] جز المرأة شعر رأسها أن تقصه وتقطعه، سواء استأصلته أم لم تستأصله، وسواء جزت جميع الشعر أم جزت بعضه بحيث يصدق عند أهل العرف أنها قد جزت شعرها، والمراد هنا: أن تجزه في المصاب حزنا، فتجب عليها الكفارة لذلك، ولا تجب الكفارة إذا قصت شعرها لغير ذلك من الغايات كما إذا قصته للعلاج أو للتجميل. ويلحق بجز شعرها في الحكم حلقه، فإذا حلقته في المصاب حزنا وجبت عليها الكفارة الآنف ذكرها، والاحوط لزوم الكفارة أيضا إذا أحرقته لذلك.
[ المسألة السابعة: ] لا فرق في الحكم بالتحريم ووجوب الكفارة الآنف ذكرها إذا جزت المرأة شعرها في المصاب بين مصاب زوجها وأبيها وولدها وغيرهم ولا بين القريب منها في النسب والبعيد.
[ المسألة الثامنة: ] تجب الكفارة على من جامع وهو معتكف فأفسد اعتكافه بذلك، سواء كان جماعه ليلا أم نهارا، وإذا جامع نهارا فان كان معتكفا في شهر رمضان لزمته كفارة الافطار في شهر رمضان مضافا إلى كفارة الاعتكاف الآنف ذكرها، وان كان معتكفا وهو صائم قضاء شهر رمضان لزمته مع كفارة الاعتكاف كفارة الافطار في قضاء شهر رمضان وقد ذكرناها في المسألة الثالثة، وان كان معتكفا في صوم منذور، فعليه كفارة الاعتكاف وكفارة مخالفة الصوم المنذور، وإذا نذر الاعتكاف في أيام معينة وجامع في أثناء اعتكافه وجبت عليه كفارة الاعتكاف وكفارة خلف النذر سواء كان جماعه ليلا أم نهارا وان كان صائما في نهاره صوما مندوبا أو مستأجرا عليه.
[ المسألة التاسعة: ] لا فرق في الحكم بوجوب كفارة الاعتكاف بين أن يكون الجماع الذي أفسد به اعتكافه محللا أو محرما، كما إذا جامع زوجته في حيضها أو زنى بغيرها أو لاط، وإذا كان في شهر رمضان وأفطر على محرم لزمته كفارة الجمع لذلك كما سنذكره، مضافا إلى كفارة الاعتكاف، وبعض الفروض المذكورة نادرة وغريبة، ولكن مداخل الشيطان كثيرة وقريبة، بل وواقعة. ولا حول ولا قوة الا بالله.
[ المسألة العاشرة: ] إذا أفسد المكلف اعتكافه بارتكاب بعض محرمات الاعتكاف غير الجماع، فلا يترك الاحتياط بالاتيان بكفارة الاعتكاف وان كان اعتكافه مندوبا، كما إذا أفسده في اليومين الاولين، ويراجع ما علقناه على الاعتكاف من كتاب العروة الوثقى.
[ المسألة 11: ] إذا جامع المرأة زوجها وهي معتكفة باذنه وكانت مختارة في الجماع فسد اعتكافها ووجبت عليها كفارة الاعتكاف سواء كان الجماع ليلا أم نهارا، وأمكن أن تجري فيها جميع الفروض التي ذكرناها في المسألة الثامنة وتلحقها أحكامها، وإذا كان الرجل معتكفا أيضا لزمت كل واحد منهما كفارته وأحكامه.
[ المسألة 12: ] إذا أكره المرأة زوجها على الجماع وهي معتكفة لم تجب عليها كفارة افساد الاعتكاف سواء كان الزوج معتكفا أيضا أم لا، وسواء كان الجماع ليلا أم نهارا، وفي فساد اعتكافها بذلك اشكال، ولا يترك الاحتياط بأن تتم الاعتكاف إذا كان واجبا، ولا يترك الاحتياط بقضائه إذا كان مما يقضى كما إذا كان منذورا أو مستأجرا عليه، وكان النذر أو الاستيئجار عليه باذن الزوج.
[ المسألة 13: ] إذا أكره المرأة زوجها فجامعها وهما معتكفان صائمان في شهر رمضان وجبت على الزوج كفارة افطاره في شهر رمضان، ووجبت عليه كفارة أخرى لافساده اعتكافه، ووجبت عليه كفارة ثالثة يدفعها عن زوجته لاكراهها على الافطار، ولا يجب عليه أن يدفع عنها كفارة اعتكافها، ولا تجب على المرأة كفارة الاعتكاف لانها مكرهة كما تقدم، ولا يتحمل كفارة الاعتكاف عنها كذلك إذا جامعها مكرها لها وهي معتكفة وهو غير معتكف. وإذا أكرهها على الجماع وهما معتكفان في غير شهر رمضان لم يتحمل عن المرأة شيئا من كفارة الصوم ولا كفارة الاعتكاف، وتلزمه كفارة اعتكافه، وتلزمه كفارة صومه إذا كان مما تجب فيه الكفارة، والظاهر عدم الفرق في جميع الاحكام الآنف ذكرها للزوجة بين الدائمة والمتمتع بها.
[ المسألة 14: ] القسم الثالث من الكفارات: ما يجتمع فيه الامران المتقدم ذكرهما، فالكفارة مخيرة في بعض الخصال ومترتبة في بعضها وهي خمس كفارات. (الاولى): كفارة خلف اليمين، ومنها كفارة الايلاء من الزوجة. (الثانية): كفارة خلف النذر على الاقوى. (الثالثة): كفارة نتف المرأة شعر رأسها في المصاب. (الرابعة): كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى تدميه. (الخامسة): كفارة شق الرجل ثوبه لموت ولده أو زوجته. فيتخير المكلف في كل واحدة من هذه الكفارات بين أن يعتق رقبة وأن يطعم عشرة مساكين وأن يكسوهم، فإذا عجز عن هذه الخصال الثلاث ولم يقدر على الاتيان بواحدة منها وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة. فلا يكفيه أن يصوم الايام الثلاثة إذا قدر على واحدة من الخصال الاولى.
[ المسألة 15: ] يلاحظ في اليمين والنذر ما فصلناه فيهما وفي شرائط انعقادهما والحنث بهما في فصل اليمين وفصل النذر من الكتاب السابق، وقد ذكر بعض الفقهاء (قدس سرهم) ان الكفارة في مخالفة النذر نظير الكفارة في افطار شهر رمضان، فالمكلف بها يتخير بين ان يعتق رقبة ويصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكينا، وما ذكرناه هو الاقوى.
[ المسألة 16: ] الايلاء من الزوجة أن يحلف الرجل يمينا أن لا يطأها أبدا، أو أن لا يطأها مدة تزيد على أربعة أشهر ويقصد بذلك الاضرار بها، فإذا هي لم تصبر ورفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي أجله أربعة أشهر لينظر في أمر نفسه فلعله يرتدع ويكفر عن حلفه ويؤدي حق زوجته، فان هو لم يفعل ذلك أجبره الحاكم وضيق عليه حتى يختار أحد الامرين، فأما أن يكفر عن يمينه ويرجع فيؤدي حق زوجته الذي حلف على تركه واما أن يطلقها ويخلي سبيلها، فالكفارة في الايلاء هي كفارة اليمين وان اختلف الايلاء عن اليمين في جهات تذكر في مبحث الايلاء.
[ المسألة 17: ] نتف المرأة شعرها هو أن تقلعه من أصوله، والمراد هنا أن تقلع شعر رأسها بكفها أو بأصابعها حزنا من شدة وقع المصيبة عليها، سواء قلعت جميع شعر رأسها أو بعضه بحيث يصدق أنها نتفت شعرها في المصاب كما تقدم في جز الشعر، فتجب عليها الكفارة بذلك، ولا تجب الكفارة إذا نتفت شعرها في غير مصاب، من غضب ونحوه. وخدش الوجه هو أن تخمش وجهها بيديها أو بأظفارها حتى تؤثر فيه جرحا أو ندبا، ويكفي في وجوب الكفارة على المرأة أن تخدش بعض الوجه في المصيبة بحيث يصدق عليها انها خدشت وجهها حتى أدمته، ولا تجب الكفارة عليها إذا خدشت بعض أعضائها غير الوجه وان أدمته في المصاب أو خدشت وجهها في غير المصاب.
[ المسألة 18: ] تجب الكفارة على الرجل إذا شق ثوبه لموت زوجته أو لموت ولده، سواء شق جميع الثوب أو شق بعضه بحيث يصدق عليه أنه قد شق ثوبه، ولا تجب عليه الكفارة إذا شق ثوبه لموت أبيه أو أخيه أو غيرهما من أرحامه وغيرهم، ولا تجب عليه إذا خدش وجهه في مصاب أحد، أو جز شعره، أو نتفه، وان أثم إذا كان ذلك من الجزع وعدم الرضا بالقضاء. ولا تجب الكفارة على المرأة إذا شقت ثوبها لفقد زوجها أو ولدها أو أحد سواهما من الاقارب والاباعد عنها ولا تجب على الرجل ولا على المرأة إذا شقا لغير مصاب من غضب ونحوه.
[ المسألة 19: ] تجب الكفارة على الرجل إذا شق ثوبه لموت ولده لصلبه سواء كان ذكرا أم أنثى، وتجب عليه إذا شق ثوبه على ولد ولده على الاحوط بل على الاقوى، ولا يترك الاحتياط في ولد البنت.
[ المسألة 20: ] القسم الرابع من الكفارات: كفارة الجمع، وهي ما يجب فيها على المكلف أن يأتي بجميع الخصال التي عينها الشارع في المورد ولا يكفيه أن يأتي ببعض الخصال، وهي كفارتان: (الاولى): كفارة من قتل مؤمنا عامدا ظالما. (والثانية): كفارة من أفطر في صيام شهر رمضان عامدا وكان افطاره على محرم. فإذا ارتكب المكلف أحد الامرين، وجب عليه أن يعتق رقبة مؤمنة، وأن يصوم شهرين متتابعين، وان يطعم ستين مسكينا على الاقوى في الكفارة الاولى، وعلى الاحوط لزوما في الكفارة الثانية.
[ المسألة 21: ] تجب كفارة الجمع في قتل المسلم إذا كان القاتل عامدا ظالما، سواء كان المقتول ذكرا أم أنثى، وحرا أم عبدا، وكبيرا أم صغيرا، بل وان كان جنينا قد ولجته الروح، وسواء كان القاتل أمه أم أباه أم أجنبيا.
[ المسألة 22: ] إذا اشترك جماعة في قتل المسلم وكانوا جميعا عامدين ظالمين وجبت كفارة الجمع على كل واحد منهم، وإذا كان بعضهم عامدا في قتله وبعضهم مخطئا، وجبت كفارة الجمع على العامد منهم ووجبت كفارة قتل الخطأ على المخطئ، وقد ذكرناها في المسألة الثالثة. وإذا كفر أحد القتلة عن نفسه لم تسقط الكفارة عن الآخرين منهم، وإذا دفع أحدهم الكفارة وقصد بها التكفير عن نفسه وعن الآخرين على وجه التشريك لم تجزه كفارته عن نفسه ولا عن الآخرين.
[ المسألة 23: ] إذا أفطر الصائم في نهار شهر رمضان عامدا على محرم، لزمته كفارة الجمع على الاحوط كما ذكرنا، سواء كان المحرم الذي أفطر عليه محرما بالاصالة كالخمر واللحم غير المذكى والطعام المغصوب، وكالزنا واللواط أم كان محرما بالعارض كجماع الزوجة في حيضها أو نفاسها، وأكل لحم الحيوان الجلال وشرب لبنه، بل وأكل ما يضره ضررا لا يتحمل عادة.
[ المسألة 24: ] إذا حلف المكلف بالبراءة من الله أو من الاسلام أو من الرسول صلى الله عليه وآله أو من الائمة المعصومين أو من أحدهم (ع) ثم حنث بيمينه، فالاحوط له لزوما أن يطعم عشرة مساكين، يدفع لكل مسكين منهم مدا من الطعام، ويستغفر الله سبحانه مما فعل، وقد تقدم هذا في المسألة التاسعة عشرة من كتاب الايمان.
[ المسألة 25: ] إذا نام الرجل عن صلاة العشاء فلم يصلها، ولم ينتبه من نومه حتى تجاوز نصف الليل، أتى بالصلاة قبل أن يصبح، وعليه أن يصوم ذلك اليوم على الاحوط احتياطا لا يترك، والظاهر عدم الفرق بين ان ينام عن صلاة العشاء وحدها، وأن ينام عن صلاتي المغرب والعشاء معا، وقد ذكرنا في فصل الاوقات من كتاب الصلاة أن منتصف الليل هو آخر وقت صلاتي العشاءين للمختارين وأن طلوع الفجر آخر وقتهما للمعذورين فليراجع.
[ المسألة 26: ] لا يترك الاحتياط بقضاء صوم اليوم في الفرض المتقدم إذا كان المكلف فيه مريضا أو مسافرا سفرا لا يصح فيه الصوم، أو اتفق ذلك للمرأة وحاضت أو تنفست في ذلك اليوم، أو كان يوم عيد ونحوه مما لا يجوز فيه الصوم، فيقضي يوما بدلا عنه على الاحوط.
[ المسألة 27: ] من تزوج امرأة ذات زوج، أو تزوجها وهي في عدة من رجل وجب عليه أن يفارقها، وإذا دخل بها فهما زانيان يجب عليهما الحد وإذا كانا محصنين أو كان أحدهما محصنا فعلى المحصن الرجم والاحوط للرجل أن يكفر بخمسة أصوع من الدقيق يدفعها لمسكين واحد أو أكثر، والاقوى عدم وجوب ذلك، ولا فرق في ذات الزوج بين أن يكون نكاحهما دائما أو منقطعا.
[ المسألة 28: ] إذا وطأ الرجل زوجته في أيام حيضها وهو عامد وعالم بتحريم ذلك أثم واستحب له أن يتصدق بدينار إذا كان وطؤه اياها في أول حيضها، وبنصف دينار إذا كان في وسطه، وبربع دينار إذا كان في آخره، وقيل بوجوب ذلك عليه وهو المشهور بين المتقدمين، والاقوى الاستحباب وقد ذكرنا هذا في فصل أحكام الحيض من كتاب الطهارة.
[ المسألة 29: ] إذا وطأ الرجل أمته وهي حائض تصدق بثلاثة أمداد من الطعام على ثلاثة مساكين وقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، والاقوى عدم وجوبه، ولا بأس بأن يؤتى به برجاء المطلوبية.
[ المسألة 30: ] إذا نذر المكلف صوم يوم أو أيام معينة أو غير معينة ثم عجز عن الصيام في الوقت المعين أو عجز عن الصيام مطلقا في النذر المطلق فلم يقدر على الوفاء كان عليه على الاحوط لزوما أن يتصدق عن كل يوم من الايام التي نذر صيامها بمد من الحنطة، وورد في بعض النصوص أن يعطي من يصوم عنه كل يوم من الايام المنذورة مدين، وقد ذكرنا هذا في المسألة السبعين من فصل النذر.
 

[ الفصل الثاني ] [ في أحكام الكفارات ]

[ المسألة 31: ] يشترط في الرقبة التي تعتق في الكفارة - أي كفارة كانت - أن تكون مسلمة، فلا يجزي في الكفارة عتق المملوك الكافر أو المرتد، ولا يجزي عتق ناصب أو غال أو خارجي، بل الاحوط استحبابا أن تكون الرقبة مؤمنة بالمعنى الخاص. ولا فرق في المملوك الذي يجزي عتقه بين الذكر والانثى والكبير والصغير إذا كان أحد أبويه مسلما، فانه بحكم المسلم، ويستثنى من ذلك كفارة القتل عمدا أو خطأ فالاحوط لزوما فيهما أن يعتق البالغ المؤمن ولا يكتفي بغير البالغ أو غير المؤمن.
[ المسألة 32: ] يشترط في الرقبة التي يراد عتقها في الكفارة - اي كفارة كانت - أن تكون سليمة من العيوب التي يكون حدوثها سببا لانعتاق المملوك قهرا على المالك، كالعمى والاقعاد والجذام، وأن لا تكون قد نكل بها المالك أو مثل فقطع بعض أعضاء العبد مثلا أو جدع أنفه فان العبد ينعتق بذلك قهرا على المالك، فلا يتحقق بعد ذلك عتقه عن الكفارة بل ولا يصح وان كان تنكيله به بقصد عتقه بذلك للكفارة، فان العمل المحرم لا يمكن أن يكون مقربا. وإذا حدث في العبد أحد العيوب التي لا توجب الانعتاق كالصمم والخرس والعرج والعور وفقد بعض القوى ولم يكن حدوث ذلك بفعل المالك وتنكيله بل حدث بعروض بعض الامراض أو الطوارئ لم يخرج العبد بذلك عن ملك سيده فيصح له عتقه في الكفارة، وكذلك إذا نكل به غير مولاه.
[ المسألة 33: ] يجزي في الكفارة أن يعتق المكلف عبده الآبق منه وان لم يعلم موضع العبد في اي بلد من البلدان أو أي قطر من الاقطار، ويعتبر على الاحوط في اجزاء عتقه في الكفارة أن تقوم عند مالكه بعض القرائن والامارات على أن العبد لا يزال حيا كما إذا أخبره أحد برؤيته أو حصل له ظن بوجوده من بعض الملابسات والقرائن.
[ المسألة 34: ] العبد المدبر هو المملوك يقول له سيده أنت حر بعد موتي، أو أنت حر إذا حدث علي حادث الموت وأمثال ذلك، فيتشبث من أجل ذلك بالحرية، ولا يجزيه عتقه في الكفارة، لان ملك سيده له غير تام بعد هذا الايقاع الا إذا نقض السيد تدبيره وأرجعه إلى ملكه، فيكفيه عتقه في الكفارة حين ذلك.
[ المسألة 35: ] العبد المكاتب هو الذي يكاتبه سيده ويوقع المعاملة معه على أن يدفع للسيد عوضا معينا الى أجل معين، ويكون حرا إذا وفى لسيده بذلك. والمكاتبة تقع على نحوين: مطلقة ومشروطة، فالمكاتبة المطلقة هي التي تكون سببا لتحرير العبد بنسبة ما يؤديه من مال الكتابة لسيده، فإذا أدى خمس المال مثلا انعتق خمس العبد، وإذا أدى الربع انعتق منه الربع، وإذا أدى النصف أو الثلثين من المال انعتق نصف العبد كذلك أو ثلثاه من العبودية، وإذا أدى جميع العوض انعتق جميعه. والمكاتبة المشروطة هي المعاملة التي يشترط السيد فيها على العبد أن يؤدي جميع المال بحيث لا يتحرر من العبد شئ حتى يؤدي العوض كله وان أدى بعضه أو أكثره. ونتيجة لذلك، فإذا كان المكاتب مطلقا ثم أدى بعض المال انعتق منه جزء بنسبة ما أداه إلى مجموع العوض، ولذلك فلا يجزيه إذا اعتقه في الكفارة، لان السيد لا يملك رقبته كلها ولا يكون عتقه عتق رقبة تامة، وإذا كان المكاتب مطلقا ولم يؤد من مال الكتابة شيئا، أو كانت المكاتبة مشروطة باداء جميع العوض، فالعبد لا يزال كله مملوكا لسيده، فإذا اعتقه فقد اعتق رقبة تامة وكفاه ذلك عن الكفارة، اي كفارة كانت.
[ المسألة 36: ] الامة المستولدة هي المملوكة التي تحمل من سيدها بوطئه اياها بالملك، فيكون حملها منه سببا لتعلق أحكام خاصة بها، ولكنها لا تخرج بالاستيلاد عن ملك سيدها، ولذلك فيجوز له عتقها، ويكفيه عتقها عن الكفارة.
[ المسألة 37: ] الكفارة عبادة من العبادات، سواء كانت مترتبة في الخصال أم مخيرة ما بينها، أم مخيرة مرتبة، أم كفارة جمع، فإذا وجبت على المكلف احدى الكفارات وأراد امتثالها فلابد في صحة امتثاله من النية حين يدفع الخصلة المعينة أو المخيرة، فيعتبر فيها أن يقصد العمل الذي يأتي به عتقا مثلا أو صياما، أو اطعاما، وأن يقصد القربة بفعله امتثالا لامر الله به وأن يقصد أن ما يأتي به هو الكفارة الخاصة التي وجبت عليه.
[ المسألة 38: ] إذا وجبت على المكلف كفارات متعددة، فان كانت من أنواع متعددة وجب عليه في النية أن يعين النوع الخاص الذي يؤدي الكفارة عنه، ومثال ذلك أن تكون على الرجل كفارة يمين، وكفارة مخالفة نذر، وكفارة ظهار، فإذا أراد عتق رقبة للوفاء باحدى الكفارات التي وجبت عليه أو أراد اطعاما وجب عليه أن يعين الكفارة التي يؤدي عنها، وإذا هو اعتق الرقبة أو أطعم المساكين ولم يعين الكفارة التي أدى عنها لم يجزه عمله عن شئ منها. وان كانت الكفارات التي وجبت على المكلف كلها من نوع واحد، كفاه أن يدفع الكفارة وفاءا عن النوع الذي في ذمته، ولم يجب عليه أن يعين الفرد الخاص، ومثال ذلك أن تكون عليه عدة كفارات لافطار أيام من شهر رمضان من سنة واحدة أو أكثر، فإذا اعتق رقبة أو أطعم ستين مسكينا كفاه في صحة عمله أن يقصد أن ما يأتي به كفارة عن الافطار، ولا يجب عليه أن يقصد انها كفارة عن الافطار في أي يوم ومن أي سنة مثلا.
[ المسألة 39: ] إذا وجبت على المكلف كفارة واحدة ونسي انها من أي نوع من أنواع الكفارات، فإذا كانت الانواع التي يحتمل وجوبها عليه متحدة في الخصال كفاه في الامتثال أن يأتي بالخصلة وفاء عما في ذمته، ومثال ذلك ان يعلم بوجوب كفارة عليه ولا يدري انها كفارة افطار يوم من شهر رمضان أو كفارة اعتكاف أو كفارة مخالفة عهد فيجزيه أن يأتي ببعض الخصال المخيرة بقصد الاداء عما في ذمته. وكذلك إذا تردد في الكفارة التي في ذمته هل هي كفارة ظهار أو كفارة افطار يوم من شهر رمضان، وأراد العتق فيكفيه أن يعتق الرقبة للوفاء عما في ذمته من الكفارة. وإذا اختلفت الانواع التي يحتمل وجوبها عليه في الخصال وجب عليه الاحتياط فيجمع بين الخصال التي يحتمل وجوبها عليه ومثال ذلك أن يتردد في الكفارة التي وجبت عليه بين أن تكون كفارة ظهار أو كفارة افطار في قضاء شهر رمضان فيجب عليه أن يعتق رقبة لاحتمال كونها كفارة مظاهرة، وأن يعلم عشرة مساكين لاحتمال كونها كفارة افطار في قضاء الشهر، وإذا عجز عن عتق الرقبة وجب عليه ان يصوم شهرين متتابعين لاحتمال الاولى وان يطعم عشرة مساكين لاحتمال الثانية
[ المسألة 40: ] يتعين على الرجل إذا وجبت عليه كفارة ظهار أو كفارة قتل خطأ، أن يعتق رقبة مؤمنة، على ما تقدم بيانه في الكفارة المرتبة الخصال في المسألة الثالثة، ولا يجزي عنه أن يأتي بغير العتق من خصال الكفارة، فإذا عجز عن عتق الرقبة، وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، وتعين عليه ذلك، فلا يجزي عنه في الوفاء بتكليفه أن يطعم المساكين، فإذا عجز عن الصوم تعين عليه ان يطعم ستين مسكينا.
ويتحقق عجز المكلف عن عتق الرقبة بعدم وجود رقبة مؤمنة لتعتق، أو لتشترى ثم تعتق، ويتحقق كذلك بعدم وجود ثمنها عند المكلف، وبعدم قدرته على شرائها وان كان ثمنها موجودا لديه، ويتحقق عجزه كذلك عن عتق الرقبة مع وجودها عنده بحاجة المكلف إلى خدمتها لعلو شأن ورفعة مقام عن مباشرة الاشياء بنفسه فلابد له من مملوك يباشر خدمته ويقوم بشؤونه، أو لضرورة أخرى من كبر سن أو مرض أو شلل أو زمانة أو غير ذلك مما يضطره إلى وجود مملوك يدبر أمره ويقوم بخدمته. والمدار في جميع ذلك أن يكون عتق الرقبة الموجودة عنده موجبا للحرج والعسر عليه. ويتحقق العجز عن العتق مع وجود ثمن الرقبة عند المكلف إذا كان بحاجة الى الثمن لنفقته أو نفقة من تجب عليه نفقته أو لاداء ديونه، أو للوفاء ببعض الواجبات التي يجب عليه صرف المال فيها، بحيث يكون صرف المال في شراء الرقبة وعتقها موجبا للعسر والحرج عليه.
[ المسألة 41: ] لا تصرف في شراء الرقبة وعتقها مستثنيات الدين، وهي الاشياء التي يكون بيعها في وفاء الدين أو في شراء المملوك وعتقه في الكفارة موجبا لوقوع المكلف في العسر والحرج وقد ذكرناها مفصلة في كتاب الدين في المسألة الثامنة عشرة وفي مواضع كثيرة أخرى فليراجعها من أراد.
[ المسألة 42: ] إذا وجدت الرقبة المملوكة للبيع وكان المكلف ممن يجد ثمنها ويتمكن من شرائها وجب عليه ان يشتري الرقبة ويعتقها في الكفارة وان كان الثمن الذي تباع به اكثر من ثمن المثل، الا إذا كان بذل ذلك الثمن موجبا للعسر والحرج عليه فيسقط عنه الوجوب لذلك.
[ المسألة 43: ] إذا وجدت الرقبة المملوكة للبيع وكان للمكلف مال غائب يرجو وصوله إليه وجب عليه ان ينتظر ولا يكون بذلك عاجزا عن العتق لينتقل حكمه إلى الصوم، حتى ييأس من وصول المال إليه أو من شراء العبد، وكذلك الحكم إذا وجد لديه الثمن ولم توجد الرقبة بالفعل ولكنه يتوقع وجودها والتمكن من شرائها فيجب عليه الانتظار ولا يكون بذلك عاجزا عن عتق الرقبة حتى يحصل له اليأس أو تطول المدة جدا بحيث يعد التأخير تسويفا بالواجب أو يكون التأخير موجبا للحرج على المكلف، ومثال ذلك ما إذا كان المظاهر شديد الشبق بحيث يكون تأخير التكفير والجماع موجبا للعسر عليه والوقوع في الضيق، ولا يمكنه سد حاجته بطريق محلل آخر، فلا يجب عليه الانتظار وينتقل حكمه إلى التكفير بصوم شهرين متتابعين وان عسر عليه ذلك انتقل إلى الاطعام وكذلك في الفرض السابق.
[ المسألة 44: ] إذا عجز المكلف عن صيام شهرين متتابعين في الكفارة المرتبة ولم يستطع ذلك وجب عليه أن يطعم ستين مسكينا، وتعين عليه ذلك، ويتحقق عجزه عن الصيام إذا كان مريضا مرضا يمنعه من الصوم، وإذا خاف مع الصوم من حدوث مرض مانع منه، أو خاف زيادة مرضه أو طول مدته أو عسر علاجه، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب الصوم فليرجع إليه في فصل شرائط صحة الصوم وشرائط وجوبه.
[ المسألة 45: ] لا يكفي في تحقق العجز وجود المرض المانع من الصوم في الحال أو خوف حدوثه أو خوف زيادته أو طول مدته أو عسر علاجه كذلك إذا كان يرجو البرء وتغير الحال وتجدد القدرة على الصوم في ما يأتي من الوقت، فلابد مع وجود ذلك في الحال من اليأس من زوال العذر. وإذا يئس من البرء أو ظن عدم البرء من المرض واستمرار العذر فأطعم ستين مسكينا، ثم زال العذر وأمكنه الصوم وجب عليه صيام شهرين متتابعين ولم يكفه الاطعام الذي أتى به.
[ المسألة 46: ] إذا كان صوم الشهرين المتتابعين يوجب العسر والحرج على المكلف والوقوع في المشقة الشديدة التي لا تتحمل عادة، سقط عنه وجوب الصوم وتحقق العجز عنه وانتقل فرضه إلى اطعام المساكين.
[ المسألة 47: ] إذا حاضت المرأة أو تنفست وجب عليها الافطار إذا كانت صائمة، وكان لها ذلك عذرا شرعيا، فلا ينقطع بافطارها تتابع الصوم إذا كان مما يجب فيه التتابع، وقد ذكرنا هذا في كتاب الصوم وفي كتاب النذر وفي مواقع أخرى ولذلك فلا يكون طروء الحيض أو النفاس على المرأة موجبا لعجزها عن صوم الكفارة وانتقال حكمها إلى الاطعام، بل يجب عليها أن تصوم بعد ارتفاع الحدث عنها وتبني على صيامها المتقدم إلى أن تتم الشهرين المتتابعين، وكذلك إذا افطر المريض لعروض مرض يوجب له الافطار كان له ذلك عذرا شرعيا فلا ينقطع بافطاره تتابع الصوم وقد ذكرنا ذلك في المسألة المائتين والثالثة والعشرين من كتاب الصوم. وكذلك السفر الذي يسلب من المكلف اختياره ويكون فيه مقسورا على قطع المسافة كما ذكرناه في المسألة الثانية والثمانين من فصل النذر، فلا يكون افطاره في هذا السفر موجبا لقطع التتابع في صوم الكفارة، بل يبني على صومه بعد ارتفاع العذر الى أن يتم الشهرين، ولا يكون عروض مثل هذا السفر موجبا للعجز عن الصيام المتتابع وانتقال حكمه إلى الاطعام كما إذا فرض عروض ذلك له في كل شهر.
[ المسألة 48: ] انما يكون الحيض أو النفاس عذرا شرعيا لا ينقطع به التتابع في الصوم إذا لم يكن حدوثهما بفعل المرأة نفسها، فإذا تناولت المرأة بعض الحبوب أو المستحضرات فأنزلت الحيض أو النفاس عليها باختيارها وأفطرت من صومها لذلك انقطع تتابع صومها بذلك على الظاهر، وكذلك المريض إذا أمرض نفسه بفعل نفسه، فيكون افطاره بسبب هذا المرض الطارئ عليه بفعله موجبا لانقطاع تتابع الصوم.
[ المسألة 49: ] إذا سافر المكلف في أثناء صومه فأفطر انقطع بافطاره تتابع صومه سواء كان مختارا في سفره أم مضطرا إليه، الا إذا كان اضطراره بنحو القسر الذي يسلبه الاختيار فيه، كما ذكرناه في المسألة السابعة والاربعين هنا، وفي المسألة الثانية والثمانين من فصل النذر.
[ المسألة 50: ] المدار في القدرة والعجز في الكفارة المرتبة، عليهما في وقت أداء الكفارة لا في وقت وجوبها على المكلف، فإذا وجبت عليه كفارة الظهار مثلا وكان في وقت وجوبها عليه قادرا على ان يعتق رقبة لتيسر وجود الرقبة ووجود ثمنها، فتأخر في أداء الكفارة حتى فقدت الرقبة أو انعدم ثمنها لديه وأصبح غير قادر على العتق، وجب عليه صيام الشهرين وسقط عنه وجوب العتق. وإذا كان عند وجوب الكفارة عليه عاجزا عن العتق، فلم يبادر بالصوم ثم وجدت الرقبة وأصبح قادرا على عتقها، لزمه العتق، ولم يكفه الصوم.
[ المسألة 51: ] إذا عجز المكلف عن عتق الرقبة في الكفارة المرتبة وأصبح غير قادر عليه في نظر أهل العرف، وابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين، فصام أياما أو ساعات من يوم، ثم وجد الرقبة وأصبح قادرا على عتقها كفاه أن يتم الصوم ولم يجب عليه عتق الرقبة على الاقوى، ويجوز له رفع اليد عن الصوم واختيار العتق، بل الظاهر أن ذلك هو الافضل، وإذا انقطع تتابع الصوم لبعض الطوارئ، وجب عليه العتق إذا كان لا يزال قادرا عليه ولم يكفه أن يعيد الصيام. وإذا عجز عن صوم الشهرين المتتابعين لبعض الاعذار الآنف ذكرها، فشرع في اطعام المساكين ثم زال العذر وأصبح قادرا على الصوم، فلابد له من صوم الشهرين ولم يكفه الاطعام كما مر ذكره في المسألة الخامسة والاربعين.
[ المسألة 52: ] إذا أفطر الصائم في قضاء شهر رمضان عامدا بعد الزوال، وجبت عليه الكفارة التي ذكرناها في المسألة الثالثة، وهي كما تقدم مرتبة من خصلتين، فيتعين عليه أن يطعم عشرة مساكين، ولا يجزيه أن يصوم ثلاثة أيام الا بعد العجز عن الاطعام ويجري الترتيب بين الخصلتين على نحو ما ذكرناه في الكفارة المرتبة قبلها وتجري فيه أحكامها.
[ المسألة 53: ] إذا وجبت على الرجل كفارة حنث اليمين أو ما هو بحكمه كالايلاء من الزوجة ومخالفة النذر، جرى فيها حكمها المتقدم بيانه في المسألة الرابعة عشرة، وقد مر أن هذه الكفارة مخيرة مرتبة، فيتخير فيها بين أن يعتق رقبة مؤمنة وأن يطعم عشرة مساكين وأن يكسوهم، ولا يتعين عليه العتق إذا كان قادرا عليه، ولا يتقدم بعض هذه الخصال الثلاثة على بعض، فإذا عجز عن هذه الخصال جميعا ولم يتمكن من الاتيان بأي واحدة منها تعين عليه أن يصوم ثلاثة أيام، ويجري الترتب بين مجموع الخصال المتقدمة والصيام على نحو ما تقدم في الكفارة المرتبة وتنطبق أحكامها.
[ المسألة 54: ] يجب التتابع في صوم الشهرين في كفارة الظهار من الزوجة، وفي كفارة القتل خطأ، وفي الكفارة المخيرة وفي كفارة الجمع، ويجب التتابع في صوم الشهر في كفارة العبد المملوك إذا ظاهر من زوجته، وفي صوم الايام الثلاثة في كفارة اليمين وما بحكمه، وفي صوم الايام الثلاثة التي يجب صومها على المتمتع بالحج إذا لم يجد الهدي الواجب عليه في حجه، عدا ما استثني، وقد ذكرناها وذكرنا مورد الاستثناء فيها في كتاب الصوم وفي كتاب الحج. ولا يجب التتابع على الاقوى في صوم باقي الكفارات، وان كان الاحوط استحبابا للمكلف أن يتابع الصوم في جميعها.
[ المسألة 55: ] التتابع في الصوم هو أن يوالي المكلف بين أيام الصوم، فلا يتخلل ما بينها افطار لا يعذر فيه شرعا، ولا يتخلل ما بينها صوم آخر لا يعذر فيه كذلك، فإذا أخل بالتتابع في الموارد التي يجب التتابع فيها، وجب عليه‌أن يستأنف الصوم متتابعا، فإذا ابتدأ في صوم ثلاثة أيام لكفارة اليمين مثلا وأفطر في أثنائها لا لعذر أو صام في أثنائها صوما آخر معينا أو غير معين بطل صوم تلك الكفارة ووجب عليه استيئنافها وان كان الصوم الذي أتى به في اثنائها صوم شهر رمضان أو صوم كفارة غيرها أو صوم نذر معين أو غير معين. وقد ذكرنا بعض الموارد التي يعذر المكلف فيها بتخلل الافطار في صومه في المسألة السابعة والاربعين والثامنة والاربعين وما بعدهما، فلا يكون افطاره فيها مخلا بالتتابع، وذكرنا ايضا بعض الموارد التي يعذر المكلف فيها بتخلل الصوم الآخر في المسألة الثامنة والثمانين من فصل النذر، فلا يكون مخلا بالتتابع، فليلاحظ ذلك، ولعلنا نذكره قريبا على نحو الاجمال.
[ المسألة 56: ] إذا وجب على الانسان صوم متتابع، كفارة أو غيرها، فلا يجوز له أن يجعل صيامه في زمان يعلم بأنه لا يقدر على الاتيان بالصوم فيه متتابعا، فإذا وجب عليه صوم شهرين متتابعين لم يجز له أن يبتدئ صومه في أول شهر شعبان، لدخول شهر رمضان عليه قبل أن يحصل له شرط التتابع في صومه، ولم يجز له ان يبتدئ صومه في شهر قد نذر صوم يوم منه أو أكثر، ولم يجز له أن يبتدئ صومه في شهر يكون فيه أحد العيدين وأيام التشريق إذا كان بمنى ناسكا أو غير ناسك.
[ المسألة 57: ] لا تخل المنافيات بتتابع الصوم إذا وقعت من المكلف على سبيل الالتجاء وعدم الاختيار كما إذا قسره المتغلب على أمره فأوقعه في الافطار مجبرا من غير اختيار له في ذلك، فلا ينقطع بذلك تتابع صومه، وقد تقدم حكم السفر مع الاضطرار القاسر، وحكم المرض وعروض الحيض أو النفاس إذا لم يكن حدوثها بفعل المكلف نفسه ولا يضر بتتابع الصوم ما إذا نسي المكلف نية الصوم في بعض الايام المتتابعة حتى فات وقت النية فلم يتذكرها الا بعد الزوال، فيبطل بذلك صوم اليوم ولا ينقطع به تتابع الصوم، ولا يضر بالتتابع أن ينسى فينوي صوما آخر ولا يتذكر الا بعد الزوال، وقد تقدم ايضا حكم من نذر أن يصوم كل خميس ما دام حيا، ثم وجب عليه صوم الشهرين المتتابعين للكفارة أو النذر أو ما هو أقل من الشهرين أو أكثر، فيصوم كفارته متتابعة، ويصوم أيام الخميس منها لنذره السابق ولا يكون صومها مخلا بالتتابع، ولكنه يخل بصوم الايام الثلاثة ونحوها إذا كانت متتابعة فيجب عليه أن يصومها متتابعة في غير الخميس بأن يجعل آخرها يوم الاربعاء مثلا.
[ المسألة 58: ] يحصل التتابع الشرعي في صيام الشهرين للكفارة بأن يصوم المكلف منها شهرا ويوما متتابعا، فإذا أتم ذلك وتابع فيه جاز له تفريق الصوم في بقية الشهر الثاني، ولا يضره ذلك وان حصل منه اختيارا من غير عذر سواء كانت الكفارة مرتبة أم مخيرة. وإذا وجب على المكلف صوم شهرين متتابعين بالنذر أو الحلف أو العهد، وقصد بنذره أو يمينه التتابع الشرعي جاز أن يفعل كذلك، فيصوم شهرا ويوما متتابعا، ثم يفرق الصوم في بقية الشهر الثاني، وإذا قصد بنذره التتابع في جميع الايام أو كان ذلك هو الذي ينصرف إليه لفظ النذر كما إذا نذر التتابع العرفي أو نذر أن يصوم شهرين هلاليين متصلين وجب عليه ان يصوم جميع أيام الشهرين متتابعة ولم يجز له التفريق مطلقا. وكذلك إذا نذر أن يصوم شهرا متتابعا جرى فيه التفصيل المتقدم فان قصد التتابع الشرعي جاز له أن يصوم منه خمسة عشر يوما متتابعة، ثم يفرق صوم الباقي من الشهر، وان قصد التتابع في جميع الايام أو كان ذلك هو المنصرف إليه من لفظ النذر كما إذا نذر صوم شهر هلالي وجب عليه التتابع في الجميع ولم يجز له التفريق، وحكم اليمين والعهد هو حكم النذر. ولا يجرى الحكم المذكور في بقية أفراد الصوم المتتابع فلا يجوز له أن يصوم أكثر من نصفه متتابعا ويفرق بقية أيامه.
[ المسألة 59: ] إذا وجب على الانسان صوم شهرين متتابعين للكفارة، وابتدأ بصومهما في أول الشهر القمري أجزأه أن يصوم شهرين هلاليين سواء كانا تامين أم ناقصين، وإذا شرع في صومهما في اثناء الشهر فالاحوط له لزوما أن يتم كل واحد من الشهرين ثلاثين يوما ولم يجزه اتمام الشهر الهلالي إذا كان ناقصا.
[ المسألة 60: ] إذا نذر الانسان أو حلف أن يصوم شهرين متتابعين اتبع قصده الخاص، فان قصد صوم ما يسمى شهرا عند أهل العرف سواء كان عدديا أم هلاليا، جرى فيه الحكم الآنف ذكره في الكفارة فإذا ابتدأ بالصوم في أول الشهر القمري كفاه أن يصوم شهرين هلاليين وان كانا ناقصين، وإذا شرع فيه في اثناء الشهر لزمه على الاحوط أن يصوم كل واحد من الشهرين ثلاثين يوما، وان قصد الشهر العددي وجب ان يتم كل شهر منهما ثلاثين يوما وان شرع في صومه في يوم الهلال، وإذا اطلق نذره أو حلفه ولم يعين شيئا انصرف إلى الاول وجرى عليه حكمه، وان كان الاحوط له استحبابا ان يتم كل شهر منهما ثلاثين يوما.
[ المسألة 61: ] إذا وجب على الشخص صوم شهرين متتابعين، أمكن له أن يبدأ صوم الشهرين قبل أن يهل شعبان بيومين، فإذا صام كذلك فقد أحرز أنه صام قبل شهر رمضان شهرا ويوما وحصل له التتابع الشرعي في صومه فلا يضره دخول شهر رمضان بعد ذلك، فإذا أتم صوم شهر رمضان صام بعد العيد بقية الشهرين متتابعة إذا شاء أو متفرقة، ولا يكفيه أن يبدأ بصوم الشهرين في أول شهر شعبان فان تتابع صومه ينقطع بدخول شهر رمضان سواء كان شهر شعبان تاما أم ناقصا لعدم حصول التتابع الشرعي، ولا يكفيه أن يبدأ بصوم الشهرين قبل شهر شعبان بيوم واحد، فقد ذكرنا في المسألة التاسعة والخمسين ان المكلف إذا ابتدأ بالصوم في أثناء الشهر، فلابد له من اكمال الشهر ثلاثين يوما ولا يكفيه الشهر الهلالي. ونتيجة لذلك، فلابد للمكلف بالشهرين المتتابعين من أن يبتدئ بصومهما قبل أول شعبان بيومين، وهذا إذا لم يحصل له التفريق بعروض مرض أو حيض أو نفاس في هذه المدة، وإذا اتفق له ذلك فأفطر أياما بسبب أحد هذه الاعذار لم يكفه ذلك بلا ريب، وعلى وجه الاجمال فلا يصح له الصوم المتتابع حتى يكمل صوم واحد وثلاثين يوما تامة غير الايام التي يفطرها لهذه الاعذار. ويجوز له أن يبدأ بصوم الشهرين قبل عيد الاضحى بواحد وثلاثين يوما ليحصل له بذلك التتابع الشرعي كما تقدم، ولا يكفيه أن يصوم قبل العيد بثلاثين يوما وان كان شهر ذي القعدة ناقصا، والكلام في هذا الفرض هو الكلام هو الكلام في نظيره السابق.
[ المسألة 62: ] يتضح مما تقدم أن المكلف متى ابتدأ بصوم الشهرين المتتابعين في أثناء الشهر وجب عليه ان يتم صوم الشهرين ستين يوما تامة، سواء أتى بالجميع متتابعة، أم تابع في الواحد والثلاثين يوما الاولى منها، وفرق الصوم في الباقي، وسواء عرض له بعض الاعذار المسوغة فأفطر في الاثناء أم لا.
[ المسألة 63: ] إذا وجب الاطعام في الكفارة على المكلف معينا أو مخيرا بينه وبين غيره، تخير المكلف بين أن يشبع المسكين وأن يدفع إليه المقدار المحدد عليه شرعا من الطعام، وأن يشبع بعض العدد الذي يجب عليه أن يطعمه من المساكين، ويسلم الطعام إلى البعض الآخر، فإذا وجب عليه اطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين مثلا، جاز له أن يشبع جميع العشرة، وأن يدفع إليهم القدر المعين من الطعام، وأن يشبع خمسة مساكين منهم، ويسلم المقدار الواجب من الطعام إلى الخمسة الاخرين، وكذلك إذا وجب عليه اطعام ستين مسكينا في كفارة افطاره في شهر رمضان، فيصح له أن يدعو الرجال إلى بيته مثلا فيشبعهم، ويسلم إلى النساء ما يجب دفعه اليهن حتى يتم اطعام الستين.
[ المسألة 64: ] ليس للاشباع في الكفارة أو في غيرها قدر محدد، بل المدار أن يبذل المكلف طعامه للمسكين، ويأكل المسكين من الطعام حتى يكتفي، سواء قل ما يأكله أم كثر، وما زاد من الطعام على أكل المساكين فهو لا يزال ملكا لصاحب الطعام يصنع به ما يشاء. وإذا اختار المكلف أن يسلم الطعام إلى المساكين وجب عليه أن يدفع إلى كل مسكين منهم مدا من الطعام ولا يجزيه أن يدفع إليه أقل من ذلك وهذا هو المقدار المحدد للمسكين الواحد في جميع الكفارات غير كفارة الظهار، فان الاحوط فيها ان يدفع لكل مسكين مدين من الطعام ولا يترك فيها هذا الاحتياط، والاحوط استحبابا أن يدفع للمسكين مدين في جميع الكفارات.
[ المسألة 65: ] المد الذي يجب على المكلف دفعه إلى المسكين في الكفارة يبلغ مائة وثلاثة وخمسين مثقالا صيرفيا وثلاثة عشر حمصة ونصفا، والحمصة هي جزء واحد من أربعة وعشرين جزءا من المثقال الصيرفي الواحد، وهو ربع الصاع الشرعي الذي يجب دفعه في زكاة الفطرة. والمدان اللذان يلزمه دفعهما إلى المسكين الواحد في كفارة الظهار على الاحوط يبلغان ثلاثمائة وسبعة مثاقيل صيرفية وثلاث حمصات، وهما نصف الصاع، وإذا دفع المكلف إلى المسكين في كفارة الظهار كيلو غرام ونصفا، فقد زاد على المدين بضعة عشر مثقالا صيرفيا، وإذا دفع إليه ثلاثة أرباع الكيلو في الكفارات الاخرى فقد زاد على المد الواجب بضعة مثاقيل، ولتراجع المسألة المائة والخامسة والثلاثين من كتاب الصوم.
[ المسألة 66: ] يجب في الاطعام في الكفارة أن يتم عدد المساكين الذين يطعمهم المكلف في كفارته من غير فرق بين الاشباع والتسليم، فإذا أشبع المكلف المسكين الواحد مرتين أو دفع إليه مدين لم يكفه ذلك عن اطعام مسكينين في حال الاختيار ووجود العدد، وإذا أطعم في كفارة اليمين وشبهها أو في كفارة الافطار في قضاء شهر رمضان، وجب عليه أن يتم عدد المساكين عشرة، ولا يكفيه أن يشبع خمسة مساكين مرتين أو يدفع لكل واحد من الخمسة مدين. وكذلك إذا أطعم في كفارة الافطار في شهر رمضان أو كفارة الظهار أو القتل، فلا يجزيه اطعام المسكين الواحد عن أكثر من مسكين واحد وان كرر له الاشباع أو ضاعف له الامداد.
[ المسألة 67: ] لا يجب أن يكون اطعام المساكين في الكفارة الواحدة في وقت واحد أو في مكان واحد أو أن يكون طعامهم من جنس واحد، أو أن يكونوا من أهل بلد واحد، فإذا فرق كفارته في عدة قرى أو عدة بلاد وأوقات أجزأه ذلك وأبرأ ذمته.
[ المسألة 68: ] يكفي المكلف أن يشبع المسكين مرة واحدة، فإذا أطعمه غداءا أو عشاءا أو فطورا أو سحورا، واشبعه كفاه ذلك عن اطعام مسكين، وأفضل من ذلك أن يشبعه في يومه وليلته.
[ المسألة 69: ] يجزيه في اطعام المسكين أن يشبعه بما يتعارف عند الغالب من الناس في أطعمتهم وأقواتهم وما اعتادوا أن يأكلوه ويقتاتوا به ويطعموه أهليهم من أجناس المأكولات وأنواعها: مطبوخات ومشويات ومخبوزات وغيرها، ويكفيه أن يشبعه من خبز الحنطة وحده ومن خبز غيرها كالشعير والذرة والدخن واشباهها، إذا كان متعارفا وقوتا لغالب الناس، والافضل أن يضيف إليه أداما يأكله معه، وقد ورد في النصوص أن أدنى الادام الملح وأوسطه الخل وأرفعه اللحم، والروايات المذكورة واردة في ما كان متعارفا في زمان صدورها.
[ المسألة 70: ] لا يترك الاحتياط في كفارة اليمين وما بحكمها من كفارة الايلاء ونحوها، بأن يكون المد الذي يدفعه إلى المسكين من الحنطة أو دقيقها أو خبزها أو من التمر، ويجزي في غيرها من الكفارات أن يدفع للمسكين ما يسمى طعاما كالحنطة والشعير ودقيقهما وخبزهما والارز والتمر والزبيب والماش والعدس، بل والاقط والذرة والدخن إذا كان ذلك قوتا معتادا.
[ المسألة 71: ] يجوز للمكلف أن يطعم الاطفال المساكين في الكفارة، فإذا كان اطعامه اياهم بنحو الاشباع احتسب كل اثنين من الصغار بواحد على الاحوط لزوما، من غير فرق بين أن يشبعهم مختلطين مع الكبار أم منفردين عنهم، ومن غير فرق بين الاناث والذكور، واما الطفل الرضيع وشبهه الذي قد يأكل القليل من الطعام، فلا يحتسب بشئ. وإذا كان اطعامه اياهم بدفع الطعام إليهم، وجب عليه أن يدفع للمسكين الصغير بقدر ما يدفع للكبير، فيدفع إليه مدين في كفارة الظهار ومدا واحدا في سائر الكفارات، ويحتسبه مسكينا واحدا كما يحتسب الكبير، ولا فرق كذلك بين الاناث والذكور، ولا يدفع للرضيع وشبهه شيئا، ولا يحتسبه مسكينا إذا دفع إليه.
[ المسألة 72: ] يجوز للمكلف أن يطعم المجنون من الكفارة إذا كان مسكينا، فيشبعه كما يشبع المساكين الآخرين، ويدفع له المد أو المدين كما يدفع للآخرين، ويحتسبه من عدد المساكين.
[ المسألة 73: ] يجب أن يكون دفع المد أو المدين إلى ولي الصغير وولي المجنون، ولا يجزيه ما يدفعه إلى الصغير نفسه أو إلى المجنون بغير اذن وليه، ولا يشترط في اشباعهما أن يستأذن الولي بذلك على الاقوى.
[ المسألة 74: ] إذا سلم المكلف المد أو المدين في الكفارة إلى المسكين ملكه بالقبض، وجاز له أن يتصرف فيه بما يريد، فيجوز له أن يأكله وأن يطعمه لعياله أو لغيرهم وأن يبيعه أو يهبه أو يتصدق به ولا يتعين عليه الاكل.
[ المسألة 75: ] إذا وجبت على الشخص عدة كفارات متفقة أو مختلفة، جاز له أن يطعم المسكين الواحد مرة واحدة في كل واحدة من الكفارات الواجبة عليه، فإذا كانت عليه عشر كفارات يمين أو عشر كفارات افطار من شهر رمضان، صح له أن يدفع للمسكين عشرة أمداد، من كل كفارة مد، وصح له أن يشبعه عشر مرات، كل اشباعة من كفارة، فإذا وجد في البلد ستون مسكينا وكان الشخص مكلفا بثلاثين كفارة للافطار في رمضان، كفاه أن يطعم الستين مسكينا ثلاثين مرة، اما بالاشباع أو بالتسليم، ويجوز له أن يدفع الامداد للمسكين في الفروض الانف ذكرها في وقت واحد.
[ المسألة 76: ] المسكين الذي يجب اطعامه في الكفارة - اي كفارة كانت - هو الذي لا يملك قوت سنته لنفسه ولمن يعوله، لا بالفعل ولا بالقوة، وهو الفقير الذي يستحق الزكاة ويستحق زكاة الفطرة وقد تعرضنا لذكره مفصلا في المسألة المائة والخامسة العشرين وما بعدها من كتاب الزكاة في فصل مصارف الزكاة، فليرجع إليها من أراد التفصيل. ويشترط فيه أن يكون مسلما بل ويعتبر فيه أن يكون مؤمنا بالمعنى الاخص، نعم يجوز اعطاء المستضعفين ومن لا يعرف بالنصب لاهل البيت (ع).
[ المسألة 77: ] لا يشترط في مستحق الكفارة أن يكون عادلا، بل ولا يعتبر فيه أن يكون غير فاسق، ويمنع منها إذا كان متجاهرا بالفسق وبارتكاب المنكرات أو بترك الواجبات، ولا تدفع إليه إذا كان ممن يستعين بها وبأمثالها على فعل المعاصي، وممن يكون الدفع إليه اعانة له على الاثم أو اغراء له بالقبيح.
[ المسألة 78: ] لا يجوز للمكلف أن يدفع كفارته أو يصرفها على من تجب نفقته عليه، وهم الاب والام والجد وان علا بأكثر من واسطة، والاولاد وان كانوا بواسطة أو أكثر، ذكورا واناثا، والمملوك، والزوجة التي يكون نكاحها دائما. ويجوز له دفع الكفارة لزوجته إذا كان نكاحها منقطعا ولسائر أرحامه وأقاربه الذين لا تجب عليه نفقتهم كالاخوة والاخوات وأبنائهم والاعمام والاخوال وأبنائهم.
[ المسألة 79: ] يجوز اعطاء الكفارة للهاشمي على الاقوى وان كان الدافع لها غير هاشمي وان كان الاحوط استحبابا الترك من الدافع والاجتناب من المدفوع إليه الا عند الضرورة.
[ المسألة 80: ] إذا لم يوجد المكلف مسكينا مستحقا للكفارة في بلده نقلها الى بلد آخر يوجد فيه المسكين، وإذا وجد بعض عدد المساكين الذين يجب عليه اطعامهم في الكفارة ولم يجد الباقي نقلها إلى بلد آخر ليتم العدد ويجوز له تفريق الكفارة اختيارا، فيطعم عشرين مسكينا في النجف مثلا ويطعم عشرين آخرين في كربلاء وعشرين في الكاظمية، في وقت واحد أو أوقات متعددة.
[ المسألة 81: ] إذا وجد بعض العدد الذي يجب اطعامه وتعذر وجود الباقي ولم يمكنه الاطعام في بلد آخر حتى بنحو الاستنابة والتوكيل، جاز للمكلف أن يكرر الاطعام على الموجودين من المساكين حتى يتم العدد الواجب، ويجب عليه أن يقتصر في التكرار على المقدار المتعذر من العدد، فإذا وجب عليه اطعام ستين مسكينا ووجد ثلاثين مسكينا فحسب، أطعم الثلاثين مرتين، ولم يصح له أن يطعم خمسة عشر مسكينا منهم أربع مرات، أو يطعم عشرين منهم ثلاث مرات، وإذا وجد أربعين مسكينا أطعمهم جميعا ثم كرر اطعام عشرين منهم، ولا يكرر اطعاما عشرة منهم مرتين وهكذا.
[ المسألة 82: ] إذا اضطر المكلف إلى التكرار في الاطعام ليتم العدد، فالاحوط له لزوما أن يكون التكرار في أيام متعددة، فإذا وجب عليه اطعام عشرة مساكين ولم يجد غير خمسة مساكين، أطعم الخمسة في يوم السبت مثلا ثم كرر اطعام الخمسة في يوم الاحد أو أيام أخر.
[ المسألة 83: ] الكسوة للمساكين احدى الخصال الثلاث التي يتخير المكلف بينها في كفارة اليمين وما بحكمها من الكفارات المخيرة المرتبة، وقد ذكرناها في المسألة الرابعة عشرة، والخصال المخيرة فيها هي أن يعتق رقبة مؤمنة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، فان لم يقدر أن يأتي بواحدة من هذه الخصال وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام. والمعتبر في كسوة المسكين أن يدفع المكلف إليه ما يعد لباسا في نظر أهل العرف، سواء كان اللباس جديدا أم غسيلا، إذا لم يكن مخرقا أو مرقعا أو قديما باليا يهلكه الاستعمال القليل. ويكفي في أداء الواجب من الكسوة أن يدفع إليه ثوبا واحدا إذا كان يكسو الظهر ويواري العورة، فإذا لم يكن ساترا للعورة لرقته أو لقصره لم يجزه إذا دفعه وحده، والاحوط عدم الاكتفاء بالسراويل وحدها وان كانت طويلة ولا بالقميص القصير وحده وان كان ساترا، ويكفيه ان يجمع بينهما.
[ المسألة 84: ] يكفي في كسوة المسكين أن يدفع له جبة وحدها أو قباءا، أو رداءا، ويكفي أن يدفع إليه الفرو الكبير الشامل، واللبادة المصنوعة كذلك، والجلباب وما يشبه ذلك مما يعد لباسا، وهي مختلفة في الشكل والزي من قطر إلى قطر.
[ المسألة 85: ] لا يكفي المئزر وحده على الاحوط وان ستر العورة، ويكفي إذا ضم إليه غيره بحيث يعد المجموع لباسا، ولا تكفي العمامة والكوفية والقلنسوة، والمنطقة، والحزام، ولا يكفي الجورب والقفاز والحذاء وشبه ذلك مما لا يعد لباسا، بل الاحوط عدم الاكتفاء بقميص قصير جدا مع سروال قصير جدا.
[ المسألة 86: ] تكفي في اداء الواجب كسوة المسكين، سواء كان ذكرا أم أنثى، وكبيرا أم صغيرا، ولا يكتفى على الاحوط بكسوة الصغير جدا لاحتمال انصراف الادلة عنه في الاطعام والكسوة.
[ المسألة 87: ] تكفي الكسوة سواء كانت من الصوف أم من الوبر، أم من القطن أم الكتان، ام الحرير أو الجلود التي يحل لبسها، أم من الاجناس الجديدة التي تصنع منها الاقمشة والالبسة في الازمنة الحاضرة. ويعتبر في ما جرت العادة بخياطته من الالبسة أن يكون مخيطا، فإذا دفع إليه قماشا غير مخيط لم يكفه في اداء الواجب الا أن يدفع له أجرة الخياط ويوكله في خياطة الثوب ليلبسه، فإذا فعل ذلك وقبض الثوب بعد خياطته أجزأ، وأما الالبسة التي لا تحتاج إلى الخياطة كبعض الالبسة التي تنتجها المعامل جاهزة على هيئة المخيط، فالظاهر كفايتها إذا كانت مما يعد لباسا كما هو المفروض.
[ المسألة 88: ] انما يتحقق اطعام المسكين باشباعه من الطعام الذي يبذله له المكلف، أو بتسليم القدر المعين له من الطعام ليأكله إذا شاء كما تقدم بيانه، ولا يتحقق بدفع قيمة الطعام إليه من المكلف، ولذلك فلا يجزي دفع القيمة إلى المسكين في أداء الواجب عن المكلف وابراء ذمته من الكفارة الواجبة عليه. وكذلك القول في الكسوة، فالاكساء انما يحصل بدفع نفس الثوب أو اللباس إلى المسكين ليلبسه إذا شاء، ولا يتحقق بدفع قيمة الكسوة إليه، فلا تبرأ ذمة المكلف إذا دفع القيمة الى المسكين. نعم يمكن للمكلف أن يدفع القيمة للمستحق أو لصاحب العائلة الفقيرة أو لولي المسكين ويجعله وكيلا عنه في شراء الطعام المقدر بالقيمة التي دفعها إليه ثم يأكله هو أو يصرفه على عائلته أو على المسكين المولى عليه، فإذا تولى العمل بالوكالة عنه وأنجزه كما أراد برئت ذمة المكلف من الواجب، وكذلك القول في الكسوة فيشتريها بالوكالة عن المكلف ثم يقبضها لنفسه أو لعائلته أو للمسكين المولى عليه، ولا تبرأ ذمة المكلف بدفع القيمة إذا لم ينجز الوكيل العمل.
[ المسألة 89: ] إذا دفع المكلف الكسوة إلى المسكين وقبضها منه ملكها المسكين، وصح له التصرف فيها، فيجوز له أن يلبسها ويجوز له ان يكسوها أو يهبها لغيره، وأن يبيعها أو يفعل بها ما شاء، كما تقدم في الطعام، وإذا مات بعد قبضها انتقلت إلى وارثه وان كان غنيا. [ المسألة 90: ] لا تؤدى الكفارة بنصفين من خصلتين، فإذا وجبت عليه الانسان كفارة مخيرة لافطار يوم من شهر رمضان مثلا، فلا يكفيه أن يكفر بصيام شهر واحد متتابع واطعام ثلاثين مسكينا، وإذا وجبت عليه كفارة يمين، لم يصح له أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة مساكين، وإذا لزمته كفارة مرتبة لظهار أو قتل نفس خطأ، واستطاع أن يصوم شهرا متتابعا فحسب، لم يكفه أن يصوم الشهر الذي استطاع صومه ويطعم ثلاثين مسكينا، بل يكون عاجزا عن الصوم، ويتعين عليه أن يطعم ستين مسكينا.
[ المسألة 91: ] اشباع المساكين من أكل الطعام، وتسليم الامداد إليهم ليسا خصلتين مختلفتين من خصال الكفارة وانما هما فردان من خصلة واحدة، وهي اطعام المساكين، فإذا وجب على المكلف اطعاما ستين مسكينا، فأشبع ثلاثين منهم ودفع أمداد الطعام الى ثلاثين، كفاه ذلك في اداء الواجب، ولا يكون ذلك من اداء الكفارة بنصفين من خصلتين، بل هو أداء بفردين من خصلة واحدة.
[ المسألة 92: ] لا تجب المبادرة في أداء الكفارة، سواء كانت مالية كالعتق واطعام المساكين وكسوتهم، وكالذبح في كفارات الاحرام والصدقة، أم كانت بدنية كالصوم، فيجوز للمكلف التأخير في أدائها ما لم يتضيق وقتها بظن عروض الموت أو ظن فوت الواجب لبعض الطوارئ وما لم يؤد التأخير إلى التهاون بأمر الله والتسامح في أداء الواجب.
[ المسألة 93: ] لا تصح النيابة والوكالة في اداء الكفارة عن الحي إذا كانت بدنية كالصوم، فيجب على المكلف ان يباشر أداءها بنفسه، ولا يصح التبرع بادائها من الآخرين، وتصح الاستنابة فيها والاجارة على ادائها عن المكلف بعد موته، ويصح التبرع بادائها عنه. ويجوز للمكلف أن يوكل غيره في اخراج الكفارات المالية من ماله وادائها عنه، كعتق الرقبة والاطعام والصدقة والذبح في كفارات الاحرام، ويجوز له ان يوكل الغير في الاستقراض له من ماله أو مال الآخرين ثم دفعه إلى الفقراء كفارة عنه.
[ المسألة 94: ] إذا استناب المكلف غيره في اخراج الكفارة من ماله وتأديتها عنه أو وكله في ذلك، كما إذا وكله في عتق عبده عنه في الكفارة أو وكله في ذبح الشاة، فالمتولي للنية في الاخراج والاداء هو الوكيل، والاحوط لزوما أن ينوي المالك ايضا ذلك حين ما يجري الوكيل العمل مع الامكان وحين ما يدفع الوكيل الحصة الى الفقير. وإذا اخرج المكلف الكفارة بنفسه ثم وكل غيره في ايصالها إلى الفقير، فالمتولي للنية هو المالك، فينوي الايصال إلى الفقير بدفع حصته إلى الوكيل.
[ المسألة 95: ] لا يصح التبرع من الآخرين بالكفارة المالية عن المكلف إذا كان حيا، بأن يخرجوها عنه من أموالهم سواء كانت عتقا أم اطعاما أم غير ذلك، ولا تبرأ ذمة المكلف بأدائهم عنه وان غرم لهم ما أدوا عنه، ويجوز لهم أن يملكوه شيئا من أموالهم فإذا تملكه منهم صرفه هو في كفارته عتقا أو اطعاما أو ما شاء.
[ المسألة 96: ] الظاهر ان الكفارة المخيرة لا تكون من الديون التي تشتغل بها ذمة المكلف، والتي يجب اخراجها من أصل تركته إذا مات قبل أدائها، بل هي من سنخ الواجبات غير المالية، وان كان بعض خصالها ماليا، فإذا أوصى بها المكلف قبل موته وجب على الوصي والورثة اخراجها من ثلثه، وإذا هو لم يوص بها لم يجب عليهم اخراجها، سواء كانت لافطار شهر رمضان أم لاعتكاف أم لغيرهما من الاسباب التي فصلناها في المسألة الخامسة، وكذلك الحكم في كفارة اليمين وكفارة النذر وما بحكمها بل وكفارة الجمع. ويشكل الحكم في الكفارة المرتبة، إذا تعين على المكلف المال، وفي الكفارات المالية الاخرى، فهل تخرج من الاصل أو من الثلث؟ ولا يترك الاحتياط.
[ المسألة 97: ] إذا مات المكلف وقد تعين عليه الصوم في الكفارة المخيرة أو المرتبة لعجزه عن غير الصوم من الخصال فالاقوى وجوب قضاء الصوم على وليه من بعده، وقد ذكرنا المراد من الولي في فصل قضاء الصلاة وفي فصل قضاء الصوم عن الميت فليرجع اليهما. وإذا كان المكلف قبل موته قادرا على كل من الصيام والاطعام في الكفارة المخيرة، أشكل الحكم بوجوب الصوم على الولي بعد موت المكلف، ولا يترك الاحتياط بأن يقضي الصوم عنه في هذه الصورة إذا لم يقبل الورثة باخراج الاطعام من التركة، وإذا مات المكلف وقد تعين عليه العتق أو الاطعام لعجزه عن الصوم، لم يجب على الولي قضاء الصوم.
[ المسألة 98: ] إذا عجز المكلف عن جميع الخصال في كفارة الافطار في شهر رمضان فلم يستطع ان يأتي بواحدة منها، وجب عليه أن يتصدق بما يمكنه، فإذا عجز عن الاتيان بأي صدقة وجب عليه أن يستغفر الله ولو مرة. وإذا عجز عن الاتيان بجميع الخصال في غيرها من الكفارات، تعين عليه أن يصوم ثمانية عشر يوما، والاحوط ان تكون متتابعة، فإذا لم يستطع ذلك وجب عليه الاستغفار ولو مرة، وإذا تجددت له القدرة بعد ذلك وتمكن من اداء الكفارة وجب عليه أن يأتي بها على الاحوط في الصورتين.
[ المسألة 99: ] إذا عجز الانسان عن عتق الرقبة في كفارة الجمع وجب عليه أن يأتي ببقية الخصال فيها ولزمه الاستغفار بدلا عن الخصلة التي عجز عنها على الاحوط، وكذلك الحكم إذا عجز عن غير العتق من الخصال، فيأتي بالخصال التي يقدر عليها ويستغفر الله بدلا عن الخصلة غير المقدورة على الاحوط.
[ المسألة 100: ] في الحديث عن أبى عبد الله (ع) قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله ما كفارة الاغتياب؟ قال صلى الله عليه وآله تستغفر لمن اغتبته كما ذكرته. وعن الامام الصادق (ع) انه قال: كفارة عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان. وعنه (ع) انه قال: كفارة الضحك، اللهم لا تمقتني. وعنه (ع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كفارة الطيرة التوكل. وعن الرسول صلى الله عليه وآله: من ختم مجلسه بهؤلاء الكلمات ان كان مسيئا كن كفارات لاساءته، وان كان محسنا، ازداد حسنا، وهي سبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان لا اله الا أنت استغفرك وأتوب إليك. وعن الصادق (ع): كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.